( قال الشريف : يعنى بالنطفة ماء النهر ، وهو أفصح ، كناية وان كان كثيرا جمّا ) وقد أشرنا الى ذلك فيما تقدم عند مضي ما أشبهه .
اقول : خلاصة الخبر انّه عليه السّلام جاءه رجل من اصحابه ، فقال : البشرى يا امير المؤمنين انّ القوم قد عبروا النهر لما بلغهم وصولك ، فقال : اللَّه انت رأيتهم قد عبروا فقال : نعم ، فقال عليه السّلام : واللَّه ما عبروه ولن يعبروه وانّ مصارعهم الفصل . ثم سار[1]عليه السّلام اليهم فوجدهم قد كسّروا جفون سيوفهم ، وعرقبوا دوابهم ، وحبوا على الركب ، وحكموا تحكيمة واحدة بصوت عظيم له زجل ، فلما قتلهم كان المفلت منهم تسعة ، والمقتول من اصحابه ثمانية . والحكمان من كراماته عليه السّلام .
وقال عليه السّلام : لما قتل الخوارج قيل له : يا امير المؤمنين ، هلك القوم باجمعهم كلَّا واللَّه إنّهم نطف في أصلاب الرّجال وقرارات النّساء ، كلَّما نجم منهم قرن قطع ، حتّى يكون آخرهم لصوصا سلَّابين .
أقول : أشار بذلك الى من سيوجد منهم ، وكنى بالقرارات : عن الأرحام ، واستعار لفظ القرن : لمن يظهر من رؤسائهم ، ورشّح بذكر النجوم وكنى بقطعه ( عن قبله )[2]وجعل لتراذلهم غاية وهى كون آخرهم قطَّاعا للطريق وذلك كشبيب ، وقطرى بن فجاة ، وغيرهما ، واخبارهم يشهد بصدقه عليه السّلام .
وقال عليه السّلام : لا تقتلوا الخوارج بعدى ، فليس من طلب الحقّ فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه
[1]في ش : اشار
[2]عن قبله . غير موجود في ش .
( يعنى معاوية وأصحابه ) .
قال السيد رحمه اللَّه يعنى : لمن ادركه معاوية واصحابه .
اقول : الفرق بينهم ، وبين معاوية ، انّ القوم طلبوا الحقّ بالذّات فوقعوا في الباطل بالعرض ، ومعاويه طلب الباطل بالذّات في صورة تشبّه الحق ، وانّما نهى عن قتلهم بعده على تقدير ان يلزموا حدودهم ، ويكفّوا عن العبث والفساد في الأصل . وقيل انّما قتلهم لانّه امام عادل رأى وجوب قتالهم ، وانّما نهى عنه ذلك بعده لانّه علم أنّه لا يلي هذا الأمر بعده من له بحكم الشريعة ان يقتل ، أو يتولَّى امر الحدود ويضعها مواضعها .
< فهرس الموضوعات > من كلام له عليه السّلام لما خوّف من الغيلة < / فهرس الموضوعات > 59 - ومن كلام له عليه السّلام لما خوّف من الغيلة وإنّ علىّ من اللَّه جنّة حصينة ، فإذا جاء يومى انفرجت عنّى وأسلمتني فحينئذ لا يطيش السّهم ، ولا يبرأ الكلم .
أقول : الغيلة : الفتك[1]على غرّة ، وقد كان عليه السّلام خوّف من قبل عبد الرحمن بن ملجم لعنه اللَّه مرارا كما نبّهنا عليه في الاصل[2]واستعار لفظ الجنّة وهى الترس ونحوه ، لمدّة أجله المعلوم للَّه تعالى ، ووصف الانفراج لانقضائها ، ولفظ السهم : لأسباب الموت ، وكنى بعدم طيشه عن أصابته .
< فهرس الموضوعات > من كلام له عليه السّلام في التحذير من الدنيا < / فهرس الموضوعات > 60 - ومن خطبة له عليه السّلام ألا وإنّ الدّنيا دار لا يسلم منها إلَّا فيها ، ولا ينجى بشىء كان لها : ابتلى النّاس بها فتنة فما أخذوه منها لها أخرجوا منه ، وحوسبوا عليه وما أخذوه منها لغيرها قدموا عليه
[1]في نسخة ش : القتل
[2]الشرح الكبير لابن ميثم 2 - 156 .
وأقاموا فيه ، فإنّها عند ذوى العقول كفىء الظَّلّ : بينا تراه سابغا حتّى قلص ، وزائدا حتّى نقص .
