بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 249


مبسوطة . وأيدى القادة عنكم مكفوفة ، وسيوفكم عليهم مسلَّطة وسيوفهم عنكم مقبوضة ، ألا إنّ لكلّ دم ثائرا ، ولكلّ حقّ طالبا ، وإنّ الثّائر فى دمائنا كالحاكم فى حقّ نفسه ، وهو اللَّه الَّذى لا يعجزه من طلب ولا يفوته من هرب . فأقسم باللَّه يا بنى اميّة عمّا قليل لتعرفنّها فى أيدى غيركم وفى دار عدوّكم . ألا وإنّ أبصر الابصار ما نفذ فى الخير طرفه ، ألا إنّ أسمع الاسماع ما وعى التّذكير وقبله . أيّها النّاس ، استصبحوا من شعلة مصباح واعظ متّعظ ، وامتاحوا من صفو عين قد روّقت من الكدر . عباد اللَّه ، لا تركنوا إلى جهالتكم ، ولا تنقادوا إلى أهوائكم ، فإنّ النّازل بهذا المنزل ، نازل بشفا جرف هار ، ينقل الرّدى على ظهره من موضع إلى موضع ، لرأى يحدثه بعد رأى ، يريد أن يلصق ما لا يلتصق ، ويقرّب ما لا يتقارب ، فاللَّه اللَّه ، أن تشكوا إلى من لا يشكى شجوكم ولا ينقض برأيه ما قد أبرم لكم . إنّه ليس على الإمام إلَّا ما حمّل من أمر ربّه ، إلَّا البلاغ فى الموعظة ، والاجتهاد فى النّصيحة ، والإحياء للسّنةَّ ، وإقامة الحدود على مستحقّيها ، وإصدار السّهمان على أهلها : فبادروا العلم من قبل تصويح نبته ، ومن قبل أن تشغلوا بأنفسكم عن مستنار العلم من عند أهله وانهوا عن المنكر وتناهوا عنه ، فإنّما أمرتم بالنّهى بعد التّناهى .
اقول : الفصل غاية لكلام سبق فيه ذكر العرب وما كانت عليه من سوء الحال .
والنجابة : الكرم . والشيمة : الخلق ، واستعار لفظ الديمة وهى المطر الَّذى لا رعد له ولا برق : باعتبار غاية جوده صلَّى اللَّه عليه وآله ، وكان اذا امسى آوى الى البيت فلا يجد فيه شيئا من ذهب او فضّة الَّا تصدّق به ولم يبت بيته شيء منه ، وشيمة وديمة : تمييز واحلولى : حلا ، والخطاب للعرب . واستعار لفظ الاخلاف جمع خلف وهو : حلمة ضرع الناقة لوجوه المطالب والمكاسب من الدنيا . ووصف الناقة : من جولان الخطام ، وقلق الوضين وهو : حزام القتب باعتبار عدم صلاح الدنيا لعدم الرسول صلى اللَّه عليه وآله ومن يجرى الامور على سنن الحق . ووجه الشبه بالسدر المخضود : استحلال الحرام . واستعار لها لفظ الظَّل : باعتبار كون ما ينتفع به منها فى معرض الزوال . ولفظ الشاغرة : باعتبار


