27 - ومن خطبة له عليه السّلام أمّا بعد ، فإنّ الدّنيا قد أدبرت ، وآذنت بوداع ، وإنّ الآخرة قد أشرفت باطَّلاع ألا وإنّ اليوم المضمار ، وغدا السّباق ، والسّبقة الجنّة والغاية النّار : أفلا تائب من خطيئته قبل منيّته ألا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه ألا وإنّكم في أيّام أمل من ورائه أجل ، فمن عمل فى أيّام أمله قبل حضور أجله نفعه عمله ، ولم يضرره أجله ، ومن قصّر في أيّام أمله قبل حضور أجله فقد خسر عمله وضرّه أجله ، ألا فاعملوا في الرّغبة كما تعملون في الرّهبة ألا وإنّى لم أركالجنّة نام طالبها ، ولا كالنّار نام هاربها ألا وإنّه من لا ينفعه الحقّ يضرره الباطل ، ومن لم يستقم به الهدى يجرّبه الضّلال إلى الرّدى ، ألا وإنّكم قد أمرتم بالظَّعن ، ودللتم على الزّاد ، وإنّ أخوف ما أخاف عليكم اتّباع الهوى وطول الأمل ، تزوّدوا من الدّنيا ما تحرزون أنفسكم به غدا . قال السيّد رضي اللَّه عنه ، وأقول إنّه لو كان كلام يأخذ بالأعناق إلى الزّهد في الدّنيا ويضطرّ إلى عمل الآخرة لكان هذا الكلام ، وكفى به قاطعا لعلائق الآمال ، وقادحا زناد الاتّعاظ والازدجار ، ومن أعجبه قوله عليه السّلام « ألا وإنّ اليوم المضمار وغدا السّباق والسّبقة الجنّة والغاية النّار » فإنّ فيه - مع فخامة اللَّفظ ، وعظم قدر المعنى ، وصادق التّمثيل ، وواقع التّشبيه - سرا عجيبا . ومعنى لطيفا ، وهو قوله عليه السّلام : « والسّبقة الجنّة ، والغاية النّار » فخالف بين اللفظين لاختلاف المعنيين ، ولم يقل « السبقة النار » كما قال « السّبقة الجنّة » ، لأن الاستباق إنّما يكون إلى أمر محبوب ، وغرض مطلوب ، وهذه صفة الجنّة وليس هذا المعنى موجودا في النار نعوذ باللَّه منها ، فلم يجز أن يقول « والسّبقة النّار » بل قال « والغاية النّار » ، لأنّ الغاية ينتهى إليها من لا يسره الانتهاء ومن يسرّه ذلك ، فصلح أن يعبر بها عن الأمرين معا ، فهى في هذا الموضع كالمصير والمآل ، قال اللَّه تعالى : * ( ( قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ) ) * ولا يجوز في هذا الموضع أن يقال : سبقتكم - بسكون الباء - إلى النّار ، فتأمّل ذلك فباطنه عجيب وغوره بعيد . وكذلك أكثر كلامه عليه السّلام ، وفي بعض النسخ ، وقد جاء في رواية أخرى « والسّبقة الجنّة » - بضم السّين - والسّبقة عندهم : اسم لما يجعل للسّابق إذا سبق من مال أو عرض ،
والمعنيان متقاربان لأنّ ذلك لا يكون جزاء على فعل الأمر المذموم ، وإنّما يكون جزاء على فعل الأمر المحمود .
اقول : هذا الفصل مشتمل على التّنفير عن الدّنيا والتّرغيب في الآخرة ، والاستعداد لها بالتّوبة والاعمال الصّالحة . وآذنت : أعلمت بتغيّراتها انّها زائلة ، ولفظ الوداع : مستعار لذلك واشراف الآخرة قربها من كل شخص ونبّه على وجوب الاستعداد بذكر ما يستعدّ لأجله وهو السباق ، وذكر ما يستبق اليه في قوله : الا وانّ اليوم الى قوله : النّار . والمضمار : المدّة الَّتى تضمر فيها الخيل للسّباق اى : يعلف ويسمن ثم يردّ الى القوّة وهى اربعون يوما ، واستعار لفظه : لمدّة الحياة باعتبار انّ الإنسان يستعدّ فيها بالتّقوى لتكمل قوّته العقلية فيكون من السّابقين الى لقاء اللَّه كما يستعدّ الفرس بالتّضمير لسبق مثله .
