قد يعرض لذوى الورع غفلة عن مصالحهم الدّنيويّة وتكون محمودة لهم ومنهم وهم البلَّه الَّذين اشار اليهم الرّسول صلَّى اللَّه عليه وآله بقوله : ( اكثر اهل الجنّة البله ) اى : سليموا الصّدر من الاهتمام بالدّنيا ووجوه تحصيلها . وأراد غفلتهم عن مصلحة الجهاد ، وطمعا بغير حقّ أى : فيما كانوا يتوقّعونه منه من التّفضيل والزّيادة على عطائهم كما فعل من قبله .
29 - ومن كلام له عليه السّلام فى معنى قتل عثمان لو أمرت به لكنت قاتلا ، أو نهيت عنه لكنت ناصرا غير أنّ من نصره لا يستطيع أن يقول : خذله من أنا خير منه ، ومن خذله لا يستطيع أن يقول : نصره من هو خير منّى ، وأنا جامع لكم أمره : استأثر فأساء الأثرة وجزعتم فأسأتم الجزع ، وللَّه حكم واقع فى المستأثر والجازع .
اقول : مفهوم الفصل التّبرّى من دم عثمان ، والدّخول فيه بأمر ونهى[1]في صورة شرطَّيّتين يستنتج منهما نقيض ملزوميّتهما باستثناء نقيض لازميهما ، والملازمة عرفيّة فيهما اذ الآمر بالقتل يسمّى قاتلا عرفا . والنّاهى عنه يسمّى ناصرا . وقوله : غير انّ من نصره ، الى قوله : خير منّى ، فهو في معرض الجواب لمن انكر بحضرته قعوده وجميع اكابر الصحابة عن نصرة عثمان .
وقال : انّهم لو نصروه وهم اكابر الصّحابة لمّا اجترأ عليه طغام الأمة وان كانوا أرادوا انّ الحق قتله ، فقد كان يتعيّن عليهم ان يعرفوا النّاس ذلك لترتفع الشّبهة فأجابه بذلك ومفهوم القضيّتين انّى لو سلمّت انّى خاذل له فانّ الخاذلين له كانوا افضل من النّاصرين ، : اذ الخاذلون اكابر الصّحابة والنّاصرون بنو اميّة واتباعهم ، وليس لهم ان يدّعوا الأفضليّة على الخاذلين . ولا للخاذلين ان يعترفوا بالمفضوليّة وهو في قوّة صغرى ضمير تقدير
[1]فى ش : او نهي .
كبراه ، وكلّ من كان خاذلوه أفضل من ناصريه لم يجز لائمّة خاذليه ، وتخصيصهم بالتّعنيف امره ، لانّهم افضل ، والأفضل اولى ان يستتبع .
وقوله : وأنا ، الى قوله : الجزع ، : تنبيه على انّ عثمان وقاتليه كانوا على طرف الافراط ، امّا عثمان ففى استبداده ، واستيثاره برأيه فيما الأمّة شركاء فيه ، حتّى أدّى ذلك الى قتله ، وامّا قاتلوه فلا فراطهم في الجزع من فعله ، حتّى خرجوا عن فضيلة التّثبّت وما ينبغي لهم من انتظار اصلاح الحال بينهم وبينه . وقيل : اسأتم الجزع عليه بعد قتله ، وآثرتم الفتنة . وقوله : وللَّه حكم ، الى آخره ، : اشارة الى حكم قدره النّازل في عثمان بقتله ، وفي قاتليه بجزعهم منه ، وقتلهم له ، او بجزعهم عليه ، واثارتهم الفتنة بسببه ، ويحتمل ان يريد الحكم في الآخرة بما يلحقها من سعادة او شقاوة . وباللَّه التوفيق .
ومن كلام له عليه[1]السّلام لمّا انفذ عبد اللَّه بن عبّاس الى الزّبير قبل وقوع الحرب يوم الجمل ليستفيئه الى طاعته ، قال عليه[2]السّلام :
30 - ومن كلام له عليه السّلام لابن العباس لما أرسله إلى الزبير يستفيئه إلى طاعته قبل حرب الجمل لا تلقينّ طلحة فإنّك إن تلقه تجده كالثّور عاقصا قرنه يركب الصّعب ويقول : هو الذّلول . ولكن الق الزّبير فإنّه ألين عريكة فقل له : يقول لك ابن خالك : عرفتنى بالحجاز وأنكرتنى بالعراق ، فما عدا ممّا بدا قال الشّريف : أقول : هو أوّل من سمعت منه هذه الكلمة ، أعنى « فما عدا مما بدا » .
