بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 204


وفي الجنّة المعقولة واتفقّت العقلاء على انّ الذّثمارها هى المعارف الألهيّة والنظر الى وجه اللَّه ذى الجلال والاكرام ، والسعداء في الوصول الى نيل هذه الثمرة على مراتب متفاوتة ، ودرجات متفاضله كما نبّهنا عليه في الاصل[1]وباللَّه التوفيق والعصمة .
83 - ومن خطبة له عليه السّلام قد علم السّرائر ، وخبر الضّمائر ، له الإحاطة بكلّ شيء ، والغلبة لكلّ شيء ، والقوّة على كلّ شيء . فليعمل العامل منكم في أيّام مهله . قبل إرهاق أجله ، وفي فراغه قبل أو ان شغله ، وفى متنفّسه قبل أن يؤخذ بكظمه ، وليمهّد لنفسه وقدومه . وليتزوّد من دار ظعنه لدار إقامته ، فاللَّه اللَّه ، أيّها النّاس فيما استحفظكم من كتابه . واستودعكم من حقوقه ، فإنّ اللَّه ، سبحانه لم يخلقكم عبثا ، ولم يترككم سدى ولم يدعكم في جهالة ولا عمى : قد سمّى آثاركم ، وعلَّم أعمالكم ، وكتب آجالكم ، وأنزل عليكم الكتاب تبيانا لكلّ شيء ، وعمّر فيكم نبيّه أزمانا حتّى أكمل له ولكم - فيما أنزل من كتابه - دينه الَّذى رضى لنفسه وأنهى إليكم ، على لسانه ، محابّه من الأعمال ومكارهه ، ونواهيه وأوامره ، فألقى إليكم المعذرة ، واتّخذ عليكم الحجّة ، وقدّم إليكم بالوعيد ، وأنذركم بين يدي عذاب شديد . فاستدركوا بقيّة أيّامكم ، واصبروا لها أنفسكم ، فإنّها قليل في كثير الأيّام الَّتى تكون منكم فيها الغفلة والتّشاغل عن الموعظة ، ولا ترخّصوا لأنفسكم فتذهب بكم الرّخص فيها مذاهب الظَّلمة ، ولا تداهنوا فيهجم بكم الإدهان على المصيبة . عباد اللَّه ، إنّ أنصح النّاس لنفسه أطوعهم لربّه ، وإنّ أغشّهم لنفسه أعصاهم لربّه ، والمغبون من غبن نفسه والمغبوط من سلم له دينه ، والسّعيد من وعظ بغيره ، والشّقىّ من انخدع لهواه . واعلموا أنّ يسير الرّباء شرك ، ومجالسة أهل الهوى منساة للإيمان ومحضرة للشّيطان . جانبوا الكذب فإنّه مجانب للإيمان ، الصّادق على شرف منجاة وكرامة ، والكاذب على شفا مهواة ومهانة ، ولا تحاسدوا فإنّ الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النّار الحطب ، ولا تباغضوا فإنّها الحالقة


[1]الشرح الكبير 2 - 277 .


