وفي الجنّة المعقولة واتفقّت العقلاء على انّ الذّثمارها هى المعارف الألهيّة والنظر الى وجه اللَّه ذى الجلال والاكرام ، والسعداء في الوصول الى نيل هذه الثمرة على مراتب متفاوتة ، ودرجات متفاضله كما نبّهنا عليه في الاصل[1]وباللَّه التوفيق والعصمة .
83 - ومن خطبة له عليه السّلام قد علم السّرائر ، وخبر الضّمائر ، له الإحاطة بكلّ شيء ، والغلبة لكلّ شيء ، والقوّة على كلّ شيء . فليعمل العامل منكم في أيّام مهله . قبل إرهاق أجله ، وفي فراغه قبل أو ان شغله ، وفى متنفّسه قبل أن يؤخذ بكظمه ، وليمهّد لنفسه وقدومه . وليتزوّد من دار ظعنه لدار إقامته ، فاللَّه اللَّه ، أيّها النّاس فيما استحفظكم من كتابه . واستودعكم من حقوقه ، فإنّ اللَّه ، سبحانه لم يخلقكم عبثا ، ولم يترككم سدى ولم يدعكم في جهالة ولا عمى : قد سمّى آثاركم ، وعلَّم أعمالكم ، وكتب آجالكم ، وأنزل عليكم الكتاب تبيانا لكلّ شيء ، وعمّر فيكم نبيّه أزمانا حتّى أكمل له ولكم - فيما أنزل من كتابه - دينه الَّذى رضى لنفسه وأنهى إليكم ، على لسانه ، محابّه من الأعمال ومكارهه ، ونواهيه وأوامره ، فألقى إليكم المعذرة ، واتّخذ عليكم الحجّة ، وقدّم إليكم بالوعيد ، وأنذركم بين يدي عذاب شديد . فاستدركوا بقيّة أيّامكم ، واصبروا لها أنفسكم ، فإنّها قليل في كثير الأيّام الَّتى تكون منكم فيها الغفلة والتّشاغل عن الموعظة ، ولا ترخّصوا لأنفسكم فتذهب بكم الرّخص فيها مذاهب الظَّلمة ، ولا تداهنوا فيهجم بكم الإدهان على المصيبة . عباد اللَّه ، إنّ أنصح النّاس لنفسه أطوعهم لربّه ، وإنّ أغشّهم لنفسه أعصاهم لربّه ، والمغبون من غبن نفسه والمغبوط من سلم له دينه ، والسّعيد من وعظ بغيره ، والشّقىّ من انخدع لهواه . واعلموا أنّ يسير الرّباء شرك ، ومجالسة أهل الهوى منساة للإيمان ومحضرة للشّيطان . جانبوا الكذب فإنّه مجانب للإيمان ، الصّادق على شرف منجاة وكرامة ، والكاذب على شفا مهواة ومهانة ، ولا تحاسدوا فإنّ الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النّار الحطب ، ولا تباغضوا فإنّها الحالقة
[1]الشرح الكبير 2 - 277 .
واعلموا أنّ الأمل يسهى العقل ، وينسى الذّكر فأكذبوا الأمل فإنّه غرور ، وصاحبه مغرور .
اقول : احاطته بكلّ شيء : علمه بكليّات الاشياء ، وجريانها ، وعلمه وقوّته على كل شيء : استيلاء سلطان قدرته على كل مقدور ، وارهاق الاجل : سرعة لحوقه ، وشغله اى : بأهوال الآخرة .
