بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 246


100 - ومن خطبة له عليه السّلام أنظروا إلى الدّنيا نظر الزّاهدين فيها ، الصّادفين عنها ، فإنّها واللَّه عمّا قليل تزيل الثّاوى السّاكن ، وتفجع المترف الآمن ، لا يرجع ما تولَّى منها فأدبر ، ولا يدرى ما هو آت منها فينتظر ، سرورها مشوب بالحزن ، وجلد الرّجال فيها إلى الضّعف والوهن ، فلا يغرّنّكم كثرة ما يعجبكم فيها ، لقلَّة ما يصحبكم منها . رحم اللَّه امرا تفكَّر فاعتبر ، واعتبر فأبصر ، فكأنّ ما هو كائن من الدّنيا عن قليل لم يكن ، وكأنّ ما هو كائن من الآخرة عمّا قليل لم يزل ، وكلّ معدود منقض ، وكلّ متوقّع آت ، وكلّ آت قريب دان .
اقول : نظر الزاهدين فيها الصّارفين نظر الاحتقار لها والاعراض عنها . والثاوى : المقيم بها . والجلد : القوّة . واللام فى قوله : لقلَّة ما يصحبكم للتعليل ، اى : لا يغرنّكم كثيرها لانّ الَّذى يصحبكم من ذلك قليل كالكفن ونحوه ، والاعتبار ما يفيده الفكر الى ما هو الحق من وجوب ترك الدنيا ، والعمل للآخرة . والابصار : ما يلزم ذلك الانتقال من ادراك الحق ومشاهدته ببصر البصيرة . ثم افاد بالتشبيه الاوّل تقريب حال وجود متاع الدنيا من عدمه ، وبالتشبيه الثاني تقريب حال عدم الاحوال الاخرويّة من وجودها ، ونبّه على ذلك بقياس كامل من الشكل الاوّل ، وهو قوله : كلّ متوقّع . الى آخره . منها : العالم من عرف قدره ، وكفى بالمرء جهلا أن لا يعرف قدره ، وإنّ من أبغض الرّجال لعبدا وكله اللَّه إلى نفسه جائرا عن قصد السّبيل ، سائرا بغير دليل ، إن دعى إلى حرث الدّنيا عمل ، وإن دعى إلى حرث الآخرة كسل كأنّ ما عمل له واجب عليه ، وكأنّ ماونى فيه ساقط عنه .
اقول : حصر العالم فيمن عرف قدره لانّ ذلك يستلزم معرفته لنفسه ، ونسبتها الى


صفحه 247


العالم ومقدار مرتبته من خلق اللَّه ، وفى ذلك تمام العلم ، ويلزم من ذلك انّ من لا يعرف قدره لا يكون عالما لانّ سلب اللازم يستلزم سلب الملزوم فيكون اذن جاهلا . واشار الى قوله : ذلك الجهل ، بقوله : وكفى ، الى قوله : قدره : واراد بالدليل ما هدى الى الحق من امام او كتاب وسنّة وما عمل له هو الدنيا ، وماونى فيه : حرث الآخرة . والفصل واضح .
منها : وذلك زمن لا ينجو فيه إلَّا كلّ مؤمن نومة : إن شهد لم يعرف . وإن غاب لم يفتقد ، أولئك مصابيح الهدى ، وأعلام السّرى ليسوا بالمساييح ، ولا المذاييع البذر ، أولئك يفتح اللَّه لهم أبواب رحمته ، ويكشف عنهم ضرّاء نقمته . أيّها النّاس ، سيأتى عليكم زمان يكفا فيه الإسلام كما يكفا الإناء بما فيه أيّها النّاس ، إنّ اللَّه قد أعاذكم من أن يجور عليكم ، ولم يعذكم من أن يبتليكم ، وقد قال جلّ من قائل : * ( ( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ) ) * .
اقول : ذلك اشارة الى زمان بنى اميّة وما بعدها . واولئك اشارة : الى كلّ مؤمن .
وروى نومة بسكون الواو وهو : الضعيف ، واستعار لهم لفظ المساييح والاعلام : لهدى الخلق بهم فى سبيل اللَّه . وكفأت الاناء : كببته لوجهه ، واستعار وصف الكفاء للاسلام باعتبار خروجه عن الانتفاع به ، كما يقلب ما فى الاناء من ماء وغيره ، وذلك وجه الشبه واعاذه اللَّه تعالى عباده من الظلم فى قوله : * ( ( وما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) ) *[1].
101 - ومن خطبة له عليه السّلام وقد تقدم مختارها بخلاف هذه الرواية أمّا بعد ، فإنّ اللَّه سبحانه بعث محمّدا ، صلَّى اللَّه عليه وآله ، وليس أحد من العرب يقرأ كتابا ، ولا يدّعى نبوّة ولا وحيا ، فقاتل بمن أطاعه من عصاه ، يسوقهم إلى منجاتهم ، و


[1]سورة فصلت - 46 .