صفحه 250


خلوّها عن مدبّر ، يقال : بقيت البلاد شاغرة برجلها اذا خلت عن مدبّرها . وقوله : وانّ الثائر ، الى قوله : وهو اللَّه : يريد انّ دمائهم - عليهم السلام - ودماء غيرهم ممن عصم دمه يجرى مجرى الحق للَّه فى انّه لا بدّ من طلبه ، وهو الحاكم المطلق فهو الثائر بها لنفسه كالحاكم بحقّ نفسه لها ، وذلك فى معرض الوعيد . والضمير فى قول لتعرفنّها : للدنيا او للامرة . واستعار لفظ المصباح : لنفسه ، ورشح بذكر الشعلة ووصف المتح : لاستفادة العلوم منه . والماتح : جاذب الدلو من البئر ، ولفظ العين له . ووصف ترويقها عن الكدر : براءة نفسه القدسيّة عن شوائب شبه الباطل ، واشار بهذا المنزل الى مقام الركون الى الجهل والانقياد للهوى .
واصل هار ، هائر اى : منهدم واراد انّ البانى لأموره على جهالته فى معرض ان لا يتمّ عمله لكونه على غير اصل . والرّدى : الهلاك ، واراد بنقله : من موضع الى آخر انّ المشير بالرأى عن جهل منه يشير على واحد بما يستلزم اذاه وهلاكه ، ثم ينقل ذلك الرأى المهلك الى غيره ، فيكون كناقل الهلاك من واحد الى آخر لرأى يحدثه بعد رأي . وقوله : يريد ، الى قوله : يتقارب ، اى : يريد مثلا الصلح بين الناس كما كان يشير به بعض اصحابه ممن لا يرى الحرب بينه وبين معاوية مع مخالفة ذلك الصلح للحق ، وكون الرأى به يستلزم تفرّق الكلمة فلا يلتصق بالحق ولا يليق به ، ويقرب بذلك الرأى ما لا يتقارب من القلوب والطباع ، ومن لا يشكي شجوهم اى : حزنهم كالمنافقين فلا يشير بما ينبغي .
واستعار لفظ تصويح النبت وهو : تنبيه لموته عليه السلام . ونبّه على انّهم سيشغلون عن العلم ، وما يستفاد منه اى : بالحوادث والفتن بعده . واكثر الفصل ظاهر ، وباللَّه التوفيق .
103 - ومن خطبة له عليه السّلام الحمد للَّه الَّذى شرع الإسلام فسهّل شرائعه لمن ورده ، وأعزّ أركانه على من غالبه فجعله أمنا لمن علقه ، وسلما لمن دخله ، وبرهانا لمن تكلَّم به ، وشاهدا لمن خاصم به ، ونورا لمن استضاء به ، وفهما لمن عقل ، ولبّا لمن تدبّر ، وآية لمن توسّم ، وتبصرة لمن


صفحه 251


عزم ، وعبرة لمن اتّعظ ، ونجاة لمن صدّق ، وثقة لمن توكَّل ، وراحة لمن فوّض ، وجنّة لمن صبر ، فهو أبلج المناهج ، وأوضح الولائج ، مشرف المنار مشرق الجوادّ ، مضيء المصابيح ، كريم المضمار ، رفيع الغاية ، جامع الحلبة ، متنافس السّبقة ، شريف الفرسان : التّصديق منهاجه ، والصّالحات مناره ، والموت غايته ، والدّنيا مضماره والقيامة حلبته ، والجنّة سبقته .
اقول : تسهيله لشرائع الاسلام جعلها واضحة للذكىّ والغبى ، واعزاز اركانه : حمايتها فمن قصد هدمها ، واستعار لفظ الأمن له : باعتبار سلامة داخله من عذاب اللَّه . ولفظ السلم : باعتبار عدم اذاه . لمن دخله فهو كالمسالم له . ولفظ النور : باعتبار هدايته . وفهما اى : مفهوما او اطلق عليه لفظ الفهم مجازا اطلاقا لاسم المسبب على السبب ، اذ هو سبب فهم من فهم عنه وعقل مقاصده وكذلك لفظ اللَّب وهو : العقل ، اذ كان تدبّره سببا لمراتب العقل . والآية : العلامة . والتوسّم : التفّرس اى : من تفرّس الخير فى الاسلام كان علامة له عليه ، ومن عزم على امر كان فى الاسلام تبصرة وهداية الى كيفية فعله ، وعبرة لمن اتّعظ اى : فيه معبر لذهن الخائف من اللَّه اليه ، وفيه الثقة باللَّه للمتوكَّلين عليه لقوله تعالى : * ( ( ومَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُه ) ) *[1]والقرآن اصل الدين والاسلام ، وفيه الندب اى : تفويض الامور الى اللَّه ، وعلم ما لم يعلم منها ، وترك التكليف بذلك وهو راحة وجنة لمن صبراى : على العمل الصالح .
ومناهج الاسلام : طرقه من الكتاب والسنة .
والأبلج : الواضح المشرق . والولائج : البواطن . والاسرار وهى واضحة لمن تدبّرها ، وجوادّه : طرقه . واستعار لفظ المنار وهى الاعلام والمصابيح : لأئمة الدين . وكنى باشرافها : عن علو قدرهم . واستعار لفظ المضمار : للدين باعتبار انّ النفوس تضمر فيه للسباق الى حضرة اللَّه وظاهر به كرم ذلك المضمار وشرفه ، وغايته الوصول الى حضرة الربوبية . وارفع منها : مرتبة . واستعار لفظ الحلبة للقيامة . والسبقة للجنة ومتنافس السبقة اى سبقته مما تنافس فيها وفرسانه المؤمنون والصّديقون . وقوله : التصديق منهاجه ، الى آخره : تفسير للامور السابقة واراد التصديق باللَّه وبما جاء به الاسلام واشتمل عليه . وباللَّه التوفيق .


