يستوجب المغنم في بعض السّهام ، وينفى عنه بخروجها المغرم ، وبعضها يوجب غنما وغرما ، وبعضها لا يوجب غنما ويوجب غرما ، كذلك المسلم البرىء من الخيانة الضّابط لنفسه عن ارتكاب مناهى اللَّه في صبره عنها ينتظر احدى الحسنيين في الدّنيا ، امّا أن يدعو اللَّه اليه بالقبض عن الشّقاء في هذه الدّار فما عند اللَّه خير له فيفوز اذن بالنّعيم المقيم . ولمّا كان مستلزما لعدم خسرانه ظهر حسن تشبيهه بالياسر الفالج في فوزه المستلزم لعدم غرمه . وامّا ان يفتح اللَّه عليه أبواب رزقه فيصبح وقد جمع اللَّه بين المال والبنين مع حفظ الحسب والدّين فيفوز الفوز العظيم . قوله : إنّ المال ، الى قوله : لأقوام : تنبيه على تحقير المغشيات الدّنيوية بالنّسبة الى متاع الآخرة . قوله : وقد يجمع اللَّه لأقوام : تنبيه على وجوب التّوكَّل على اللَّه اذ كان جمعها غير ممكن إلَّا منه ، ثمّ أكَّد ذلك بالتحذير مما حذّر اللَّه من نفسه والأمر بالخشية الصّادقة البريئة من التّعذير وهو اظهار العذر من غير عذر ، والعمل للَّه البرىء من الرّياء ، وجذب اليه بضمير صغراه . قوله : فإنّه ، الى قوله : له ، وتقدير كبراه وكلّ من وكَّله الى من عمل له غير اللَّه فهو من الخاسرين ، ومعايشة السّعداء : العيش معهم . قوله : ايّها النّاس الى قوله : غيره : تأديب للاغنياء بالمعونة للفقراء لينتظم شمل المصلحة من الطَّرفين ، واستدرجهم بضميرين صغرى الأوّل انّهم لا يستغنون عنهم ، وان كانوا اصحاب ثروة اذ صاحب المال احوج الى الاعوان للذّبّ عنه ، وتقدير الكبرى أنّ وكلّ من لا يستغنى عنه ، فواجب مواساتهم . والحيطة بكسر الحاء وسكون الياء : الحفظ . وألمّهم لشعثه : أجمعهم لما يعرف من حاله ، وصغرى الثاني قوله : ولسان الصدق الى آخره ، وتقدير كبراه وكلّ ما كان خيرا من المال فالأولى بذل المال لاكتسابه ، ولسان الصّدق هو الذّكر الجميل . ومنها : ألا لا يعدلن أحدكم عن القرابة يرى بها الخصاصة أن يسدّها بالَّذى لا يزيده إن أمسكه ، ولا ينقصه إن أهلكه ، ومن يقبض يده عن عشيرته فإنّما تقبض منه عنهم يد واحدة ، وتقبض منهم عنه أيد كثيرة ، ومن تلن حاشيته يستدم من قومه المودّة .
قال الشّريف : أقول : الغفيرة ههنا الزّيادة والكثرة ، من قولهم للجمع الكثير : الجمّ الغفير ، والجمّاء الغفير . ويروى « عفوة من أهل أو مال » والعفوة الخيار من الشيء ، يقال : أكلت عفوة الطَّعام ، أى : خياره ، وما أحسن المعنى الَّذى أراده عليه السّلام بقوله : « ومن يقبض يده عن عشيرته إلى تمام الكلام ، فإنّ الممسك خيره عن عشيرته إنّما يمسك نفع يد واحدة . فإذا احتاج إلى نصرتهم واضطرّ إلى مرافدتهم قعدوا عن نصره ، وتثاقلوا عن صوته فمنع ترافد الأيدى الكثيرة ، وتناهض الأقدام الجمّة .
أقول : الخصاصة : الفقر .
