سعيدها ، اجعل شرائف صلواتك ونوامى بركاتك على محمّد عبدك ورسولك : الخاتم لما سبق ، والفاتح لما انغلق ، والمعلن الحقّ بالحقّ ، والدّافع جيشات الأباطيل ، والدّامغ صولات الأضاليل ، كما حمّل فاضطلع قائما بأمرك ، مستوفزا في مرضاتك ، غير ناكل عن قدم ، ولاواه في عزم واعيا لوحيك ، حافظا على لعهدك ، ماضيا على نفاذ أمرك حتّى أورى قبس القابس ، وأضاء الطَّريق للخابط ، وهديت به القلوب بعد خوضات الفتن ، وأقام موضحات الأعلام ، ونيّرات الأحكام ، فهو أمينك المأمون ، وخازن علمك المخزون ، وشهيدك يوم الدّين ، وبعيثك بالحقّ ، ورسولك إلى الخلق . اللَّهمّ افسح له مفسحا في ظلَّك ، واجزه مضاعفات الخير من فضلك . اللَّهمّ أعل على بناء البانين بناءه ، وأكرم لديك منزلته ، وأتمم له نوره واجزه من ابتعاثك له مقبول الشّهادة ، ومرضىّ المقالة ذا منطق عدل ، وخطَّة فصل . اللَّهمّ اجمع بيننا وبينه في برد العيش وقرار النّعمة ، ومنى الشّهوات ، وأهواء اللَّذّات ، ورخاء الدّعة ، ومنتهى الطَّمأنينة ، وتحف الكرامة .
اقول : فى هذا الفصل فصول ثلاثة : الاوّل ، فى صفات المدعوّ تعالى وتمجيده .
الثاني ، فى صفات المدعوّ له وهو النبىّ صلى اللَّه عليه وآله .
الثالث ، فى انواع المدعوّ به .
والاوّل هو قوله : اللَّهم ، الى قوله : وسعيدها . والمدحوّات : المبسوطات اى : باسط الأرضين السبع ، والمسموكات : السماوات ، وداعمها : حافظها بدعائم قدرته ، وجابل القلوب على فطرتها : خالقها على ما خلقها من التهيّوء والاستعداد لسلوك سبيلى الخير والشرّ ، واستحقاق السعادة والشقاوة ، بحسب القضاء الالهى كما قال تعالى : * ( ( ونَفْسٍ وما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها ) ) *[1]وشقيّها بدل من القلوب اى : خالق شقىّ القلوب وسعيدها على ما فطر عليه ، وكتب في اللوح المحفوظ كقوله تعالى * ( ( يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ ) ) *[2].
[1]سورة الشمس - 8
[2]سورة هود - 105 .
الثاني ذكر للنبىّ عليه السّلام ، احد وعشرين وصفا هى جهات استحقاق الرحمة من اللَّه تعالى . وخاتما لما سبق اى : من انوار الوحى والرسالة ، وفاتحا لما انغلق اى : من سبيل اللَّه قبله . وطريق جنّته ، بابداء الشرائع ، والحقّ الذى اظهره هو الدين ، والَّذى اظهره به هو المعجزات والبراهين ، والحاصل انّه اظهر الحقّ بعضه ببعض ، وجيشات جمع جيشة ، وهو : غليان القدر ، واستعار لفظها : لثوران اباطيل المشركين وفوران فتنتهم . والدمغ : كسر عظم الدماغ ، ويستعمل في القهر والغلبة . والأضاليل جمع ضلال وهو : الجهل . وقوله : كما حمّل فاضطلع اى : صلّ عليه صلاة مشابهة لحمله رسالتك ، واضطلاعه بها : قوّته عليها ونهوضه بها ، وقائما وما بعده : من المنصوبات احوال . والقدم : التقدّم اى : غير راجع عن تقدّمه في امر اللَّه ، وحفظه لعهده اى : العهد المأخوذ عليه ، فى تبليغ الرسالة .
واستعار لفظ القبس وهو : الشعلة : لنور العلم والحكمة . ورشح بذكر الورى اى : اظهر انوار العلم في سبيل اللَّه حتى اضاءت لمن كان يخبط فيها ويمشى على غير بصيرة .