صفحه 205


واعلموا أنّ الأمل يسهى العقل ، وينسى الذّكر فأكذبوا الأمل فإنّه غرور ، وصاحبه مغرور .
اقول : احاطته بكلّ شيء : علمه بكليّات الاشياء ، وجريانها ، وعلمه وقوّته على كل شيء : استيلاء سلطان قدرته على كل مقدور ، وارهاق الاجل : سرعة لحوقه ، وشغله اى : بأهوال الآخرة .
والكظم : مجرى النفس والاخذ به كناية : عن الموت ، ونبّه على وجوب الحذر من مخالفة اللَّه بضمير صغراه قوله : فانّه لم يخلقكم عبثا ، اى : خاليا عن وجه الحكمة بل ليستكملوا في الدنيا ، واشار الى وجوه حكمته في خلقهم والطافه في حقّهم ، من انزال الكتاب وبعث الرسول صلى اللَّه عليه وآله ، واكمال دينه الَّذى ارتضى لهم ، وتقدير الكبرى وكلّ من كان كذلك فواجب ان يحفظ حقوقه ، ويحذر من تضييع ما استودعه . والرخصة هنا : المساهلة في تنويع المأكل والمشرب وغيره ، من المباحات فانّ ذلك مظنّة الخروج فيها عن حدّ الاباحة الى مالا ينبغي في الدين ، ومذاهب الظلمة : مسالكها وطرقها الجائرة .
روى انّ ابليس ظهر ليحيى بن زكريا عليهما السّلام ، فرأى عليه معاليق كل شيء فقال له : يا ابليس ما هذه المعاليق قال : هذه هى الشهوات التي اصيب بهنّ قلوب بنى آدم ، فقال : هل بى فيها شيء قال : نعم ربما شبعت فشغلناك عن الصلاة وعن الذكر ، قال : هل غير ذلك قال : لا قال للَّه علىّ ان لا أملأ بطنى من طعام ابدا ، فقال ابليس : للَّه علىّ ان لا أنصح مسلما ابدا . ولا تداهنوا انفسكم اى : لا تصانعوها بالتأويلات الضعيفة والشبهات[1]الباطلة فانّ ذلك سبب للهجوم على المعصية والعبور اليها عن حدّ الفصيلة من المباح . وبيان قوله : انّ انصح الناس لنفسه ، اطوعهم لربّه . لمّا كان غرض النصح انّما هو : جلب الخير والمنفعة للمنصوح وكان اتمّ خير ومنفعة هو السعادة الباقية الابديّة وكانت تلك السعادة انّما تنال بالطاعة فكلّ من كانت طاعته له اتمّ كانت سعادته اتم ، كان هو انصح الناس لنفسه بمبالغته في طاعته ، وظهر من ذلك معنى قوله : وان أغشّهم لنفسه أعصاهم لربّه . والمغبون : من غبن نفسه بالمعصية وبحصوله على السهم الاخيب فى الآخرة وتفويت نفسه نصيبها الأوفى من الجنّة . وقوله : المغبوط ، اى : من يستحق ان


[1]في ش : والشبه .


صفحه 206


يغبط ، ومعنى الغبطة : ان يتمنّى الانسان مثل ما لغيره من حال او مال ، مع قطع النظر عن تمنّى زوال تلك الحال عمّن هى له ، وبهذا القيد يتميّز عن الحسد . والسعيد : من وعظ بغيره ، اى : السعيد التّام ، وذلك انّ العظة قد تحصل للانسان من نفسه ، بعبرة تقع له كمرض او أمر ينزل به ، وقد تحصل بمشاهدة الغير وهذه اتمّ من تلك وافضل ، لاستلزامها ثواب الآخرة مع السلامة من عبرة تلحق المعتبر في نفسه ، ولذلك خصّ صاحبها بالسعيد مبالغة . واهل الهوى : المنقادون لدواعى الشهوة والغضب الخارجة عن حدود اللَّه ، ونفّر عن مجالستهم : باستلزامها الأمرين ، وهو ظاهر ونفرّ عن الكذب بضمير صغراه قوله : فانّه ، مجانب للايمان ، وهو : خبر نبوىّ ، ومجانبته له لكونه من الكبائر المضادّة للازم الايمان وهو : الصدق ، ومضادّة اللازم مضادّة للملزوم ، ومجانب له . ونفّر عن الحسد بضمير صغراه قوله : فانّه ، الى قوله : الحطب ، ووجه الشبه : انّ الحاسد قد يغرق فكره في الاهتمام بأمر المحسود حتّى لا يتفرّغ لطاعة وعبادة بل قد يذهل عما حصل عليه من الكمال ، وبدوامه ينقطع به عن تحصيل الحسنات فيكون مفوّتا لها كفعل النار فى الحطب .
ولفظ الأكل : مستعار لذلك التفويت : ونفّر عن التباغض بضمير صغراه قوله : فانّها الحالقة . والضمير في قوله : فانّها ، يعود الى المصدر ، وهى المباغضة ، واستعار لفظ الحالقة للجائحة التي تقع بسبب التباغض عن الفرقة واختلاف الكلمة المستلزم لطمع العدوّ في المتباغضين ، واستيصالهم وافناء بعضهم لبعض كالآلة الحالقة ، ونسبة السهو والنسيان والغفلة الى فعل الأمل لما يستلزمه من الغفلة من الآخرة ، وتكذيبه بردّ العقل لاحكام الوهم بنيل المطلوب ، وبذكر الموت وقواطع الاقدار عن بلوغه ، وباللَّه التوفيق .
84 - ومن خطبة له عليه السّلام وفيها فصول :
الفصل الأوّل : في صفات المتّقين وهو قوله : عباد اللَّه ، إنّ من أحبّ عباد اللَّه إليه عبدا أعانه اللَّه على نفسه فاستشعر الحزن ، و