والفصل من تمام ما قبله وحاصله : النّهى عن العدول عن سد خلة الأقرباء ذوى الحاجة بالفاضل من المال . وقوله : يرى ، فى موضع النصب على الحال وان كسرها في موضع الجر بدلا من القرابة . وقوله : لا يزيده الى قوله : اهلكه ، اى : لا يزيد امساكه في صلاح حاله ولا ينقص اتلافه من ذلك إذ الفضل الزّائد في حال الانسان على القدر الَّذى يدفع ضرورته بحسب الشّريعة ليس زيادته ولا نقصانه[1]في صلاح حاله وفساده فيها . وامّا قوله : ومن تقبض الى آخره ، فقد اشار السّيّد رحمه اللَّه وهو ظاهر . وقوله : ومن تلن حاشيته الى آخره : تأديب بالتّواضع ولين الجانب فانّ ذلك يستلزم الألفة من النّاس وهى موجبة للمودّة .
23 - ومن خطبة له عليه السّلام ولعمرى ما علىّ من قتال من خالف الحقّ ، وخابط الغىّ ، من إدهان ولا إيهان ، فاتّقوا اللَّه عباد اللَّه ، وفرّوا إلى اللَّه من اللَّه ، وامضوا في الَّذى نهجه لكم ، وقوموا بما عصبه بكم . فعلىّ ضامن لفلجكم آجلا ، إن لم تمنحوه عاجلا .
أقول : الإدهان : المداهنة والمصانعة ، والإيهان : مصدر اوهنه اى : اضعفه . وفي
[1]فى ش بزيادة : معتبرا .
هذا الفصل ردّ لقول من يقول انّ مصانعته عليه[1]السّلام لمحاربيه اولى من محاربتهم ، فقال : انّه ليس يجب عليّ في قتالهم مصانعة من جهة الدّين ولا في ضعف عن ذلك ، ووصفهم بمخابطة الغيّ والبغى لقيام عذر ، اذ كان قتال من هذه صفته واجبا . والفرار الى اللَّه : الأقبال عليه وتوجيه السّير اليه وهو على مراتب : اوّلها ، الفرار من بعض آثاره الى بعض كالفرار من أثر غضبه إلى أثر رحمته .
الثّانية ، أن يفرّ العبد عن مشاهدة الافعال ويترقّى في درجات القرب والمعرفة إلى مصادر الافعال ، وهى الصفات فيفرّ من بعضها الى بعض كما يستفاد من سخط اللَّه بعفوه والسّخط والعفو صفتان .
الثالثة ، أن يترقّى عن مقام الصّفات الى ملاحظة الذّات فيفرّ منها اليها ، وقد جمع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله هذه المراتب حين أمر بالقرب في قوله تعالى : * ( ( واسْجُدْ واقْتَرِبْ ) ) *[2]فقال في سجوده : أعوذ بعفوك من عقابك . والعفو كما يكون صفة للعافى كذلك قد يراد به الأثر الحاصل عن صفة العفو . ثمّ لمّا قرب فغنى عن مشاهدة الأفعال وترقّى الى مصادرها وهى الصّفات ، قال : واعوذ برضاك من سخطك ، وهما صفتان . ثمّ لمّا ترقّى عن مقام مشاهدة الصّفات واقترب الى ملاحظة الذّات ، قال : واعوذ بك منك . وهذا فرار منه اليه ، وهو مقام الوصول الى ساحل العزّة . ثم للسّباحة في لجة الوصول درجات أخر لا تتناهى .
ولذلك لمّا قرب ازداد صلَّى اللَّه عليه وآله قربا ، قال : لا احصى ثناء عليك ، وهو حذف لنفسه عن درجة الاعتبار واعراض عن التّبجح بزينة الحقّ في ذاته ، وكان قوله بعد ذلك : أنت كما أثنيت على نفسك ، كمالا للإخلاص وتجريدا له ، وعند ذلك يقول : إنّ قوله عليه السّلام : وفرّوا الى اللَّه من اللَّه : امر بالتّرقّى الى المرتبة الثّالثة من المراتب المذكورة .
وما نهجه لهم واوضحه : هو السّبيل العدل ، والصّراط المستقيم ، وقد علمت انّ غاية سلوك سبيل اللَّه بالعبادة تطويع النّفس الأمّارة بالسّوء للنّفس المطمئنّة ، وحينئذ تعلم
[1]فى ش بزيادة : الصلاة
[2]سورة العلق - 19 .