وموضحات الاعلام : هى الادلَّة الواضحة على الحق ونيرّات الاحكام هى : المطالب الواضح لزومها عن تلك الادلَّة ، وعلمه المخزون هو : علمه الغيبىّ المشار اليه ، بقوله : * ( عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِه أَحَداً ) *[1]الآية . وكونه شهيدا اى : على امّته بما علم منهم من طاعة وعصيان .
الثالث المدعوّ به ، والمفسح المكان : المتّسع اى : فى حضرة قدسه ، وظلّ وجوده ، وبناؤه هو : ما شيّده من الدّين اى : اعلى دينه واظهره على سائر الاديان ، وكذلك نور دينه او نور نفسه الَّذى يسعى بين يديه ، ومقبول القول مفعول آخر ، وذا منطق : نصب على الحال وكنّى بقبول شهادته عن تمام الرضى عنه ، ومنطق عادل لا كذب فيه . وخطَّة فصل اى : فاصله للحقّ من الباطل . وبرد العيش : كناية عن عدم الكلفة فيه ، وهو فى الآخرة ثمرة الجنة ، وقرار النعمة : مستقرّها ، وهو ايضا ثباتها وغايتها . واهواء اللذّات : ما يهواه ويميل اليه . ورخاء الدعة ومنتهى الطمأنينة : اتّساع سكون النفس بلذّة مفارقة الحقّ والانس بالملأ الأعلى ، وامنها من مزعجات الدنيا ، وتحف الكرامة : سائر ما اعدّه لكرامة اوليائه مما وعدوا به .
[1]سورة الجن - 26 .
70 - ومن كلام له عليه السّلام قاله لمروان بن الحكم بالبصرة قالوا : أخذ مروان بن الحكم أسيرا يوم الجمل ، فاستشفع الحسن والحسين عليهما السّلام إلى أمير المؤمنين عليه السّلام فكلماه فيه ، فخلى سبيله ، فقالا له : يبايعك يا أمير المؤمنين فقال عليه السّلام : أولم يبايعنى بعد قتل عثمان لا حاجة لى في بيعته إنّها كفّ يهوديّة لو بايعنى بكفّه لغدر بسبته أما إنّ له إمرة كلعقة الكلب أنفه ، وهو أبو الأكبش الأربعة ، وستلقى الأمّة منه ومن ولده يوما أحمر اقول : نبّه بقوله : يد يهودية على غدره وخبثه ، لانّ شأن اليهود ذلك . والسبّة : الاست ، ولمّا كان الغدر من اقبح الرذائل نسبه الى السبّة في معرض الذمّ والاهانة ، ثمّ نبّه من أمره في المستقبل على ثلاثة امور : أحدها ان يكون اميرا للمسلمين ونبّه على قصر مدّة ولايته ، فى معرض الاستهانة بأمره بتشبّهها بلعقة الكلب انفه ، وكانت مدّتها أربعة اشهر وعشرا ، وروى : ستة اشهر .
الثاني انّه سيكون ابا للاكبش الاربعة ، وكبش القوم : رئيسهم ، فكان له أربعة ذكور لصلبه ، وهم عبد الملك ، وولى الخلافة ، وعبد العزيز وولى مصر ، وبشر وولى العراق ، ومحمد وولى الجزيرة . ويحتمل ان يريد بالاربعة : اولاد عبد الملك ، وهم : الوليد ، وسليمان ، ويزيد ، وهشام ، وكلَّهم ولَّوا الخلافة ولم يلها أربعة اخوة الَّا هم .
الثالث ما يلقى الامّة منه ومن ولده من القتل ، وانتهاك الحرمة ، وكنّى عنه : بالموت الأحمر ، وهو : كناية عن الشدائد . وروى : يوما احمر ، وكنّى به : عن زمان مدّتهم ، واحوال الامّة مع بنى اميّة مشهورة .