أقول : لا يسلم منها الَّا فيها أى : لا يسلم من عذاب اللَّه عليها في الآخرة الَّا بما فعل فيها من الأعمال الصالحات ، والَّذى يكون لها هو ما يقتنى منها للاستمتاع به ، والالتذاذ بنفعه لانّه هو دون الوصول به الى الآخرة ، وظاهر انّ ذلك لا يكون به نجاة في الآخرة ، والابتلاء بها اختبار المطيع من العاصى ، وليس المراد منه انّ اللَّه تعالى لا يعلم ما تؤل اليه أحوال العباد ، لأنّه يعلم السرّوا خفى ، بل لما كانت الشرائع الالهية جاذبة للخلق عنها الى الغاية الَّتى خلقوا لها ، وكانت محاضر لذّاتها جاذبة لهم بحسب نفوسهم الأمّارة اليها ، فمن اطاع داعى اللَّه وصوارفه عنها فاز فوزا عظيما ، ومن اتّبع هواه بغير هدى من اللَّه خسر خسرانا مبينا ، أشبه ذلك صورة ابتلاء من اللَّه لخلقه بها فاستعير لذلك ، وصف الابتلاء ، ولفظ الفتنة وما أخذ منها لغيرها هو ما يقصد به وجه اللَّه والدار الآخرة من مال يتصدّق ويصرف في سبيل اللَّه ، أو جاه او عمل للَّه ، وليس ما يقدمون عليه في الآخرة هو عين ما أخذ من الدنيا ، بل ثمرته من ثواب اللَّه ومتاع الآخرة ، وشبهها في شرعة زوالها عند ذوى العقول الناظرين اليها ، باعين بصائرهم بفىء الظَّلّ ، واشار الى وجه الشبه ، بقوله : بينا الى آخره . واصل بينابين بمعنى : الوسيط فاشبعت الفتحة فحدثت ألف ، وقد تزاد فيها ما ، والمعنى واحد . وقلص : نقص . وباللَّه التوفيق .
61 - ومن خطبة له عليه السّلام واتّقوا اللَّه عباد اللَّه ، وبادروا آجالكم بأعمالكم ، وابتاعوا ما يبقى لكم بما يزول عنكم ، وترحّلوا فقد جدّبكم ، واستعدّوا للموت فقد أظلَّكم ، وكونوا قوما صيح بهم فانتبهوا ، وعلموا أنّ الدّنيا ليست لهم بدار فاستبدلوا فإنّ اللَّه سبحانه لم يخلقكم عبثا ، ولم يترككم سدى ، وما بين أحدكم وبين الجنّة أو النّار إلَّا الموت أن ينزل به ، وإنّ غاية
تنقصها اللَّحظة وتهدمها السّاعة لجديرة بقصر المدّة ، وإنّ غائبا يحدوه الجديدان - اللَّيل والنّهار - لحرى بسرعة الأوبة ، وإنّ قادما يقدم بالفوز والشّقوة ، لمستحقّ لأفضل العدّة فتزوّدوا في الدّنيا ، من الدّنيا ، ما تحرزون به أنفسكم غدا فاتّقى عبد ربّه نصح نفسه ، وقدّم توبته ، وغلب شهوته فإنّ أجله مستور عنه ، وأمله خادع له ، والشّيطان موكَّل به : يزيّن له المعصية ليركبها ويمنّيه التّوبة ليسوّفها حتّى تهجم منيّته عليه أغفل ما يكون عنها ، فيا لها حسرة على ذى غفلة أن يكون عمره عليه حجّة ، وأن تؤدّيه أيّامه إلى شقوة ، نسأل اللَّه سبحانه أن يجعلنا وإيّاكم ممّن لا تبطره نعمة ، ولا تقصّر به عن طاعة ربّه غاية ، ولا تحلّ به بعد الموت ندامة ولا كآبة .
