بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 215


الآخرة وغاياتهم التي تتناهى بهم ما يختم به اعمالهم من سعادة وشقاوة .
وقوله : وهو الَّذى اشتدّت ، الى قوله : نعمته ، اشارة الى : كماله وتنزيهه ، فى اعتبار احواله عن ملوك الدنيا فانّ حال الرحمة وحال الغضب فيهم متضادّ ان لا يجتمعان .
ولما كان كماله تعالى يقتضى ان يفيض على كلّ نفس ما يستعدّ له ، وجاز ان يستعدّ الشخص الواحد للنعمة التي هى اثر الرحمة ، وللنقمة التي هى اثر الغضب فى حال واحد ، لا جرم جاز اجتماع رحمته ونقمته فى محلّ واحد فى وقت واحد ، باعتبارين كحال الكفّار مثلا فى الدنيا . وقوله : وعازّه : غالبه ، وناواه : عاداه . وزنة النفوس فى الدنيا : اعتبار اعمالها من الخير والشرّ ومراعاة استقامتها على حاق الوسط من الفضائل فى سبيل اللَّه ، ومحاسبة النفس : ضبط اعمالها الخيريّة والشّرية ليزكَّيها[1]بما ينبغي لها ويعاقبها على فعل ما لا ينبغي ، وباب عظيم من ابواب المرابطة فى سبيل اللَّه ، واستعار لفظ وصف التنفّس : لتحصيل الراحة والبهجة للآخرة بالاعمال الصالحة فى الدنيا المستلزمة لها كما يستلزم النفس راجة القلب من الكرب . ولفظ الخناق من الحبل : للموت . وانقادوا اى : لأوامر اللَّه قبل عنف سياق الموت ، واعانة العبد على نفسه : اعداد العناية الالهية لقوّته العقلية على قهر النفس الامّارة بالسوء ، وتهيأتها لقبول السوانح الخيريّة ومن لم يحصّل ذلك الاستعداد ملكة حتّى يكون هو القاهر لنفسه لم يتمكن من قهرها بموعظة الغير وزجره ، وذلك تنبيه على وجوب الاستعانة باللَّه فى احوال النفس ودفع الشيطان عنها ، وباللَّه التوفيق .
88 - ومن خطبة له عليه السّلام تعرف بخطبة الاشباح . وهى من جلائل الخطب . روى مسعدة بن صدقة عن الصادق جعفر بن محمد عليه السّلام ، انّه قال : خطب امير المؤمنين صلى اللَّه عليه وآله بهذه الخطبة على منبر الكوفة ، وذلك انّ رجلا أتاه فقال له يا أمير المؤمنين : صف لنا ربّنا لنزداد له حبا ، وبه معرفة فغضب عليه السّلام ، ونادى الصلاة جامعة فاجتمع الناس حتى


[1]في ش : لتركها .