[1]سورة الطلاق - 3 .


صفحه 252


منها فى ذكر النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم : حتّى أورى قبسا لقابس ، وأنار علما لحابس ، فهو امينك المأمون ، وشهيدك يوم الدّين ، وبعيثك نعمة ، ورسولك بالحقّ رحمة . اللَّهمّ اقسم له مقسما من عدلك ، واجزه مضاعفات الخير من فضلك . اللَّهمّ أعل على بناء البانين بناءه ، وأكرم لديك نزله ، وشرّف عندك منزلته ، وآته الوسيلة وأعطه السّناء والفضيلة ، واحشرنا فى زمرته غير خزايا ، ولا نادمين ، ولا ناكبين ، ولا ناكثين ، ولا ضالَّين ، ولا مضلَّين ، ولا مفتونين .
اقول : الفصل غاية من كلام مدح فيه الرسول صلى اللَّه عليه وآله بجهاده ، واجتهاده فى اقامة الدين . واورى : اشعل ، واستعار لفظ القبس وهو الشعلة : لأنوار الدين التي تقتبسها قلوب المؤمنين . والحابس : الواقف بالمكان . واستعار لفظ العلم : لدليل الهدى .
وانارته له ايضاحه ادلَّة الهدى للواقفين فى حيرة الضلال والجهل . ويحتمل ان يريد بالعلم : أئمه الدين ، وانارته : تنوير قلوبهم باشراق نفسه القدسية بالعلوم ، والكمالات على مرابا نفوسهم . والمقسم : النصيب ومقتضى عدله تعالى ان يقسم لاشراف النفوس اشرف الكمالات واعلى المراتب من حضرته . وبنائه ما شيّده من قواعد الاسلام ، واركانه وهو دعاء بظهوره على سائر الاديان . والوسيلة : الاستعداد التامّ لكمال اعلى المراتب[1]وقيل : هى درجة عالية من درجات الجنة . والسناء : الرفعة . والناكب : المنحرف عن الطريق .
وقد مضى هذا الكلام فيما تقدم إلَّا اننا كررناه هاهنا لما في الروايتين من الاختلاف .
ومنها فى خطاب أصحابه : وقد بلغتم من كرامة اللَّه لكم منزلة تكرم بها إماؤكم ، ويوصل بها جيرانكم ويعظَّمكم من لافضل لكم عليه ، ولا يد لكم عنده ، ويهابكم من لا يخاف لكم سطوة ، ولا لكم عليه إمرة ، وقد ترون عهود اللَّه منقوضة فلا تغضبون وأنتم لنقض ذمم آبائكم تأنفون ، وكانت أمور اللَّه عليكم ترد ، وعنكم تصدر ، وإليكم ترجع ، فمكَّنتم الظَّلمة من منزلتكم ،


[1]هذه الكلمة غير موجودة في ش .


