بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 201


نصدّق بذلك ونحمله على ظاهره وانّ هناك ملكين يقال لهما : منكر ، ونكير ، يتولَّيان سؤال الانسان على الصورة المحكيّة ، وحيّات وعقارب تلدغ الميّت ، وان كان لا يشاهدها ، اذ لا يصلح هذه العين لمشاهدة الامور الملكوتية ، وكل ما يتعلق بالآخرة فهو من عالم الملكوت كما كانت الصحابة يؤمنون بنزول جبريل ، وكان النبي صلى اللَّه عليه وآله يشاهده ، وهم لا يشاهدونه وكما انّ جبريل لا يشبه الناس فكذلك منكر ، ونكير ، وفعلهما والحيّات ، والعقارب في القبر ، ليس من حيّات عالمنا فتدرك بمعنى آخر .
الوجه الثاني ، انّ يتذكَّر ما قد يراه النائم في صورة شخص هائل يقتله ، وحية تلدغه ، وقد يتألَّم بذلك حتى يراه في نومه فيصيح ويعرق جبينه وينزعج من مكانه ، كل ذلك يدركه من نفسه ويشاهده ، ويتأذّى به كما يتأذىّ اليقظان ، وانت ترى ظاهره ساكنا ، ولا ترى حوله شخصا ، ولاحية ، والحية موجودة في حقه متخيّلة له ، ولا فرق بين ان يتخيّل عدوّا ، اوحية او يشاهده ، والمناص : الملجأ . والمجاز : المرجع . وافك : صرف ، وقيد قدّه مقدار قامته ، والمنعفر : المترب ، والعفر ، التراب . والفينة : الحين ، وانف الشيء : اوّله .
الحوبة : الحاجة والمسكنة . والضنك : الضيق . وكنى بالآن : عن مدّ الحياة . وبالخناق : عما يؤخذ به اعناق النفوس وهو الموت ، وكذلك بالغائب : المنتظر ، وباقى الفصل ظاهر .
81 - ومن كلام له عليه السّلام فى ذكر عمرو بن العاص عجبنا لابن النّابغة ، يزعم لأهل الشّام أنّ فيّ دعابة ، وأنّى امرؤ تلعابة : أعافس وأمارس ، لقد قال باطلا ، ونطق آثما . أما ، وشّر القول الكذب إنّه ليقول فيكذب ، ويعد فيخلف ، ويسأل فيلحف ، ويسأل فيبخل ، ويخون العهد ، ويقطع الإلّ ، فإذا كان عند الحرب فأىّ زاجر وآمر هو ما لم تأخذ السّيوف مآخذها ، فإذا كان ذلك كان أكبر مكيدته أن يمنح القرم سبّته ، أما واللَّه إنّى ليمنعنى من اللَّعب ذكر الموت ، وإنّه ليمنعه من قول الحقّ نسيان الآخرة ، إنّه لم يبايع معاوية حتّى شرط أن يؤتيه أتيّة ويرضخ


صفحه 202


له على ترك الدّين رضيخة .
أقول : النبوغ : الظهور ، وقيل : انّما سميت امّ عمرو بن العاص « النابغة » لشهرتها بالفجور والدعابة والمزاح . والتلعابة : كثير اللعب . والمعافسة : المداعبه ، والممارسة : المعالجة بالمصارعة ونحوها .
واعلم أنه عليه السّلام انّما ينكر مدّعى عمرو ، من المزاح البالغ الى حدّ الافراط الصادق عليه انّه لعبت دون القدر المعتدل منه ، فانّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله كان يمزح ولا يقول الَّا حقا . وهو من توابع التواضع وحسن الخلق . قوله : لقد قال ، الى قوله : سبته : يشتمل على ذكر رذائله المستلزمة لفسقه المانع من قبول قوله . وذكر منها خمسا ، وهى الكذب ، وخلف الوعد ، والغدر ، والخيانة في العهد ، وقطع الألّ ، وهو : الأصل ، والرحم ، ثم الجبن ، ونبّه عليها بقوله : فاذا كان عند الحرب ، الى قوله : سبّته ، وهو : اشارة الى ما صدر عنه في بعض ايّام صفّين حين حمل عليه السّلام عليه ، فلما تصوّر انّه قاتله ألقى نفسه عن فرسه ، وكشف سوأته مواجها بها فلما رأى ذلك منه غضّ بصره عنه ، وانصرف عمرو مكشوف العورة ونجا بذلك ، فصار مثلا لمن يدفع عن نفسه مكروها بارتكاب الذلَّة والفضيحة ، وفيه يقول ابو فراس رحمه اللَّه :
< شعر > ولا خير في دفع الأذى بمذلَّة كما ردّها يوما بسؤته عمرو[1]< / شعر > والآتية : العطيّة . والرّضيخة : الرشوة ، وهى مصر ، وقد كان معاوية اعطاه مصر طعمة على ان يظاهره فى حرب علىّ عليه السّلام وقد سبق مثله .
82 - ومن خطبة له عليه السّلام وأشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له : الأوّل لا شيء قبله ، والآخر لا غاية له ، لا تقع الأوهام له على صفة ، ولا تقعد القلوب منه على كيفيّة ، ولا تناله التّجزئة والتّبعيض ، ولا تحيط به الأبصار والقلوب .