صفحه 216


غص المجلس بأهله فصعد المنبر وهو مغضب متغير اللون ، فحمد اللَّه سبحانه وصلى على النبي محمد صلى اللَّه عليه وآله ثم قال : الحمد للَّه الَّذى لا يفره المنع والجمود ، ولا يكديه الإعطاء والجود ، إذ كلّ معط منتقص سواه ، وكلّ مانع مذموم ما خلاه ، وهو المنّان بفوائد النّعم ، وعوائد المزيد والقسم ، عياله الخلق : ضمن أرزاقهم ، وقدّر أقواتهم ، ونهج سبيل الرّاغبين إليه ، والطَّالبين ما لديه ، وليس بما سئل بأجود منه بما لم يسأل ، الأوّل الَّذى لم يكن له قبل فيكون شيء قبله ، والآخر الَّذى ليس له بعد فيكون شيء بعده ، والرّادع أناسىّ الأبصار عن أن تناله أو تدركه ما اختلف عليه دهر فيختلف منه الحال ، ولا كان فى مكان فيجوز عليه الانتقال ، ولو وهب ما تنفّست عنه معادن الجبال ، وضحكت عنه أصداف البحار ، من فلزّ اللَّجين والعقيان ، ونثارة الدّرّ وحصيد المرجان ما أثّر ذلك فى جوده ، ولا أنفد سعة ما عنده ، ولكان عنده من ذخائر الإنعام ما لا تنفده مطالب الأنام ، لأنّه الجواد الَّذى لا يغيضه سؤال السّائلين ، ولا يبخله إلحاح الملحّين . فانظر أيّها السّائل فما دلَّك القرآن عليه من صفته فائتمّ به ، واستضئ بنور هدايته ، وما كلَّفك الشّيطان علمه ممّا ليس فى الكتاب عليك فرضه ولا فى سنّة النّبىّ صلَّى اللَّه عليه وآله وأئمّة الهدى أثره ، فكل علمه إلى اللَّه سبحانه ، فإنّ ذلك منتهى حقّ اللَّه عليك . واعلم أنّ الرّاسخين فى العلم هم الَّذين أغناهم عن اقتحام السّدد المضروبة دون الغيوب ، الاقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب ، فمدح اللَّه اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما ، وسمّى تركهم التّعمّق فيما لم يكلَّفهم البحث عن كنهه رسوخا ، فاقتصر على ذلك ، ولا تقدّر عظمة اللَّه سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين : هو القادر الَّذى إذا ارتمت الأوهام لتدرك منقطع قدرته ، وحاول الفكر المبرّأ من خطرات الوساوس أن يقع عليه فى عميقات غيوب ملكوته ، وتولَّهت القلوب إليه لتجرى فى كيفية صفاته ، وغمضت مداخل العقول فى حيث لا تبلغه الصّفات لتناول علم ذاته ردعها وهى تجوب مهاوى سدف الغيوب متخلَّصة إليه ، سبحانه ، فرجعت إذ جبهت معترفة بأنّه لا ينال بجور الاعتساف كنه معرفته ، ولا تخطر ببال أولى الرّويّات خاطرة من تقدير جلال عزّته الَّذى ابتدع الخلق على غير مثال امتثله ، ولا مقدار احتذى عليه ، من خالق معهود كان


صفحه 217


قبله ، وأرانا من ملكوت قدرته ، وعجائب ما نطقت به آثار حكمته ، واعتراف الحاجة من الخلق إلى أن يقيمها بمساك قدرته ، ما دلَّنا باضطرار قيام الحجّة له على معرفته ، وظهرت فى البدائع الَّتى أحدثها آثار صنعته وأعلام حكمته ، فصار كلّ ما خلق حجّة له ودليلا عليه ، وإن كان خلقا صامتا فحجّته بالتّدبير ناطقة ، ودلالته على المبدع قائمة . وأشهد أنّ من شبّهك بتباين أعضاء خلقك ، وتلاحم حقاق مفاصلهم المحتجبة لتدبير حكمتك لم يعقد غيب ضميره على معرفتك ، ولم يباشر قلبه اليقين بأنّه لا ندّ لك ، وكأنّه لم يسمع تبرّأ التّابعين من المتبوعين إذ يقولون : * ( ( تَا لله إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ، إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ ) ) *[1]كذب العادلون بك إذ شبّهوك بأصنامهم ونحلوك حلية المخلوقين بأوهامهم وجزّأوك تجزئة المجسّمات بخواطرهم وقدّروك على الخلقة المختلفة القوى بقرائح عقولهم ، وأشهد أنّ من ساواك بشىء من خلقك فقد عدل بك ، والعادل بك كافر بما تنزّلت به محكمات آياتك ، ونطقت عنه شواهد حجج بيّناتك ، وإنّك أنت اللَّه الَّذى لم تتناه فى العقول فتكون فى مهبّ فكرها مكيّفا ، ولا فى رويّات خواطرها فتكون محدودا مصرّفا .
أقول : قيل سمّيت الاشباح لاشتمالها على ذكر الأشباح ، وهى : الاشخاص .
وقيل : لانّ الشبح هو الطول والامتداد . وهذه الخطبة ذات اقسام طوال ممتدّة كذكر السماوات ، وكيفية تخليقها ، وكذكر الملائكة واقسامهم ، وكيفية خلقهم واحوالهم ، وذكر الارض وكيفية خلقها . ويفرّه ، يزيده وفرا وهو : المال . ويكديه : ينقص خيره . وانّما لم يقبل الزيادة والنقصان لاستلزامهما الحاجة والامكان المنزّه قدسه عنهما ، ونزّهه فى الحكمين عن حال غيره من المعطَّلين والمانعين ، وفوائد النعم ما افاد منها ، وعوائد المزيد ، والقسم ما اعتاد منهما ، واستعار لفظ العيال : للخلق باعتبار ضمان ارزاقهم ، والقيام لأحوالهم ، ولفظ الضمان لما وجب فى الحكمة من تقدير الأقوات والارزاق التي لا بدّ منها كالضمان . وسبيل الراغبين اليه ، شريعته ودينه ، ونهجه لهم : ايضاحه بالادلَّة . وقوله : ليس بما سئل باجود منه بما لم يسئل عنه ، فيه لطيفة وهى : انّ فيضان ما يصدر عنه سبحانه له اعتباران :