أنّ هذه الأوامر الثلاثة هى الَّتى عليها مدار الرّياضة . فالأمر بالتّقوى يستلزم الزّهد الحقيقى ، وهو معين على حذف الموانع الدّاخلية والخارجيّة ، والامر بسلوك سبيل اللَّه معين على تطويع النّفس الأمّارة ، والأمر بالفرار الى اللَّه امر بتوجّه السّير اليه ، وهذه الاعراض الثّلاثة الَّتى يتوجّه نحوها الرّياضة المستلزمة لكمال الاستعداد للوصول اليه تعالى ، ولذلك قال عليه السّلام بعدها : فعليّ ضامن لفلجكم آجلا ان لم تمنحوه عاجلا .
والفلج : الفوز ، والمنحة : العطيّة ، وذلك بشرط الاستعداد بلزوم الأوامر المذكورة .
24 - ومن خطبة له عليه السّلام وقد تواترت عليه الأخبار باستيلاء أصحاب معاوية على البلاد وقدم عليه عاملاه على اليمن ، وهما عبيد اللَّه بن عباس ، وسعيد بن نمران لمّا غلب عليهما بسر بن أبى أرطاة ، فقام عليه السّلام على المنبر ضجرا بتثاقل أصحابه عن الجهاد ومخالفتهم له في الرّأى ، فقال : - ما هى إلَّا الكوفة أقبضها وأبسطها ، إن لم تكوني إلَّا أنت تهبّ أعاصيرك . فقبّحك اللَّه . وتمثّل بقول الشّاعر :
< شعر > لعمر أبيك الخير يا عمرو إنّني على وضر من ذا الإناء قليل < / شعر > ثم قال عليه السّلام : أنبت بسرا قد اطَّلع اليمن ، وإنّى واللَّه لأظنّ أنّ هؤلاء القوم سيدالون منكم : باجتماعهم على باطلهم ، وتفرّقكم عن حقّكم ، وبمعصيتكم إمامكم في الحقّ ، وطاعتهم إمامهم في الباطل ، وبأدائهم الأمانة إلى صاحبهم وخيانتكم وبصلاحهم في بلادهم وفسادكم . فلو ائتمنت أحدكم على قعب لخشيت أن يذهب بعلاقته اللَّهمّ إنّى قد مللتهم وملَّوني وسئمتهم وسئمونى ، فأبدلنى بهم خيرا منهم وأبدلهم بى شرّا منّى ، اللَّهمّ مث قلوبهم كما يماث الملح في الماء ، أما واللَّه لوددت أنّ لى بكم ألف فارس من بنى فراس بن غنم .
< شعر > هنا لك ، لو دعوت ، أتاك منهم فوارس مثل أرمية الحميم < / شعر > ثم نزل عليه السّلام من المنبر . قال السيّد : قلت أنا : والأرمية جمع رمى وهو السّحاب ، والحميم ههنا : وقت الصّيف ، وإنّما خصّ الشّاعر سحاب الصّيف بالذّكر لأنّه أشدّ جفولا وأسرع خفوفا لأنّه لا ماء فيه . وإنّما يكون السّحاب ثقيل السّير لامتلائه بالماء ، وذلك لا يكون في الأكثر إلَّا في زمان الشّتاء ، وإنما أراد الشاعر وصفهم بالسّرعة إذا دعوا ، والإغاثة إذا استغيثوا ، والدّليل على ذلك قوله هنا لك لو دعوت أتاك منهم .
أقول : الضّمير في قوله ، وانّما هى الكوفة وان لم يسبق ذكرها لكونها المعهودة فى الخطاب ، ونحوه قوله تعالى : * ( ( كَلَّا إِنَّها لَظى نَزَّاعَةً لِلشَّوى ) ) *[1]ويحتمل ان يكون ضمير الشّأن ، ويفهم من الكلام حصر ما بقى من البلاد الَّتى تعتمد عليها في الحرب وغيره في الكوفة على سبيل التّحقير لها بالنّسبة الى ملك الاسلام ، وقبضها وبسطها : كنايتان عن وجوه التّصرّف فيها . والضّمير بعد الَّا بدل مما قبلها ، والجملة الفعليّة بعده فى موضع الحال وخبر كان محذوف . ولفظ الأعاصير : يحتمل ان يكون حقيقة لأنّ الكوفة معروفة بهبوب الأعاصير فاتى بذلك في معرض ذمّها وتحقيرها . ويحتمل ان يكون مستعارا لمّا يحدث من آراء أهلها المختلفة الَّتى هى منبع الفتنة ، ووجه المشابهة الازعاج والأذى والاستصغار ايّاها تمثل بالبيت - لعمر أبيك الخير - .
