بمنجاة ، ولسنا فيها بدعاة ، ثمّ يفرّجها اللَّه عنكم كتفريج الأديم : بمن يسومهم خسفا ، ويسوقهم عنفا ، ويسقيهم بكأس مصبّرة ، لا يعطيهم إلَّا السّيف ، ولا يحلسهم إلَّا الخوف ، فعند ذلك تودّ قريش ، بالدّنيا وما فيها ، لو يرونني مقاما واحدا ، ولو قدر جزر جزور لأقبل منهم ما أطلب اليوم بعضه فلا يعطونني .
اقول : اراد بالفتنة فتنة اهل البصرة ، واستعار وصف فقاء العين : لقتله لهم وازالة فتنتهم ، وقوله : ولم يكن ليجرئ عليها احد غيرى لانّ الناس كانوا لا يتجاسرون على قتال اهل القبلة ولا يعلمون كيفية قتالهم ، هل يلحقون بالكفّار فى اتّباع مدبرهم والاجهاز على جريحهم وسبى ذراريهم واخذ أموالهم اذا بغوا ، ام لهم حكم آخر حتّى اقدم عليه السلام على قتلهم وعلَّمهم كيف تصنع بهم ، واستعار لفظ الغيهب وهو الظلمة : لتلك الفتنة باعتبار التباس الحقّ فيها .
والكلب : الشّر . واستعار اوصاف الإبل ولواحقها من الناعق والقائد والسائق والمناخ والركاب والرجال : للفئة الهادية والمضلَّة والمهديّة والضالَّة باعتبار انقيادهم لدعاتهم . وحوازب الامور : ما عظم منها واهمّ . واطراق السائلين لحيرتهم فى عواقب تلك الخطوب وكيفية الخلاص فى الدّين . وقوله : وذلك اشارة الى فشل المسئولين . واستعار وصف التقلَّص وهو : التقبّض للحرب ملاحظة لشبهها بالجدّ فى السعى المشمّر ثوبه . وبقية الابرار من يسلم من دولة بنى اميّة فى دينه ومن يولد من اهل طاعة اللَّه . وقوله : انّ الفتن اذا اقبلت شبّهت ، اى : تكون فى مبدء امرها مشابهة للحق فى اذهان الخلق فاذا ادبرت نبّهت اذهانهم على كونها فتنة بعد وقوع الهرج والمرج واضطراب الامر .
وقوله : ينكرن ، الى قوله : مدبرات : تفسير له واستعار وصف الحوم : لدورانها الموهوم ، ووقوعها عن قضاء اللَّه من دعاة الضلال فى بلد ، دون بلد ، ملاحظة لشبهها بالطائر . وقوله : الا انّ اخوف الفتن ، الى آخره : انّما كانت هذه اخوف الفتن لشدّتها وطول مدّتها وانهدام قواعد الدين بها . واستعار لها لفظ العمياء : لانّها مخالفة للحق او لجريانها على غير طريق شرعىّ كالأعمى فى طريقه ، وكذلك لفظ الظلمة وعموم خطتها : كناية عن احاطتها وشمولها للناس . وخصّت بليّتها اى : بأهل التقوى من شيعة
عليّ ، ومن بقى من الصحابة والتابعين الَّذين هم اعيان الاسلام . ومن أبصر فيها أى : علم كونها فتنة كان منها فى ملاء مع نفسه بالحزن الطويل لمشاهدة المنكرات ، ومن شأن أئمه الضّلال تتّبع من انكر افعالهم بالقتل والإذلال فكان البلاء به اخصّ ، وامّا من عمى عن كونها فتنة حتى خبط معهم فى ضلالهم اخطاء هم بلاؤهم ، وشبّههم فى أفعالهم الرّدية بالناب الضرس وهى : الناقة المسنّة التي تعضّ حالبها . ووجه شبه انتصارهم من أئمه الضّلال بانتصار العبد من سيّده عدم انتصافه منه الَّا بالغيبة والسبّ فى الخلوة .
والشآبيب جمع شؤبوب وهو : الدفعة من المطر . واستعار لفظ الشوهاء : لقبحها عقلا وشرعا . ولفظ المنار هو العلم : للامام العادل ، باعتبار الهداية به . وقوله : نحن اهل البيت منها بمنجاة ، اى : من آثامها والدعوة الى مثلها ، وليس المراد انّا سالمون من اذاها . ومن يسومهم خسفا : اشارة الى بنى العباس وظهورهم عليهم واستيصالهم . واستعار لفظ الكأس المصبّرة : لمرارة ما يفعل بهم وتألَّمهم به . ووصف الاحلاس : لالزامهم البلاء ممن يظهر عليهم . والحليس : كساء رقيق يوضع تحت قتب البعير . وقوله : حتّى ، الى آخره : اشارة الى ما ينتهى اليه هذه الفرقة المتغلَّبة من قريش من التراذل والضعف الى ان يتمنّوا رؤيته مقاما واحدا .