[1]سورة الشعراء - 97 - 98 .


صفحه 218


أحدهما ، بالنظر الى جوده ، وهو من تلك الجهة غير مختلف فى جميع الموجودات ، بل نسبتها اليه على سواء ، فلا يقال هو بكذا اجود منه بكذا ، والَّا لاستلزم ان يكون ببعض الاشياء أبخل ، او اليها احوج فيلزمه النقصان تعالى عن ذلك .
والثاني ، بالنظر الى الممكن نفسه ، والاختلاف بالقرب والبعد الى جوده ، انّما هو من تلك الجهة فكلّ ممكن كان اتمّ استعدادا واقبل كان أقرب الى جوده . فالسائل اذن وان حصل له ما سأل منه تعالى دون ما لم يسأل فليس منعه ما لم يسأله لعزّته عنده وليس بينه وبين ما سأل بالنسبة الى جوده فرق وتفاوت بل تخصيصه بما سئل لتمام قبوله له ، ولو كان قابلا لما يسئل لوصل اليه من غير مسألة وان عظم خطره ، والى هذا اشار علىّ بن موسى الرضا عليه السّلام ، وقد سئل عن الجواد فقال : لسؤالك وجهان : ان اردت المخلوق فالَّذى يؤدّى ما افترض اللَّه عليه . وان اردت الخالق فهو الجواد ان اعطى وان منع لانّه ان أعطى أعطى من له ، وان منع منع من ليس له .
واراد انّ جوده متوقّف على الاستعداد وعدمه . وردعه اناسى الابصار عن ادراكه : قهره لها بذلّ النقصان عن قبول ذلك ، لانّ القوّة الباصرة انّما يتعلَّق بذى الوضع وجهة المنزّه قدسه تعالى عنه ، ولم يختلف عليه دهر لعلوّه عن الزمان ، وبذلك لم تختلف عليه الأحوال ، لانّ الزمان هو مبدأ الاختلاف . وفلزّ اللَّجين : خبثه وما ينفيه الكبر منه .
والعقيان : الذهب الخالص . والمرجان : صغار اللؤلؤ . وحصيده : محصوله وما اجتمع منه .
واستعار لفظ الضحك : للاصداف ، ووجه الشبه : انفتاح الصدفين واسفارهما عن اللؤلؤ الشبيه فى بدوه بالاسنان عن لحمة شبيهة باللسان فى هيئته ، ووضوح المشابهة تستدعى المشاهدة . ولفظ الحصيد لصغار اللؤلؤ لشبهه بالحصيد من الغلات . ونبّه بهذه القضية الشرطية على كمال قدرته ، وعدم تناهى مقدوراته ، وبيّن ذلك بضمير صغراه قوله : لانّه الجواد الى قوله : الملحّين ، وتقدير الكبرى وكلّ من كان كذلك فلو وهب جميع ما ذكر لم ينقص ملكه .
وقوله : فانظر الى آخره : تأديب للخلق فى وصفهم للَّه سبحانه ، وتعليم لهم كيفية مدحهم وثنائهم عليه ، فأمرهم ان يقتدوا فى ذلك بكتاب اللَّه تعالى ، ومن يقوم به من الأنبياء والائمة من بعدهم ، اذ كان اوّل ما يوصف به ما وصف به تعالى نفسه ، وان


