66 - ومن كلام له عليه السّلام فى ذمّ اصحابه كم أداريكم كما تدارى البكار العمدة ، والثّياب المتداعية كلَّما حيصت من جانب تهتّكت من آخر أكلَّما أطلّ عليكم منسر من مناسر أهل الشّام أغلق كلّ رجل منكم بابه ، وانجحر انجحار الضّبّة في جحرها ، والضّبع في وجارها الذّليل واللَّه من نصر تموه ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل . وإنّكم ، واللَّه ، لكثير في الباحات قليل تحت الرّايات ، وإنّى لعالم بما يصلحكم ويقيم أودكم ، ولكنّى لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسى أضرع اللَّه خدودكم ، وأتعس جدودكم ، لا تعرفون الحقّ كمعرفتكم الباطل ، ولا تبطلون الباطل كإبطالكم الحقّ .
اقول : الفصل في ذمّ اصحابه لتقاعدهم عن الحرب . والبكار : العمدة التي انشدخ باطن اسنمتها لثقل الحمل ويسمّى ذلك العمد ، ووجه الشبه مداراتهم بمداراتها قوّة المداراة وكثرتها . وخصّ البكار جمع بكرة : لانّها اشدّ تضجّرا بالحمل عند ذلك الدّاء ، واشار الى وجه شبهها بمداراة الثياب المتداعية ، اى : المتتابعة في التمزّق ، بقوله : كلَّما حيصت الى قوله : آخر . وحيصت : خيطت وجمعت ، اى : كلَّما اصلح حال بعضهم ، وجمعهم للحرب فسد بعض آخر عليه ، وتفرّق عنه . واطلّ : أشرف . والمنسر بفتح الميم ، وكسر السين ، وبالعكس : القطعة من الجيش من المائة الى المأتين . والوجار : بيت الضبع .
والأفوق الناصل : السهم لا فوق له ولا نصل ويتمثّل به في الاستعانة بمن لا عناء فيه .
والباحة : ساحة الدار . والأود : الاعوجاج ، واراد بما يصلحهم ويقيم اعوجاجهم كالضرب والقتل ، وان كان على غير وجه شرعىّ كما يفعل الملوك .
وقوله : ولكنّي الى قوله : نفسى : كالعذر عن عدم فعل ذلك بهم لما يستلزمه من الاثم المفسد للدين ، المهلك في الآخرة . واضرع اي : أذلّ . واتعس : اهلك . والجدّ : الحظ . وقوله : لا تعرفون ، الى آخره : تبكيت لهم بالجهل وغلبة الباطل على عقائدهم وأفعالهم .
< فهرس الموضوعات > وقال عليه السلام في سحر اليوم الذي ضرب فيه < / فهرس الموضوعات > 67 - وقال عليه السّلام فى سحرة اليوم الذى ضرب فيه ملكتنى عينى وأنا جالس ، فسنح لى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فقلت : يا رسول اللَّه ، ما ذا لقيت من أمّتك من الأود واللَّدد فقال : « ادع عليهم » فقلت : أبدلني اللَّه بهم خيرا منهم ، وأبدلهم بى شرّا لهم منّى .
اقول : ملكه عينه : كناية عن نومه . وسنح : عرض له خيال في المنام .
< فهرس الموضوعات > ومن خطبة له عليه السلام في ذم أهل العراق < / فهرس الموضوعات > 68 - ومن خطبة له عليه السّلام فى ذم أهل العراق أمّا بعد يا أهل العراق فإنّما أنتم كالمرأة الحامل حملت فلمّا أتمّت أملصت ، ومات قيّمها ، وطال تأيّمها ، وورثها أبعدها أما واللَّه ما أتيتكم اختيارا ، ولكن جئت إليكم سوقا ، ولكنّى بلغنى أنّكم تقولون : علىّ يكذب قاتلكم اللَّه ، فعلى من أكذب أعلى اللَّه فأنا أوّل من آمن به أم على نبيّه فأنا أوّل من صدّقه ، كلَّا واللَّه ، ولكنّها لهجة غبتم عنها ولم تكونوا من أهلها . ويلمّه كيلا بغير ثمن لو كان له وعاء * ( ( ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأَه بَعْدَ حِينٍ ) ) * .