صفحه 207


تجلبب الخوف ، فزهر مصباح الهدى في قلبه ، وأعدّ القرى ليومه النّازل به ، فقرّب على نفسه البعيد ، وهوّن الشّديد : نظر فأبصر ، وذكر فاستكثر ، وارتوى من عذب فرات سهلت له موارده ، فشرب نهلا ، وسلك سبيلا جددا ، قد خلع سرابيل الشّهوات ، وتخلَّى من الهموم إلَّا همّا واحدا انفرد به ، فخرج من صفة العمى ، ومشاركة أهل الهوى ، وصار من مفاتيح أبواب الهدى ، ومغاليق أبواب الرّدى ، قد أبصر طريقه ، وسلك سبيله ، وعرف مناره ، وقطع غماره ، استمسك من العرى بأوثقها ، ومن الحبال بأمتنها ، فهو من اليقين على مثل ضوء الشّمس : قد نصب نفسه للَّه - سبحانه - فى أرفع الأمور من إصدار كلّ وارد عليه ، وتصيير كلّ فرع إلى أصله ، مصباح ظلمات ، كشّاف عشاوات ، مفتاح مبهمات ، دفّاع معضلات ، دليل فلوات ، يقول فيفهم ، ويسكت فيسلم : قد أخلص اللَّه فاستخلصه فهو من معادن دينه ، وأوتاد أرضه ، قد ألزم نفسه العدل ، فكان أوّل عدله نفى الهوى عن نفسه ، يصف الحقّ ويعمل به ، لا يدع للخير غاية إلَّا أمّها ، ولا مظنّة إلَّا قصدها ، قد أمكن الكتاب من زمامه فهو قائده وإمامه ، يحلّ حيث حلّ ثقله ، وينزل حيث كان منزله .
أقول : اعانته على نفسه ، افادته تعالى لعقله قوّة قهر نفسه الامّارة بالسوء ، واتّخاذه الحزن شعارا اى : على معصية اللَّه . والخوف جلبابا اى : من عقابه ، ووصف الاستشعار والتجلَّب مستعاران . وزهر[1]مصباح الهدى في قلبه شروق نور المعارف الالهية في سرّه ، وهو : ثمرة الاستعداد ، والخوف والحزن ، واستعار لفظ المصباح : لنور المعرفة لاشتراكهما فى افادة الهدى . ولفظ القرى : للاعمال الصالحة التي تعدّ ثمراتها ليوم موته ، وما بعده ملاحظة لشبهها بما يعدّ من الضيافة للقادم ، وتقرّبه على نفسه البعيد تقصيره لأمله الطويل فى الدنيا ، بذكر الموت او تقرّبه لما بعد من احوال الآخرة بدوام اخطارها بباله ، حتى كانّها حاضرة له . وتهوينه الشديد : تسهيل شدائد الدنيا على خاطره ، واستحقاره في جنب ما يتصوّره من الفرجة بلقاء اللَّه ، ووعده ووعيده ، او تسهيله لشدائد الآخرة وتهوينها بالأعمال الصالحة . ونظر اى : فكَّر في ملكوت السموات والارض ، فأبصر اى : الحق سبحانه في عجائب خلقه ، يعنى : بصيرته . وذكر ربّه ومعاده ، فاستكثر من الاعمال


[1]في ش : زهور .


