بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 197


عن المعاصى عن هرب من خوف اللَّه . وكنى باليوم وبالغد : عن الدنيا والآخرة . ونظر قدما ، اى : لم يلتفت عن اللَّه ولم يعرج على سواه ، ونسبة الاحتجاج والخصام الى الكبائر مجاز ، ونفوذ ابليس فى الصدور ونفثه فى الآذان كناية : عن وسوسته ، والقائها فى القلوب بصورة الالفاظ وغيرها . والموبقات : المهلكات ، وقرينته هى : النفس الناطقة . واستدراجها : اخذها بالاستغفار والوسوسة ، وهى ايضا هيئته باعتبار احاطة المعاصى بها من قبله كما يستغلق الذهن بما عليه من المال ، وانكاره ما زيّن كقوله تعالى : * ( ( وإِذْ زَيَّنَ ، لَهُمُ الشَّيْطانُ : أَعْمالَهُمْ وقالَ ) ) * .
منها فى صفة خلق الانسان : عباد مخلوقون اقتدارا ، ومربوبون اقتسارا ، ومقبوضون احتضارا ، ومضمنون أجداثا ، وكائنون رفاتا ، ومبعوثون أفرادا ، ومدينون جزاء ، ومميّزون حسابا ، قد أمهلوا فى طلب المخرج ، وهدوا سبيل المنهج ، وعمّروا مهل المستعتب ، وكشف عنهم سدف الرّيب ، وخلَّوا لمضمار الجياد ورويّة الارتياد ، وأناة المقتبس المرتاد فى مدّة الأجل ، ومضطرب المهل . فيا لها أمثالا صائبة ، ومواعظ شافية لو صادفت قلوبا زاكية ، وأسماعا واعية ، وآراء عازمة ، وألبابا حازمة ، فاتّقوا تقيّة من سمع فخشع ، واقترف فاعترف ، ووجل فعمل ، وحاذر فبادر ، وأيقن فأحسن ، وعبّر فاعتبر ، وحذّر فازدجر ، وأجاب فأناب ، ورجع فتاب ، واقتدى فاحتذى ، وأرى فرأى ، فأسرع طالبا ، ونجا هاربا ، فأفاد ذخيرة ، وأطاب سريرة ، وعمّر معادا ، واستظهر زادا ليوم رحيله ، ووجه سبيله ، وحال حاجته ، وموطن فاقته ، وقدّم أمامه لدار مقامه . فاتّقوا اللَّه عباد اللَّه جهة ما خلقكم له ، واحذروا منه كنه ما حذّركم من نفسه ، واستحقّوا منه ما أعدّ لكم بالتّنجّز لصدق ميعاده ، والحذر من هول معاده . جعل لكم أسماعا لتعى ما عناها وأبصارا لتجلو عن عشاها ، وأشلاء جامعة لأعضائها ملائمة لأحنائها : فى تركيب صورها ، ومدد عمرها ، بأبدان قائمة بأرفاقها ، وقلوب رائدة لأرزاقها ، فى مجلَّلات نغمه ، وموجبات مننه وحواجز عافيته ، وقدّر لكم أعمارا سترها عنكم ، وخلَّف لكم عبرا ، من آثار الماضين قبلكم ، من مستمتع خلاقهم ،