اقول : قوله ، عاقصا قرنه : هو وجه الشّبه بالثّورة وكنّى به عن تكبّره وخشونة جانبه ، واصراره على الحرب . والعقص : التّواء القرنين . وكنّى بقوله : يركب ، الى قوله : الذّلول : عن تهوّره في ركوب الامور الصّعبة . والعريكة : الطبع وكان الزّبير الين طبعا ، وذكر
[1]بزيادة : الصلاة . في نسخة ش
[2]في نسخة ش بزيادة : الصلاة .
النّسب تذكيرا بالرّحم وكونه ابن خاله لانّ صفيّة امّ الزبير اخت ابى طالب وبنت عبد المطَّلب . وقوله : فما عدا ممّا بدا ، : مثل يضرب لمن يفعل فعلا باختياره ثم يرجع عنه وينكره ، والمعنى : فما جاوزتك عن بيعتى ممّا بدا لك وظهره من الأمور . وقيل : المعنى : فما صرفك ومنعك عن ما كان بدامنك من اظهار طاعتى وبيعتى .
31 - ومن خطبة له عليه السّلام أيّها النّاس ، إنّا قد أصبحنا في دهر عنود ، وزمن كنود يعدّ فيه المحسن مسيئا ، ويزداد الظَّالم عتوّا ، لا ننتفع بما علمنا ، ولانسأل عمّا جهلنا ، ولا نتخوّف قارعة حتّى تحلّ بنا فالنّاس على أربعة أصناف : منهم من لا يمنعهم الفساد إلَّا مهانة نفسه ، وكلالة حدّه ، ونضيض وفره ، ومنهم المصلت لسيفه ، والمعلن بشرّه ، والمجلب بخيله ورجله ، قد أشرط نفسه ، وأوبق دينه ، لحطام ينتهزه ، أو مقنب يقوده ، أو منبر يفرعه . ولبئس المتجر أن ترى الدّنيا لنفسك ثمنا ، وممّا لك عند اللَّه عوضا ، ومنهم من يطلب الدّنيا بعمل الآخرة ، ولا يطلب الآخرة بعمل الدّنيا : قد طامن من شخصه ، وقارب من خطوه ، وشمّر من ثوبه ، وزخرف من نفسه للأمانة ، واتّخذ ستر اللَّه ذريعة إلى المعصية ، ومنهم من أبعده عن طلب الملك ضؤولة نفسه ، وانقطاع سببه ، فقصرته الحال على حاله ، فتحلَّى باسم القناعة ، وتزيّن بلباس أهل الزّهادة ، وليس من ذلك في مراح ولا مغدى . وبقى رجال غضّ أبصارهم ذكر المرجع ، وأراق دموعهم خوف المحشر ، فهم بين شريد ناد ، وخائف مقموع ، وساكت مكعوم ، وداع مخلص ، وثكلان موجع . قد أخملتهم التّقيّة ، وشملتهم الذّلَّة ، فهم في بحر أجاج ، أفواههم ضامزة ، وقلوبهم قرحة . وقد وعظوا حتّى ملوّا ، وقهروا حتّى ذلَّوا ، وقتلوا حتّى قلوّا . فلتكن الدّنيا في أعينكم أصغر من حثالة القرظ وقراضة الجلم ، واتّعظوا بمن كان قبلكم ، قبل أن يتّعظ بكم من بعد كم ، وارفضوها ذميمة : فإنّها رفضت من كان أشغف بها منكم . قال السيّد رضى اللَّه عنه : وهذه الخطبة ربما نسبها من لا علم له إلى معاوية ، وهى من كلام أمير المؤمنين عليه السّلام الَّذى لا يشكّ فيه ، وأين الذهب من الرّغام ، والعذب
من الأجاج وقد دلّ على ذلك الدّليل الخرّيت ، ونقده النّاقد البصير عمرو بن بحر الجاحظ ، فإنّه ذكر هذه الخطبة في كتاب البيان والتّبيين ، وذكر من نسبها إلى معاوية ، ثم قال : هى بكلام علىّ عليه السّلام أشبه وبمذهبه في تصنيف النّاس . وبالإخبار عمّا هم عليه من القهر والإذلال ، ومن التّقيّة والخوف - أليق قال : ومتى وجدنا معاوية في حال من الأحوال يسلك في كلامه مسلك الزّهاد ، ومذاهب العبّاد اقول : العنود : الجائر ، والكنود : الكفور ، والعتوّ : الكبر ، والقارعة : الخطب العظيم .