[1]الغدير 2 - 156 .


صفحه 203


أقول : كونه تعالى اوّلا اى : غير مسبوق بالغير ، وآخرا غير منته في وجوده الى غاية يقف عندها ، وتنزيهه عن ادراك الاوهام ووصفها له لتنزّهه تعالى عن الجسمية ولواحقها ، وعدم صدق الوهم في غيرها ، وكونه لا تعقل له كيفيّة اذ لا كيفيّة له فتعقل ، ونفى التجزية والتبعيض عنه ، لعدم لحوق الكمية له ، ولا تحيط به الابصار لتنزّهه عن مدركاتها من عوارض الجسمية ولا القلوب لعدم تركَّبه ، وما لا تركيب فيه لا حدّ له فلا يدرك كنه حقيقته ، وقد سبق تقريره .
منها : فاتّعظوا عباد اللَّه بالعبر النّوافع ، واعتبروا بالآى السّواطع ، وازدجروا بالنّذر البوالغ ، وانتفعوا بالذّكر والمواعظ ، فكأن قد علقتكم مخالب المنيّة ، وانقطعت منكم علائق الأمنيّة ، ودهمتكم مفظعات الأمور ، والسّياقة إلى الورد المورود ، وكلّ نفس معها سائق وشهيد : سائق يسوقها إلى محشرها ، وشاهد يشهد عليها بعملها .
اقول : الآى : جمع آية . والساطع : المرتفع . ومفظعات الامور : شدائدها . ودهمه بالكسر : هجم عليه .
واعلم انّ للاتّعاظ سببا وحقيقة وثمرة ، فالسبب كالنّظر في آثار الماضين وقصصهم ، وهو الاعتبار ، وامّا حقيقته فالخوف والانفعال الحاصل عن ذلك النظر ، لتوّهم مثل احوالهم في حقّه . وامّا ثمرته فالانزجار عن مناهى اللَّه ، واستعار وصف المخاطب : لاسباب المنيّة من الامراض والاعراض وباللَّه التوفيق .
ومنها في صفة الجنة : درجات متفاضلات ، ومنازل متفاوتات ، لا ينقطع نعيمها ، ولا يظعن مقيمها ، ولا يهرم خالدها ، ولا يبأس ساكنها .
اقول : هذا الوصف صادق في الجنّة المحسوسة الموعودة في القرآن الكريم ،