وروى انّ مروان بن محمد آخر ملوك بنى امية قال يوم الزاب حين شاهد عبد اللَّه ابن محمد بن على بن عبد اللَّه بن العبّاس مارّا به فى صفّ خراسان : لوددت انّ على بن ابى طالب تحت هذه الرايات بدلا من هذا الفتى . والقصّة مشهورة وباللَّه التوفيق .
91 - ومن خطبة له عليه السّلام فتبارك اللَّه الَّذى لا يبلغه بعد الهمم ، ولا يناله حدس الفطن ، الأوّل الَّذى لا غاية له فينتهى ، ولا آخر له فينقضى .
اقول : الحدس فى اللَّغة : الظن ، وفى الاصطلاح العلمى : سرعة انتقال الذهن من المبادى الى المطالب ، وقد مرّ تفسير اوّليته وآخريّته .
منها : في وصف الانبياء فاستودعهم فى أفضل مستودع ، وأقرّهم فى خير مستقرّ ، تناسختهم كرائم الأصلاب إلى مطهّرات الأرحام ، كلَّما مضى منهم سلف قام منهم بدين اللَّه خلف ، حتّى أفضت كرامة اللَّه سبحانه إلى محمّد ، صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، فأخرجه من أفضل المعادن منبتا ، وأعزّ الأرومات مغرسا من الشّجرة الَّتى صدع منها أنبياءه ، وانتخب منها أمناءه ، عترته خير العتر ، وأسرته خير الأسر ، وشجرته خير الشّجر ، نبتت فى حرم ، وبسقت فى كرم لها فروع طوال ، وثمرة لا تنال ، فهو إمام من اتّقى ، وبصيرة من اهتدى ، سراج لمع ضوءه ، وشهاب سطع نوره ، وزند برق لمعه ، سيرته القصد وسنّته الرّشد ، وكلامه الفصل ، وحكمه العدل ، على حين فترة من الرّسل وهفوة عن العمل ، وغباوة من الأمم . اعملوا ، رحمكم اللَّه ، على أعلام بيّنة ، فالطَّريق نهج يدعو إلى دار السّلام وأنتم فى دار مستعتب على مهل وفراغ ، والصّحف منشورة ، والأقلام جارية ، والأبدان صحيحة ، والألسن مطلقة ، والتّوبة مسموعة والأعمال مقبولة .
اقول : الاشارة الى الانبياء عليهم السلام ، وافضل مستودع استودعهم فيه ، امّا نفوسهم فحضائر القدس ومنازل الملائكة فى مقعد صدق عند مليك مقتدر . وامّا أبدانهم واصولها فكرائم الاصلاب التي هى مستودع النّطف ، وارحام المطهّرات التي هى مفازها . والشيعة يطهّرون اصول الانبياء من طرف الآباء والامّهات عن الشرك . واليه اشار الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله بقوله : ( نقلنا من الاصلاب الطاهرة الى الارحام الزكَّية )[1].
وامضت : انتهت ، وكنّى بكرامة اللَّه عن : النبوّة . واستعار لفظ المعدن والمغرس والمنبت : لطينة النبوّة وهى مادّته القريبة التي استعدّت لقبول مثله . وقيل : اراد بذلك مكة . وقيل : بيته وقبيلته . والارومة : الاصل ، ولفظ الشجرة : لقريش . وعترة الرجل : نسله واسرته وقومه ، ووجه افضليّة عترته قوله صلَّى اللَّه عليه وآله : ( سادة اهل المحشر سادة اهل الدنيا انا ، وعلىّ وحسن وحسين وحمزة وجعفر )[2]. ووجه افضليّة اسرته قوله
[1]دلائل النبوة - 24 . تفسير الفخر الرازى 24 - 173
[2]مستدرك الصحيحين 3 - 211 . تاريخ بغداد 9 - 434 .
صلَّى اللَّه عليه وآله : ( انّ اللَّه اصطفى من العرب معدا ، واصطفى من معد بنى النضر بن كنانة ، واصطفى هاشما من بنى النضر ، واصطفانى من بنى هاشم ) . وقوله : ( الناس تبّع لقريش برّهم لبرّهم ، وفاجرهم لفاجرهم ) .