صفحه 248


يبادر بهم السّاعة أن تنزل بهم يحسر الحسير ويقف الكسير ، فيقيم عليه حتّى يلحقه غايته ، إلَّا هالكا لا خير فيه ، حتّى أراهم منجاتهم ، وبوّأهم محلَّتهم ، فاستدارت رحاهم ، واستقامت قناتهم ، وايم اللَّه لقد كنت فى ساقتها حتّى تولَّت بحذافيرها ، واستوثقت قيادها : ما ضعفت ولا جبنت ، ولا خنت ، ولا وهنت ، وايم اللَّه لأبقرنّ الباطل ، حتّى أخرج الحقّ من خاصرته .
وقد تقدّم مختارها قال السيّد : قد تقدّم مختار هذه الخطبة الَّا انّنى وجدتها فى هذه الرواية على خلاف ما سبق من زيادة او نقصان فأوجبت الحال إثباتها .
اقول : الحسير الذى اعيا فى طريقه . وقوله : يحسر ، الى قوله : لا خير فيه : بعض مكارم اخلاق الرسول عليه السلام من الشّفقة على الخلق ، ومنجاتهم : هداهم بالاسلام الذى هو محلّ نجاتهم من عذاب اللَّه . ومحلَّتهم : مقامهم من الدين والملك . وبوّأهم : اقامهم ذلك المقام . وأوصلهم : ايّاه . والرّحا : القطعة من الارض تستدير وترتفع على ما حولها ، واستعار لفظها لحالهم باعتبار اجتماعهم وارتفاعهم على غيرهم . والضمير فى ساقتها : للعرب . وحذافيرها : جميعها . واستوثقت : انتظمت فى دخول الاسلام . واستعار لفظ البقر : لتفريق الباطل عن الحق ، وتميّزه منه ، ولفظ الخاصرة : ترشيحا للاستعارة ، وباقى الفصل ظاهر مما مرّ .
102 - ومن خطبة له عليه السّلام حتّى بعث اللَّه محمّدا ، صلَّى اللَّه عليه وآله ، شهيدا ، وبشيرا ، ونذيرا ، خير البريّة طفلا ، وأنجبها كهلا ، أطهر المطهّرين شيمة ، وأمطر المستمطرين ديمة ، فما احلولت لكم الدّنيا فى لذّتها ، ولا تمكَّنتم من رضاع أخلافها إلَّا من بعد ما صادفتموها جائلا خطامها ، قلقا وضينها ، قد صار حرامها عند أقوام بمنزلة السّدر المخضود ، وحلالها بعيدا غير موجود ، وصادفتموها ، واللَّه ، ظلَّا ممدودا إلى أجل معدود ، فالأرض لكم شاغرة وأيديكم فيها