صفحه 208


الصالحة والذكر ، حتى صار ملكة ، واستعار لفظ العذب : بوصف الفرات للعلوم والكمالات النفسانية ، ووصف الارتواء : لتمام الاستكمال بها ، ومواردها : مظانّها من العبر والامور التي تحصّل نفوس المتّقين منها العلوم ، وتسهيلها لهم : سرعة اخذهم عنها الكمالات لكمال استعدادهم لذلك . والنهل : الشرب فى اوّل الورد واستعار لفظه : لسبق احدهم الى اخذ الكمالات عن مظانّها . والسبيل الجدد : سبيل اللَّه الواضح . وخلعه سرابيل الشهوات ، اشارة الى : طرف الزهد ، ولفظ السرابيل مستعار : لما يلبس به من الشهوات والهمّ الذى انفرد به هو الوصول الى ساحل العزّة . واستعار لفظ العمى : للجهل . وابواب الهدى هى الفضائل والطاعات . وابواب الرّدى هى : الرذائل والمعاصى . ومناره ، اعلام طريق اللَّه ، وهى البراهين والادلَّة التي تهدى بها . وغمارة : ما كان مغمورا فيه من احوال الدنيا . واوثق العرى : الإيمان باللَّه وهو امتن الحبال ، ولفظهما مستعاران : باعتبار وثاقة التمسّك بهما .
وقوله : فهو من اليقين ، اى : باللَّه وما جاءت به رسله ، من احوال الغيب على اتمّ يقين . وقوله : قد نصب نفسه ، الى قوله اصله ، اى : لما كمل فى ذاته كان اهلا لهداية الخلق ، وافادتهم لقوانين طريق اللَّه ، والتّفريغ عنها . والظَّلمات : ظلمات الجهل .
والعشوات : ما التبس على البصائر من المسائل الدقيقة ، وكذلك المبهمات ، والمعضلات ، والفلوات استعارة . وقوله : يقول ، الى قوله : يسلم ، اى : يستعمل كلَّا من القول : والسكوت فى موضعه ، ويصيب به مقصوده ، واستعار له لفظ المصباح : باعتبار هدايته للخلق ، ولفظ المفتاح : لفتحه ما انغلق من مشكلات المسائل . ولفظ الدليل : لهدايته فى مفاوز الجهلات على طريق اللَّه . ولفظ المعدن : لكونه مظنّة دين اللَّه عنه يؤخذ .
ولفظ الوتد : لكون ارض اللَّه به تحفظ . ولفظ الزمام : لعقله باعتبار تسليمه الى حكم اللَّه واوامره فكانّها تقوده بعقله فى طريق اللَّه .
الفصل الثاني :
وآخر قد تسمّى عالما وليس به فاقتبس جهائل من جهّال وأضاليل من ضلَّال ونصب للنّاس شركاء من حبائل غرور ، وقول زور ، قد حمل الكتاب على آرائه ، وعطف