وقيل : اراد بالشجرة فى الموضعين ابراهيم عليه السلام . وقيل : اراد هاشما وولده بقرينة قوله : نبتت فى حرم واراد مكة . وبسقت : طابت وكنى بفروعها عن : مثله عليه السلام وذريّته وبوصفهم بالطول عن بلوغهم فى الشرف الغاية البعيدة . واستعار لفظ الثمرة : لكمالهم الَّذى لا يدرك من العلوم والاخلاق الكريمة . واستعار لفظ البصيرة والسراج والشبهات والزند له : باعتبار كونه سبب هداية الخلق بانوار الدين . والفصل : الفاصل بين الحق والباطل . والهفوة : الذلَّة . والغباوة : الجهل . واستعار لفظ الاعلام : لأئمّة الدين ودلائله الواضحة وطريق نهج واضح . ودار مستعتب اى : يمكن فيها طلب العتبى ، وهو الرجوع الى الحق . وقيل : اى دار يمكنهم فيها ان يطلبوا من اللَّه العتبى وهو : الرضى والعفو عنهم . والمنشورة : صحف الأعمال . والجارية : اقلام الكرام الكاتبين .
92 - ومن خطبة له عليه السّلام بعثه والنّاس ضلَّال فى حيرة ، وخابطون فى فتنة ، قد استهوتهم الأهواء واستزلَّتهم الكبرياء ، واستخفّتهم الجاهليّة الجهلاء . حيارى فى زلزال من الأمر ، وبلاء من الجهل ، فبالغ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فى النّصيحة ، ومضى على الطَّريقة ، ودعا إلى الحكمة والموعظة الحسنة .
اقول : الخبط : المشى على غير طريق . وروى خابطون وهو مستعار : لجمعهم فى فتنتهم مالا ينبغي من اقوال ، وافعال . واستزلَّهم : استخفّهم . والجهلاء : وصف لما اشتقّ من الموصوف تأكيدا كما قال : ليل أليل ، والطريقة التي مضى عليها : سبيل اللَّه ، ودعوته الى الحكمة والبرهان والى الموعظة الحسنة بالخطابة . وباللَّه التوفيق .
93 - ومن خطبة له عليه السّلام الحمد للَّه الأوّل فلا شيء قبله ، والآخر فلا شيء بعده ، والظَّاهر فلا شيء فوقه ، والباطن فلا شيء دونه .
اقول : المراد بالظاهر هنا العال لتأكيده بنفى الفوقية عنه ، والباطن هو : الَّذى بطن خفيّات الامور ، علما ، وهو اقرب الاشياء اليها بهذا الاعتبار فلذلك سلب ما هو دونه اى : ما هو اقرب اليها منه ، وقد سبق بيان هذه الاعتبارات .
منها فى ذكر الرسول صلى اللَّه عليه وآله وسلم : مستقرّه خير مستقرّ ، ومنبته أشرف منبت ، فى معادن الكرامة ، ومماهد السّلامة ، قد صرفت نحوه أفئدة الأبرار ، وثنيت إليه أزمّة الأبصار ، دفن به الضّغائن ، وأطفأ به الثّوائر ، ألَّف به إخوانا ، وفرّق به أقرانا أعزّ به الذّلَّة ، وأذلّ به العزّة ، كلامه بيان ، وصمته لسان .
اقول : مستقرّه : مكة ، وهى خير مستقّرّ لكونها امّ القرى ، ومحلّ بيت اللَّه الحرام .
واستعار مماهد السّلامة : لأراضى الحجاز كالمدينة ومكة لكونهما محلّ العبادة والخلوة باللَّه والسّلامة من عذابه . ويحتمل ان يريد ما ينقلب فيه ، وينشأ عليه من مكارم الاخلاق الممهّدة للسلامة من سخط اللَّه ، وفى قوله : قد صرفت : تنبيه على انّ الصارف لافئدة الابرار اليه ، هو : لطف اللَّه تعالى ، وعنايته بهم . وثنيت اى : صرفت . والأقران المفرّق لهم : المتالَّفون على الشرك والذلَّة التي اعزّها به ذلَّة المسلمين ، والذلَّة التي اذلَّها به عزّة المشركين . وقوله : وصمته لسان اى : انّ سكوته مما يفيد حكما ككلامه ، فانّ الصحابة كانوا اذا فعلوا فعلا على عادتهم فسكت عنه علموا انّه مباح فى الدين ، فاشبه ذلك البيان باللسان فاستعار لفظه له .
