أعينهم ركب المعزى ، من طول سجودهم إذا ذكر اللَّه هملت أعينهم حتّى تبلّ جيوبهم ، ومادوا كما يميد الشّجر يوم الرّيح العاصف ، خوفا من العقاب ، ورجاء للثّواب .
اقول : المرصاد : الطريق يرصد بها . والشّجى : الغصص . وقوله : ولئن امهل اللَّه ، الى قوله : ريقه : فى معرض الوعيد لمعاوية واهل الشام بأخذ وعقوبة . والقوم : اهل الشام . وشبّههم فى شهودهم بالغيّاب لعدم فائدة خطابهم . وبالارباب مع كونهم رعيّة من شأنهم التعبّد لأوامر امامهم ، اولانّ فيهم عبيدا . ووجه الشبه كونهم لا يأتمرون لأميرهم . وايادى سبا مثل : وهما اسمان جعلا اسما واحدا كمعدى كرب . وسبا : قبيلة من اولاد سبأ بن يشحب بن يعرب بن قحطان . وهذه القبيلة كانت بمأرب وقصتهم فى تفرّقهم مشهورة يضرب بها المثل . وشبّه رجوعهم عن الصلاح مظهر الخيبة وهى : القوس . واغضل : اشكل ، وانّما قال : بثلاث واثنتين لتناسب الثلاث ، وكون الثنتين من نوع واحد فالثلاث اثبات والثنتيان سلب واستعار لهم : وصف الصمّ والبكم والعمى ، باعتبار عدم انتفاعهم بهذه الآلات فى طاعة اللَّه . ولا احرار صدق لعدم خلوص حرّيتهم من الجبن والغشّ . وتربت : اصابت التراب وهو دعاء بالخيبة والحرمان . ويروى عوض جمّعت : حيصت اى : جمعت ايضا . واخال : احسب . وحمس الوغى : اشتدّت الحرب . ولفظ الطريق اذا مشى على بصيرة وتؤدّة ، ويلزم ذلك ان يعرفها خلاف المستعجل فيها . ولبدوا سكنوا ، واراد : ان سكنوا عن طلب الأمر فاتبعوهم فى ذلك ، وان نهضوا فى طلبه فانهضوا ولا تسبقوهم اى : الى امر لم يتقدّموا فيه ، فانّ التقدّم على الدليل مظنّة الضلال عن القصد ، وان لا تتاخّروا عن امتثال اوامرهم بالمخالفة لهم او عدم متابعتهم . والشعث الغبر كناية : عن قشفهم وتركهم لزينة الدنيا . وكنّى بوقوفهم على مثل الجمر عن خوفهم من ذكر معادهم ، وباللَّه التوفيق .
< فهرس الموضوعات > من كلام له عليه السلام حول ظلم بني أمية < / فهرس الموضوعات > 95 - ومن كلام له عليه السّلام واللَّه لا يزالون حتّى لا يدعوا للَّه محرّما إلَّا استحلَّوه ، ولا عقدا إلَّا حلَّوه وحتّى لا يبقى بيت مدر ولا وبر إلَّا دخله ظلمهم ، ونبا به سوء رعيهم ، وحتّى يقوم البا كيان يبكيان : باك يبكى لدينه ، وباك يبكى لدنياه ، وحتّى تكون نصرة أحدكم من أحدهم كنصرة العبد من سيّده : إذا شهد أطاعه ، وإذا غاب اغتابه ، وحتّى يكون أعظمكم فيها عناء أحسنكم باللَّه ظنّا ، فإن أتاكم اللَّه بعافية فأقبلوا ، وإن ابتليتم فاصبروا ، فإنّ العاقبة للمتّقين .