صفحه 219


يفوّضوا علم مالم يعلموا الى علمه تعالى وهو المراد : بالتفويض المشهور . وقوله : انّ الراسخين ، الى قوله : المحجوب : تفسير لمعنى الرسوخ فى العلم . والاقتحام : الدخول فى الامر بشدّة . والسدد جمع سدّة وهى : الأبواب والحجب .
واعلم انّ لحجب الغيوب طبقات كثيرة كما أشار اليه الرسول صلى اللَّه عليه وآله : ( ان للَّه سبعين الف حجاب من نور وظلمة لو كشفها لا حرقت سبحات وجهه كل من ادرك بصره ) وقد نبّهنا عليها فى الاصل[1]، وهنا لطيفة وهو انّه لما كان التكليف فى نفس الأمر انّما هو على قدر العقول وتفاوت مراتبها كما قال صلى اللَّه عليه وآله : ( بعثت لاكلَّم الناس على قدر عقولهم ) . كان كلّ عقل قوىّ على رفع حجاب من حجب الغيب ، وقصر عمّا ورائه ، واعترف به ، وبالعجز عنه ، فذلك تكليفه وهو من الراسخين فعلى هذا ليس الرسوخ مرتبة واحدة هى تقليد ظاهر للشريعة واعتقاد حقيقتها فقط بل تقليدها مرتبة اولى من مراتبه ، وما وراء ذلك من مراتب غير متناهية بحسب مراتب السّالكين وقوّتهم على رفع حجاب الانوار . وظاهر كلامه عليه السّلام ، لا ينافي ذلك اذا نزّل عليه ، فإنّ قوله : وسمّى ترك التعمّق فيما لم يكلَّفهم البحث عن كنهه : رسوخا صادقا ايضا على من قطع جملة من منازل السائرين الى اللَّه ، وعجز عمّا ورائها فوقف ذهنه عن التعمّق فيه اذ لا يكلَّف بما لا يفي به قوّته بدركه ، والمقدّر لعظمة اللَّه بقدر عقله هو المعتقد انّ عقله ادركه واحاط به علما ، ووجه الهلاك فى ذلك : الاعتقاد انّ ما يحيط به العقول البشرية محدّد ومركَّب ، فكان ممكنا فالمعتقد لذلك معتقد لغير الاله الها . وقوله : هو القادر ، الى آخره ، اشارة الى : اعتبارات اخر من صفاته تعالى ، نبّه فيها على انّ غاية استقصاء العقول وتعمّقها فى طلب تفصيل صفاته ان تقف خاسئة وترجع حسيرة .
وارتماء الأوهام : استر - سالها مجدّة فى المطالعة والتفتيش ، وعميقات غيوب ملكوته : فى اسرار عالم الغيب . واستعار لفظ العمق : باعتبار عدم وصول غائص الفكر الى منتهاها . والتولَّه : شدّة الشوق .
وردعها : خلقها قاصر عن ادراك ما تطلبه من هذه المطالب ، فردع الاوهام لقصورها عن ادراك ما ليس بمحسوس . وردع الفكر والعقول له قصورها عن ادراك حقيقة ما ليس بمحدود مركَّب . وقدّم اعتبار قدرته تعالى على الشرطيّة لانّها الأصل فى ذلك الردع . و


[1]الشرح الكبير 2 - 332 .