صفحه 198


ومستفسح خناقهم أرهقتهم المنايا دون الآمال ، وشذّبهم عنها تخرّم الآجال ، لم يمهدوا فى سلامة الأبدان ولم يعتبروا فى أنف الأوان ، فهل ينتظر أهل بضاضة الشّباب الَّا حواني الهرم وأهل غضارة الصّحّة الَّا نوازل السّقم وأهل مدّة البقاء الَّا آونة الفناء مع قرب الزّيال ، وأزوف الانتقال ، وعلز القلق ، وألم المضض ، وغصص الجرض ، وتلفّت الاستغاثة بنصرة الحفدة والأقرباء والأعزّة والقرناء ، فهل دفعت الأقارب ، أو نفعت النّواحب ، وقد غودر فى محلَّة الأموات رهينا ، وفى ضيق المضجع وحيدا ، قد هتكت الهوامّ جلدته وأبلت النّواهك جدّته ، وعفت العواصف آثاره ، ومحا الحدثان معالمه وصارت الأجساد شحبة بعد بضّتها ، والعظام نخرة بعد قوّتها ، والأرواح مرتهنة بثقل أعبائها ، موقنة بغيب أنبائها ، لا تستزاد من صالح عملها ، ولا تستعتب من سيّئ زللها أو لستم أبناء القوم والآباء واخوانهم والأقرباء تحتذون أمثلتهم ، وتركبون قدّتهم ، وتطئون جادّتهم فالقلوب قاسية عن حظَّها لاهية عن رشدها سالكة فى غير مضمارها كأنّ المعنىّ سواها وكأنّ الرّشد فى احراز دنياها .
واعلموا أنّ مجازكم على الصّراط ، ومزالق دحضه ، وأهاويل زلله وتارات أهواله ، فاتّقوا اللَّه تقيّة ذى لبّ شغل التّفكر قلبه ، وأنصب الخوف بدنه وأسهر التّهجّد غرار نومه ، وأظمأ الرّجاء هواجر يومه ، وظلف الزّهد شهواته ، وأرجف الذّكر بلسانه ، وقدّم الخوف لابّانه ، وتنكَّب المخالج عن وضح السّبيل ، وسلك أقصد المسالك الى النّهج المطلوب ، ولم تفتله فاتلات الغرور ولم تعم عليه مشتبهات الأمور ، ظافرا بفرحة البشرى ، وراحة النّعمى فى أنعم نومه ، وآمن يومه ، قد عبر معبر العاجلة حميدا وقدّم زاد الآجلة سعيدا ، وبادر من وجل ، وأكمش فى مهل ، ورغب فى طلب ، وذهب عن هرب ، وراقب فى يومه غده ، ونظر قدما أمامه فكفى بالجنّة ثوابا ونوالا ، وكفى بالنّار عقابا ووبالا وكفى باللَّه منتقما ونصيرا وكفى بالكتاب حجيجا وخصيما أوصيكم بتقوى اللَّه الَّذى أعذر بما أنذر واحتجّ بما نهج وحذّركم عدوّا نفذ فى الصّدور خفيّا ، ونفث فى الآذان نجيّا فأضلّ وأردى ، ووعد فمنّى ، وزيّن سيّئات الجرائم ، وهوّن موبقات العظائم حتّى اذا استدرج قرينته ، واستغلق رهينته ، أنكر مازيّن ، واستعظم ما هوّن ، وحذّر ما أمّن .