صفحه 204


وفي الجنّة المعقولة واتفقّت العقلاء على انّ الذّثمارها هى المعارف الألهيّة والنظر الى وجه اللَّه ذى الجلال والاكرام ، والسعداء في الوصول الى نيل هذه الثمرة على مراتب متفاوتة ، ودرجات متفاضله كما نبّهنا عليه في الاصل[1]وباللَّه التوفيق والعصمة .
83 - ومن خطبة له عليه السّلام قد علم السّرائر ، وخبر الضّمائر ، له الإحاطة بكلّ شيء ، والغلبة لكلّ شيء ، والقوّة على كلّ شيء . فليعمل العامل منكم في أيّام مهله . قبل إرهاق أجله ، وفي فراغه قبل أو ان شغله ، وفى متنفّسه قبل أن يؤخذ بكظمه ، وليمهّد لنفسه وقدومه . وليتزوّد من دار ظعنه لدار إقامته ، فاللَّه اللَّه ، أيّها النّاس فيما استحفظكم من كتابه . واستودعكم من حقوقه ، فإنّ اللَّه ، سبحانه لم يخلقكم عبثا ، ولم يترككم سدى ولم يدعكم في جهالة ولا عمى : قد سمّى آثاركم ، وعلَّم أعمالكم ، وكتب آجالكم ، وأنزل عليكم الكتاب تبيانا لكلّ شيء ، وعمّر فيكم نبيّه أزمانا حتّى أكمل له ولكم - فيما أنزل من كتابه - دينه الَّذى رضى لنفسه وأنهى إليكم ، على لسانه ، محابّه من الأعمال ومكارهه ، ونواهيه وأوامره ، فألقى إليكم المعذرة ، واتّخذ عليكم الحجّة ، وقدّم إليكم بالوعيد ، وأنذركم بين يدي عذاب شديد . فاستدركوا بقيّة أيّامكم ، واصبروا لها أنفسكم ، فإنّها قليل في كثير الأيّام الَّتى تكون منكم فيها الغفلة والتّشاغل عن الموعظة ، ولا ترخّصوا لأنفسكم فتذهب بكم الرّخص فيها مذاهب الظَّلمة ، ولا تداهنوا فيهجم بكم الإدهان على المصيبة . عباد اللَّه ، إنّ أنصح النّاس لنفسه أطوعهم لربّه ، وإنّ أغشّهم لنفسه أعصاهم لربّه ، والمغبون من غبن نفسه والمغبوط من سلم له دينه ، والسّعيد من وعظ بغيره ، والشّقىّ من انخدع لهواه . واعلموا أنّ يسير الرّباء شرك ، ومجالسة أهل الهوى منساة للإيمان ومحضرة للشّيطان . جانبوا الكذب فإنّه مجانب للإيمان ، الصّادق على شرف منجاة وكرامة ، والكاذب على شفا مهواة ومهانة ، ولا تحاسدوا فإنّ الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النّار الحطب ، ولا تباغضوا فإنّها الحالقة


[1]الشرح الكبير 2 - 277 .


صفحه 205


واعلموا أنّ الأمل يسهى العقل ، وينسى الذّكر فأكذبوا الأمل فإنّه غرور ، وصاحبه مغرور .
اقول : احاطته بكلّ شيء : علمه بكليّات الاشياء ، وجريانها ، وعلمه وقوّته على كل شيء : استيلاء سلطان قدرته على كل مقدور ، وارهاق الاجل : سرعة لحوقه ، وشغله اى : بأهوال الآخرة .
والكظم : مجرى النفس والاخذ به كناية : عن الموت ، ونبّه على وجوب الحذر من مخالفة اللَّه بضمير صغراه قوله : فانّه لم يخلقكم عبثا ، اى : خاليا عن وجه الحكمة بل ليستكملوا في الدنيا ، واشار الى وجوه حكمته في خلقهم والطافه في حقّهم ، من انزال الكتاب وبعث الرسول صلى اللَّه عليه وآله ، واكمال دينه الَّذى ارتضى لهم ، وتقدير الكبرى وكلّ من كان كذلك فواجب ان يحفظ حقوقه ، ويحذر من تضييع ما استودعه . والرخصة هنا : المساهلة في تنويع المأكل والمشرب وغيره ، من المباحات فانّ ذلك مظنّة الخروج فيها عن حدّ الاباحة الى مالا ينبغي في الدين ، ومذاهب الظلمة : مسالكها وطرقها الجائرة .
روى انّ ابليس ظهر ليحيى بن زكريا عليهما السّلام ، فرأى عليه معاليق كل شيء فقال له : يا ابليس ما هذه المعاليق قال : هذه هى الشهوات التي اصيب بهنّ قلوب بنى آدم ، فقال : هل بى فيها شيء قال : نعم ربما شبعت فشغلناك عن الصلاة وعن الذكر ، قال : هل غير ذلك قال : لا قال للَّه علىّ ان لا أملأ بطنى من طعام ابدا ، فقال ابليس : للَّه علىّ ان لا أنصح مسلما ابدا . ولا تداهنوا انفسكم اى : لا تصانعوها بالتأويلات الضعيفة والشبهات[1]الباطلة فانّ ذلك سبب للهجوم على المعصية والعبور اليها عن حدّ الفصيلة من المباح . وبيان قوله : انّ انصح الناس لنفسه ، اطوعهم لربّه . لمّا كان غرض النصح انّما هو : جلب الخير والمنفعة للمنصوح وكان اتمّ خير ومنفعة هو السعادة الباقية الابديّة وكانت تلك السعادة انّما تنال بالطاعة فكلّ من كانت طاعته له اتمّ كانت سعادته اتم ، كان هو انصح الناس لنفسه بمبالغته في طاعته ، وظهر من ذلك معنى قوله : وان أغشّهم لنفسه أعصاهم لربّه . والمغبون : من غبن نفسه بالمعصية وبحصوله على السهم الاخيب فى الآخرة وتفويت نفسه نصيبها الأوفى من الجنّة . وقوله : المغبوط ، اى : من يستحق ان


[1]في ش : والشبه .