صفحه 253


وألقيتم إليهم أزمّتكم وأسلمتم أمور اللَّه فى أيديهم ، يعملون فى الشّبهات ، ويسيرون فى الشّهوات وايم اللَّه لو فرّقوكم تحت كلّ كوكب لجمعكم اللَّه لشرّ يوم لهم .
اقول : كرامة اللَّه لهم بالاسلام . وقوله : وكانت امور اللَّه ، الى قوله نرجع ، اى : انّكم كنتم اهل الاسلام والحلّ والعقد فيه لانّهم المهاجرون والانصار ، والظلمة والبغاة ، وامور اللَّه التي اسلمت فى ايديهم احوال العباد والبلاد وتسليمهم ذلك بترك جهادهم . وقوله : وايم اللَّه ، الى آخره : وعيد لهم بدولة بنى اميّة ، ويحتمل ان يكون وعدا لبقية اصحابه ، وذرّيتهم بالظهور على بنى اميّة عند انتهاء دولتهم . وباللَّه التوفيق .
104 - ومن خطبة له عليه السّلام فى بعض ايام صفين وقد رأيت جولتكم ، وانحيازكم عن صفوفكم ، تحوزكم الجفاة الطَّغام وأعراب أهل الشّام ، وأنتم لهاميم العرب ، ويآفيخ الشّرف ، وأنف المقدم والسّنام الأعظم ، ولقد شفى ، وحاوح صدرى ، أن رأيتكم بأخرة تحوزونهم كما حازوكم ، وتزيلونهم عن مواقفهم كما أزالوكم ، حسّا بالنّضال وشجرا بالرّماح ، تركب أولاهم أخراهم كالابل الهيم المطرودة ، ترمى عن حياضها ، وتذاد عن مواردها .
أقول : الطَّغام : اراذل الناس . واللهاميم جمع لهموم وهو : الجواد من الناس ، واستعار لهم لفظ اليآفيخ ، واليافوخ اعلى الدماغ : اذ كانوا سادات العرب . ولفظ الأنف والسنام ، والوحاوح . جمع وحوحة وهى : صوت فيه بحح ، يصدر عن المتألم كنى بها : عمّا كان يجده من التألَّم بسبب تعاجر اصحابه عن عدوّهم . والحسّ : القطع . والاستئصال والنضال : السيوف . والشجر : الطعن . والهيم : الابل العطشى . وتذاد : تساق ، وتطرد .


صفحه 254


105 - ومن خطبة له عليه السّلام وهى من خطب الملاحم الحمد للَّه المتجلَّى لخلقه بخلقه ، والظَّاهر لقلوبهم بحجّته ، خلق الخلق من غير رويّة ، إذ كانت الرّويّات لا تليق إلَّا بذوى الضّمائر . وليس بذى ضمير فى نفسه خرق علمه باطن غيب السّترات ، وأحاط بغموض عقائد السّريرات .
اقول : تجليه لخلقه بخلقه يعود الى ظهوره فى بدائع مصنوعاته لقلوب عباده . وحجّته : آثار قدرته . وغيب السترات : ما غاب من الامور المحجوبة عن علوم الخلق .
منها فى ذكر النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم : اختاره من شجرة الأنبياء ، ومشكاة الضّياء ، وذؤابة العلياء ، وسرّة البطحاء ، ومصابيح الظَّلمة ، وينابيع الحكمة .
اقول : استعار لفظ الشجرة لصنف الانبياء أو لآل ابراهيم عليه السلام ، باعتبار فروعها وهى الانبياء ، وثمرها وهى العلوم ومكارم الاخلاق . ولفظ المشكاة : باعتبار سطوع ضياء النبوّة عنهم . ولفظ الذؤابة وهى ما تدلَّى من الشعر ونحوه : باعتبار هبوط هذا الصنف وتدلَّيهم من مقاوم العزو الشرف وهى حضائر القدس . وبطحاء : مكة بسيط واديها . وسرّة : الوادى اشرف موضع فيه . واستعار لفظ المصابيح : للانبياء لهداية الخلق بهم . ولفظ الينابيع : لتفجر العلوم والحكمة عنهم .
ومنها : طبيب دوّار بطبّه : قد أحكم مراهمه ، وأحمى مواسمه يضع من ذلك حيث الحاجة إليه : من قلوب عمى ، وآذان صمّ ، وألسنة بكم متّبع بدوائه مواضع الغفلة ، ومواطن الحيرة ، لم يستضيئوا بأضواء الحكمة ولم يقدحوا بزناد العلوم الثّاقبة ، فهم فى ذلك كالأنعام