والكظم : مجرى النفس والاخذ به كناية : عن الموت ، ونبّه على وجوب الحذر من مخالفة اللَّه بضمير صغراه قوله : فانّه لم يخلقكم عبثا ، اى : خاليا عن وجه الحكمة بل ليستكملوا في الدنيا ، واشار الى وجوه حكمته في خلقهم والطافه في حقّهم ، من انزال الكتاب وبعث الرسول صلى اللَّه عليه وآله ، واكمال دينه الَّذى ارتضى لهم ، وتقدير الكبرى وكلّ من كان كذلك فواجب ان يحفظ حقوقه ، ويحذر من تضييع ما استودعه . والرخصة هنا : المساهلة في تنويع المأكل والمشرب وغيره ، من المباحات فانّ ذلك مظنّة الخروج فيها عن حدّ الاباحة الى مالا ينبغي في الدين ، ومذاهب الظلمة : مسالكها وطرقها الجائرة .
روى انّ ابليس ظهر ليحيى بن زكريا عليهما السّلام ، فرأى عليه معاليق كل شيء فقال له : يا ابليس ما هذه المعاليق قال : هذه هى الشهوات التي اصيب بهنّ قلوب بنى آدم ، فقال : هل بى فيها شيء قال : نعم ربما شبعت فشغلناك عن الصلاة وعن الذكر ، قال : هل غير ذلك قال : لا قال للَّه علىّ ان لا أملأ بطنى من طعام ابدا ، فقال ابليس : للَّه علىّ ان لا أنصح مسلما ابدا . ولا تداهنوا انفسكم اى : لا تصانعوها بالتأويلات الضعيفة والشبهات[1]الباطلة فانّ ذلك سبب للهجوم على المعصية والعبور اليها عن حدّ الفصيلة من المباح . وبيان قوله : انّ انصح الناس لنفسه ، اطوعهم لربّه . لمّا كان غرض النصح انّما هو : جلب الخير والمنفعة للمنصوح وكان اتمّ خير ومنفعة هو السعادة الباقية الابديّة وكانت تلك السعادة انّما تنال بالطاعة فكلّ من كانت طاعته له اتمّ كانت سعادته اتم ، كان هو انصح الناس لنفسه بمبالغته في طاعته ، وظهر من ذلك معنى قوله : وان أغشّهم لنفسه أعصاهم لربّه . والمغبون : من غبن نفسه بالمعصية وبحصوله على السهم الاخيب فى الآخرة وتفويت نفسه نصيبها الأوفى من الجنّة . وقوله : المغبوط ، اى : من يستحق ان
[1]في ش : والشبه .
يغبط ، ومعنى الغبطة : ان يتمنّى الانسان مثل ما لغيره من حال او مال ، مع قطع النظر عن تمنّى زوال تلك الحال عمّن هى له ، وبهذا القيد يتميّز عن الحسد . والسعيد : من وعظ بغيره ، اى : السعيد التّام ، وذلك انّ العظة قد تحصل للانسان من نفسه ، بعبرة تقع له كمرض او أمر ينزل به ، وقد تحصل بمشاهدة الغير وهذه اتمّ من تلك وافضل ، لاستلزامها ثواب الآخرة مع السلامة من عبرة تلحق المعتبر في نفسه ، ولذلك خصّ صاحبها بالسعيد مبالغة . واهل الهوى : المنقادون لدواعى الشهوة والغضب الخارجة عن حدود اللَّه ، ونفّر عن مجالستهم : باستلزامها الأمرين ، وهو ظاهر ونفرّ عن الكذب بضمير صغراه قوله : فانّه ، مجانب للايمان ، وهو : خبر نبوىّ ، ومجانبته له لكونه من الكبائر المضادّة للازم الايمان وهو : الصدق ، ومضادّة اللازم مضادّة للملزوم ، ومجانب له . ونفّر عن الحسد بضمير صغراه قوله : فانّه ، الى قوله : الحطب ، ووجه الشبه : انّ الحاسد قد يغرق فكره في الاهتمام بأمر المحسود حتّى لا يتفرّغ لطاعة وعبادة بل قد يذهل عما حصل عليه من الكمال ، وبدوامه ينقطع به عن تحصيل الحسنات فيكون مفوّتا لها كفعل النار فى الحطب .