ووجه التّمثيل انّ الكوفة تشارك الوضر وهو : الدّرن الباقى في الاناء ( بعد الأكل فى القلَّة والحقارة فهو يقول : إنّى على بقيّة من هذا الأمر كالوضر في الاناء )[2]. ومن روى الآلاء وهو : شجر حسن المنظر مرّ الطَّعم ، فإنّما اراد أنّي على بقيّة من هذا الأمر كالقدر الحاصل لناظر الآلاء من حسنه مع عدم الانتفاع به . وخص الكوفة دون البصرة لأنّ جمهور من كان يعتمد عليه من العسكر أهلها .
أقول : انبأت شروع في بيان عرضه وهو : استنفارهم الى الجهاد[3]. وبسر بالسّين
[1]سورة المعارج - 16
[2]الجملة بين القوسين غير موجودة في ش .
[3]فى ش : الى جهاد عدوهم .
المهملة : ابن ابى ارطاة من أصحاب معاوية . واطَّلع اليمن : غشها . والادالة : الغلبة ، وذكر من أسباب ما ظنّ وقوعه منهم أربعة من قبلهم هى أسباب الانقهار . وأربعة من قبل الخصم هى اسباب القهر ، ورتّب كلّ أمر عقيب ضدّه ليظهر لهم المناسبة بين أفعالهم وأفعال خصومهم . والقعب : قدح ضخم ، ودعائه عليه السّلام بوجود الأشرار جائز بشرط[1]المصلحة في تخويفهم بذلك أو لأنّه علم عدم صلاحهم كما دعا نوح عليه السّلام على قومه : * ( ( قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي ) * - إلى قوله * ( لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ) ) *[2]وكما دعا لوط عليه السّلام . والميث : الإذابة .
وروى انّ اليوم الَّذى دعا عليهم فيه ، ولد فيه الحجّاج ، وفعله باهل الكوفة ظاهر .
وقوله : أما واللَّه الى آخره : تحقير لهم بتفضيل غير هم عليهم ليستثير طباعهم بذلك .
وبنو فراس : من تغلب ابوهم غنم بفتح الغين ، وهو : غنم بن تغلب بن وائل ، وخصّهم لشهرتهم بالشّجاعة والحميّة . ومعنى البيت هو ما اشار إليه السيّد رحمه اللَّه[3].
25 - ومن خطبة له عليه السّلام إنّ اللَّه بعث محمّدا صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم نذيرا للعالمين ، وأمينا على التّنزيل ، وأنتم معشر العرب على شرّدين ، وفي شرّدار ، منيخون بين حجارة خشن ، وحيّات صمّ تشربون الكدر ، وتأكلون الجسب ، وتسفكون دماءكم ، وتقطعون أرحامكم ، الأصنام فيكم منصوبة ، والآثام بكم معصوبة .
أقول : اقتصّ حال العرب وما كانوا عليه في الجاهلية من الشدّة وسوء الحال فى المعاش والمعاد في معرض الامتنان عليهم بمقدم محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله . وشرّ دار : ارض الحجاز لشدّة الحال بها . ومنيخون : مقيمون . والحيّة الصّماء ، قيل : هى الَّتى
[1]في ش : بوجود
[2]سورة نوح - 26
[3]في نسخة ش : رحمة الله عليه .
لا تنزجر بالصوت كأنّها لا تسمع . وقيل : هى الصّلبة الشّديدة . والجشب : الطَّعام الغليظ الخشن . وقيل : هو الَّذى لا ادام معه ، ومعصوبة : مربوطة .
ومنها . فنظرت فإذا ليس لى معين إلَّا أهل بيتى فضننت بهم عن الموت ، وأغضيت على القذى ، وشربت على الشّجى ، وصبرت على أخذ الكظم ، وعلى أمرّ من طعم العلقم .
اقول : الفصل من حمل اقتصاص حاله بعد رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله في طلب الخلافة في معرض الشّكاية ، وأهل بيته بنو هاشم . وضننت : بخلت . والاغضاء : ادناء بعض الجفون من بعض . وكنّى بأخذ الكظم وهو مجرى نفسه . وبالأمرّ من العلقم : عن الغمّ والتأثّر بسبب غلبه على مطلوبه .