اقول : مبادرة الآجال : مسابقتها بالأعمال الصالحة ، وما يبقى لهم هو الثواب الموعود في الآخرة ، وما يزول عنهم هو الدنيا ومتاعها . واستعار وصف الابتياع : لبذل الدنيا الفانية في تحصيل الخيرات الاخروية الباقية ، وذلك بالزهد فيها ، والخروج عنها ، واشار بالترحّل : الى السفر في سبيل اللَّه اليه وبالجدّ بهم الى شدّة سير الليل والنهار في هدم الأعمار ، والاستعداد للموت : التسلَّح له بالكمالات النفسانية التي لا يضر معها موت البدن . واظلَّكم : اشرف عليكم . وقوله : كونوا قوما صيح بهم فانتبهوا : تنبيه على وجوب اجابة الداعى الى اللَّه وهو لسان الشريعة والانتباه بندائه من نوم الغفلة ومراقد الطبيعة . وسدى : مهمل ، وكنى بالغاية عن : الأجل وأراد بالغائب : الانسان ما دام فى الدنيا ، اذ كان في دار الغربة عن مستقرّه الاصلى وبحسب قصر مدّة غيبته يكون سرعة أوبته . وقيل : اراد به ملك الموت ، وكذلك اراد بالقادم : الانسان ، وما يزوّد من الدنيا فيها : التقوى ، والاعمال الصالحة ، وهى الحرز من عذاب اللَّه . وقوله : فاتقى ، الى قوله : شهوته : او امر وردت بلفظ الماضى وهى بلاغة تريك المعنى في أحسن صوره ، ونصيحة النفس النظر في مصلحتها باتّخاذ الزاد الأبقى ، وهو التقوى ومن جملتها تقديم التوبة وغلب الشهوة .
ونبّه على وجوب ذلك بضمير صغراه قوله : فانّ أجله ، الى قوله : عنها ، وتقدير كبراه وكلّ ما كان كذلك فواجب ان ينصح نفسه بلزوم اوامر اللَّه تعالى ، والتسويف التمادى
في الأمر وأصله قول الرجل : سوف افعل ، واغفل نصب على الحال . وحسرة نصب على التمييز للمتعجّب منه المدعوّ ، واللام في « لها » قيل : للاستغاثة كأنّه قال يا للحسرة على الغافلين ما اكثرك . وقيل : لام الجرّ فتحت لدخولها على الضمير المنادى المحذوف ، أى : يا قوم ادعوكم لها حسرة ، وان في موضع النصب بحذف الجار اى : على كون اعمارهم حجة عليهم يوم القيامة .
62 - ومن خطبة له عليه السّلام الحمد للَّه الَّذى لم يسبق له حال حالا ، فيكون أوّلا قبل أن يكون آخرا ، ويكون ظاهرا قبل أن يكون باطنا ، كلّ مسمّى بالوحدة غيره قليل ، وكلّ عزيز غيره ذليل ، وكلّ قوىّ غيره ضعيف ، وكلّ مالك غيره مملوك ، وكلّ عالم غيره متعلَّم ، وكلّ قادر غيره يقدر ويعجز ، وكلّ سميع غيره يصمّ عن لطيف الأصوات ، ويصمّه كبيرها ، ويذهب عنه ما بعد منها ، وكلّ بصير غيره يعمى عن خفىّ الألوان ولطيف لأجسام ، وكلّ ظاهر غيره غير باطن ، وكلّ باطن غيره غير ظاهر ، لم يخلق ما خلقه لتشديد سلطان ، ولا تخوّف من عواقب زمان ، ولا استعانة على ندّ مثاور ، ولا شريك مكابر ، ولا ضدّ منافر ، ولكن خلائق مربوبون ، وعباد داخرون ، لم يحلل في الأشياء فيقال هو فيها كائن ، ولم ينأ عنها فيقال هو منها بائن لم يؤده خلق ما ابتدأ ولا تدبير ما ذرأ ، ولا وقف به عجز عمّا خلق ، ولا ولجت عليه شبهة فيما قضى وقدّر . بل قضاء متقن ، وعلم محكم ، وأمر مبرم : المأمول مع النّقم ، والمرهوب مع النّعم .
اقول : لما ثبت انّ السبق والقبلية ، والتأخر والبعدية ، من لواحق الزمان لذاته ومن لواحق الزمانيات بواسطته وكان تعالى منزّها عن لحوق الزمان في ذاته ، وكمال صفاته لا جرم لم يلحقه شيء من اعتبار القبلية والبعدية فلم يجز ان يقال مثلا كونه عالما قبل كونه قادرا ، ولا كونه حيا قبل كونه عالما ، بقى أن يقال انّ القبلية والبعدية قد يطلقان باعتبار آخر كالقبلية بالشرف ، والفضيلة ، والذات ، والعلية لكن قد بيّنا في الخطبة الاولى انّ كل
ما يلحق ذاته المقدّسة من الصفات اعتبارات ذهنية تحدثها العقول ، عند مقايسته الى مخلوقاته ولا سبق لشيء منها على الآخر ، بالنظر الى ذاته المقدّسة والَّا لكانت كمالات قابلة للزيادة والنقصان ، وبعضها علة للبعض واشرف ، وبعضها معلول بعض وانقص بالنظر الى ذاته وذلك من لواحق الامكان هذا خلف ، وذلك سرّ قوله عليه السّلام : الَّذى لم يسبق له حال حالا : الى قوله : باطنا ، بل معنى اوليّته هو اعتبارنا كونه تعالى مبدأ لكل موجود ، وآخريته هو اعتبارنا لكونه غاية لكلّ ممكن او استحقاقه البقاء لذاته ، واستحقاق غيره له ببقائه تعالى وهذه الاعتبارات بالنظر الى ذاته تعالى على سواء .