ولفظ الأكل : مستعار لذلك التفويت : ونفّر عن التباغض بضمير صغراه قوله : فانّها الحالقة . والضمير في قوله : فانّها ، يعود الى المصدر ، وهى المباغضة ، واستعار لفظ الحالقة للجائحة التي تقع بسبب التباغض عن الفرقة واختلاف الكلمة المستلزم لطمع العدوّ في المتباغضين ، واستيصالهم وافناء بعضهم لبعض كالآلة الحالقة ، ونسبة السهو والنسيان والغفلة الى فعل الأمل لما يستلزمه من الغفلة من الآخرة ، وتكذيبه بردّ العقل لاحكام الوهم بنيل المطلوب ، وبذكر الموت وقواطع الاقدار عن بلوغه ، وباللَّه التوفيق .
84 - ومن خطبة له عليه السّلام وفيها فصول :
الفصل الأوّل : في صفات المتّقين وهو قوله : عباد اللَّه ، إنّ من أحبّ عباد اللَّه إليه عبدا أعانه اللَّه على نفسه فاستشعر الحزن ، و
تجلبب الخوف ، فزهر مصباح الهدى في قلبه ، وأعدّ القرى ليومه النّازل به ، فقرّب على نفسه البعيد ، وهوّن الشّديد : نظر فأبصر ، وذكر فاستكثر ، وارتوى من عذب فرات سهلت له موارده ، فشرب نهلا ، وسلك سبيلا جددا ، قد خلع سرابيل الشّهوات ، وتخلَّى من الهموم إلَّا همّا واحدا انفرد به ، فخرج من صفة العمى ، ومشاركة أهل الهوى ، وصار من مفاتيح أبواب الهدى ، ومغاليق أبواب الرّدى ، قد أبصر طريقه ، وسلك سبيله ، وعرف مناره ، وقطع غماره ، استمسك من العرى بأوثقها ، ومن الحبال بأمتنها ، فهو من اليقين على مثل ضوء الشّمس : قد نصب نفسه للَّه - سبحانه - فى أرفع الأمور من إصدار كلّ وارد عليه ، وتصيير كلّ فرع إلى أصله ، مصباح ظلمات ، كشّاف عشاوات ، مفتاح مبهمات ، دفّاع معضلات ، دليل فلوات ، يقول فيفهم ، ويسكت فيسلم : قد أخلص اللَّه فاستخلصه فهو من معادن دينه ، وأوتاد أرضه ، قد ألزم نفسه العدل ، فكان أوّل عدله نفى الهوى عن نفسه ، يصف الحقّ ويعمل به ، لا يدع للخير غاية إلَّا أمّها ، ولا مظنّة إلَّا قصدها ، قد أمكن الكتاب من زمامه فهو قائده وإمامه ، يحلّ حيث حلّ ثقله ، وينزل حيث كان منزله .
أقول : اعانته على نفسه ، افادته تعالى لعقله قوّة قهر نفسه الامّارة بالسوء ، واتّخاذه الحزن شعارا اى : على معصية اللَّه . والخوف جلبابا اى : من عقابه ، ووصف الاستشعار والتجلَّب مستعاران . وزهر[1]مصباح الهدى في قلبه شروق نور المعارف الالهية في سرّه ، وهو : ثمرة الاستعداد ، والخوف والحزن ، واستعار لفظ المصباح : لنور المعرفة لاشتراكهما فى افادة الهدى . ولفظ القرى : للاعمال الصالحة التي تعدّ ثمراتها ليوم موته ، وما بعده ملاحظة لشبهها بما يعدّ من الضيافة للقادم ، وتقرّبه على نفسه البعيد تقصيره لأمله الطويل فى الدنيا ، بذكر الموت او تقرّبه لما بعد من احوال الآخرة بدوام اخطارها بباله ، حتى كانّها حاضرة له . وتهوينه الشديد : تسهيل شدائد الدنيا على خاطره ، واستحقاره في جنب ما يتصوّره من الفرجة بلقاء اللَّه ، ووعده ووعيده ، او تسهيله لشدائد الآخرة وتهوينها بالأعمال الصالحة . ونظر اى : فكَّر في ملكوت السموات والارض ، فأبصر اى : الحق سبحانه في عجائب خلقه ، يعنى : بصيرته . وذكر ربّه ومعاده ، فاستكثر من الاعمال
[1]في ش : زهور .