صفحه 199


ومنها فى صفة خلق الانسان : أم هذا الَّذى أنشأه فى ظلمات الأرحام ، وشغف الأستار ، نطفة دهاقا وعلقة محاقا ، وجنينا وراضعا ، ووليدا ويافعا ، ثمّ منحه قلبا حافظا ، ولسانا لافظا ، وبصرا لاحظا ليفهم معتبرا ، ويقصّر مزدجرا ، حتّى اذا قام اعتداله ، واستوى مثاله ، نفر مستكبرا ، وخبط سادرا ، ماتحا فى غرب هواه ، كادحا سعيا لدنياه ، فى لذّات طربه ، وبدوات أربه ، لا يحتسب رزيّة ولا يخشع تقيّة ، فمات فى فتنته غريرا ، وعاش فى هفوته يسيرا ، لم يفد عوضا ، ولم يقض مفترضا ، دهمته ، فجعات المنيّة فى غبّر جماحه ، وسنن مراحه ، فظلّ سادرا ، وبات ساهرا ، فى غمرات الآلام ، وطوارق الأوجاع والأسقام بين أخ شقيق ، ووالد شفيق ، وداعية بالويل جزعا ، ولا دمة للصّدر قلقا والمرء فى سكرة ملهية ، وغمرة كارثة ، وأنّة موجعة ، وجذبة مكربة ، وسوقة متعبة . ثم أدرج فى أكفانه مبلسا ، وجذب منقادا سلسا ، ثمّ ألقى على الأعواد رجيع وصب ، ونضو سقم ، تحمله حفدة الولدان ، وحشدة الإخوان ، إلى دار غربته ، ومنقطع زورته ، حتّى اذا انصرف المشيّع ، ورجع المتفجّع ، أقعد فى حفرته نجيّا لبهتة السّئوال ، وعثرة الامتحان ، وأعظم ما هنالك بليّة نزول الحميم ، وتصلية الجحيم ، وفورات السّعير ، وسورات الزّفير ، لا فترة مريحة . ولادعة مزيحة ، ولا قوّة حاجزة ، ولا موتة ناجزة ، ولا سنة مسلية ، بين أطوار الموتات ، وعذاب السّاعات انّا باللَّه عائذون . عباد اللَّه ، أين الَّذين عمّروا فنعموا ، وعلَّموا ففهموا ، وأنظروا فلهوا ، وسلموا فنسوا أمهلوا طويلا ، ومنحوا جميلا ، وحذّروا أليما ، ووعدوا جسيما احذروا الذّنوب المورّطة ، والعيوب المسخطة . أولى الأبصار والأسماع ، والعافية والمتاع هل من مناص ، أو خلاص ، أو معاذ ، أو ملاذ ، أو فرار ، أو محار أم لا فأنّى توفكون أم أين تصرفون أم بماذا تغترّون وإنّما حظَّ أحدكم من الأرض ذات الطَّول والعرض قيد قدّه ، متعفّرا على خدّه . الآن عباد اللَّه والخناق مهمل ، والرّوح مرسل ، فى فينة الإرشاد ، وراحة الأجساد ، وباحة الاحتشاد ، ومهل البقيّة ، وأنف المشيّة ، وإنظار التّوبة ، وانفساح الحوبة ، قبل الضّنك والمضيق ، والرّوع والزّهوق ، وقبل قدوم الغائب المنتظر ، وأخذة العزيز المفتدر .


صفحه 200


وفى الخبر انّه عليه السلام لما خطب بهذه الخطبة اقشعرّت لها الجلود ، وبكت لها العيون ، ورجفت القلوب ، ومن الناس من يسمّى هذه الخطبة « الغرّاء » .
اقول : مدار الفصل على وصف حال الانسان من مبدأ عمره بالنقصان ، وبيان نعمة اللَّه عليه بتزويده في اطوار الخلقة ، وتبكيته بمقابلتها بالكفران ، والغفلة في متابعة الشيطان ، وتذكيره بغايته ، وهى : الموت وتوابعه من احوال الموت ، وما يكون بعد ذلك من عذاب القبر وغيره تنفيرا له عن الدنيا بتلك الامور لغاية اصلاح معاده ، وذكر مبدئه لعلَّه يتذكر أو يخشى . و « ام » هنا : استفهام في معرض تعديد نعم اللَّه كانّه قال : ( افلا ينظرون الى كذا من خلق اللَّه ام الى هذا الانسان الذى من حاله كذا والشغف بالغين المعجمة جمع شغاف بالفتح وهو : غلاف القلب . والدفاق : المفرغة . والمحاق : الناقصة . والعلقة : لكونها بعد لم يقض عليها الصورة الانسانية ، والولد حين الرضاع يسمى : رضيعا ، وبعده : وليدا ، وبعده : يافعا ، وهو : المرتفع فاذا طرّشار به فهو : غلام ، واذا ادرك فهو : رجل ، وللرجولية ثلاثة حدود : الشباب ، وهو : تمام النمو . وبعده : الكهولة ، ثم : الشيخوخة .
والسادر : اللاهى . والماتح : الجاذب للدلو المستسقى[1]. واستعار لفظ الغرب : لما تملأ به من هواه صحائف اعماله في المآثم . والكدح : السعى . والبدوات جمع بدوة وهو : ما يبدو له من الخواطر . ودهمه بالكسر : غشيه . وغبر الشيء : بقيته . وجماحه : سعيه في هواه على غير قانون شرعىّ ولا ائتمار للعقل . والسادر : الثاني المتحيّر . واللدم : ضرب الصدر ، وروى سكره ملهثة بالثاء . وكارثة : مستلزمة لشدّة الغم . والجذبة : المكربة ، جذبة الملائكة للروح منه كقوله تعالى : * ( ( ولَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ ) ) * الى قوله : * ( ( أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ) ) *[2]. والايلاس : اليأس واستعار وصف الترجيع وهو : الجمل المردّد في الاسفار البالى فيها للمريض ، باعتبار تردّده في اطوار المرض المبلى له . ولفظ النضو وهو : الجمل الناحل من السير له نحو له من الاسقام .
واعلم انّ قوله : أقعد في حفرته ، الى آخره صريح في القول : بعذاب القبر وسؤال منكر ونكير ، والايمان بما جاء من ذلك على وجهين : احدهما وهو الاظهر الاسلم ان