صفحه 249


مبسوطة . وأيدى القادة عنكم مكفوفة ، وسيوفكم عليهم مسلَّطة وسيوفهم عنكم مقبوضة ، ألا إنّ لكلّ دم ثائرا ، ولكلّ حقّ طالبا ، وإنّ الثّائر فى دمائنا كالحاكم فى حقّ نفسه ، وهو اللَّه الَّذى لا يعجزه من طلب ولا يفوته من هرب . فأقسم باللَّه يا بنى اميّة عمّا قليل لتعرفنّها فى أيدى غيركم وفى دار عدوّكم . ألا وإنّ أبصر الابصار ما نفذ فى الخير طرفه ، ألا إنّ أسمع الاسماع ما وعى التّذكير وقبله . أيّها النّاس ، استصبحوا من شعلة مصباح واعظ متّعظ ، وامتاحوا من صفو عين قد روّقت من الكدر . عباد اللَّه ، لا تركنوا إلى جهالتكم ، ولا تنقادوا إلى أهوائكم ، فإنّ النّازل بهذا المنزل ، نازل بشفا جرف هار ، ينقل الرّدى على ظهره من موضع إلى موضع ، لرأى يحدثه بعد رأى ، يريد أن يلصق ما لا يلتصق ، ويقرّب ما لا يتقارب ، فاللَّه اللَّه ، أن تشكوا إلى من لا يشكى شجوكم ولا ينقض برأيه ما قد أبرم لكم . إنّه ليس على الإمام إلَّا ما حمّل من أمر ربّه ، إلَّا البلاغ فى الموعظة ، والاجتهاد فى النّصيحة ، والإحياء للسّنةَّ ، وإقامة الحدود على مستحقّيها ، وإصدار السّهمان على أهلها : فبادروا العلم من قبل تصويح نبته ، ومن قبل أن تشغلوا بأنفسكم عن مستنار العلم من عند أهله وانهوا عن المنكر وتناهوا عنه ، فإنّما أمرتم بالنّهى بعد التّناهى .
اقول : الفصل غاية لكلام سبق فيه ذكر العرب وما كانت عليه من سوء الحال .
والنجابة : الكرم . والشيمة : الخلق ، واستعار لفظ الديمة وهى المطر الَّذى لا رعد له ولا برق : باعتبار غاية جوده صلَّى اللَّه عليه وآله ، وكان اذا امسى آوى الى البيت فلا يجد فيه شيئا من ذهب او فضّة الَّا تصدّق به ولم يبت بيته شيء منه ، وشيمة وديمة : تمييز واحلولى : حلا ، والخطاب للعرب . واستعار لفظ الاخلاف جمع خلف وهو : حلمة ضرع الناقة لوجوه المطالب والمكاسب من الدنيا . ووصف الناقة : من جولان الخطام ، وقلق الوضين وهو : حزام القتب باعتبار عدم صلاح الدنيا لعدم الرسول صلى اللَّه عليه وآله ومن يجرى الامور على سنن الحق . ووجه الشبه بالسدر المخضود : استحلال الحرام . واستعار لها لفظ الظَّل : باعتبار كون ما ينتفع به منها فى معرض الزوال . ولفظ الشاغرة : باعتبار


صفحه 250


خلوّها عن مدبّر ، يقال : بقيت البلاد شاغرة برجلها اذا خلت عن مدبّرها . وقوله : وانّ الثائر ، الى قوله : وهو اللَّه : يريد انّ دمائهم - عليهم السلام - ودماء غيرهم ممن عصم دمه يجرى مجرى الحق للَّه فى انّه لا بدّ من طلبه ، وهو الحاكم المطلق فهو الثائر بها لنفسه كالحاكم بحقّ نفسه لها ، وذلك فى معرض الوعيد . والضمير فى قول لتعرفنّها : للدنيا او للامرة . واستعار لفظ المصباح : لنفسه ، ورشح بذكر الشعلة ووصف المتح : لاستفادة العلوم منه . والماتح : جاذب الدلو من البئر ، ولفظ العين له . ووصف ترويقها عن الكدر : براءة نفسه القدسيّة عن شوائب شبه الباطل ، واشار بهذا المنزل الى مقام الركون الى الجهل والانقياد للهوى .
واصل هار ، هائر اى : منهدم واراد انّ البانى لأموره على جهالته فى معرض ان لا يتمّ عمله لكونه على غير اصل . والرّدى : الهلاك ، واراد بنقله : من موضع الى آخر انّ المشير بالرأى عن جهل منه يشير على واحد بما يستلزم اذاه وهلاكه ، ثم ينقل ذلك الرأى المهلك الى غيره ، فيكون كناقل الهلاك من واحد الى آخر لرأى يحدثه بعد رأي . وقوله : يريد ، الى قوله : يتقارب ، اى : يريد مثلا الصلح بين الناس كما كان يشير به بعض اصحابه ممن لا يرى الحرب بينه وبين معاوية مع مخالفة ذلك الصلح للحق ، وكون الرأى به يستلزم تفرّق الكلمة فلا يلتصق بالحق ولا يليق به ، ويقرب بذلك الرأى ما لا يتقارب من القلوب والطباع ، ومن لا يشكي شجوهم اى : حزنهم كالمنافقين فلا يشير بما ينبغي .
واستعار لفظ تصويح النبت وهو : تنبيه لموته عليه السلام . ونبّه على انّهم سيشغلون عن العلم ، وما يستفاد منه اى : بالحوادث والفتن بعده . واكثر الفصل ظاهر ، وباللَّه التوفيق .
103 - ومن خطبة له عليه السّلام الحمد للَّه الَّذى شرع الإسلام فسهّل شرائعه لمن ورده ، وأعزّ أركانه على من غالبه فجعله أمنا لمن علقه ، وسلما لمن دخله ، وبرهانا لمن تكلَّم به ، وشاهدا لمن خاصم به ، ونورا لمن استضاء به ، وفهما لمن عقل ، ولبّا لمن تدبّر ، وآية لمن توسّم ، وتبصرة لمن