صفحه 220


تجوب : تقطع وتطوف . واستعار لفظ السدف جمع سدفه ، وهى : الظلمة لما لا يهتدى اليه الفكر من الغيوب ، ملاحظة لشبهها بالظلمة المحسوسة .
« والواو » فى قوله : وهى : للحال ، والعامل : ردعها ، وجور الاعتساف : شدّة الجولان فى بيداء جلال اللَّه فظاهر انّه غير نافع فى تحصيل ما لا يمكن . وقوله : وأرانا الى قوله : معرفته ، فملكوت قدرته : ملكها ، وانّما نسبه الى القدرة لانّ اعتبارها مبدأ الوجود كلَّه ، فهو مبدأ المالكية ، واعتراف : عطف على عجائب ، والى : انّ متعلَّق بالحاجة . وقوله : ما دلَّنا : مفعول ثان لأرانا : وعلى معرفته : متعلَّق بدلَّنا . واستعار لفظ الاعلام : لما يدلّ على حكمة الصانع فى فعله من الإتقان والأحكام . والضمير فى قوله : فحجّته : يحتمل عوده الى اللَّه ويحتمل عوده الى الخلق الصامت ، وللسالكين فى سماع نطق آثار اللَّه ومشاهدته فى مصنوعاته ، مراتب ودرجات متفاوته .
وقوله : واشهد ، الى قوله : ربّ العالمين : التفات وانّما جعل المشبّه به هو تباين الاعضاء وتلاحمها وان كان المشبّه به هو الجسم متباين الاعضاء ، لأنّ تباين الاعضاء هو وجه الشبه المستلزم للتركيب فكان ذكره اهمّ ليظهر به تنزيهه تعالى عن هذا التشبيه سريعا ، لبرائته عن الاعضاء ، وتباينها وتركيبها . فامّا شهادته عليه السّلام بانّ المشبّه له غير عارف به ، ولا متيقّن لتنزيهه عن المثل فالقرآن والبرهان مصدّقان لشهادته . امّا القرآن فما نبّه عليه بقوله ، وكانّه لم يسمع الى آخر الآية ووجه الدليل انّ المشبّهة ، وعبدة الاصنام ، ينكشف لهم فى الآخرة انّهم كانوا ضالَّين فى تشبيه اصنامهم بربّ العالمين ، فيترتّب دليل هكذا ، المشبّهة ضالَّون فى تشبيههم لربّهم ، وكلّ من كان ضالَّا فيه فليس بعارف به ، وكذلك كل من كان كذلك فليس بمنزّه له عن المثل .
وامّا البرهان : فلانّ المشبّه له بخلقه يلزمه الحكم عليه بلوازم خلقه من الامكان والحدوث لانّ لازم المتشابهين لا يختلف . وقوله : كذب العادلون ، الى قوله : عقولهم : تكذيب لهم واشارة الى تفصيل جهات عدولهم الى سبب ذلك وهو الوهم الَّذى هو منشأ التشبيه ، اذ كان حكمه لا يرتفع عن المحسوسات ولذلك لم يرتفع المشبّه للَّه عن تشبيه الاصنام ، واشخاص الاجسام ، وتجزئتهم له تجزئة المجسّمات هو : ما يلزم حكمهم بكونه جسما من اثبات الاعضاء له وتباينها . وقوله : واشهد ، الى قوله : بيّناتك : شهادة