الصالحة والذكر ، حتى صار ملكة ، واستعار لفظ العذب : بوصف الفرات للعلوم والكمالات النفسانية ، ووصف الارتواء : لتمام الاستكمال بها ، ومواردها : مظانّها من العبر والامور التي تحصّل نفوس المتّقين منها العلوم ، وتسهيلها لهم : سرعة اخذهم عنها الكمالات لكمال استعدادهم لذلك . والنهل : الشرب فى اوّل الورد واستعار لفظه : لسبق احدهم الى اخذ الكمالات عن مظانّها . والسبيل الجدد : سبيل اللَّه الواضح . وخلعه سرابيل الشهوات ، اشارة الى : طرف الزهد ، ولفظ السرابيل مستعار : لما يلبس به من الشهوات والهمّ الذى انفرد به هو الوصول الى ساحل العزّة . واستعار لفظ العمى : للجهل . وابواب الهدى هى الفضائل والطاعات . وابواب الرّدى هى : الرذائل والمعاصى . ومناره ، اعلام طريق اللَّه ، وهى البراهين والادلَّة التي تهدى بها . وغمارة : ما كان مغمورا فيه من احوال الدنيا . واوثق العرى : الإيمان باللَّه وهو امتن الحبال ، ولفظهما مستعاران : باعتبار وثاقة التمسّك بهما .
وقوله : فهو من اليقين ، اى : باللَّه وما جاءت به رسله ، من احوال الغيب على اتمّ يقين . وقوله : قد نصب نفسه ، الى قوله اصله ، اى : لما كمل فى ذاته كان اهلا لهداية الخلق ، وافادتهم لقوانين طريق اللَّه ، والتّفريغ عنها . والظَّلمات : ظلمات الجهل .
والعشوات : ما التبس على البصائر من المسائل الدقيقة ، وكذلك المبهمات ، والمعضلات ، والفلوات استعارة . وقوله : يقول ، الى قوله : يسلم ، اى : يستعمل كلَّا من القول : والسكوت فى موضعه ، ويصيب به مقصوده ، واستعار له لفظ المصباح : باعتبار هدايته للخلق ، ولفظ المفتاح : لفتحه ما انغلق من مشكلات المسائل . ولفظ الدليل : لهدايته فى مفاوز الجهلات على طريق اللَّه . ولفظ المعدن : لكونه مظنّة دين اللَّه عنه يؤخذ .
ولفظ الوتد : لكون ارض اللَّه به تحفظ . ولفظ الزمام : لعقله باعتبار تسليمه الى حكم اللَّه واوامره فكانّها تقوده بعقله فى طريق اللَّه .
الفصل الثاني :
وآخر قد تسمّى عالما وليس به فاقتبس جهائل من جهّال وأضاليل من ضلَّال ونصب للنّاس شركاء من حبائل غرور ، وقول زور ، قد حمل الكتاب على آرائه ، وعطف
الحقّ على أهوائه ، يومّن من العظائم ، ويهوّن كبير الجرائم يقول « أقف عند الشّبهات » وفيها وقع ، « وأعتزل البدع » وبينها اضطجع : فالصّورة صورة إنسان ، والقلب قلب حيوان ، لا يعرف باب الهدى فيتّبعه ولا باب العمى فيصدّ عنه ، فذلك ميّت الأحياء . فأين تذهبون وأنّى تؤفكون والأعلام قائمة والآيات واضحة والمنار منصوبة فأين يتاه بكم بل كيف تعمهون وبينكم عترة نبيّكم ، وهم أزمّة الحقّ ، وأعلام الدّين ، وألسنة الصّدق ، فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن وردوهم ورود الهيم العطاش . أيّها النّاس ، خذوها عن خاتم النّبيّين صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إنّه يموت من مات منّا وليس بميّت ، ويبلى من بلى منّا وليس ببال » فلا تقولوا بما لا تعرفون ، فإنّ أكثر الحقّ فيما تنكرون ، واعذروا من لا حجّة لكم عليه ، وأنا هو ، ألم أعمل فيكم بالثّقل الأكبر وأترك فيكم الثّقل الأصغر ، وركزت فيكم راية الإيمان ، ووقفتكم على حدود الحلال والحرام وألبستكم العافية من عدلى ، وفرشتكم المعروف من قولى وفعلى ، وأريتكم كرائم الأخلاق من نفسى فلا تستعملوا الرّأى فيما لا يدرك قعره البصر ، ولا - تتغلغل إليه الفكر .