اقول : هذا الكلام منه بعد حرب صفين . واملصت المرأة : اسقطت . والأيم : التي لا بعل لها ، ووجه تمثيلهم بالمرأة الموصوفة ما فيه من تشبّهات حالهم بحالها ، فاستعدادهم لحرب اهل الشام يشبه حمل المرأة ، ومشارفتهم للظفر يشبه الأيم . فانّ مالك الاشتر رحمه اللَّه شارف دمشق صبيحة ليلة الهرير ليدخلها من غير حرب لو لا خدعة معاوية وقومه برفع المصاحف ، وانخداع اصحابه عليه السّلام ، ورجوعهم عن عدوّهم بعد ظفرهم به ، يشبه الاملاص وخروجهم عن رأيه عليه السّلام ، وتفرّقهم عليه يشبه موت
قيّمها ، وهو زوجها المستلزم لذلَّها وعجزها ، واخذ عدوّهم مالهم من البلاد ، وتغلَّبه عليها يشبه ميراث الأبعد لها . واشار بسوقه اليهم الى حكم القضاء الالهى عليه بذلك ، او الى اكراههم له على البيعة بعد امتناعه منها كما وصفه غير مرّة وما بلغه من تكذيبهم له ، فهو كلام منافقى اصحابه فانّهم كانوا يكذّبونه في بعض ما كان يخبرهم من الامور المستقبلة .
روى انّه لما قال : لو كسرت لى الوسادة لحكمت بين اهل التوراة بتوراتهم ، وبين اهل الانجيل بإنجيلهم ، وبين أهل الزبور بزبورهم وبين اهل الفرقان بفرقانهم ، واللَّه ما من آية نزلت في برّ أو بحر أو سهل أو جبل ولا سماء ولا أرض الَّا وأنا أعلم فيمن نزلت وفي اىّ شيء انزلت . قال رجل من تحت المنبر : يا للَّه ، وللدعوى الكاذبة .
وقوله : ولكنّها ، الى آخره : اشارة[1]الى مجمل كلامه ، وانّه غير ما ادّعوه من الكذب واللهجة واللسان والقول الفصيح . واشار بقوله : غبتم عنها : الى انفراده عليه السّلام بسماعها من الرسول صلى اللَّه عليه وآله ، ولم يكونوا من اهلها الى ان الاستعداد لفهم مثل ذلك وسماعه طور آخر وراء عقولهم الضعيفة انّما حصلت لمثله عليه السّلام ، وحاله مع هؤلاء مختصرة من حال الرسول صلى اللَّه عليه وآله مع منافقى قومه . وقوله : ويل امّة : كلمة يقال للاسترحام ، وقيل : للتعجّب من الأمر واصلها الدعاء على الامّ تفقد ولدها وترحّم لها عند ذلك . وقوله : كيلا بغير ثمن : اشارة الى ما يلقيه اليهم من الحكم البالغة والتعليم النافع لا يريد به جزاء ثم لم يفقهوه فلذلك تعجّب منهم . و[2]كيلا مصدر اى : اكيل لهم العلم ، والهداية كيلا بغير ثمن لو كان فيهم من يعيه ويفهمه . وقوله : * ( ولَتَعْلَمُنَّ ) * ، الآية : فى معرض التهديد بثمرة الجهل والتثاقل عن المسارعة الى دعوته .
69 - ومن خطبة له عليه السّلام علم فيها الناس الصلاة على النبي صلى اللَّه عليه وآله اللَّهمّ داحى المدحوّات ، وداعم المسموكات ، وجابل القلوب على فطرتها شقيّها و
[1]في ش بزيادة : اجمالية
[2]بزيادة ( وقوله ) في ش .