94 - ومن كلام له عليه السّلام ولئن أمهل الظَّالم فلن يفوت أخذه ، وهو له بالمرصاد على مجاز طريقه ، وبموضع الشّجى من مساغ ريقه ، أما والَّذى نفسى بيده ليظهرنّ هؤلاء القوم عليكم ، ليس لأنّهم أولى بالحقّ منكم ، ولكن لاسراعهم إلى باطل صاحبهم وإبطائكم عن حقّى . ولقد أصبحت الأمم تخاف ظلم رعاتها ، وأصبحت أخاف ظلم رعيّتى : استنفرتكم للجهاد فلم تنفروا ، وأسمعتكم فلم تسمعوا ، ودعوتكم سرّا وجهرا فلم تستجيبوا ، ونصحت لكم فلم تقبلوا أشهود كغيّاب ، وعبيد كأرباب أتلوا عليكم الحكم فتنفرون منها ، وأعظكم بالموعظة البالغة فتتفرّقون عنها ، وأحثّكم على جهاد أهل البغى فما آتى على آخر القول حتّى أراكم متفرّقين أيادى سبا ترجعون إلى مجالسكم وتتخادعون عن مواعظكم ، أقوّمكم عدوة وترجعون إلىّ عشيّة كظهر الحيّة عجز المقوّم ، وأعضل المقوّم . أيّها الشّاهدة أبدانهم ، الغائبة عقولهم المختلفة أهواؤهم المبتلى بهم أمراؤهم صاحبكم يطيع اللَّه وأنتم تعصونه ، وصاحب أهل الشّام يعصى اللَّه وهم يطيعونه لوددت واللَّه أنّ معاوية صارفنى بكم صرف الدّينار بالدّرهم ، فأخذ منّى عشرة منكم وأعطانى رجلا منهم . يا أهل الكوفة ، منيت منكم بثلاث واثنتين : صمّ ذوو أسماع ، وبكم ذوو كلام ، وعمى ذوو أبصار ، لا أحرار صدق عند اللَّقاء ، ولا إخوان ثقة عند البلاء . تربت أيديكم . يا أشباه الإبل غاب عنها رعاتها ، كلَّما جمعت من جانب تفرّقت من جانب آخر ، واللَّه لكأنّى بكم فيما إخال أن لو حمس الوعى ، وحمى الضّراب ، وقد انفرجتم عن ابن أبى طالب انفراج المرأة عن قبلها ، وإنّى لعلى بيّنة من ربّى ، ومنهاج من نبيّى ، وإنّى لعلى الطَّريق الواضح ألقطه لقطا انظروا أهل بيت نبيّكم فالزموا سمتهم ، واتّبعوا أثرهم ، فلن يخرجوكم من هدى ولن يعبدوكم فى ردى . فإن لبدوا فالبدوا ، وإن نهضوا فانهضوا ، ولا تسبقوهم فتضلَّوا ، ولا تتأخّروا عنهم فتهلكوا ، لقد رأيت أصحاب محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله ، فما أرى أحدا منكم يشبههم لقد كانوا يصبحون شعثا غبرا ، وقد باتوا سجّدا وقياما ، يراوحون بين جباههم وخدودهم ، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم كأنّ بين
أعينهم ركب المعزى ، من طول سجودهم إذا ذكر اللَّه هملت أعينهم حتّى تبلّ جيوبهم ، ومادوا كما يميد الشّجر يوم الرّيح العاصف ، خوفا من العقاب ، ورجاء للثّواب .