صفحه 221


ثانية بالكفر على من شبّهه ، وبيّن ذلك بقياس اسند كبراه الى كتاب اللَّه ، ونصوص آياته المحكمة ، وبيّناته الانبياء وشواهد حججهم هى تلك الآيات كقوله تعالى : * ( ( قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ ) ) *[1]الآية . وامّا صغراه فلانّ الشبيه هو المثل والعديل . وقوله : واشهد ، الى قوله : مصرّفا : شهادة ثالثة هى خلاصة الاوّلتينّ بكمال الوهيته ، وتنزيهه عن التناهى فى العقول البشريّة واحاطتها به ، وتنبيهه على ما يلزم تناهيه فيها من كونه ذا كيفيّة تستثبته العقول : ويصرّفها بها الوهم والخيال . ومصرّفا أى : محكوما عليه فى ذاته فى العقول باطلا .
ومنها : قدّر ما خلق فأحكم تقديره ، ودبّره فأحسن تدبيره ، ووجّهه لوجهته فلم يتعدّ حدود منزلته ، ولم يقصّردون الانتهاء إلى غايته ، ولم يستصعب إذ أمر بالمضىّ على إرادته ، وكيف وإنّما صدرت الأمور عن مشيئته المنشىء أصناف الأشياء بلا رويّة فكر آل إليها ، ولا قريحة غريزة أضمر عليها ، ولا تجربه أفادها من حوادث الدّهور ، ولا شريك أعانه على ابتداع عجائب الأمور ، فتمّ خلقه وأذعن لطاعته ، وأجاب الى دعوته ، ولم يعترض دونه ريث المبطئ ، ولا أناة المتلكَّىء ، فأقام من الأشياء أودها ، ونهج حدودها ، ولاءم بقدرته بين متضادّاتها ، ووصل أسباب قرائنها ، وفرّقها أجناسا مختلفات فى الحدود والأقدار والغرائز والهيئات بدايا خلائق أحكم صنعها ، وفطرها على ما أراد وابتدعها .
اقول : احكام تقديره خلقه على وجه الحكمة ، وحسن تدبيره ايجاده كاملا فى منفعته ، وما خلق لاجله حسنا فى صورته ، وتوجّهه : لوجهته بعثه بحسب الحكمة والعناية الآلهية الى غايته ، وتيسيره لها ووقوفه عندها فى ابداعه لخلقه ، وقريحة الغريزة : قوّة الفكر ، واذعان خلقه دخوله فى حكم قدرته وذلّ الحاجة اليه . والريث والاناة والتلكَّى : التباطؤ وهو من لواحق الجسم ، فكان تعالى منزّها فى خالقيته عنها . والأود : الاعوجاج ، واقامتها


[1]سورهء فصلت - 9 .


صفحه 222


لأودها : افادتها ما ينبغي لها على وجه الحكمة . وحدودها : طرقها . ونهجه لها : ايضاحه لكل شيء سبيل قصده وغايته وتيسيره لذلك ، ووصلة لاسباب قرائنها : كون كل شيء له قرينة من غريزة وطبيعة ولازم ونحوها ، واقتران الشيئين مستلزم لاقتران اسبابهما واتّصالهما لاستحالة قيام الشيء بدون سببه ، وهو منسوب الى قدرته تعالى . البدايا جمع بدية وهى : الخلقة المعجبة ، واراد هى بدايا اى : عجائب مخلوقات احكم صنعها على وفق ارادته ، وباللَّه التوفيق .
منها فى صفة السماء :
ونظم بلا تعليق رهوات ، فرجها ، ولا حم صدوع انفراجها ، ووشّج بينها وبين أزواجها . وذلَّل للهابطين بأمره ، والصّاعدين بأعمال خلقه ، حزونة معراجها ، ناداها بعد إذ هى دخان فالتحمت عرى أشراجها وفتق بعد الارتتاق صوامت أبوابها . وأقام رصدا من الشّهب الثّواقب على نقابها ، وأمسكها من أن تمور فى خرق الهواء بأيده وأمرها أن تقف مستسلمة لأمره ، وجعل شمسها آية مبصرة لنهارها ، وقمرها آية ممحوّة من ليلها ، فأجراهما فى مناقل مجراهما ، وقدّر سيرهما فى مدارج درجهما ليميّز بين اللَّيل والنّهار بهما ، وليعلم عدد السّنين والحساب بمقاديرهما ، ثمّ علَّق فى جوّها فلكها ، وناط بها زينتها : من خفيّات دراريّها ، ومصابيح كواكبها ورمى مسترقى السّمع بثواقب شهبها ، وأجراها على إذلال تسخيرها من ثبات ثابتها ، ومسير سائرها ، وهبوطها وصعودها ، ونحوسها وسعودها .
اقول : الرهوات جمع رهوة ، وهى : الفرجة المتسعة . والصدوع : الشقوق . ووشّج بالتشديد : شبك ، واراد بازواجها : نفوسها وهى الملائكة السماوية ، بمعنى قرائنها وكل قرين زوج اى : ربط بينها وبين نفوسها بقبول كل جرم سمّاوى لنفسه التي لا يقبلها غيره . والحزونة : الصعوبة . والاشراج جمع شرج بالفتح وهى : عرى العيبة التي تخاط بها ، وهو اشارة الى تأليف اجزائها فى حدوثها ونداؤها لها حكم قدرته الإلهية عليها بالكون ،