سعيدها ، اجعل شرائف صلواتك ونوامى بركاتك على محمّد عبدك ورسولك : الخاتم لما سبق ، والفاتح لما انغلق ، والمعلن الحقّ بالحقّ ، والدّافع جيشات الأباطيل ، والدّامغ صولات الأضاليل ، كما حمّل فاضطلع قائما بأمرك ، مستوفزا في مرضاتك ، غير ناكل عن قدم ، ولاواه في عزم واعيا لوحيك ، حافظا على لعهدك ، ماضيا على نفاذ أمرك حتّى أورى قبس القابس ، وأضاء الطَّريق للخابط ، وهديت به القلوب بعد خوضات الفتن ، وأقام موضحات الأعلام ، ونيّرات الأحكام ، فهو أمينك المأمون ، وخازن علمك المخزون ، وشهيدك يوم الدّين ، وبعيثك بالحقّ ، ورسولك إلى الخلق . اللَّهمّ افسح له مفسحا في ظلَّك ، واجزه مضاعفات الخير من فضلك . اللَّهمّ أعل على بناء البانين بناءه ، وأكرم لديك منزلته ، وأتمم له نوره واجزه من ابتعاثك له مقبول الشّهادة ، ومرضىّ المقالة ذا منطق عدل ، وخطَّة فصل . اللَّهمّ اجمع بيننا وبينه في برد العيش وقرار النّعمة ، ومنى الشّهوات ، وأهواء اللَّذّات ، ورخاء الدّعة ، ومنتهى الطَّمأنينة ، وتحف الكرامة .
اقول : فى هذا الفصل فصول ثلاثة : الاوّل ، فى صفات المدعوّ تعالى وتمجيده .
الثاني ، فى صفات المدعوّ له وهو النبىّ صلى اللَّه عليه وآله .
الثالث ، فى انواع المدعوّ به .
والاوّل هو قوله : اللَّهم ، الى قوله : وسعيدها . والمدحوّات : المبسوطات اى : باسط الأرضين السبع ، والمسموكات : السماوات ، وداعمها : حافظها بدعائم قدرته ، وجابل القلوب على فطرتها : خالقها على ما خلقها من التهيّوء والاستعداد لسلوك سبيلى الخير والشرّ ، واستحقاق السعادة والشقاوة ، بحسب القضاء الالهى كما قال تعالى : * ( ( ونَفْسٍ وما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها ) ) *[1]وشقيّها بدل من القلوب اى : خالق شقىّ القلوب وسعيدها على ما فطر عليه ، وكتب في اللوح المحفوظ كقوله تعالى * ( ( يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ ) ) *[2].
[1]سورة الشمس - 8
[2]سورة هود - 105 .
الثاني ذكر للنبىّ عليه السّلام ، احد وعشرين وصفا هى جهات استحقاق الرحمة من اللَّه تعالى . وخاتما لما سبق اى : من انوار الوحى والرسالة ، وفاتحا لما انغلق اى : من سبيل اللَّه قبله . وطريق جنّته ، بابداء الشرائع ، والحقّ الذى اظهره هو الدين ، والَّذى اظهره به هو المعجزات والبراهين ، والحاصل انّه اظهر الحقّ بعضه ببعض ، وجيشات جمع جيشة ، وهو : غليان القدر ، واستعار لفظها : لثوران اباطيل المشركين وفوران فتنتهم . والدمغ : كسر عظم الدماغ ، ويستعمل في القهر والغلبة . والأضاليل جمع ضلال وهو : الجهل . وقوله : كما حمّل فاضطلع اى : صلّ عليه صلاة مشابهة لحمله رسالتك ، واضطلاعه بها : قوّته عليها ونهوضه بها ، وقائما وما بعده : من المنصوبات احوال . والقدم : التقدّم اى : غير راجع عن تقدّمه في امر اللَّه ، وحفظه لعهده اى : العهد المأخوذ عليه ، فى تبليغ الرسالة .
واستعار لفظ القبس وهو : الشعلة : لنور العلم والحكمة . ورشح بذكر الورى اى : اظهر انوار العلم في سبيل اللَّه حتى اضاءت لمن كان يخبط فيها ويمشى على غير بصيرة .
وموضحات الاعلام : هى الادلَّة الواضحة على الحق ونيرّات الاحكام هى : المطالب الواضح لزومها عن تلك الادلَّة ، وعلمه المخزون هو : علمه الغيبىّ المشار اليه ، بقوله : * ( عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِه أَحَداً ) *[1]الآية . وكونه شهيدا اى : على امّته بما علم منهم من طاعة وعصيان .