اقول : الجهائل : جمع جهالة ، واراد الجهل المركَّب ، وهو : الاعتقاد غير المطابق للحق من شبهة ، واستعار لفظ الاشراك والحبال : لما تغرّ علماء السوء به الناس من الأقوال الباطلة وحملة الكتاب على آرائه بتفسيره ، بحسب رأيه ، وكذلك عطفه على اهوائه ، تأويله بحسب هواه ، وتأمينه الناس من العظائم ، كاستعمال علماء السوء وجهّال الوعّاظ آيات الوعد فى كل موضع استجلابا لقلوب العوام ، واستعار له لفظ ميّت الاحياء : باعتبار عدم الانتفاع به لجهله المركب الَّذى هو موت النفس المضادّ لحياتها الحقيقية باستكمال العلوم والفضائل الخلقية ، فالجاهل بالحقيقة ميّت وان كان فى صورة حىّ .
وقوله : فأين تذهبون الى آخره : تنبيه على كونهم فى ضلال وعمى عن الحق ، وتخويف وتبكيت وتذكير بكتاب اللَّه وعترة رسوله ، ليلزموا هدايتهم . وتؤفكون : تصرفون ، وانّى هنا : بمعنى متى ، اى : متى تصرفون عن ضلالكم والاستفهام : للتقريع ، واستعار لفظ الاعلام : لائمة الدين وكذلك المنار ، ونصبها قيام الائمة بينهم . وعترة
الرجل : أقاربه من ولده وولد ولده . وادانى : بنى عمّه ، وعترة الرسول صلى اللَّه عليه وآله : اهل بيته . واستعار لهم لفظ الازمة : بأعّتبار كونهم قادة للخلق الى طريق الحق كالزمام ، وكونهم ألسنة الصدق اى : تراجمة الوحى الصادق ، او انّهم لا يقولون الَّا صدقا لعصمتهم .
وقوله : فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن . فاعلم انّ للقرآن منازل احدها القلب ، وله فيه منزلتان : منزلة الاكرام والتعظيم ، ومنزلة التصوّر فقط ، ثم منزلة فى الوجود اللسانى ، ثم فى الكتب والدفاتر ، واحسن منازله هى الأولى . فالمراد : الوصيّة باكرامهم وتعظيمهم ومحبّتهم كما يكرم القرآن بذلك .
وقوله : ورودهم : ورود الهيم العطاش ارشاد لهم الى الاسراع فى اقتباس العلوم ، وكرائم الاخلاق منهم كما يسرع الهيم وهى الابل العطشى الى الشرب . والضمير فى قوله : خذوها : للرواية الحاضرة وهو تقرير لقوله تعالى : * ( ( ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ الله أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ ) ) *[1]الآية ، ويبلى اى : بجسمه ، وليس ببال اى : بنفسه ، وذكره .