وقوله : كل مسمّى بالوحدة غيره قليل ، يريد : انّه لا يوصف بالقلَّة وان كان واحدا وذلك أنّ الواحد يقال لمعان ، والمشهور منها هو : كون الشيء مبدأ لكثرة يكون عادّا لها ومكيالا ، وهو الَّذى تلحقه القلَّة والكثرة الاضافيتين ، فانّ كلّ واحد بهذا المعنى قليل بالنّسبة الى الكثرة الَّتى يصلح ان يكون مبدأ لها ، والمتصوّر لاكثر النّاس كونه تعالى واحدا بهذا المعنى ، فلذلك نزّهه عليه السّلام عنه بذكر لازمه وهو القليل لظهور بطلان هذا اللازم في حقه تعالى ، واستلزام بطلانه بطلان الملزوم المذكور ، وذلَّة الاعزّاء غيره لدخولهم تحت الحاجة اليه ، وضعف كلّ قوىّ غيره لدخوله تحت قهر قدرته التّامّة ، ومملوكية كلّ مالك غيره لدخوله تحت الملك المطلق الَّذى تنفذ مشيئة مالكه في جميع الموجودات باستحقاق دون غيره ، وتعلم كل عالم غيره لكون كل عالم مستفادا من فيض جوده ، وهو العالم المطلق الَّذى لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في السماوات ولا فى الارض ، وعجز غيره عن بعض الاشياء يشهد بكمال قدرته ، وانّها مبدأ قدرة كل قادر .
وكونه تعالى سميعا يعود الى علمه تعالى بالمسموعات لتنزّهه عن الآلة التي من شأنها أن تصم ، لانّ ادراكها للصوت على قرب وبعد ، وحدمّن القوّة والضعف مخصوص فانّه ان كان الصوت ضعيفا جدّا او بعيدا جدّا لم يصل الى الصماخ فلم تدركه القوّة السامعة ، فلذلك كانت تصمه عن لطيف الاصوات ، ويذهب عن السامع ما بعد منها وان كان في غاية من القوّة والقرب ، فربما اشتدّ قرعه للصماخ فتفرق اتصال الروح الحامل لقوة السمع عنه ، بحيث يبطل استعدادها لتأدية الصوت ويحدث الصمم فلذلك قال : ويصمه كبيرها .
وبحسب تنزّهه تعالى عن هذه الآلة لم يعزب عنه ما خفى من الاصوات ولم يذهب عليه
ما بعد منها ، ولم تلحقه لواحقها من الصّمم والنقصان ، وخفى الألوان مثلا كاللون فى الظلمة .
واللطيف قد يراد به : عديم اللون كالهواء ، وقد يراد به رقيق القوام كالذرّة وهو غير مدرك بالمعنيين للحيوان ، واطلق اسم العمى : على عدم الابصار مجازا ، ولما كان كونه تعالى بصيرا يعود إلى علمه بالمبصرات لم يعزب عنه شيء منها وان خفى على غيره ، ولطف ولم تلحقه من لواحق الآلات آفة ، كالعمى ونحوه . وقوله : وكل ظاهر ، الى قوله : غير ظاهر ، يريد : انّه تعالى هو المتفرّد بالجمع بين وصفى البطون والظهور ، دون غيره وقد بيّنا معناهما في الأصل . وقوله : ولم يخلق ، الى قوله : منافر : لانّه تعالى لا يفعل لغرض ، وتشديد السلطان : تقويته . والنّد : المثل . والمثاور : المواثب . وداخرون : ذليلون وبرهان كونه تعالى غير حالّ في شيء ، ولا مباين قد سبق في الخطبة الاولى . وآده يؤده : اثقله اى لم يثقله تدبيره للاشياء على وجه الحكمة ، ولم تعرض له شبهة فيما قضى اى : حكم به فى خلقه لتنزّه علمه عن عوارض القوى البشريّة التي هى منشأ الشكوك والشبهات .