والسّباق : مصدر كالمسابقة ، وهو ايضا جمع سبقة كنطفة ونطاف . والسبقة بضم السّين وفتحها : ما يستبق اليه من الخطر . وروى السباق مرفوعا ولا وجه له الَّا ان يكون مضافا اليه اقيم مقام مضاف هو الخبر اى : وقت السّباق ، او ان يكون السّباق : جمع سبقة ، وكنّى بغد : عن يوم القيامة ، وتمام المعنى هو ما اشار اليه السيّد رحمه اللَّه .
ونام في الموضوعين مفعول ثان لارى ، والمفعول الاوّل هو المشبّه بالجنّة او النّار . والضمير في قوله : وانّه ، ضمير الشّأن ، واستعار لفظ الظَّعن : للسّفر الى اللَّه تعالى ، بالكفر فى ملكوت سماواته وارضه ، وعوالم خلقه . والزّاد الَّذى دلَّوا عليه : هو التقوى بقوله تعالى : * ( ( وتَزَوَّدُوا ) ) *[1]الآية . ولمّا كان حاصل التّقوى[2]يعود الى خشية اللَّه ولزوم الاعمال الصّالحة ولم تكن ذلك الَّا في الدّنيا بحركات الفكر في العبرة بها وحركات الجوارح بالعبادة فيها قال : فى الدّنيا من الدّنيا ، وظاهر انّ التّقوى يحرز الانسان نفسه بها من عذاب اللَّه يوم القيامة .
[1]سورة البقرة - 197
[2]الجملة الواقعة بين القوسين لم تكن في نسخة ش .
28 - ومن خطبة له عليه السّلام أيّها النّاس المجتمعة أبدانهم ، المختلفة أهواؤهم ، كلامكم يوهى الصمّ الصّلاب ، وفعلكم يطمع فيكم الأعداء تقولون في المجالس : كيت وكيت ، فإذا جاء القتال قلتم : حيدى حياد ما عزّت دعوة من دعاكم ولا استراح قلب من قاساكم أعاليل بأضاليل دفاع ذى الدّين المطول لا يمنع الضّيم الذّليل . ولا يدرك الحقّ إلَّا بالجدّ ، أىّ دار بعد داركم تمنعون ومع أىّ إمام بعدى تقاتلون المغرور واللَّه من غرر تموه ، ومن فاز بكم فقد فاز واللَّه بالسّهم الأخيب ، ومن رمى بكم ، فقد رمى بأفوق ناصل أصبحت واللَّه لا أصدّق قولكم ، ولا أطمع في نصركم ، ولا أوعد العدوّ بكم ما بالكم ما دواؤكم ما طبّكم القوم رجال أمثالكم أقولا بغير عمل وغفلة من غير ورع وطمعا في غير حقّ أقول : نبّههم على ما يستقبح في الدّين ، وحسن السّيرة من أحوالهم وأقوالهم ، امّا احوالهم فاجتماعهم مع تفرّق آرائهم الموجب لتخاذ لهم عن الجهاد ، وامّا أقوالهم فكلامهم بوعيد العدوّ بالحرب الَّذى تضعف معه القلوب الصّلبة لظنّها صدقه ، واستعار لفظ الصّمّ من الحجارة : للقلوب القويّة ، وامّا أفعالهم فهو التّخاذل والفرار من العدوّ . وقوله : حيدى حياد ، كالمثل يقوله العرب عند الفرار ومفهومها : تنحّى عنّا ايّتها الحرب ، وهى كقولهم : فيحى فياح ، وفياح اسم : للحرب . واعاليل جمع اعلال جمع علَّة : اسم لما يتعلَّل به ويعتذر . واضاليل جمع اضلال جمع ضلَّة : اسم للضلال ، واعاليل : خبر مبتدإ محذوف : اى اعذاركم اعاليل باطلة سببها الضّلال ، عن سبيل اللَّه ، ودفاع : مصدر وهو صفة مشبه به ، ووجه الشّبه كثرة المدافعة . واراد بدارهم ، : دار السّلام . والسّهم الاخيب ، من سهام الميسر والذى لا فرض فيه ولا غنم به كالَّتى تسمّى اوغادا وفيها خيبة وغرم كما علم في الاصل ، وكنّى بذلك : عن حصولهم في سهمه وعدادهم من قومه . والأفوق النّاصل ، : السّهم الَّذى لا فوق له ولا نصل ، واستعار لفظه لهم باعتبار انّهم لاغناء بهم فيما يريده منهم كالسّهم المذكور . وقوله : بغير عمل : وعدهم له بالنّهوض الى الحرب خلفهم .