الثالث المدعوّ به ، والمفسح المكان : المتّسع اى : فى حضرة قدسه ، وظلّ وجوده ، وبناؤه هو : ما شيّده من الدّين اى : اعلى دينه واظهره على سائر الاديان ، وكذلك نور دينه او نور نفسه الَّذى يسعى بين يديه ، ومقبول القول مفعول آخر ، وذا منطق : نصب على الحال وكنّى بقبول شهادته عن تمام الرضى عنه ، ومنطق عادل لا كذب فيه . وخطَّة فصل اى : فاصله للحقّ من الباطل . وبرد العيش : كناية عن عدم الكلفة فيه ، وهو فى الآخرة ثمرة الجنة ، وقرار النعمة : مستقرّها ، وهو ايضا ثباتها وغايتها . واهواء اللذّات : ما يهواه ويميل اليه . ورخاء الدعة ومنتهى الطمأنينة : اتّساع سكون النفس بلذّة مفارقة الحقّ والانس بالملأ الأعلى ، وامنها من مزعجات الدنيا ، وتحف الكرامة : سائر ما اعدّه لكرامة اوليائه مما وعدوا به .
[1]سورة الجن - 26 .
70 - ومن كلام له عليه السّلام قاله لمروان بن الحكم بالبصرة قالوا : أخذ مروان بن الحكم أسيرا يوم الجمل ، فاستشفع الحسن والحسين عليهما السّلام إلى أمير المؤمنين عليه السّلام فكلماه فيه ، فخلى سبيله ، فقالا له : يبايعك يا أمير المؤمنين فقال عليه السّلام : أولم يبايعنى بعد قتل عثمان لا حاجة لى في بيعته إنّها كفّ يهوديّة لو بايعنى بكفّه لغدر بسبته أما إنّ له إمرة كلعقة الكلب أنفه ، وهو أبو الأكبش الأربعة ، وستلقى الأمّة منه ومن ولده يوما أحمر اقول : نبّه بقوله : يد يهودية على غدره وخبثه ، لانّ شأن اليهود ذلك . والسبّة : الاست ، ولمّا كان الغدر من اقبح الرذائل نسبه الى السبّة في معرض الذمّ والاهانة ، ثمّ نبّه من أمره في المستقبل على ثلاثة امور : أحدها ان يكون اميرا للمسلمين ونبّه على قصر مدّة ولايته ، فى معرض الاستهانة بأمره بتشبّهها بلعقة الكلب انفه ، وكانت مدّتها أربعة اشهر وعشرا ، وروى : ستة اشهر .
الثاني انّه سيكون ابا للاكبش الاربعة ، وكبش القوم : رئيسهم ، فكان له أربعة ذكور لصلبه ، وهم عبد الملك ، وولى الخلافة ، وعبد العزيز وولى مصر ، وبشر وولى العراق ، ومحمد وولى الجزيرة . ويحتمل ان يريد بالاربعة : اولاد عبد الملك ، وهم : الوليد ، وسليمان ، ويزيد ، وهشام ، وكلَّهم ولَّوا الخلافة ولم يلها أربعة اخوة الَّا هم .
الثالث ما يلقى الامّة منه ومن ولده من القتل ، وانتهاك الحرمة ، وكنّى عنه : بالموت الأحمر ، وهو : كناية عن الشدائد . وروى : يوما احمر ، وكنّى به : عن زمان مدّتهم ، واحوال الامّة مع بنى اميّة مشهورة .
< فهرس الموضوعات > من كلام له عليه السلام لما عزموا على بيعة عثمان < / فهرس الموضوعات > 71 - ومن كلام له عليه السّلام لما عزموا على بيعة عثمان لقد علمتم أنّى أحقّ النّاس بها من غيرى ، وواللَّه لأسلَّمنّ ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جور إلَّا علىّ خاصّة التماسا لأجر ذلك وفضله ، وزهدا فيما تنافستموه من زخرفه وزبرجه .