صفحه 209


الحقّ على أهوائه ، يومّن من العظائم ، ويهوّن كبير الجرائم يقول « أقف عند الشّبهات » وفيها وقع ، « وأعتزل البدع » وبينها اضطجع : فالصّورة صورة إنسان ، والقلب قلب حيوان ، لا يعرف باب الهدى فيتّبعه ولا باب العمى فيصدّ عنه ، فذلك ميّت الأحياء . فأين تذهبون وأنّى تؤفكون والأعلام قائمة والآيات واضحة والمنار منصوبة فأين يتاه بكم بل كيف تعمهون وبينكم عترة نبيّكم ، وهم أزمّة الحقّ ، وأعلام الدّين ، وألسنة الصّدق ، فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن وردوهم ورود الهيم العطاش . أيّها النّاس ، خذوها عن خاتم النّبيّين صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إنّه يموت من مات منّا وليس بميّت ، ويبلى من بلى منّا وليس ببال » فلا تقولوا بما لا تعرفون ، فإنّ أكثر الحقّ فيما تنكرون ، واعذروا من لا حجّة لكم عليه ، وأنا هو ، ألم أعمل فيكم بالثّقل الأكبر وأترك فيكم الثّقل الأصغر ، وركزت فيكم راية الإيمان ، ووقفتكم على حدود الحلال والحرام وألبستكم العافية من عدلى ، وفرشتكم المعروف من قولى وفعلى ، وأريتكم كرائم الأخلاق من نفسى فلا تستعملوا الرّأى فيما لا يدرك قعره البصر ، ولا - تتغلغل إليه الفكر .
اقول : الجهائل : جمع جهالة ، واراد الجهل المركَّب ، وهو : الاعتقاد غير المطابق للحق من شبهة ، واستعار لفظ الاشراك والحبال : لما تغرّ علماء السوء به الناس من الأقوال الباطلة وحملة الكتاب على آرائه بتفسيره ، بحسب رأيه ، وكذلك عطفه على اهوائه ، تأويله بحسب هواه ، وتأمينه الناس من العظائم ، كاستعمال علماء السوء وجهّال الوعّاظ آيات الوعد فى كل موضع استجلابا لقلوب العوام ، واستعار له لفظ ميّت الاحياء : باعتبار عدم الانتفاع به لجهله المركب الَّذى هو موت النفس المضادّ لحياتها الحقيقية باستكمال العلوم والفضائل الخلقية ، فالجاهل بالحقيقة ميّت وان كان فى صورة حىّ .
وقوله : فأين تذهبون الى آخره : تنبيه على كونهم فى ضلال وعمى عن الحق ، وتخويف وتبكيت وتذكير بكتاب اللَّه وعترة رسوله ، ليلزموا هدايتهم . وتؤفكون : تصرفون ، وانّى هنا : بمعنى متى ، اى : متى تصرفون عن ضلالكم والاستفهام : للتقريع ، واستعار لفظ الاعلام : لائمة الدين وكذلك المنار ، ونصبها قيام الائمة بينهم . وعترة


صفحه 210


الرجل : أقاربه من ولده وولد ولده . وادانى : بنى عمّه ، وعترة الرسول صلى اللَّه عليه وآله : اهل بيته . واستعار لهم لفظ الازمة : بأعّتبار كونهم قادة للخلق الى طريق الحق كالزمام ، وكونهم ألسنة الصدق اى : تراجمة الوحى الصادق ، او انّهم لا يقولون الَّا صدقا لعصمتهم .
وقوله : فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن . فاعلم انّ للقرآن منازل احدها القلب ، وله فيه منزلتان : منزلة الاكرام والتعظيم ، ومنزلة التصوّر فقط ، ثم منزلة فى الوجود اللسانى ، ثم فى الكتب والدفاتر ، واحسن منازله هى الأولى . فالمراد : الوصيّة باكرامهم وتعظيمهم ومحبّتهم كما يكرم القرآن بذلك .
وقوله : ورودهم : ورود الهيم العطاش ارشاد لهم الى الاسراع فى اقتباس العلوم ، وكرائم الاخلاق منهم كما يسرع الهيم وهى الابل العطشى الى الشرب . والضمير فى قوله : خذوها : للرواية الحاضرة وهو تقرير لقوله تعالى : * ( ( ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ الله أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ ) ) *[1]الآية ، ويبلى اى : بجسمه ، وليس ببال اى : بنفسه ، وذكره .
قوله : ولا تقولوا بما لا تعلمون ، اى : ممّا طوى عنكم غيبه وعلمناه ، وذلك : انّهم كانوا يخوضون فى امر المعاد ، ويقول كلّ منهم بحسب ما يتصوّر من القرآن ، والحديث ، والائمة عليهم السّلام ، أعلم بذلك ، ونبّه على وجوب الانتهاء عن التّسرع الى القول بغير علم بضمير صغراه ، قوله : فانّ اكثر الحق فيما تنكرون ، وتقدير كبراه : وكلّ ما كان اكثر الحق فيه لم يجز التّسرّع الى انكاره ، لجواز أن يكون هو الحق ، والثقل الاكبر : كتاب اللَّه لكونه الاصل المتّبع . والثقل الاصغر : العترة الطاهرة[2].
واستعار لفظ راية الايمان : لسنّته المتّبعة فى العمل بكتاب اللَّه . وركزها : وضعها بينهم ليقتدوا بها . وقعر الشيء : اقصاه . والبصر : بصر العقل . والتغلغل : الدخول فى الاعماق ، وهو نهى عن استعمال مجرّد الرأى فى دقائق المسائل الالهية ، وامر المعاد فانّ ذلك مهلكة .
منها :