وروى بغير علم اى : بغير اعتقاد لذلك ، ولا نيّة فيه ، والغفلة من غير ورع هى المذمومة اذ
قد يعرض لذوى الورع غفلة عن مصالحهم الدّنيويّة وتكون محمودة لهم ومنهم وهم البلَّه الَّذين اشار اليهم الرّسول صلَّى اللَّه عليه وآله بقوله : ( اكثر اهل الجنّة البله ) اى : سليموا الصّدر من الاهتمام بالدّنيا ووجوه تحصيلها . وأراد غفلتهم عن مصلحة الجهاد ، وطمعا بغير حقّ أى : فيما كانوا يتوقّعونه منه من التّفضيل والزّيادة على عطائهم كما فعل من قبله .
29 - ومن كلام له عليه السّلام فى معنى قتل عثمان لو أمرت به لكنت قاتلا ، أو نهيت عنه لكنت ناصرا غير أنّ من نصره لا يستطيع أن يقول : خذله من أنا خير منه ، ومن خذله لا يستطيع أن يقول : نصره من هو خير منّى ، وأنا جامع لكم أمره : استأثر فأساء الأثرة وجزعتم فأسأتم الجزع ، وللَّه حكم واقع فى المستأثر والجازع .
اقول : مفهوم الفصل التّبرّى من دم عثمان ، والدّخول فيه بأمر ونهى[1]في صورة شرطَّيّتين يستنتج منهما نقيض ملزوميّتهما باستثناء نقيض لازميهما ، والملازمة عرفيّة فيهما اذ الآمر بالقتل يسمّى قاتلا عرفا . والنّاهى عنه يسمّى ناصرا . وقوله : غير انّ من نصره ، الى قوله : خير منّى ، فهو في معرض الجواب لمن انكر بحضرته قعوده وجميع اكابر الصحابة عن نصرة عثمان .
وقال : انّهم لو نصروه وهم اكابر الصّحابة لمّا اجترأ عليه طغام الأمة وان كانوا أرادوا انّ الحق قتله ، فقد كان يتعيّن عليهم ان يعرفوا النّاس ذلك لترتفع الشّبهة فأجابه بذلك ومفهوم القضيّتين انّى لو سلمّت انّى خاذل له فانّ الخاذلين له كانوا افضل من النّاصرين ، : اذ الخاذلون اكابر الصّحابة والنّاصرون بنو اميّة واتباعهم ، وليس لهم ان يدّعوا الأفضليّة على الخاذلين . ولا للخاذلين ان يعترفوا بالمفضوليّة وهو في قوّة صغرى ضمير تقدير
[1]فى ش : او نهي .
كبراه ، وكلّ من كان خاذلوه أفضل من ناصريه لم يجز لائمّة خاذليه ، وتخصيصهم بالتّعنيف امره ، لانّهم افضل ، والأفضل اولى ان يستتبع .