اقول : المرصاد : الطريق يرصد بها . والشّجى : الغصص . وقوله : ولئن امهل اللَّه ، الى قوله : ريقه : فى معرض الوعيد لمعاوية واهل الشام بأخذ وعقوبة . والقوم : اهل الشام . وشبّههم فى شهودهم بالغيّاب لعدم فائدة خطابهم . وبالارباب مع كونهم رعيّة من شأنهم التعبّد لأوامر امامهم ، اولانّ فيهم عبيدا . ووجه الشبه كونهم لا يأتمرون لأميرهم . وايادى سبا مثل : وهما اسمان جعلا اسما واحدا كمعدى كرب . وسبا : قبيلة من اولاد سبأ بن يشحب بن يعرب بن قحطان . وهذه القبيلة كانت بمأرب وقصتهم فى تفرّقهم مشهورة يضرب بها المثل . وشبّه رجوعهم عن الصلاح مظهر الخيبة وهى : القوس . واغضل : اشكل ، وانّما قال : بثلاث واثنتين لتناسب الثلاث ، وكون الثنتين من نوع واحد فالثلاث اثبات والثنتيان سلب واستعار لهم : وصف الصمّ والبكم والعمى ، باعتبار عدم انتفاعهم بهذه الآلات فى طاعة اللَّه . ولا احرار صدق لعدم خلوص حرّيتهم من الجبن والغشّ . وتربت : اصابت التراب وهو دعاء بالخيبة والحرمان . ويروى عوض جمّعت : حيصت اى : جمعت ايضا . واخال : احسب . وحمس الوغى : اشتدّت الحرب . ولفظ الطريق اذا مشى على بصيرة وتؤدّة ، ويلزم ذلك ان يعرفها خلاف المستعجل فيها . ولبدوا سكنوا ، واراد : ان سكنوا عن طلب الأمر فاتبعوهم فى ذلك ، وان نهضوا فى طلبه فانهضوا ولا تسبقوهم اى : الى امر لم يتقدّموا فيه ، فانّ التقدّم على الدليل مظنّة الضلال عن القصد ، وان لا تتاخّروا عن امتثال اوامرهم بالمخالفة لهم او عدم متابعتهم . والشعث الغبر كناية : عن قشفهم وتركهم لزينة الدنيا . وكنّى بوقوفهم على مثل الجمر عن خوفهم من ذكر معادهم ، وباللَّه التوفيق .
< فهرس الموضوعات > من كلام له عليه السلام حول ظلم بني أمية < / فهرس الموضوعات > 95 - ومن كلام له عليه السّلام واللَّه لا يزالون حتّى لا يدعوا للَّه محرّما إلَّا استحلَّوه ، ولا عقدا إلَّا حلَّوه وحتّى لا يبقى بيت مدر ولا وبر إلَّا دخله ظلمهم ، ونبا به سوء رعيهم ، وحتّى يقوم البا كيان يبكيان : باك يبكى لدينه ، وباك يبكى لدنياه ، وحتّى تكون نصرة أحدكم من أحدهم كنصرة العبد من سيّده : إذا شهد أطاعه ، وإذا غاب اغتابه ، وحتّى يكون أعظمكم فيها عناء أحسنكم باللَّه ظنّا ، فإن أتاكم اللَّه بعافية فأقبلوا ، وإن ابتليتم فاصبروا ، فإنّ العاقبة للمتّقين .
< فهرس الموضوعات > من خطبة له عليه السلام في بيان الدنيا ، وما فيها من المعتبر ، والمزدجر < / فهرس الموضوعات > 96 - ومن خطبة له عليه السّلام نحمده على ما كان ، ونستعينه من أمرنا على ما يكون ، ونسأله المعافاة فى الأديان ، كما نسأله المعافاة فى الأبدان . عباد اللَّه ، أوصيكم بالرّفض لهذه الدّنيا التّاركة لكم ، وإن لم تحبّوا تركها والمبلية لأجسامكم ، وإن كنتم تحبّون تجديدها ، فإنّما مثلكم ومثلها كسفر سلكوا سبيلا فكأنّهم قد قطعوه ، وأمّوا علما ، فكأنّهم قد بلغوه ، وكم عسى المجرى إلى الغاية أن يجرى إليها ، حتّى يبلغها ، وما عسى أن يكون بقاء من له يوم لا يعدوه وطالب حثيث يحدوه فى الدّنيا حتّى يفارقها فلا تنافسوا فى عزّ الدّنيا وفخرها ، ولا تعجبوا بزينتها ونعيمها ، ولا تجزعوا من ضرّائها وبؤسها ، فإنّ عزّها وفخرها إلى انقطاع ، وإنّ زينتها ونعيمها إلى زوال وضرّاءها وبؤسها إلى نفاد ، وكلّ مدّة فيها إلى انتهاء ، وكلّ حيّ فيها إلى فناء ، أو ليس لكم فى آثار الأوّلين مزدجر ، وفى آبائكم الأوّلين تبصرة ومعتبر ، إن كنتم تعقلون أو لم تروا إلى الماضين منكم لا يرجعون وإلى الخلف الباقين لا يبقون أو لستم ترون أهل الدّنيا يصبحون ويمسون على أحوال شتّى : فميّت يبكى ، وآخر يعزّى ، وصريع مبتلى ، وعائد يعود ، وآخر بنفسه يجود ، وطالب للدّنيا والموت يطلبه ، وغافل وليس بمغفول عنه وعلى أثر الماضى ما يمضى الباقى .