< فهرس الموضوعات > من كلام له عليه السلام لما عزموا على بيعة عثمان < / فهرس الموضوعات > 71 - ومن كلام له عليه السّلام لما عزموا على بيعة عثمان لقد علمتم أنّى أحقّ النّاس بها من غيرى ، وواللَّه لأسلَّمنّ ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جور إلَّا علىّ خاصّة التماسا لأجر ذلك وفضله ، وزهدا فيما تنافستموه من زخرفه وزبرجه .
أقول : الضمير في « بها » للخلافة . ولا سلَّمن اى : ذلك الامر . وما للمدة . وخاصة : حال ، والتماسا : مفعول له ، والعامل : لا سلَّمن . والزخرف : الذهب والزينة . الزّبرج بكسر الزاء والراء : النقش بالحيلة .
< فهرس الموضوعات > من كلام له عليه السلام لما بلغه اتهام بني أمية له بالمشاركة في دم عثمان < / فهرس الموضوعات > 72 - ومن كلام له عليه السّلام لما بلغه اتهام بنى أمية له بالمشاركة في دم عثمان أولم ينه أميّة علمها بى عن قرفى أو ما وزع الجهّال سابقتى عن تهمتى ولما وعظهم اللَّه به أبلغ من لسانى أنا حجيج المارقين ، وخصيم المرتابين وعلى كتاب اللَّه تعرض الأمثال ، وبما في الصّدور تجازى العباد .
أقول : القرف : التهمة . ووزع : كفّ . وسابقته : سبقة في الدين والشرف وما وعظهم اللَّه به كقوله تعالى : * ( ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) ) *[1]وقوله : * ( ( ولا يَغْتَبْ ) ) *[2]الآية في النهى عن الغيبة . والحجيج : المحاجّ . والخصيم : المخاصم . والمارقون : الخارجون عن الدين بالكبائر . والمرتابون : المنافقون لشكَّهم في الدين . وقوله : على كتاب اللَّه ، الى آخره : اشارة الى الحجّة التي يحاجّ بها اى : نسبتم قتل عثمان الىّ بوجه ، فاعرضوا ذلك على
[1]سورة الحجرات - 12
[2]سورة الحجرات - 12 .
كتاب اللَّه فعليه يعرض الامثال والاشباه فان دلّ شيء منه على كونى قاتلا فلكم ان تحكموا بذلك .
73 - ومن خطبة له عليه السّلام رحم اللَّه امرأ سمع حكما فوعى ، ودعى إلى رشاد فدنا ، وأخذ بحجزة هاد فنجا : راقب ربّه ، وخاف ذنبه ، قدّم خالصا ، وعمل صالحا ، اكتسب مذخورا ، واجتنب محذورا ، رمى غرضا ، وأحرز عوضا كابر هواه ، وكذّب مناه ، جعل الصّبر مطيّة نجاته ، والتّقوى عدّة وفاته ركب الطَّريقة الغرّاء ، ولزم المحجّة البيضاء ، اغتنم المهل ، وبادر الأجل ، وتزوّد من العمل . اقول الحكم : الحكمة ، والرشاد : الهدى . والحجزة : معقد الازار ، واستعار لفظه : لهدى الهادى ولزوم قصده والاقتداء به ، وفيه تنبيه على الحاجة الى الشيخ في سلوك سبيل اللَّه ، والمراقبة والمحافظة وفي عرف السالكين مراعاة القلب للرقيب وهو اللَّه سبحانه اذ يقول : * ( ( يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ ) ) *[1]واستغراق القلب بمراعاة جلاله ، ويلزمها الخوف منه ، ويعطل الجوارح عن الالتفات الى المباحات فضلا عن المحظورات ، وخالصا اى : عملا خالصا ، والمذخور : اجر العمل الصالح ، والمحذور : الاثم ، ورميه للغرض : حذفه لمقاصد الدنيا عن نفسه . ويروى عرضا بالعين المهملة وهو : متاع الدنيا واحراز العوض منه : متاع الآخرة بالعمل الصالح ، وما يلزمه من ملكات الخير ، ومكابرة هواه : مقاومته لشهوته وغضبه ، وقمعها وتكذيب مناه : مقابلة ما يلقاه الشيطان اليه من امانى الدنيا بالتكذيب وتجويز عدم نيلها وذكر غايتها .