وقوله : وأنا ، الى قوله : الجزع ، : تنبيه على انّ عثمان وقاتليه كانوا على طرف الافراط ، امّا عثمان ففى استبداده ، واستيثاره برأيه فيما الأمّة شركاء فيه ، حتّى أدّى ذلك الى قتله ، وامّا قاتلوه فلا فراطهم في الجزع من فعله ، حتّى خرجوا عن فضيلة التّثبّت وما ينبغي لهم من انتظار اصلاح الحال بينهم وبينه . وقيل : اسأتم الجزع عليه بعد قتله ، وآثرتم الفتنة . وقوله : وللَّه حكم ، الى آخره ، : اشارة الى حكم قدره النّازل في عثمان بقتله ، وفي قاتليه بجزعهم منه ، وقتلهم له ، او بجزعهم عليه ، واثارتهم الفتنة بسببه ، ويحتمل ان يريد الحكم في الآخرة بما يلحقها من سعادة او شقاوة . وباللَّه التوفيق .
ومن كلام له عليه[1]السّلام لمّا انفذ عبد اللَّه بن عبّاس الى الزّبير قبل وقوع الحرب يوم الجمل ليستفيئه الى طاعته ، قال عليه[2]السّلام :
30 - ومن كلام له عليه السّلام لابن العباس لما أرسله إلى الزبير يستفيئه إلى طاعته قبل حرب الجمل لا تلقينّ طلحة فإنّك إن تلقه تجده كالثّور عاقصا قرنه يركب الصّعب ويقول : هو الذّلول . ولكن الق الزّبير فإنّه ألين عريكة فقل له : يقول لك ابن خالك : عرفتنى بالحجاز وأنكرتنى بالعراق ، فما عدا ممّا بدا قال الشّريف : أقول : هو أوّل من سمعت منه هذه الكلمة ، أعنى « فما عدا مما بدا » .
اقول : قوله ، عاقصا قرنه : هو وجه الشّبه بالثّورة وكنّى به عن تكبّره وخشونة جانبه ، واصراره على الحرب . والعقص : التّواء القرنين . وكنّى بقوله : يركب ، الى قوله : الذّلول : عن تهوّره في ركوب الامور الصّعبة . والعريكة : الطبع وكان الزّبير الين طبعا ، وذكر
[1]بزيادة : الصلاة . في نسخة ش
[2]في نسخة ش بزيادة : الصلاة .
النّسب تذكيرا بالرّحم وكونه ابن خاله لانّ صفيّة امّ الزبير اخت ابى طالب وبنت عبد المطَّلب . وقوله : فما عدا ممّا بدا ، : مثل يضرب لمن يفعل فعلا باختياره ثم يرجع عنه وينكره ، والمعنى : فما جاوزتك عن بيعتى ممّا بدا لك وظهره من الأمور . وقيل : المعنى : فما صرفك ومنعك عن ما كان بدامنك من اظهار طاعتى وبيعتى .