ونسبة الخير الى بعض الازمنة ، والشّرّ الى بعضها نسبة صحيحة لانّ الزمان من الأسباب المعدّة لحصول ما يحصل في هذا العالم من الحوادث والأمور المعدودة خيرا وشرّا . وقد تتفاوت الأزمنة في الاعتداد لقبول الخير والشّر ففى بعضها يكون بحسب الاستقراء الخير غالبا خصوصا في زمن قوّة الدّين والنّواميس الشّرعيّة النّاظمة للعالم ، وفي بعضها يكون الشّرّ غالبا . وعدّ المحسن مسيئا كالمتصدّق مرائيا وزيادة عتو الظَّالم اى : تجبّره لضعف سلطان الدّين ، وعدم انتفاع العالم بعلمه فيه عدم علمه على وفق علمه ، وعدم سؤال الجاهل عمّا جهله لقلَّة الرّغبة في العلم والانتفاع به ، وعدم تخوّف النّاس من الأمر المخوف حتّى ينزل بهم ، كناية : عن عدم فكرهم فيما يصلح حال عاقبتهم وهو ايماء الى ما يستقبلونه من فتنة بنى اميّة وغيرها .
فامّا قسمته للنّاس فسياقها الى آخر الكلام ، يقتضى خمسة اقسام وإنّما افرد الأربعة لاشتراكها في غرض الذّمّ وافرد الخامس لاختصاصه بالمدح ، ووجهه انّ النّاس إمّا مريدون للدّنيا اوللَّه ، والأوّلون إمّا قادرون عليها أو ليس ، والثّانى امّا غير محتالين لها او محتالون ، والثّانى إمّا يؤهّلوا انفسهم للملك والامارة او ليس فهذه اقسام خمسة . فالأوّل ، المريدون للدّنيا القادرون عليها ، وهم : المشار اليهم في القسم الثّانى من قسمته بقوله : فمنهم المصلَّت الى قوله : يفرعه ، وهم الَّذين اطلقوا عنان النّفس من الشّهوة والغضب في تحصيل ما تخّيلوه كمالا . واصلات السّيف : تجريده وكنّى به عن التّغلَّب والقهر بالظَّلم وغيره . والإجلاب بالخيل والرجل كناية عن : جمع اسباب الظلم والغلبة ، واشرط نفسه : اعلمها ونصبها لذلك حتّى صار معروفا به . وأوبق دينه : اهلكه . والحطام : متاع الدّنيا ، والانتهار : الإختلاس والإستلاب بقدر الإمكان . والمقنب بكسر الميم وفتح النون : الجمع
من الخيل . وفرع المنبر وافترعه : علاه .
وخصّص الأمور الثّلاثة لأنّها الاغلب في مطالب الدّنيا . وقوله : ولبئس المتجر ، الى آخره : تنبيه لهذا الصّنف على خسرانهم في افعالهم الشّبيهة بالتّجارة الخاسرة .
الصّنف الثّانى ، المريدون لها غير القادرين عليها ولا محتالين لها واشار اليه ، بقوله : ومنهم من لا يمنعه الى قوله : وفرّه ، وكنّى : بكلال حدّه عن عدم صراحته فى الامور وضعفه عنها ، ونضيض وفره : قلَّة ماله .
الصّنف الثّالث ، غير القادرين عليها مع احتيالهم لها واعداد انفسهم لا موردون الملك ، واشار اليهم بقوله : ومنهم من يطلب الدّنيا بعمل الآخرة اى : بالعبادة رياء وسمعة قوله : الدّنيا ، وتطأ منه من شخصه : دخوله في شعار الصّالحين ، وستر اللَّه الَّذى حمى به اهل التقوى من موارد الهلكة قد يتزيّأ به غيرهم ويجعلونه ذريعة الى معصيته ، وزخرف من نفسه زيّنها .
الصنف الرابع ، غير القادرين عليها ، المحتالون لها المؤهّلون أنفسهم للملك والامرة ، واشار اليهم بقوله : ومنهم من اقعده الى آخره ، وضئولة نفسه : حقارتها ، وتخيّل العجز عن المطلوب ، وانقطاع السبب كقلَّة المال وعدم الاعوان ، وقصرته الحال اى : حال القدر على حاله الَّتى لم يبلغ معها ما اراد ، فلزم الحيلة الجاذبة لرغبة الخلق اليه من التحلَّى بالقناعة ، والتّزيّن بلباس الزهاد ، وكنّى : بكونه ليس من ذلك في مراح ولا مغدى عن كونه من الزاهدين في شيء .