< فهرس الموضوعات > من خطبة له عليه السلام في بيان الدنيا ، وما فيها من المعتبر ، والمزدجر < / فهرس الموضوعات > 96 - ومن خطبة له عليه السّلام نحمده على ما كان ، ونستعينه من أمرنا على ما يكون ، ونسأله المعافاة فى الأديان ، كما نسأله المعافاة فى الأبدان . عباد اللَّه ، أوصيكم بالرّفض لهذه الدّنيا التّاركة لكم ، وإن لم تحبّوا تركها والمبلية لأجسامكم ، وإن كنتم تحبّون تجديدها ، فإنّما مثلكم ومثلها كسفر سلكوا سبيلا فكأنّهم قد قطعوه ، وأمّوا علما ، فكأنّهم قد بلغوه ، وكم عسى المجرى إلى الغاية أن يجرى إليها ، حتّى يبلغها ، وما عسى أن يكون بقاء من له يوم لا يعدوه وطالب حثيث يحدوه فى الدّنيا حتّى يفارقها فلا تنافسوا فى عزّ الدّنيا وفخرها ، ولا تعجبوا بزينتها ونعيمها ، ولا تجزعوا من ضرّائها وبؤسها ، فإنّ عزّها وفخرها إلى انقطاع ، وإنّ زينتها ونعيمها إلى زوال وضرّاءها وبؤسها إلى نفاد ، وكلّ مدّة فيها إلى انتهاء ، وكلّ حيّ فيها إلى فناء ، أو ليس لكم فى آثار الأوّلين مزدجر ، وفى آبائكم الأوّلين تبصرة ومعتبر ، إن كنتم تعقلون أو لم تروا إلى الماضين منكم لا يرجعون وإلى الخلف الباقين لا يبقون أو لستم ترون أهل الدّنيا يصبحون ويمسون على أحوال شتّى : فميّت يبكى ، وآخر يعزّى ، وصريع مبتلى ، وعائد يعود ، وآخر بنفسه يجود ، وطالب للدّنيا والموت يطلبه ، وغافل وليس بمغفول عنه وعلى أثر الماضى ما يمضى الباقى .
ألا فاذكروا هادم اللَّذّات ، ومنغّص الشّهوات ، وقاطع الأمنيّات ، عند المساورة للأعمال القبيحة ، واستعينوا اللَّه على أداء واجب حقّه ، وما لا يحصى من أعداد نعمه وإحسانه .
أقول : خصّ الحمد بما كان لانّ الشكر على النعمة مترتّب على وقوعها ، والاستعانة بما يكون ، لانّ طلب المعونة انّما هو فيما يتوقّع فعله ، ولما كان للاديان سقما اشدّ من سقم الأبدان ، وهو : مرض النفوس بداء الجهل ، ورذائل الاخلاق ، سأل العافية فيها ، ورفض الدنيا : تركها . والسفر : المسافرون . وفائدة كان فى الموضعين تقريب الاحوال المستقبلة . من الاحوال الواقعه وكم عسى ، وما عسى ، استفهام تحقير لما يرجى من البقاء فى الدنيا . وكنّى بالطالب : الحثيث عن الموت ، واستعار وصف الحد ولما يتوهّم من سوق اسباب الموت اليه . وما فى قوله : ما يمضى : مصدريّة . وكنّى بها دم اللذّات : عن الموت . والمساورة : المواثبة . وانّما اتى بوزن المفاعلة باعتبار انّ الفعل القبيح ، لا بد فيه من ممانع كواضع الشرع والعرف فيتوهّم فيه معنى المواثبة . وباقى الفصل ظاهر .
97 - ومن خطبة له عليه السّلام الحمد للَّه النّاشر فى الخلق فضله ، والباسط فيهم بالجود يده . نحمده فى جميع أموره ، ونستعينه على رعاية حقوقه ، ونشهد أن لا إله غيره ، وأنّ محمّدا عبده ورسوله : أرسله بأمره صادعا ، وبذكره ناطقا ، فأدّى أمينا ، ومضى رشيدا . وخلَّف فينا راية الحقّ : من تقدّمها مرق ، ومن تخلَّف عنها زهق ، ومن لزمها لحق ، دليلها مكيث الكلام ، بطئ القيام ، سريع إذا قام . فإذا أنتم ألنتم له رقابكم ، وأشرتم إليه بأصابعكم ، جاءه الموت فذهب به ، فلبثتم بعده ما شاء اللَّه ، حتّى يطلع اللَّه لكم من يجمعكم ، ويضمّ نشركم فلا تطمعوا فى غير مقبل ، ولا تيأسوا من مدبر ، فإنّ المدبر عسى أن تزلّ إحدى قائمتيه ، وتثبت الأخرى ، وترجعا حتّى تثبتا جميعا . ألا إنّ مثل آل محمّد ، صلَّى اللَّه عليه وآله ، كمثل نجوم السّماء : إذا خوى نجم طلع
نجم ، فكأنّكم قد تكاملت من اللَّه فيكم الصّنائع ، وأراكم ما كنتم تأملون .