[1]في نسخة ش هكذا : والمايح المستقى .
[2]سورة الانعام - 93 .


صفحه 201


نصدّق بذلك ونحمله على ظاهره وانّ هناك ملكين يقال لهما : منكر ، ونكير ، يتولَّيان سؤال الانسان على الصورة المحكيّة ، وحيّات وعقارب تلدغ الميّت ، وان كان لا يشاهدها ، اذ لا يصلح هذه العين لمشاهدة الامور الملكوتية ، وكل ما يتعلق بالآخرة فهو من عالم الملكوت كما كانت الصحابة يؤمنون بنزول جبريل ، وكان النبي صلى اللَّه عليه وآله يشاهده ، وهم لا يشاهدونه وكما انّ جبريل لا يشبه الناس فكذلك منكر ، ونكير ، وفعلهما والحيّات ، والعقارب في القبر ، ليس من حيّات عالمنا فتدرك بمعنى آخر .
الوجه الثاني ، انّ يتذكَّر ما قد يراه النائم في صورة شخص هائل يقتله ، وحية تلدغه ، وقد يتألَّم بذلك حتى يراه في نومه فيصيح ويعرق جبينه وينزعج من مكانه ، كل ذلك يدركه من نفسه ويشاهده ، ويتأذّى به كما يتأذىّ اليقظان ، وانت ترى ظاهره ساكنا ، ولا ترى حوله شخصا ، ولاحية ، والحية موجودة في حقه متخيّلة له ، ولا فرق بين ان يتخيّل عدوّا ، اوحية او يشاهده ، والمناص : الملجأ . والمجاز : المرجع . وافك : صرف ، وقيد قدّه مقدار قامته ، والمنعفر : المترب ، والعفر ، التراب . والفينة : الحين ، وانف الشيء : اوّله .
الحوبة : الحاجة والمسكنة . والضنك : الضيق . وكنى بالآن : عن مدّ الحياة . وبالخناق : عما يؤخذ به اعناق النفوس وهو الموت ، وكذلك بالغائب : المنتظر ، وباقى الفصل ظاهر .
81 - ومن كلام له عليه السّلام فى ذكر عمرو بن العاص عجبنا لابن النّابغة ، يزعم لأهل الشّام أنّ فيّ دعابة ، وأنّى امرؤ تلعابة : أعافس وأمارس ، لقد قال باطلا ، ونطق آثما . أما ، وشّر القول الكذب إنّه ليقول فيكذب ، ويعد فيخلف ، ويسأل فيلحف ، ويسأل فيبخل ، ويخون العهد ، ويقطع الإلّ ، فإذا كان عند الحرب فأىّ زاجر وآمر هو ما لم تأخذ السّيوف مآخذها ، فإذا كان ذلك كان أكبر مكيدته أن يمنح القرم سبّته ، أما واللَّه إنّى ليمنعنى من اللَّعب ذكر الموت ، وإنّه ليمنعه من قول الحقّ نسيان الآخرة ، إنّه لم يبايع معاوية حتّى شرط أن يؤتيه أتيّة ويرضخ