الصنف الخامس المريدين للَّه تعالى ، واشار اليهم بقوله : وبقى رجال ، الى آخره ، وغضّ أبصارهم ذكر المرجع اى : كفّهم عن الالتفات الى الدّنيا لاشتغال سريرتهم بأحوال الآخرة . والشّريد النّاد : المطرود الذّاهب لوجهه ، إمّا لانكاره المنكر او لقلَّة صبره على مشاهدته . ومقموع : مذلَّل مقهور . والكعام : شيء يجعل في فم البعير عند الهياج ، فاستعار لفظه للساكت خوفا كأنّه شدّ فوه . وثكلان : موجع إمّا لمصابه في الدّين او لكثرة اذاه من الظَّالمين . ويحتمل ان يكون ذلك تفصيلا لحال المتّقين بالنّسبة الى خوف المحشر اذ فعل كلّ منهم ما هذه صفته . واستعار لفظ البحر الاجاج : لما هم فيه من الدنيا وأحوالها ، باعتبار عدم التذاذهم بها فهى كالبحر المالح عند راكبه ، لا يلتذّ به وان
اجهده العطش . وضامزة بالزاء المعجمة ساكنة ، ومن روى بالراء فأراد أنّها : ذاهلة لكثرة[1]صيامهم وبعد افواههم من المضغ . وقرح قلوبهم لخوفهم من اللَّه . والحثالة : الثفل .
والقرظ : ورق السلم يدبغ به . والجلم : المقص . وباللَّه التوفيق .
32 - ومن خطبة له عليه السّلام عند مسيره لقتال اهل البصرة .
قال عبد اللَّه بن العباس رحمه اللَّه : دخلت على أمير المؤمنين عليه السّلام بذى قار وهو يخصف نعله فقال لى : ما قيمة هذه النعل فقلت لا قيمة لها . فقال عليه السّلام : واللَّه لهى أحبّ إلىّ من إمرتكم إلَّا أن أقيم حقّا ، أو أدفع باطلا ، ثمّ خرج فخطب النّاس فقال : - إنّ اللَّه بعث محمّدا صلَّى اللَّه عليه وآله ، وليس أحد من العرب يقرأ كتابا ولا يدّعى نبوّة ، فساق النّاس حتّى بوّأهم محلَّتهم ، وبلَّغهم منجاتهم فاستقامت قناتهم ، واطمأنّت صفاتهم . أما واللَّه إن كنت لفى ساقتها حتّى تولَّت بحذافيرها : ما ضعفت ولا جبنت وإنّ مسيرى هذا لمثلها فلأنقبنّ الباطل حتّى يخرج الحقّ من جنبه . مالى ولقريش واللَّه لقد قاتلتهم كافرين ولأقاتلنّهم مفتونين ، وإنّى لصاحبهم بالأمس : كما أنا صاحبهم اليوم اقول : ذو قار موضع قريب من البصرة . وخصف النعل : خرزه .
وانّما لم يكن العرب يومئذ تقرأ كتابا لأنّ ما كانت اليهود تدعيّه من التورات ، والنّصارى تدعيّه من الانجيل ، ليس هو ما انزل على موسى ، وعيسى ، منهما لتبديلهما وتحريفهما ، او اراد بالعرب جمهورهم وكانوا معطَّلة وعبدة اوثان . وقوله : فساق الناس : الى غايتهم من الاسلام بعضا بالترغيب وبعضا بالتّرهيب . ومحلَّتهم : منزلتهم في النّاس التي ساقهم القدر اليها . ومنجاتهم : هو الدّين والاسلام ، اذ هو محلّ نجاتهم من عذاب اللَّه . وكنّى باستقامة قناتهم : عن استقامة دولتهم وانتظام امورهم . وباطمئنان صفاتهم عن
[1]بزيادة : الصلاة . في ش .
استقرارهم في دارهم ، وثبات احوالهم بعد اضطرابها . والضمير في ساقتها : لكتائب الحرب . وتولَّت بحذا فيرها اى : بأجمعها وهو مع قوله : وانّ مسيرى هذا ، لمثلها في معرض التهديد بالحال السابقة له . وكنّى بنقيب الباطل : للغاية المذكورة عن ازاحته ، وتخليص الحق من شانئيه . وقوله : ما لى ولقريش : استفهام انكار لما بينه وبينهم مما يوجب معاندته وجحد فضله . وقوله : واللَّه الى آخره : توبيخ برذيلة الكفر في معرض ذكر سبب قتالهم لظهور عذره فيه ، وتهديدهم بالقتل على الفتنة في الدّين وبتذكيرهم انّه ذاك المعهود مكروه اللَّقاء .