اقول : لفظ اليد مجاز فى النعمة اطلاقا لاسم السبب على المسبّب . واقتصّ فى الفصل ما يكون بعده من امر الائمة . والصدع : الشّق ، وذلك انّه صلَّى اللَّه عليه وآله صدع بأمر اللَّه ، بيضة الشرك وشقّ عصا المشركين ، وقطع ما اتّصل من كفرهم ودام من عقائدهم الباطلة . وروى بذكره ناطقا . واستعار لفظ الراية : لكتاب اللَّه وسنّة رسوله . واشار بتقدّمها : الى طرف الافراط من فضيلة الاستقامة عليها وبالتخلَّف عنها الى طرف التفريط منها ، والتقصير وكنّى بدليلها : عن نفسه اذ كان هو الهادى بالكتاب والسنّة الى سبيل اللَّه ، كما يهدى حامل الراية بها . وكنّى بكونه مكيث الكلام اى : بطيئه عن تأنّيه فى حركاته فى الامور الى حين تبيّن الرأى الأصلح ، وبسرعة قيامه عن : مبادرته إلى الامر حين ظهور وجه المصلحة فيه وانتهازه الفرصة . وبالانة رقابكم[1]له عن : خضوعهم لطاعته . وباشارتهم اليه بالإصابع عن : اشتهاره فيهم وتعيّنه ، وتعظيمهم له . ونبّه بقوله : فلبثتم بعده ما شاء اللَّه : على انّهم يخلون عن امام يجمعهم مدّة ، واراد مدّة دولة بنى اميّة . وبقوله : حتى يطلع اللَّه ، الى قوله : نشركم : على انّه لا بدّ لهم بعد تلك المدّة من شخص يجمعهم وطلوعه : ظهوره ، وتعيّنه للرياسة بعد اختفاء ، فقيل : هو الامام المنتظر . وقيل : هو قيام بنى العباس بعد بنى اميّة . وقوله : فلا تطمعوا فى غير مقبل ، اى : من يقبل على طلب هذا الامر ممن هو له ، واثر تركه الى الخلوة باللَّه فلا تطمعوا فيه فانّ للَّه به شغلا . وقيل : اراد بغير المقبل من انحرف عن الدين بارتكاب منكر فانّه لا يجوز الطمع فى ان يكون امرا لكم . وروى : فلا تطعنوا فى عين مقبل اى : من اقبل عليكم من اهل البيت طالبا لهذا الامر وهو من اهله فكونوا معه . وكنّى بالطعن فى عينه : عن دفعه عمّا يريد . وقوله : ولا تيأسوا من مدبر ، الى قوله : تثبّتا جميعا : اى من ادبر عن طلب الخلافة من اهلها فلا تيأسوا من عوده الى الطلب ، فعساه انّما ادبر لاختلال بعض الشرائط التي يتعيّن عليه معها القيام . واشار بزوال احدى قائمتيه الى فقده لبعض الشرائط كعدم الناصر ونحوه . وبثبات الاخرى الى وجدانه لبعضها . و
[1]في ش : رقابهم .
بقوله ، فيرجعا حتى تثبّتا الىّ بكامل شرائط قيامه . واراد بآل محمد : الائمّة منهم ، قالت الاماميّة : هم الاثنا عشر من اهل البيت عليهم السلام . واشار الى وجه شبههم بالنجوم ، بقوله : كلَّما خوى نجم اى : سقط للمغيب ، اى : كلَّما خلا سيّد منهم قام بالأمر بعده سيّد . والامامية يستدلَّون بذلك بعد بيان عصمته عليه السلام ، انّه لا يخلو زمان من ازمنة التكليف عن وجود قائم من اهل البيت عليهم السلام يهدى الى الحق ، والى طريق مستقيم . وقوله : فكأنّكم الى آخره : تنبيه على منة اللَّه عليهم بامام منتظر يظهر فيصلح بوجوده احوالهم ، ويتكامل به نعم اللَّه لديهم .