واستعار لفظ المطيّة : للصبر باعتبار انّ لزومه سبب للنجاة كظهر المطيّة ، والعدّة : لما استعدّ به الانسان للامر ، والغرّاء : الواضحة واراد الشريعة ، وهى المحجّة البيضاء ، والمهل : ايّام مهلة العمل في الدنيا ومبادرة الاجل : مسابقته بالعمل لئلَّا ينقطع دونه .
[1]سورة النساء - 1 .
< فهرس الموضوعات > من كلام له عليه السلام في الرد على سعيد بن العاص < / فهرس الموضوعات > 74 - ومن كلام له عليه السّلام إنّ بنى أميّة ليفوّقوننى تراث محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله تفويقا ، واللَّه لئن بقيت لهم لأنفضنّهم نفض اللَّحّام الوذام التّربة . ويروى « التراب الوذمة » . وهو على القلب . قال الشريف : وقوله عليه السّلام « ليفوقوننى » أى . يعطونني من المال قليلا قليلا كفواق الناقة ، وهو الحلبة الواحدة من لبنها ، والوذام : جمع وذمة وهى : الحزّة من الكرش أو الكبد تقع في التراب فتنفض .
اقول : استعار وصف[1]التفويق : لعطيّتهم المال قليلا قليلا : ( ووجه المشابهة القلَّة ما يعطونه دفعات كما يعطى الفصيل ضرع امّه لتدرّ ثم يدفع عنها لتحلب ثم يعاد اليها لتدرّ )[2]، وتراث محمد : اشارة الى الفىء الحاصل ببركته . وكذلك استعار وصف النفض المذكور لابعادهم عن ذلك الامر .
< فهرس الموضوعات > من كلمات له عليه السلام كان يدعو بها < / فهرس الموضوعات > 75 - ومن كلمات كان يدعو بها - عليه السّلام - اللَّهمّ اغفر لى ما أنت أعلم به منّى ، فإن عدت فعد علىّ بالمغفرة ، اللَّهمّ اغفر لى ما وأيت من نفسى ، ولم تجد له وفاء عندى ، اللَّهمّ اغفر لى ما تقرّبت به إليك بلسانى ثمّ خالفه قلبى . اللَّهمّ اغفر لى رمزات الألحاظ ، وسقطات الألفاظ ، وشهوات الجنان ، وهفوات اللَّسان .
اقول : حاصل الفصل سؤال المغفرة ومغفرة اللَّه يعود الى ستره على عبده : ان يقع فى عذابه او يكشف مقابحه لاهل الدنيا وما اللَّه أعلم به منه ، هو ما جاز ان يكون سيّئة من
[1]في نسخة ش : لفظ
[2]العبارة بين القوسين ساقطة من نسخة ش .
افعاله ، ولا يعلم ذلك فيفعلها . ووايت : وعدت ، ومخالفة القلب لما يتقرّب به في الظاهر من الاعمال هو : الرياء والنفاق ، ورمزات الالحاظ جمع رمزة وهى : الاشارة بالعين والحاجب الخارجة عن الدّين ، كما يفعل عند التنبيه على شخص ليظلم او يعاب . وسقطات الالفاظ : الرّدى منها . وشهوات القلوب : هفواتها عن غير تثبّت . وروى بالشين المعجمة وهى جواذب الشيطان للقلب الى ما ينبغي . وهفوات اللسان : زلَّاته وغلطاته .
وقد سأل مغفرة الذنوب المتعلَّقة بكل واحد من الجوارح .