صفحه 202


له على ترك الدّين رضيخة .
أقول : النبوغ : الظهور ، وقيل : انّما سميت امّ عمرو بن العاص « النابغة » لشهرتها بالفجور والدعابة والمزاح . والتلعابة : كثير اللعب . والمعافسة : المداعبه ، والممارسة : المعالجة بالمصارعة ونحوها .
واعلم أنه عليه السّلام انّما ينكر مدّعى عمرو ، من المزاح البالغ الى حدّ الافراط الصادق عليه انّه لعبت دون القدر المعتدل منه ، فانّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله كان يمزح ولا يقول الَّا حقا . وهو من توابع التواضع وحسن الخلق . قوله : لقد قال ، الى قوله : سبته : يشتمل على ذكر رذائله المستلزمة لفسقه المانع من قبول قوله . وذكر منها خمسا ، وهى الكذب ، وخلف الوعد ، والغدر ، والخيانة في العهد ، وقطع الألّ ، وهو : الأصل ، والرحم ، ثم الجبن ، ونبّه عليها بقوله : فاذا كان عند الحرب ، الى قوله : سبّته ، وهو : اشارة الى ما صدر عنه في بعض ايّام صفّين حين حمل عليه السّلام عليه ، فلما تصوّر انّه قاتله ألقى نفسه عن فرسه ، وكشف سوأته مواجها بها فلما رأى ذلك منه غضّ بصره عنه ، وانصرف عمرو مكشوف العورة ونجا بذلك ، فصار مثلا لمن يدفع عن نفسه مكروها بارتكاب الذلَّة والفضيحة ، وفيه يقول ابو فراس رحمه اللَّه :
< شعر > ولا خير في دفع الأذى بمذلَّة كما ردّها يوما بسؤته عمرو[1]< / شعر > والآتية : العطيّة . والرّضيخة : الرشوة ، وهى مصر ، وقد كان معاوية اعطاه مصر طعمة على ان يظاهره فى حرب علىّ عليه السّلام وقد سبق مثله .
82 - ومن خطبة له عليه السّلام وأشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له : الأوّل لا شيء قبله ، والآخر لا غاية له ، لا تقع الأوهام له على صفة ، ولا تقعد القلوب منه على كيفيّة ، ولا تناله التّجزئة والتّبعيض ، ولا تحيط به الأبصار والقلوب .


[1]الغدير 2 - 156 .


صفحه 203


أقول : كونه تعالى اوّلا اى : غير مسبوق بالغير ، وآخرا غير منته في وجوده الى غاية يقف عندها ، وتنزيهه عن ادراك الاوهام ووصفها له لتنزّهه تعالى عن الجسمية ولواحقها ، وعدم صدق الوهم في غيرها ، وكونه لا تعقل له كيفيّة اذ لا كيفيّة له فتعقل ، ونفى التجزية والتبعيض عنه ، لعدم لحوق الكمية له ، ولا تحيط به الابصار لتنزّهه عن مدركاتها من عوارض الجسمية ولا القلوب لعدم تركَّبه ، وما لا تركيب فيه لا حدّ له فلا يدرك كنه حقيقته ، وقد سبق تقريره .
منها : فاتّعظوا عباد اللَّه بالعبر النّوافع ، واعتبروا بالآى السّواطع ، وازدجروا بالنّذر البوالغ ، وانتفعوا بالذّكر والمواعظ ، فكأن قد علقتكم مخالب المنيّة ، وانقطعت منكم علائق الأمنيّة ، ودهمتكم مفظعات الأمور ، والسّياقة إلى الورد المورود ، وكلّ نفس معها سائق وشهيد : سائق يسوقها إلى محشرها ، وشاهد يشهد عليها بعملها .
اقول : الآى : جمع آية . والساطع : المرتفع . ومفظعات الامور : شدائدها . ودهمه بالكسر : هجم عليه .
واعلم انّ للاتّعاظ سببا وحقيقة وثمرة ، فالسبب كالنّظر في آثار الماضين وقصصهم ، وهو الاعتبار ، وامّا حقيقته فالخوف والانفعال الحاصل عن ذلك النظر ، لتوّهم مثل احوالهم في حقّه . وامّا ثمرته فالانزجار عن مناهى اللَّه ، واستعار وصف المخاطب : لاسباب المنيّة من الامراض والاعراض وباللَّه التوفيق .
ومنها في صفة الجنة : درجات متفاضلات ، ومنازل متفاوتات ، لا ينقطع نعيمها ، ولا يظعن مقيمها ، ولا يهرم خالدها ، ولا يبأس ساكنها .
اقول : هذا الوصف صادق في الجنّة المحسوسة الموعودة في القرآن الكريم ،