قوله : ولا تقولوا بما لا تعلمون ، اى : ممّا طوى عنكم غيبه وعلمناه ، وذلك : انّهم كانوا يخوضون فى امر المعاد ، ويقول كلّ منهم بحسب ما يتصوّر من القرآن ، والحديث ، والائمة عليهم السّلام ، أعلم بذلك ، ونبّه على وجوب الانتهاء عن التّسرع الى القول بغير علم بضمير صغراه ، قوله : فانّ اكثر الحق فيما تنكرون ، وتقدير كبراه : وكلّ ما كان اكثر الحق فيه لم يجز التّسرّع الى انكاره ، لجواز أن يكون هو الحق ، والثقل الاكبر : كتاب اللَّه لكونه الاصل المتّبع . والثقل الاصغر : العترة الطاهرة[2].
واستعار لفظ راية الايمان : لسنّته المتّبعة فى العمل بكتاب اللَّه . وركزها : وضعها بينهم ليقتدوا بها . وقعر الشيء : اقصاه . والبصر : بصر العقل . والتغلغل : الدخول فى الاعماق ، وهو نهى عن استعمال مجرّد الرأى فى دقائق المسائل الالهية ، وامر المعاد فانّ ذلك مهلكة .
منها :
[1]سورة آل عمران - 169
[2]مأخوذ من قول النبي ( ص ) : إني مخلَّف فيكم الثقلين .
حتّى يظنّ الظَّانّ أنّ الدّنيا معقولة على بنى أمية تمنحهم درّها وتوردهم صفوها ، ولا يرفع عن هذه الأمّة سوطها ، ولا سيفها ، وكذب الظَّان لذلك ، بل هى مجّة من لذيذ العيش يتطعّمونها برهة ، ثمّ يلفظونها جملة . الفصل غاية من غايات دولة بنى امية ، وهو اخبار عمّا سيكون . ومعقولة : محبوسة ، واستعار لفظ الدّر والصفو : للذّاتها وقيناتها ، ولفظ المحبّة : لما يحصلون عليه من الدولة والملك ، باعتبار قلَّته بالنسبة الى زمان عدمه ، ووصف التطعّم : لا لتذاذهم بالإمرة .
ووصف اللفظ : لزوالها عنهم .
85 - ومن خطبة له عليه السّلام أمّا بعد ، فإنّ اللَّه لم يقصم جبّارى دهر قطَّ إلَّا بعد تميّل ورخاء ، ولم يجبر عظم أحد من الأمم إلَّا بعد أزل وبلاء ، وفى دون ما استقبلتم من عتب ، وما استدبرتم من خطب ، معتبر وما كلّ ذى قلب بلبيب ، ولا كلّ ذى سمع بسميع ، ولا كلّ ناظر ببصير ، فيا عجبى - ومالى لا أعجب - من خطاء هذه الفرق على اختلاف حججها فى دينها لا - يقتصّون أثر نبىّ ، ولا يقتدون بعمل وصىّ ، ولا يؤمنون بغيب ، ولا يعفّون عن عيب . يعملون فى الشّبهات ويسيرون فى الشّهوات ، المعروف عندهم ما عرفوا ، والمنكر عندهم ما أنكروا ، مفزعهم فى المعضلات إلى أنفسهم ، وتعويلهم فى المبهمات على آرائهم ، كأنّ كلّ امرىء منهم إمام نفسه : قد أخذ منها فيما يرى بعرى ثقات وأسباب محكمات .
اقول : مقصود الفصل توبيخ الامّة على اختلافهم فى الدين ، وتشتيت آرائهم فى الأحكام والمذاهب .
والقصم : الكسر ، وجبر العظم : كناية عن التقويّة بعد الضعف . والأزل : الشدّة .
والعتب : الذى استقبلوه عتابه عليه السّلام وما ينبغي منه . والخطب : الذى استدبروه ، الأهوال التي لحقتهم من المشركين . وفى دون ذلك معتبر لمن كان له قلب ، فانّهم لو اختلفوا حينئذ كاختلافهم الآن لما كان لهم مع قلَّتهم وقع عند المشركين . وكانّه قال :