76 - ومن كلام له عليه السّلام قاله لبعض أصحابه لما عزم على المسير إلى الخوارج فقال له : يا أمير المؤمنين ، إن سرت في هذا الوقت خشيت أن لا تظفر بمرادك ، من طريق علم النجوم . فقال عليه السّلام : أتزعم أنّك تهدى إلى السّاعة الَّتى من سار فيها صرف عنه السُّوء وتخوّف من السّاعة الَّتى من سار فيها حاق به الضّرّ فمن صدّق بهذا فقد كذّب القرآن ، واستغنى عن الإعانة باللَّه في نيل المحبوب ودفع المكروه ، وتبتغى في قولك للعامل بأمرك أن يوليك الحمد دون ربّه ، لأنّك - بزعمك - أنت هديته إلى السّاعة الَّتى نال فيها النّفع وأمن الضّرّ ثم أقبل عليه السّلام على الناس فقال : أيّها النّاس ، إيّاكم وتعلَّم النّجوم ، إلَّا ما يهتدى به في برّ أو بحر ، فإنّها تدعو إلى الكهانة ، والمنجّم كالكاهن ، والكاهن كالسّاحر والسّاحر كالكافر والكافر فى النّار ، سيروا على اسم اللَّه .
اقول : روى انّ المشير عليه بذلك كان عفيف بن قيس أخا الاشعث بن قيس[1]، و
[1]عفيف الكندي . . . ابن عم الاشعث بن قيس ، وقيل : عمه ، وقيل : اخوه والاكثر انه ابن عمه واخوه لامه . وقال الطبرى : اسمه شرجبيل وعفيف لقب . الاصابة 2 - 487 ترجمة 5586 .
كان يتعاطى علم النجوم ، واعلم انّه يعقل من نهى الشريعة عن تعلَّم النجوم امران : احدهما ، انّ اكثر المشتغلين بها والطالبين لمعرفة احكامها يعتمدون فيما يرجون ويخافون عليها ويفزعون الى ملاحظة اوقاتها ، فينقطعون بذلك عن الالتفات الى اللَّه تعالى والفزع اليه ، وذلك عمّا يضاد مطلوب الشارع اذ كان غرضه الاوّل ليس الَّا دوام التفات الخلق اليه .
الثاني ، انّ الاخبار منها عمّا سيكون في المستقبل يشبه علم الغيب ، واكثر الخلق من العوام لا يميّزون بينهما فيكون ذلك سببا لضلال الخلق ، وضعف اعتقادهم فى المعجزات ، اذ الاخبار من الانبياء عليهم السّلام عما يكون منها ويستلزم تشكيكهم في قوله تعالى : * ( ( قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ والأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا الله ) ) *[1]وكان هو السبب في تحريم الكهانة والسحر ايضا ، والعقل ايضا يطابق الشرع في تكذيب المنجّم في كثير من احكامه ، فانّه قد ثبت في القواعد العقلية انّ كل كائن فاسد في هذا العالم فلا بدّله من اسباب أربعة : فاعلىّ : وغائىّ ، وقابلىّ ، وصورىّ . ثم القابلىّ مشروط في قبول كلّ حادث بشرائط فلكية وعنصريّة مما لا يتناهى ويمنع اطَّلاع العقول البشريّة عليها ، واحاطتها بها ولانّ حساب المنجّم مبنىّ على قسمة الزمان بالشهر واليوم والساعة والدّرجة واجزائها وتقسيم الحركة بإزائها ورفعة بينهما نسبة عدديّة . وكلّ ذلك امور غير حقيقيّة وانّما يوجد على سبيل التقريب ، اقصى ما في الباب انّ التفاوت بينهما لا يظهر في المدد المتقاربة لكنّه يشبه ان يظهر في المدد المتباعدة ومع تجويز التفاوت كيف يمكن الحكم كليّا او جزئيا اذا عرفت ذلك فنقول : انّه عليه السّلام الزمه فيما يدعيّه الزامات شنيعة نفّر بها عن قبول قوله : احدها قوله فمن صدّقك الى قوله : القرآن وهو : صغرى ضمير تقدير كبراه ، وكلّ من كذّب القرآن : كان كاذبا بيان تكذيبه انّ المنجّم اذا ادعىّ انّه سيقع كذا في وقت كذا كان ذلك مكذوبا لقوله : * ( ( إِنَّ الله عِنْدَه عِلْمُ السَّاعَةِ ويُنَزِّلُ الْغَيْثَ ) ) *[2]الآية .
الثاني ، استغناء مصدّقه عن الاستعانة باللَّه ، فيما يهمّه من مخوف او مرجوّ وذلك
[1]سورة النمل - 65
[2]سورة لقمان - 34 .