منها يذكر فيها عمرو بن العاص :
ولم يبايع حتّى شرط أن يؤتيه على البيعة ثمنا ، فلا ظفرت يد البائع ، وخزيت أمانة المبتاع ، فخذوا للحرب أهبتها ، وأعدّوا لها عدّتها ، فقد شبّ لظاها ، وعلا سناها ، واستشعروا الصّبر فإنّه أدعى إلى النّصر .
اقول : الثّمن الَّذى اشترطه عمرو على معاوية بيعته ايّاه ومشايعته على حرب عليّ عليه السّلام طعمة مصر ، ولم يبايعه حتّى كتب له كتابا . والمبتاع : معاوية والبائع لدينه هو : عمرو . وخزيت امانة المبتاع ، يعنى : معاوية فيما ولَّى من امر المسلمين اذ كانت امانة في يده . وخزيها : ذلَّها وهوانها ، ومبايعة عمر وكانت امارة لقيام الحرب فلذلك كنّى عنها بقوله : فقد شبّ لظاها ، وعلا سناها ، اى : ضوءها كناية باستعارة لفظ النّار . واستشعروا الصّبر : اتّخذوه شعارا .
26 - ومن خطبة له عليه السّلام أمّا بعد ، فانّ الجهاد باب من أبواب الجنّة فتحه اللَّه لخاصّة أوليائه : وهو لباس التّقوى ، ودرع اللَّه الحصينة ، وجنّته الوثيقة ، فمن تركه رغبة عنه ألبسه اللَّه ثوب الذّلّ ، وشملة البلاء ، وديّث بالصّغار والقماء ، وضرب على قلبه بالأسداد ، وأديل الحقّ منه بتضييع الجهاد ، وسيم الخسف ، ومنع النّصف ، ألا وإنّى قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلا ونهارا ، وسرّا وإعلانا ، وقلت لكم : أغزوهم قبل أن يغزوكم فو اللَّه ما غزى قوم فى عقر دارهم إلَّا ذلَّوا فتوا كلتم ، وتخاذلتم حتّى شنّت الغارات عليكم ، وملكت عليكم الأوطان ، وهذا أخو غامد وقد وردت خيله الأنبار ، وقد قتل حسّان بن حسّان البكرىّ ، وأزال خيلكم عن مسالحها ، ولقد بلغنى أنّ الرّجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة ، والأخرى المعاهدة ، فينتزع حجلها وقلبها وقلائدها ورعاثها ، ما تمتنع منه إلَّا بالاسترجاع والاسترحام ، ثمّ انصرفوا وافرين ما نال رجلا منهم كلم ، ولا أريق لهم دم ، فلو أنّ امرأ مسلما مات من بعد هذا أسفا ما كان به ملوما ، بل كان به عندى جديرا ، فيا عجبا - واللَّه - يميت القلب ويجلب الهمّ اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم وتفرّقكم عن حقّكم فقبحا لكم وترحا ، حين صرتم غرضا يرمى ، يغار عليكم ولا تغيرون ، وتغزون ولا تغزون ، ويعصى اللَّه وترضون ، فإذا أمرتكم بالسّير إليهم في أيّام الصّيف قلتم هذه حمارّة القيظ ، أمهلنا يسبّخ عنّا الحرّ ، وإذا أمرتكم بالسّير إليهم في الشّتاء قلتم : هذه صبارّة القرّ أمهلنا ينسلخ عنّا البرد ، كلّ هذا فرارا من الحرّ والقرّ فاذا كنتم من الحرّ والقرّتفرّون فأنتم واللَّه من السّيف أفرّ ، يا أشباه الرّجال ولا رجال حلوم الأطفال ، وعقول ربّات الحجال ، لوددت أنّى لم أركم ولم أعرفكم معرفة واللَّه جرّت ندما ، وأعقبت سدما قاتلكم اللَّه لقد ملأتم قلبى قيحا ، وشحنتم صدرى غيظا ، وجرّ عتمونى نغب التّهمام أنفاسا وأفسدتم علىّ رأيي بالعصيان والخذلان ، حتّى قالت قريش : إنّ ابن أبى طالب رجل شجاع ، ولكن لا علم له بالحرب . للَّه أبوهم وهل أحد منهم أشدّ لها مراسا ، وأقدم فيها مقاما منّى لقد نهضت فيها ، وما بلغت العشرين ، وها أناذا قد ذرّفت على السّتّين ، ولكن لا رأى لمن لا يطاع