98 - ومن خطبة له عليه السّلام ( يشتمل على ذكر الملاحم . . . ) الأوّل قبل كلّ أوّل ، والآخر بعد كلّ آخر ، بأوّليّته وجب أن لا أوّل له وبآخريّته وجب أن لا آخر له ، وأشهد أن لا إله إلَّا اللَّه شهادة يوافق فيها السّرّ الإعلان ، والقلب اللَّسان . أيّها النّاس ، لا يجر منّكم شقاقى ، ولا يستهوينّكم عصيانى ، ولا تتراموا بالأبصار عند ما تسمعونه منّى ، فو الَّذى فلق الحبّة ، وبرأ النّسمة ، إنّ الَّذى أنبّئكم به عن النّبىّ ، صلَّى اللَّه عليه وآله ، ما كذب المبلَّغ ، ولا جهل السّامع . ولكنّى أنظر إلى ضلَّيل ، قد نعق بالشّام ، وفحص براياته ، فى ضواحى كوفان . فإذا فغرت فاغرته ، واشتدّت شكميته ، وثقلت فى الأرض وطأته عضّت الفتنة أبناءها بأنيابها ، وماجت الحرب بأمواجها وبدا من الأيّام كلوحها ، ومن اللَّيالى كدوحها ، فإذا أينع زرعه ، وقام على ينعه ، وهدرت شقاشقه ، وبرقت بوارقه ، عقدت رايات الفتن المعضلة وأقبلن كاللَّيل المظلم ، والبحر الملتطم ، هذا ، وكم يخرق الكوفة من قاصف ، ويمرّ عليها من عاصف ، وعن قليل تلتفّ القرون بالقرون ، ويحصد القائم ، ويحطم المحصود .
اقول : لما كان معنى اوليّته كونه مبدأ لكل موجود ، ومعنى آخريته كونه غاية ينتهى
اليها كل شيء فى جميع احواله ، علم من ذلك انّ لا اوّل له ولا آخر والَّا لم يكن اوّلا وآخرا بالمعنيين المذكورين . ولا يجرمنّكم اى : لا يحق عليكم . واستهواه : اشتماله . والضليل : كثير الضلال ، قيل : هو اشارة الى السفيانى ، والدجّال . وقيل : اراد معاوية ، فانّ مبدء دولته بالشام ، ودعوته بها ، وانتهت غاراته الى نواحى كوفان ، والانبار . وكوفان : اسم للكوفة . والضواحى : النواحى البارزة . وفحص الطائر برجله الارض : بحثها . فغرفوه : انفتح ، هو كناية عن اقدامه وقوّة طمعه فى امر الناس . واشتداد شكيمته : قوّة بأسه وشدّته . وقيل : اراد عبد الملك بن مروان . واستعار وصف العضّ : للفتنة باعتبار شدّتها ولزومها الناس . ورشح بذكر الانياب والكلوح : تكثر فى العبوس وهو مجاز فى الشدّة . والكدح : فوق الخدش وكنى به : عن اذى الفتنة . واينع الزرع : ادرك واستعار وصفه لتمام فعله ، ولفظ الشقائق والبروق : بحركاته الهائلة واحواله المخوفة ، واراد انّ هذا الخارج اذا تمت فتنته اثارت فتنا كثيرة بعدها يكون فيها الهرج والمرج . وشبه تلك الفتن فى اقبالها : بالليل المظلم ، باعتبار انّه لا يهتدى فيها للحق كما لا يهتدى فى الظلمة . وبالبحر الملتطم : باعتبار عظمها . واشار الى ما يلحق الكوفة بسبب تلك الفتنة من الوقائع والفتن . واستعار وصفى القاصف والعاصف : لما يمرّ بها من الشدائد كالريح ، وقد وقع فيها وفق اخباره فتن كثيرة ووقائع جمة كفتنة الحجّاج والمختار . واشار بالتفاف بعض القرون ببعض : الى اجتماعهم فى بطن الارض . واستعار لهم وصف الحصد والحطم : ملاحظة لشبههم بما يحصد من الزرع ويداس ، وباللَّه التوفيق .
99 - ومن خطبة له عليه السّلام تجري هذا المجرى . . .
وذلك يوم يجمع اللَّه فيه الأوّلين والآخرين لنقاش الحساب ، وجزاء الأعمال ، خضوعا ، قياما ، قد ألجمهم العرق ، ورجفت بهم الأرض ، فأحسنهم حالا من وجد لقدميه موضعا ، ولنفسه متّسعا .
اقول : الفصل اقتصاص لبعض أهوال يوم القيامة ، ونقاش الحساب : الاستقصاء فيه . والجمهم العرق : بلغ منهم الافواه ، وهو كناية : عن غاية الشدّة . منها : فتن كقطع اللَّيل المظلم ، لا تقوم لها قائمة ، ولا تردّ لها راية ، تأتيكم مزمومة مرحولة : يحفزها قائدها ، ويجهدها راكبها ، أهلها قوم شديد كلبهم ، قليل سلبهم ، يجاهدهم فى سبيل اللَّه قوم أذلَّة عند المتكبّرين ، فى الأرض مجهولون ، وفى السّماء معروفون ، فويل لك يا بصرة عند ذلك ، من جيش من نقم اللَّه لا رهج له ، ولا حسّ ، وسيبتلى أهلك بالموت الأحمر ، والجوع الأغبر .