31 - ومن خطبة له عليه السّلام أيّها النّاس ، إنّا قد أصبحنا في دهر عنود ، وزمن كنود يعدّ فيه المحسن مسيئا ، ويزداد الظَّالم عتوّا ، لا ننتفع بما علمنا ، ولانسأل عمّا جهلنا ، ولا نتخوّف قارعة حتّى تحلّ بنا فالنّاس على أربعة أصناف : منهم من لا يمنعهم الفساد إلَّا مهانة نفسه ، وكلالة حدّه ، ونضيض وفره ، ومنهم المصلت لسيفه ، والمعلن بشرّه ، والمجلب بخيله ورجله ، قد أشرط نفسه ، وأوبق دينه ، لحطام ينتهزه ، أو مقنب يقوده ، أو منبر يفرعه . ولبئس المتجر أن ترى الدّنيا لنفسك ثمنا ، وممّا لك عند اللَّه عوضا ، ومنهم من يطلب الدّنيا بعمل الآخرة ، ولا يطلب الآخرة بعمل الدّنيا : قد طامن من شخصه ، وقارب من خطوه ، وشمّر من ثوبه ، وزخرف من نفسه للأمانة ، واتّخذ ستر اللَّه ذريعة إلى المعصية ، ومنهم من أبعده عن طلب الملك ضؤولة نفسه ، وانقطاع سببه ، فقصرته الحال على حاله ، فتحلَّى باسم القناعة ، وتزيّن بلباس أهل الزّهادة ، وليس من ذلك في مراح ولا مغدى . وبقى رجال غضّ أبصارهم ذكر المرجع ، وأراق دموعهم خوف المحشر ، فهم بين شريد ناد ، وخائف مقموع ، وساكت مكعوم ، وداع مخلص ، وثكلان موجع . قد أخملتهم التّقيّة ، وشملتهم الذّلَّة ، فهم في بحر أجاج ، أفواههم ضامزة ، وقلوبهم قرحة . وقد وعظوا حتّى ملوّا ، وقهروا حتّى ذلَّوا ، وقتلوا حتّى قلوّا . فلتكن الدّنيا في أعينكم أصغر من حثالة القرظ وقراضة الجلم ، واتّعظوا بمن كان قبلكم ، قبل أن يتّعظ بكم من بعد كم ، وارفضوها ذميمة : فإنّها رفضت من كان أشغف بها منكم . قال السيّد رضى اللَّه عنه : وهذه الخطبة ربما نسبها من لا علم له إلى معاوية ، وهى من كلام أمير المؤمنين عليه السّلام الَّذى لا يشكّ فيه ، وأين الذهب من الرّغام ، والعذب
من الأجاج وقد دلّ على ذلك الدّليل الخرّيت ، ونقده النّاقد البصير عمرو بن بحر الجاحظ ، فإنّه ذكر هذه الخطبة في كتاب البيان والتّبيين ، وذكر من نسبها إلى معاوية ، ثم قال : هى بكلام علىّ عليه السّلام أشبه وبمذهبه في تصنيف النّاس . وبالإخبار عمّا هم عليه من القهر والإذلال ، ومن التّقيّة والخوف - أليق قال : ومتى وجدنا معاوية في حال من الأحوال يسلك في كلامه مسلك الزّهاد ، ومذاهب العبّاد اقول : العنود : الجائر ، والكنود : الكفور ، والعتوّ : الكبر ، والقارعة : الخطب العظيم .
ونسبة الخير الى بعض الازمنة ، والشّرّ الى بعضها نسبة صحيحة لانّ الزمان من الأسباب المعدّة لحصول ما يحصل في هذا العالم من الحوادث والأمور المعدودة خيرا وشرّا . وقد تتفاوت الأزمنة في الاعتداد لقبول الخير والشّر ففى بعضها يكون بحسب الاستقراء الخير غالبا خصوصا في زمن قوّة الدّين والنّواميس الشّرعيّة النّاظمة للعالم ، وفي بعضها يكون الشّرّ غالبا . وعدّ المحسن مسيئا كالمتصدّق مرائيا وزيادة عتو الظَّالم اى : تجبّره لضعف سلطان الدّين ، وعدم انتفاع العالم بعلمه فيه عدم علمه على وفق علمه ، وعدم سؤال الجاهل عمّا جهله لقلَّة الرّغبة في العلم والانتفاع به ، وعدم تخوّف النّاس من الأمر المخوف حتّى ينزل بهم ، كناية : عن عدم فكرهم فيما يصلح حال عاقبتهم وهو ايماء الى ما يستقبلونه من فتنة بنى اميّة وغيرها .