وولجت : دخلت . والمبرم : المحكم . وقوله : المأمول ، الى قوله : النعم : ايماء الى تنزيهه تعالى عن حالة البشرية ، فانّ المنتقم من الناس حين انتقامه لا يكون مأمولا وحال نعمته لا يكون مرهوبا .
63 - ومن كلام له عليه السّلام كان يقوله لأصحابه في بعض أيام صفين معاشر المسلمين ، استشعروا الخشية ، وتجلببوا السّكينة ، وعضّوا على النّواجذ ، فإنّه أنبى للسّيوف عن الهام ، وأكملوا اللَّامة ، وقلقلوا السّيوف في أغمادها قبل سلَّها ، والحظوا الخزر ، واطعنوا الشّزر ، ونافحوا بالظَّبا ، وصلوا السّيوف بالخطا . واعلموا أنّكم بعين اللَّه ، ومع ابن عمّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، فعاودوا الكرّ واستحيوا من الفرّ فإنّه عار فى الأعقاب ، ونار يوم الحساب ، وطيبوا عن أنفسكم نفسا وامشوا إلى الموت مشيا سجحا ، وعليكم بهذا السّواد الأعظم ، والرّواق المطنّب ، فاضربوا ثبجه ، فإنّ الشّيطان
كامن في كسره ، قد قدّم للوثبة يدا ، وأخّر للنّكوص رجلا ، فصمدا صمدا حتّى ينجلي لكم عمود الحقّ * ( ( وأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ ، والله مَعَكُمْ ، ولَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ ) ) * .
أقول : قد اشتملت هذه الأوامر على تعليم كيفية الحرب ، وبدأ بالامر باستشعار خشية اللَّه اى : اتّخاذها شعارا ، والشعار : ما يلي الجسد من الثياب واستعار وصف تجلبب السكينة : للتلبّس بها كالجلباب وهى : الملحفة ، وفائدته طرد الفشل وارهاب العدوّ . والنواجذ : أقصى الاضراس وفائدة العض عليها ، نبو السيف عن الهامة ليصلب عضل الرأس ومقاومته حينئذ للضربة . واللَّاءمة بوزن فعلة : الدرع واكمالها بالبيضة والسواعد ، ويحتمل ان يراد بها جميع آلة الحرب والغرض شدّة التحصن . وفائدة قلقلة السيوف في اغمادها . سهولة سلها : وقت الحاجة اليها . ولحظ الخزر : من امارات الغضب والحمية ، وفائدته اخذ الغرّة من العدوّ . والشزر بسكون الزاء وهو : الطعن على غير استقامة بل يمينا وشمالا ، فائدته توسعة المجال للطاعن . والمنافحة بالضبى : التناول باطراف السيوف وفائدته توسعة المجال ايضا ، فانّ القرب من العدوّ تمنع من ذلك . وصلة السيوف بالخطا ، وفائدته انّ السيف قد يكون قصيرا فيطول بالخطوة ومدّ اليد ولانّ فيه الاقدام على العدوّ والزحف اليه ، وذلك مما يوجب له الانفعال والتاخّر ، وفيه قول الشاعر :
< شعر > اذا قصرت أسيافنا كان وصلها خطانا الى اعدائنا فنضارب < / شعر > وكونهم بعين اللَّه اى : بحيث يراهم ، ويعلم ما يفعلون . وقوله : وطيبوا عن انفسكم نفسا : تسهيل للموت عليهم بما يستلزمه من الثواب الاخروىّ . والنفس الاولى الشخص الزائل بالموت ، والنفس المنصوبة على التمييز المدبّرة للبدن . وسمحا : سهلا . والسواد الأعظم : جماعة اهل الشام . والرواق المطنّب : مضرب كالفسطاط لمعاوية وكان يومئذ فى مضرب عليه قبّة عالية باطناب عظيمة ، وحوله من اهل الشام مائة الف كانوا تعاهدوا على ان لا ينفرجوا عنه حتّى يقتلوا . وثبجه : وسطه وأراد بكمون الشيطان في كسره : كونه مظنّة الشيطان اذ ضرب على طاعته ومعصية اللَّه . وقيل : استعار لفظه لمعاوية باعتبار اغوائه للخلق ، وكنّى بقوله : قد قدّم ، الى قوله : اخرى : عن كونه متردّدا في أمره ، وعلى غير يقين في قتاله ، فهو في مظنّة ان يرجع ويهرب . وكسر البيت : جانبه . والصمد :