اقول : انذر فى هذا الفصل بما سيقع بعده من الفتن وخص فتنة صاحب الزنج بالبصرة . وشبهها بقطع الليل المظلم فى كونها لا يهتدى فيها لوجه الخلاص منها . وكنى : بكونها لا يقوم لها قائمة الى قوله : راية عن شدّتها ، واراد بقائدها : منشيها ، وبراكبها : اعوانه فيها استعارة . وكذلك حفزها وهو : سوقها ، وجهدها سرعتهم فيها : استعارة اوصاف الناقة المركوبة لغاية اشتد طلبها فى الفتن ، واهلها : الزنج وكلبهم : شرّهم . وقليل سلبهم : اذ لم يكونوا اهل حرب وعدّة وخيل . ووصف مقاتليهم بأوصاف المتّقين ويحتمل ان يريد بمجاهدتهم فى اللَّه اخلاص همّهم فى دفعهم وهلاكهم ، وظاهر انّه لم يكن للريح رهج وهو : الغبار ولا حسّ اذ لم يكن له خيل ولا قعقعة لجم ، وظاهره انّهم من نقم اللَّه للعصاة وان عمّت الفتنة اذ قلَّما يخص الفتنة بقوم كما قال تعالى : * ( ( واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ) ) *[1]والموت الأحمر كناية : عن القتل بالسيف ، وقيل : ذلك اشارة الى الطَّاعون . ووصف الجوع بالأغبر : لانّ اشدّ الجوع ما اغبّر معه الوجه وغيّر السحنة وقيل : لانّه يلصق صاحبة بالغبراء وواقعة الزنج مشهورة .
[1]سورة الانفال - 25 .
100 - ومن خطبة له عليه السّلام أنظروا إلى الدّنيا نظر الزّاهدين فيها ، الصّادفين عنها ، فإنّها واللَّه عمّا قليل تزيل الثّاوى السّاكن ، وتفجع المترف الآمن ، لا يرجع ما تولَّى منها فأدبر ، ولا يدرى ما هو آت منها فينتظر ، سرورها مشوب بالحزن ، وجلد الرّجال فيها إلى الضّعف والوهن ، فلا يغرّنّكم كثرة ما يعجبكم فيها ، لقلَّة ما يصحبكم منها . رحم اللَّه امرا تفكَّر فاعتبر ، واعتبر فأبصر ، فكأنّ ما هو كائن من الدّنيا عن قليل لم يكن ، وكأنّ ما هو كائن من الآخرة عمّا قليل لم يزل ، وكلّ معدود منقض ، وكلّ متوقّع آت ، وكلّ آت قريب دان .
اقول : نظر الزاهدين فيها الصّارفين نظر الاحتقار لها والاعراض عنها . والثاوى : المقيم بها . والجلد : القوّة . واللام فى قوله : لقلَّة ما يصحبكم للتعليل ، اى : لا يغرنّكم كثيرها لانّ الَّذى يصحبكم من ذلك قليل كالكفن ونحوه ، والاعتبار ما يفيده الفكر الى ما هو الحق من وجوب ترك الدنيا ، والعمل للآخرة . والابصار : ما يلزم ذلك الانتقال من ادراك الحق ومشاهدته ببصر البصيرة . ثم افاد بالتشبيه الاوّل تقريب حال وجود متاع الدنيا من عدمه ، وبالتشبيه الثاني تقريب حال عدم الاحوال الاخرويّة من وجودها ، ونبّه على ذلك بقياس كامل من الشكل الاوّل ، وهو قوله : كلّ متوقّع . الى آخره . منها : العالم من عرف قدره ، وكفى بالمرء جهلا أن لا يعرف قدره ، وإنّ من أبغض الرّجال لعبدا وكله اللَّه إلى نفسه جائرا عن قصد السّبيل ، سائرا بغير دليل ، إن دعى إلى حرث الدّنيا عمل ، وإن دعى إلى حرث الآخرة كسل كأنّ ما عمل له واجب عليه ، وكأنّ ماونى فيه ساقط عنه .
اقول : حصر العالم فيمن عرف قدره لانّ ذلك يستلزم معرفته لنفسه ، ونسبتها الى