صفحه 204


وفي الجنّة المعقولة واتفقّت العقلاء على انّ الذّثمارها هى المعارف الألهيّة والنظر الى وجه اللَّه ذى الجلال والاكرام ، والسعداء في الوصول الى نيل هذه الثمرة على مراتب متفاوتة ، ودرجات متفاضله كما نبّهنا عليه في الاصل[1]وباللَّه التوفيق والعصمة .
83 - ومن خطبة له عليه السّلام قد علم السّرائر ، وخبر الضّمائر ، له الإحاطة بكلّ شيء ، والغلبة لكلّ شيء ، والقوّة على كلّ شيء . فليعمل العامل منكم في أيّام مهله . قبل إرهاق أجله ، وفي فراغه قبل أو ان شغله ، وفى متنفّسه قبل أن يؤخذ بكظمه ، وليمهّد لنفسه وقدومه . وليتزوّد من دار ظعنه لدار إقامته ، فاللَّه اللَّه ، أيّها النّاس فيما استحفظكم من كتابه . واستودعكم من حقوقه ، فإنّ اللَّه ، سبحانه لم يخلقكم عبثا ، ولم يترككم سدى ولم يدعكم في جهالة ولا عمى : قد سمّى آثاركم ، وعلَّم أعمالكم ، وكتب آجالكم ، وأنزل عليكم الكتاب تبيانا لكلّ شيء ، وعمّر فيكم نبيّه أزمانا حتّى أكمل له ولكم - فيما أنزل من كتابه - دينه الَّذى رضى لنفسه وأنهى إليكم ، على لسانه ، محابّه من الأعمال ومكارهه ، ونواهيه وأوامره ، فألقى إليكم المعذرة ، واتّخذ عليكم الحجّة ، وقدّم إليكم بالوعيد ، وأنذركم بين يدي عذاب شديد . فاستدركوا بقيّة أيّامكم ، واصبروا لها أنفسكم ، فإنّها قليل في كثير الأيّام الَّتى تكون منكم فيها الغفلة والتّشاغل عن الموعظة ، ولا ترخّصوا لأنفسكم فتذهب بكم الرّخص فيها مذاهب الظَّلمة ، ولا تداهنوا فيهجم بكم الإدهان على المصيبة . عباد اللَّه ، إنّ أنصح النّاس لنفسه أطوعهم لربّه ، وإنّ أغشّهم لنفسه أعصاهم لربّه ، والمغبون من غبن نفسه والمغبوط من سلم له دينه ، والسّعيد من وعظ بغيره ، والشّقىّ من انخدع لهواه . واعلموا أنّ يسير الرّباء شرك ، ومجالسة أهل الهوى منساة للإيمان ومحضرة للشّيطان . جانبوا الكذب فإنّه مجانب للإيمان ، الصّادق على شرف منجاة وكرامة ، والكاذب على شفا مهواة ومهانة ، ولا تحاسدوا فإنّ الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النّار الحطب ، ولا تباغضوا فإنّها الحالقة


[1]الشرح الكبير 2 - 277 .