[1]سورة آل عمران - 169
[2]مأخوذ من قول النبي ( ص ) : إني مخلَّف فيكم الثقلين .


صفحه 211


حتّى يظنّ الظَّانّ أنّ الدّنيا معقولة على بنى أمية تمنحهم درّها وتوردهم صفوها ، ولا يرفع عن هذه الأمّة سوطها ، ولا سيفها ، وكذب الظَّان لذلك ، بل هى مجّة من لذيذ العيش يتطعّمونها برهة ، ثمّ يلفظونها جملة . الفصل غاية من غايات دولة بنى امية ، وهو اخبار عمّا سيكون . ومعقولة : محبوسة ، واستعار لفظ الدّر والصفو : للذّاتها وقيناتها ، ولفظ المحبّة : لما يحصلون عليه من الدولة والملك ، باعتبار قلَّته بالنسبة الى زمان عدمه ، ووصف التطعّم : لا لتذاذهم بالإمرة .
ووصف اللفظ : لزوالها عنهم .
85 - ومن خطبة له عليه السّلام أمّا بعد ، فإنّ اللَّه لم يقصم جبّارى دهر قطَّ إلَّا بعد تميّل ورخاء ، ولم يجبر عظم أحد من الأمم إلَّا بعد أزل وبلاء ، وفى دون ما استقبلتم من عتب ، وما استدبرتم من خطب ، معتبر وما كلّ ذى قلب بلبيب ، ولا كلّ ذى سمع بسميع ، ولا كلّ ناظر ببصير ، فيا عجبى - ومالى لا أعجب - من خطاء هذه الفرق على اختلاف حججها فى دينها لا - يقتصّون أثر نبىّ ، ولا يقتدون بعمل وصىّ ، ولا يؤمنون بغيب ، ولا يعفّون عن عيب . يعملون فى الشّبهات ويسيرون فى الشّهوات ، المعروف عندهم ما عرفوا ، والمنكر عندهم ما أنكروا ، مفزعهم فى المعضلات إلى أنفسهم ، وتعويلهم فى المبهمات على آرائهم ، كأنّ كلّ امرىء منهم إمام نفسه : قد أخذ منها فيما يرى بعرى ثقات وأسباب محكمات .
اقول : مقصود الفصل توبيخ الامّة على اختلافهم فى الدين ، وتشتيت آرائهم فى الأحكام والمذاهب .
والقصم : الكسر ، وجبر العظم : كناية عن التقويّة بعد الضعف . والأزل : الشدّة .
والعتب : الذى استقبلوه عتابه عليه السّلام وما ينبغي منه . والخطب : الذى استدبروه ، الأهوال التي لحقتهم من المشركين . وفى دون ذلك معتبر لمن كان له قلب ، فانّهم لو اختلفوا حينئذ كاختلافهم الآن لما كان لهم مع قلَّتهم وقع عند المشركين . وكانّه قال :