فامّا قسمته للنّاس فسياقها الى آخر الكلام ، يقتضى خمسة اقسام وإنّما افرد الأربعة لاشتراكها في غرض الذّمّ وافرد الخامس لاختصاصه بالمدح ، ووجهه انّ النّاس إمّا مريدون للدّنيا اوللَّه ، والأوّلون إمّا قادرون عليها أو ليس ، والثّانى امّا غير محتالين لها او محتالون ، والثّانى إمّا يؤهّلوا انفسهم للملك والامارة او ليس فهذه اقسام خمسة . فالأوّل ، المريدون للدّنيا القادرون عليها ، وهم : المشار اليهم في القسم الثّانى من قسمته بقوله : فمنهم المصلَّت الى قوله : يفرعه ، وهم الَّذين اطلقوا عنان النّفس من الشّهوة والغضب في تحصيل ما تخّيلوه كمالا . واصلات السّيف : تجريده وكنّى به عن التّغلَّب والقهر بالظَّلم وغيره . والإجلاب بالخيل والرجل كناية عن : جمع اسباب الظلم والغلبة ، واشرط نفسه : اعلمها ونصبها لذلك حتّى صار معروفا به . وأوبق دينه : اهلكه . والحطام : متاع الدّنيا ، والانتهار : الإختلاس والإستلاب بقدر الإمكان . والمقنب بكسر الميم وفتح النون : الجمع
من الخيل . وفرع المنبر وافترعه : علاه .
وخصّص الأمور الثّلاثة لأنّها الاغلب في مطالب الدّنيا . وقوله : ولبئس المتجر ، الى آخره : تنبيه لهذا الصّنف على خسرانهم في افعالهم الشّبيهة بالتّجارة الخاسرة .
الصّنف الثّانى ، المريدون لها غير القادرين عليها ولا محتالين لها واشار اليه ، بقوله : ومنهم من لا يمنعه الى قوله : وفرّه ، وكنّى : بكلال حدّه عن عدم صراحته فى الامور وضعفه عنها ، ونضيض وفره : قلَّة ماله .
الصّنف الثّالث ، غير القادرين عليها مع احتيالهم لها واعداد انفسهم لا موردون الملك ، واشار اليهم بقوله : ومنهم من يطلب الدّنيا بعمل الآخرة اى : بالعبادة رياء وسمعة قوله : الدّنيا ، وتطأ منه من شخصه : دخوله في شعار الصّالحين ، وستر اللَّه الَّذى حمى به اهل التقوى من موارد الهلكة قد يتزيّأ به غيرهم ويجعلونه ذريعة الى معصيته ، وزخرف من نفسه زيّنها .
الصنف الرابع ، غير القادرين عليها ، المحتالون لها المؤهّلون أنفسهم للملك والامرة ، واشار اليهم بقوله : ومنهم من اقعده الى آخره ، وضئولة نفسه : حقارتها ، وتخيّل العجز عن المطلوب ، وانقطاع السبب كقلَّة المال وعدم الاعوان ، وقصرته الحال اى : حال القدر على حاله الَّتى لم يبلغ معها ما اراد ، فلزم الحيلة الجاذبة لرغبة الخلق اليه من التحلَّى بالقناعة ، والتّزيّن بلباس الزهاد ، وكنّى : بكونه ليس من ذلك في مراح ولا مغدى عن كونه من الزاهدين في شيء .
الصنف الخامس المريدين للَّه تعالى ، واشار اليهم بقوله : وبقى رجال ، الى آخره ، وغضّ أبصارهم ذكر المرجع اى : كفّهم عن الالتفات الى الدّنيا لاشتغال سريرتهم بأحوال الآخرة . والشّريد النّاد : المطرود الذّاهب لوجهه ، إمّا لانكاره المنكر او لقلَّة صبره على مشاهدته . ومقموع : مذلَّل مقهور . والكعام : شيء يجعل في فم البعير عند الهياج ، فاستعار لفظه للساكت خوفا كأنّه شدّ فوه . وثكلان : موجع إمّا لمصابه في الدّين او لكثرة اذاه من الظَّالمين . ويحتمل ان يكون ذلك تفصيلا لحال المتّقين بالنّسبة الى خوف المحشر اذ فعل كلّ منهم ما هذه صفته . واستعار لفظ البحر الاجاج : لما هم فيه من الدنيا وأحوالها ، باعتبار عدم التذاذهم بها فهى كالبحر المالح عند راكبه ، لا يلتذّ به وان