أقول : الضمير في « بها » للخلافة . ولا سلَّمن اى : ذلك الامر . وما للمدة . وخاصة : حال ، والتماسا : مفعول له ، والعامل : لا سلَّمن . والزخرف : الذهب والزينة . الزّبرج بكسر الزاء والراء : النقش بالحيلة .
< فهرس الموضوعات > من كلام له عليه السلام لما بلغه اتهام بني أمية له بالمشاركة في دم عثمان < / فهرس الموضوعات > 72 - ومن كلام له عليه السّلام لما بلغه اتهام بنى أمية له بالمشاركة في دم عثمان أولم ينه أميّة علمها بى عن قرفى أو ما وزع الجهّال سابقتى عن تهمتى ولما وعظهم اللَّه به أبلغ من لسانى أنا حجيج المارقين ، وخصيم المرتابين وعلى كتاب اللَّه تعرض الأمثال ، وبما في الصّدور تجازى العباد .
أقول : القرف : التهمة . ووزع : كفّ . وسابقته : سبقة في الدين والشرف وما وعظهم اللَّه به كقوله تعالى : * ( ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) ) *[1]وقوله : * ( ( ولا يَغْتَبْ ) ) *[2]الآية في النهى عن الغيبة . والحجيج : المحاجّ . والخصيم : المخاصم . والمارقون : الخارجون عن الدين بالكبائر . والمرتابون : المنافقون لشكَّهم في الدين . وقوله : على كتاب اللَّه ، الى آخره : اشارة الى الحجّة التي يحاجّ بها اى : نسبتم قتل عثمان الىّ بوجه ، فاعرضوا ذلك على
[1]سورة الحجرات - 12
[2]سورة الحجرات - 12 .
كتاب اللَّه فعليه يعرض الامثال والاشباه فان دلّ شيء منه على كونى قاتلا فلكم ان تحكموا بذلك .
73 - ومن خطبة له عليه السّلام رحم اللَّه امرأ سمع حكما فوعى ، ودعى إلى رشاد فدنا ، وأخذ بحجزة هاد فنجا : راقب ربّه ، وخاف ذنبه ، قدّم خالصا ، وعمل صالحا ، اكتسب مذخورا ، واجتنب محذورا ، رمى غرضا ، وأحرز عوضا كابر هواه ، وكذّب مناه ، جعل الصّبر مطيّة نجاته ، والتّقوى عدّة وفاته ركب الطَّريقة الغرّاء ، ولزم المحجّة البيضاء ، اغتنم المهل ، وبادر الأجل ، وتزوّد من العمل . اقول الحكم : الحكمة ، والرشاد : الهدى . والحجزة : معقد الازار ، واستعار لفظه : لهدى الهادى ولزوم قصده والاقتداء به ، وفيه تنبيه على الحاجة الى الشيخ في سلوك سبيل اللَّه ، والمراقبة والمحافظة وفي عرف السالكين مراعاة القلب للرقيب وهو اللَّه سبحانه اذ يقول : * ( ( يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ ) ) *[1]واستغراق القلب بمراعاة جلاله ، ويلزمها الخوف منه ، ويعطل الجوارح عن الالتفات الى المباحات فضلا عن المحظورات ، وخالصا اى : عملا خالصا ، والمذخور : اجر العمل الصالح ، والمحذور : الاثم ، ورميه للغرض : حذفه لمقاصد الدنيا عن نفسه . ويروى عرضا بالعين المهملة وهو : متاع الدنيا واحراز العوض منه : متاع الآخرة بالعمل الصالح ، وما يلزمه من ملكات الخير ، ومكابرة هواه : مقاومته لشهوته وغضبه ، وقمعها وتكذيب مناه : مقابلة ما يلقاه الشيطان اليه من امانى الدنيا بالتكذيب وتجويز عدم نيلها وذكر غايتها .
واستعار لفظ المطيّة : للصبر باعتبار انّ لزومه سبب للنجاة كظهر المطيّة ، والعدّة : لما استعدّ به الانسان للامر ، والغرّاء : الواضحة واراد الشريعة ، وهى المحجّة البيضاء ، والمهل : ايّام مهلة العمل في الدنيا ومبادرة الاجل : مسابقته بالعمل لئلَّا ينقطع دونه .
[1]سورة النساء - 1 .