صفحه 206


يغبط ، ومعنى الغبطة : ان يتمنّى الانسان مثل ما لغيره من حال او مال ، مع قطع النظر عن تمنّى زوال تلك الحال عمّن هى له ، وبهذا القيد يتميّز عن الحسد . والسعيد : من وعظ بغيره ، اى : السعيد التّام ، وذلك انّ العظة قد تحصل للانسان من نفسه ، بعبرة تقع له كمرض او أمر ينزل به ، وقد تحصل بمشاهدة الغير وهذه اتمّ من تلك وافضل ، لاستلزامها ثواب الآخرة مع السلامة من عبرة تلحق المعتبر في نفسه ، ولذلك خصّ صاحبها بالسعيد مبالغة . واهل الهوى : المنقادون لدواعى الشهوة والغضب الخارجة عن حدود اللَّه ، ونفّر عن مجالستهم : باستلزامها الأمرين ، وهو ظاهر ونفرّ عن الكذب بضمير صغراه قوله : فانّه ، مجانب للايمان ، وهو : خبر نبوىّ ، ومجانبته له لكونه من الكبائر المضادّة للازم الايمان وهو : الصدق ، ومضادّة اللازم مضادّة للملزوم ، ومجانب له . ونفّر عن الحسد بضمير صغراه قوله : فانّه ، الى قوله : الحطب ، ووجه الشبه : انّ الحاسد قد يغرق فكره في الاهتمام بأمر المحسود حتّى لا يتفرّغ لطاعة وعبادة بل قد يذهل عما حصل عليه من الكمال ، وبدوامه ينقطع به عن تحصيل الحسنات فيكون مفوّتا لها كفعل النار فى الحطب .
ولفظ الأكل : مستعار لذلك التفويت : ونفّر عن التباغض بضمير صغراه قوله : فانّها الحالقة . والضمير في قوله : فانّها ، يعود الى المصدر ، وهى المباغضة ، واستعار لفظ الحالقة للجائحة التي تقع بسبب التباغض عن الفرقة واختلاف الكلمة المستلزم لطمع العدوّ في المتباغضين ، واستيصالهم وافناء بعضهم لبعض كالآلة الحالقة ، ونسبة السهو والنسيان والغفلة الى فعل الأمل لما يستلزمه من الغفلة من الآخرة ، وتكذيبه بردّ العقل لاحكام الوهم بنيل المطلوب ، وبذكر الموت وقواطع الاقدار عن بلوغه ، وباللَّه التوفيق .
84 - ومن خطبة له عليه السّلام وفيها فصول :
الفصل الأوّل : في صفات المتّقين وهو قوله : عباد اللَّه ، إنّ من أحبّ عباد اللَّه إليه عبدا أعانه اللَّه على نفسه فاستشعر الحزن ، و


صفحه 207


تجلبب الخوف ، فزهر مصباح الهدى في قلبه ، وأعدّ القرى ليومه النّازل به ، فقرّب على نفسه البعيد ، وهوّن الشّديد : نظر فأبصر ، وذكر فاستكثر ، وارتوى من عذب فرات سهلت له موارده ، فشرب نهلا ، وسلك سبيلا جددا ، قد خلع سرابيل الشّهوات ، وتخلَّى من الهموم إلَّا همّا واحدا انفرد به ، فخرج من صفة العمى ، ومشاركة أهل الهوى ، وصار من مفاتيح أبواب الهدى ، ومغاليق أبواب الرّدى ، قد أبصر طريقه ، وسلك سبيله ، وعرف مناره ، وقطع غماره ، استمسك من العرى بأوثقها ، ومن الحبال بأمتنها ، فهو من اليقين على مثل ضوء الشّمس : قد نصب نفسه للَّه - سبحانه - فى أرفع الأمور من إصدار كلّ وارد عليه ، وتصيير كلّ فرع إلى أصله ، مصباح ظلمات ، كشّاف عشاوات ، مفتاح مبهمات ، دفّاع معضلات ، دليل فلوات ، يقول فيفهم ، ويسكت فيسلم : قد أخلص اللَّه فاستخلصه فهو من معادن دينه ، وأوتاد أرضه ، قد ألزم نفسه العدل ، فكان أوّل عدله نفى الهوى عن نفسه ، يصف الحقّ ويعمل به ، لا يدع للخير غاية إلَّا أمّها ، ولا مظنّة إلَّا قصدها ، قد أمكن الكتاب من زمامه فهو قائده وإمامه ، يحلّ حيث حلّ ثقله ، وينزل حيث كان منزله .
أقول : اعانته على نفسه ، افادته تعالى لعقله قوّة قهر نفسه الامّارة بالسوء ، واتّخاذه الحزن شعارا اى : على معصية اللَّه . والخوف جلبابا اى : من عقابه ، ووصف الاستشعار والتجلَّب مستعاران . وزهر[1]مصباح الهدى في قلبه شروق نور المعارف الالهية في سرّه ، وهو : ثمرة الاستعداد ، والخوف والحزن ، واستعار لفظ المصباح : لنور المعرفة لاشتراكهما فى افادة الهدى . ولفظ القرى : للاعمال الصالحة التي تعدّ ثمراتها ليوم موته ، وما بعده ملاحظة لشبهها بما يعدّ من الضيافة للقادم ، وتقرّبه على نفسه البعيد تقصيره لأمله الطويل فى الدنيا ، بذكر الموت او تقرّبه لما بعد من احوال الآخرة بدوام اخطارها بباله ، حتى كانّها حاضرة له . وتهوينه الشديد : تسهيل شدائد الدنيا على خاطره ، واستحقاره في جنب ما يتصوّره من الفرجة بلقاء اللَّه ، ووعده ووعيده ، او تسهيله لشدائد الآخرة وتهوينها بالأعمال الصالحة . ونظر اى : فكَّر في ملكوت السموات والارض ، فأبصر اى : الحق سبحانه في عجائب خلقه ، يعنى : بصيرته . وذكر ربّه ومعاده ، فاستكثر من الاعمال