صفحه 251


عزم ، وعبرة لمن اتّعظ ، ونجاة لمن صدّق ، وثقة لمن توكَّل ، وراحة لمن فوّض ، وجنّة لمن صبر ، فهو أبلج المناهج ، وأوضح الولائج ، مشرف المنار مشرق الجوادّ ، مضيء المصابيح ، كريم المضمار ، رفيع الغاية ، جامع الحلبة ، متنافس السّبقة ، شريف الفرسان : التّصديق منهاجه ، والصّالحات مناره ، والموت غايته ، والدّنيا مضماره والقيامة حلبته ، والجنّة سبقته .
اقول : تسهيله لشرائع الاسلام جعلها واضحة للذكىّ والغبى ، واعزاز اركانه : حمايتها فمن قصد هدمها ، واستعار لفظ الأمن له : باعتبار سلامة داخله من عذاب اللَّه . ولفظ السلم : باعتبار عدم اذاه . لمن دخله فهو كالمسالم له . ولفظ النور : باعتبار هدايته . وفهما اى : مفهوما او اطلق عليه لفظ الفهم مجازا اطلاقا لاسم المسبب على السبب ، اذ هو سبب فهم من فهم عنه وعقل مقاصده وكذلك لفظ اللَّب وهو : العقل ، اذ كان تدبّره سببا لمراتب العقل . والآية : العلامة . والتوسّم : التفّرس اى : من تفرّس الخير فى الاسلام كان علامة له عليه ، ومن عزم على امر كان فى الاسلام تبصرة وهداية الى كيفية فعله ، وعبرة لمن اتّعظ اى : فيه معبر لذهن الخائف من اللَّه اليه ، وفيه الثقة باللَّه للمتوكَّلين عليه لقوله تعالى : * ( ( ومَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُه ) ) *[1]والقرآن اصل الدين والاسلام ، وفيه الندب اى : تفويض الامور الى اللَّه ، وعلم ما لم يعلم منها ، وترك التكليف بذلك وهو راحة وجنة لمن صبراى : على العمل الصالح .
ومناهج الاسلام : طرقه من الكتاب والسنة .
والأبلج : الواضح المشرق . والولائج : البواطن . والاسرار وهى واضحة لمن تدبّرها ، وجوادّه : طرقه . واستعار لفظ المنار وهى الاعلام والمصابيح : لأئمة الدين . وكنى باشرافها : عن علو قدرهم . واستعار لفظ المضمار : للدين باعتبار انّ النفوس تضمر فيه للسباق الى حضرة اللَّه وظاهر به كرم ذلك المضمار وشرفه ، وغايته الوصول الى حضرة الربوبية . وارفع منها : مرتبة . واستعار لفظ الحلبة للقيامة . والسبقة للجنة ومتنافس السبقة اى سبقته مما تنافس فيها وفرسانه المؤمنون والصّديقون . وقوله : التصديق منهاجه ، الى آخره : تفسير للامور السابقة واراد التصديق باللَّه وبما جاء به الاسلام واشتمل عليه . وباللَّه التوفيق .


[1]سورة الطلاق - 3 .