33 - ومن خطبة له عليه السّلام فى استنفار النّاس إلى أهل الشام أفّ لكم ، لقد سئمت عتابكم أرضيتم بالحياة الدّنيا من الآخرة عوضا وبالذّلّ من العزّ خلفا إذا دعوتكم إلى جهاد عدوّكم دارت أعينكم كأنّكم من الموت في غمرة ، ومن الذّهول في سكرة ، يرتج عليكم حوارى فتعمهون . فكأنّ قلوبكم مألوسة فأنتم لا تعقلون ، ما أنتم لى بثقة سجيس اللَّيالى ، وما أنتم بركن يمال بكم ، ولا زوافر عزّ يفتقر إليكم ما أنتم إلَّا كإبل ضلّ رعاتها ، فكلَّما جمعت من جانب انتشرت من آخر ، لبئس - لعمر اللَّه - سعر نار الحرب أنتم تكادون ولا تكيدون ، وتنقص أطرافكم فلا تمتعضون لا ينام عنكم وأنتم في غفلة ساهون ، غلب واللَّه المتخاذلون ، وايم اللَّه إنّى لأظنّ بكم ، أن لو حمس الوغى واستحرّ الموت قد انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج الرّأس . واللَّه انّ امرأ يمكَّن عدوّه من نفسه يعرق لحمه ، ويهشم عظمه ، ويفرى جلده ، لعظيم عجزه ، ضعيف ما ضمّت عليه جوانح صدره أنت فكن ذاك إن شئت فأمّا أنا فو اللَّه دون أن أعطى ذلك ضرب بالمشرفيّة تطير منه فراش الهام ، وتطيح السّواعد والأقدام ، ويفعل اللَّه بعد ذلك ما يشاء . أيّها النّاس ، إنّ لى عليكم حقّا ، ولكم علىّ حقّ : فأمّا حقّكم علىّ فالنّصيحة لكم ، وتوفير فيئكم عليكم ، وتعليمكم كيلا تجهلوا ، وتأديبكم كيما تعلموا ، وأمّا حقّى عليكم
فالوفاء بالبيعة ، والنّصيحة في المشهد والمغيب ، والإجابة حين أدعوكم ، والطَّاعة حين آمركم .
أقول : هذه الخطبة بعد وقعة الخوارج بالنّهروان . وافّ : كلمة تضجّر . وغمرة الموت : سكرته . والذّهول : السّهو . ويرتجّ : يفلق . والحوار : الخطاب . وتعمهون : تتحيّرون . والمألوس : المجنون مختلط العقل . وسجيس اللَّيالى : ابدا مدى الليالى . والزوافر جمع زافرة وزافرة الرجل : انصاره . وسعر جمع سعير ، واسعار النار : تهيّجها . والامتعاض : الغضب . وحمس الوغى : اشتدّ الحرب ، وشبّه انفراجهم عنه عند اشتداد الحرب : بانفراج الرأس عن البدن في عدم عودهم اليه . وقيل : بانفراج بعضى اعضائه ( عظامه ) عن بعض . وقيل : انفراج من يريد ان يتحوّل برأسه . وعرقت اللحم اعرقه ، بالضّم : اذا لم يبق على العظم منه شيئا . والمشرفيّة : سيوف منسوبة الى « مشارف » ، قرية في ارض العرب تدنوا من الرّيف . وفراش الهام : العظام الرّقيقة تلى القحف . ومدار الفصل على توبيخهم لقعودهم عن دعائه الى قتال عدوّهم ، ونسبتهم الى الخمول والذلَّة ، وتخويف عاقبة الأمر واعذاره اليهم في خروجه مما وجب عليه لهم مع تخلَّفهم عن اداء ما وجب عليهم له ، والفصل واضح .
34 - ومن خطبة له عليه السّلام بعد التّحكيم الحمد للَّه وإن أتى الدّهر بالخطب الفادح ، والحدث الجليل . وأشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له ليس معه إله غيره ، وأنّ محمّدا عبده ورسوله صلَّى اللَّه عليه وآله . أمّا بعد ، فإنّ معصية النّاصح الشّفيق العالم المجرّب تورث الحسرة ، وتعقب النّدامة . وقد كنت أمرتكم في هذه الحكومة أمرى ونخلت لكم مخزون رأيى ، لو كان يطاع لقصير أمر ، فأبيتم علىّ إباء المخالفين الجفاة ، والمنابذين العصاة ، حتّى ارتاب النّاصح بنصحه ،