[1]في ش : زهور .


صفحه 208


الصالحة والذكر ، حتى صار ملكة ، واستعار لفظ العذب : بوصف الفرات للعلوم والكمالات النفسانية ، ووصف الارتواء : لتمام الاستكمال بها ، ومواردها : مظانّها من العبر والامور التي تحصّل نفوس المتّقين منها العلوم ، وتسهيلها لهم : سرعة اخذهم عنها الكمالات لكمال استعدادهم لذلك . والنهل : الشرب فى اوّل الورد واستعار لفظه : لسبق احدهم الى اخذ الكمالات عن مظانّها . والسبيل الجدد : سبيل اللَّه الواضح . وخلعه سرابيل الشهوات ، اشارة الى : طرف الزهد ، ولفظ السرابيل مستعار : لما يلبس به من الشهوات والهمّ الذى انفرد به هو الوصول الى ساحل العزّة . واستعار لفظ العمى : للجهل . وابواب الهدى هى الفضائل والطاعات . وابواب الرّدى هى : الرذائل والمعاصى . ومناره ، اعلام طريق اللَّه ، وهى البراهين والادلَّة التي تهدى بها . وغمارة : ما كان مغمورا فيه من احوال الدنيا . واوثق العرى : الإيمان باللَّه وهو امتن الحبال ، ولفظهما مستعاران : باعتبار وثاقة التمسّك بهما .
وقوله : فهو من اليقين ، اى : باللَّه وما جاءت به رسله ، من احوال الغيب على اتمّ يقين . وقوله : قد نصب نفسه ، الى قوله اصله ، اى : لما كمل فى ذاته كان اهلا لهداية الخلق ، وافادتهم لقوانين طريق اللَّه ، والتّفريغ عنها . والظَّلمات : ظلمات الجهل .
والعشوات : ما التبس على البصائر من المسائل الدقيقة ، وكذلك المبهمات ، والمعضلات ، والفلوات استعارة . وقوله : يقول ، الى قوله : يسلم ، اى : يستعمل كلَّا من القول : والسكوت فى موضعه ، ويصيب به مقصوده ، واستعار له لفظ المصباح : باعتبار هدايته للخلق ، ولفظ المفتاح : لفتحه ما انغلق من مشكلات المسائل . ولفظ الدليل : لهدايته فى مفاوز الجهلات على طريق اللَّه . ولفظ المعدن : لكونه مظنّة دين اللَّه عنه يؤخذ .
ولفظ الوتد : لكون ارض اللَّه به تحفظ . ولفظ الزمام : لعقله باعتبار تسليمه الى حكم اللَّه واوامره فكانّها تقوده بعقله فى طريق اللَّه .
الفصل الثاني :
وآخر قد تسمّى عالما وليس به فاقتبس جهائل من جهّال وأضاليل من ضلَّال ونصب للنّاس شركاء من حبائل غرور ، وقول زور ، قد حمل الكتاب على آرائه ، وعطف