صفحه 252


منها فى ذكر النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم : حتّى أورى قبسا لقابس ، وأنار علما لحابس ، فهو امينك المأمون ، وشهيدك يوم الدّين ، وبعيثك نعمة ، ورسولك بالحقّ رحمة . اللَّهمّ اقسم له مقسما من عدلك ، واجزه مضاعفات الخير من فضلك . اللَّهمّ أعل على بناء البانين بناءه ، وأكرم لديك نزله ، وشرّف عندك منزلته ، وآته الوسيلة وأعطه السّناء والفضيلة ، واحشرنا فى زمرته غير خزايا ، ولا نادمين ، ولا ناكبين ، ولا ناكثين ، ولا ضالَّين ، ولا مضلَّين ، ولا مفتونين .
اقول : الفصل غاية من كلام مدح فيه الرسول صلى اللَّه عليه وآله بجهاده ، واجتهاده فى اقامة الدين . واورى : اشعل ، واستعار لفظ القبس وهو الشعلة : لأنوار الدين التي تقتبسها قلوب المؤمنين . والحابس : الواقف بالمكان . واستعار لفظ العلم : لدليل الهدى .
وانارته له ايضاحه ادلَّة الهدى للواقفين فى حيرة الضلال والجهل . ويحتمل ان يريد بالعلم : أئمه الدين ، وانارته : تنوير قلوبهم باشراق نفسه القدسية بالعلوم ، والكمالات على مرابا نفوسهم . والمقسم : النصيب ومقتضى عدله تعالى ان يقسم لاشراف النفوس اشرف الكمالات واعلى المراتب من حضرته . وبنائه ما شيّده من قواعد الاسلام ، واركانه وهو دعاء بظهوره على سائر الاديان . والوسيلة : الاستعداد التامّ لكمال اعلى المراتب[1]وقيل : هى درجة عالية من درجات الجنة . والسناء : الرفعة . والناكب : المنحرف عن الطريق .
وقد مضى هذا الكلام فيما تقدم إلَّا اننا كررناه هاهنا لما في الروايتين من الاختلاف .
ومنها فى خطاب أصحابه : وقد بلغتم من كرامة اللَّه لكم منزلة تكرم بها إماؤكم ، ويوصل بها جيرانكم ويعظَّمكم من لافضل لكم عليه ، ولا يد لكم عنده ، ويهابكم من لا يخاف لكم سطوة ، ولا لكم عليه إمرة ، وقد ترون عهود اللَّه منقوضة فلا تغضبون وأنتم لنقض ذمم آبائكم تأنفون ، وكانت أمور اللَّه عليكم ترد ، وعنكم تصدر ، وإليكم ترجع ، فمكَّنتم الظَّلمة من منزلتكم ،


[1]هذه الكلمة غير موجودة في ش .


صفحه 253


وألقيتم إليهم أزمّتكم وأسلمتم أمور اللَّه فى أيديهم ، يعملون فى الشّبهات ، ويسيرون فى الشّهوات وايم اللَّه لو فرّقوكم تحت كلّ كوكب لجمعكم اللَّه لشرّ يوم لهم .
اقول : كرامة اللَّه لهم بالاسلام . وقوله : وكانت امور اللَّه ، الى قوله نرجع ، اى : انّكم كنتم اهل الاسلام والحلّ والعقد فيه لانّهم المهاجرون والانصار ، والظلمة والبغاة ، وامور اللَّه التي اسلمت فى ايديهم احوال العباد والبلاد وتسليمهم ذلك بترك جهادهم . وقوله : وايم اللَّه ، الى آخره : وعيد لهم بدولة بنى اميّة ، ويحتمل ان يكون وعدا لبقية اصحابه ، وذرّيتهم بالظهور على بنى اميّة عند انتهاء دولتهم . وباللَّه التوفيق .
104 - ومن خطبة له عليه السّلام فى بعض ايام صفين وقد رأيت جولتكم ، وانحيازكم عن صفوفكم ، تحوزكم الجفاة الطَّغام وأعراب أهل الشّام ، وأنتم لهاميم العرب ، ويآفيخ الشّرف ، وأنف المقدم والسّنام الأعظم ، ولقد شفى ، وحاوح صدرى ، أن رأيتكم بأخرة تحوزونهم كما حازوكم ، وتزيلونهم عن مواقفهم كما أزالوكم ، حسّا بالنّضال وشجرا بالرّماح ، تركب أولاهم أخراهم كالابل الهيم المطرودة ، ترمى عن حياضها ، وتذاد عن مواردها .
أقول : الطَّغام : اراذل الناس . واللهاميم جمع لهموم وهو : الجواد من الناس ، واستعار لهم لفظ اليآفيخ ، واليافوخ اعلى الدماغ : اذ كانوا سادات العرب . ولفظ الأنف والسنام ، والوحاوح . جمع وحوحة وهى : صوت فيه بحح ، يصدر عن المتألم كنى بها : عمّا كان يجده من التألَّم بسبب تعاجر اصحابه عن عدوّهم . والحسّ : القطع . والاستئصال والنضال : السيوف . والشجر : الطعن . والهيم : الابل العطشى . وتذاد : تساق ، وتطرد .