صفحه 255


السّائمة ، والصّخور القاسية ، قد انجابت السّرائر لأهل البصائر ، ووضحت محجّة الحقّ لخابطها وأسفرت السّاعة عن وجهها ، وظهرت العلامة لمتوسّمها . ما لى أراكم أشباحا بلا أرواح وأرواحا بلا أشباح ، ونسّاكا بلا صلاح ، وتجّارا بلا أرباح ، وأيقاظا نوّما ، وشهودا غيّبا ، وناظرة عمياء ، وسامعة صمّاء ، وناطقة بكماء رأيت ضلالة ، قد قامت على قطبها ، وتفرّقت بشعبها ، تكيلكم بصاعها وتخبطكم بباعها ، قائدها خارج عن المّلة ، قائم على الضّلَّة ، فلا يبقى يومئذ منكم إلَّا ثفالة كثفالة القدر ، أو نفاضة كنفاضة العكم ، تعر ككم ، عرك الأديم ، وتدوسكم دوس الحصيد ، وتستخلص المؤمن من بينكم استخلاص الطير الحبّة البطينة ، من بين هزيل الحبّ ، أين تذهب بكم المذاهب وتتيه بكم الغياهب ، وتخدعكم الكواذب ومن أين تؤتون وأنّى تؤفكون فلكلّ أجل كتاب ، ولكلّ غيبة إياب ، فاستمعوا من ربّانيّكم وأحضروه قلوبكم ، واستيقظوا إن هتف بكم ، وليصدق رائد أهله ، وليجمع شمله ، وليحضر ذهنه ، فلقد فلق لكم الأمر فلق الخرزة ، وقرفه قرف الصّمغة ، فعند ذلك أخذ الباطل مآخذه ، وركب الجهل مراكبه ، وعظمت الطَّاغية ، وقلَّت الدّاعية ، وصال الدّهر صيال السّبع العقور ، وهدر فنيق الباطل بعد كظوم ، وتواخى النّاس على الفجور وتهاجروا على الدّين ، وتحابّوا على الكذب ، وتباغضوا على الصّدق ، فإذا كان ذلك كان الولد غيظا والمطر قيظا ، وتفيض اللَّئام فيضا ، وتغيض الكرام غيضا ، وكان أهل ذلك الزّمان ذئابا ، وسلاطينه سباعا ، وأوساطه أكَّالا ، وفقراؤه أمواتا ، وغار الصّدق ، وفاض الكذب ، واستعملت المودّة باللَّسان ، وتشاجرت النّاس بالقلوب ، وصار الفسوق نسبا ، والعفاف عجبا ، ولبس الإسلام لبس الفرو مقلوبا .
اقول : اراد بالطبيب نفسه فانّه طبيب مرضى الجهل ورذائل الاخلاق ، ودورانه بطبه : تعرّضه لعلاج الجهّال ، ونصب نفسه لذلك ، واستعار لفظ المراهم لما عنده من العلم والحكمة .
ولفظ المواسم وهى المكاوى : لما عنده من القوّة على اصلاح من لا ينفعه الموعظة ، ومن يحتاج الى الجلد والقطع وسائر الحدود ، فهو كالطبيب الكامل يضع كل واحد من أدويته حيث الحاجة اليه من قلوب عمى يفتحها لفهم مراد اللَّه ، ومن آذان صمّ : يعدّها لسماع الموعظة ، وتجوز بلفظ الصمم فى عدم انتفاعها بالموعظة اطلاقا لاسم السبب


صفحه 256


على المسبب . ومن ألسنة بكم : يطلقها بذكر اللَّه ، واستعار لها لفظ البكم : باعتبار عدم تكلَّمها بما ينبغي ، ومواضع الغفلة والحيرة كناية : عن قلوب الجهّال . واستعار لفظ الزناد : للفكرة ووصف القدح : لاكتساب العلم به . وقوله : فهم فى ذلك اى : فى عدم استضاءتهم بأضواء الحكمة . وغفلتهم فى الدنيا : كالانعام السائمة ، وكالصخور القاسية فى عدم انفعالهم عن المواعظ . وانجابت : انكشفت . والسرائر : ما يكون بعده من الحوادث . وذو البصائر : نفسه عليه السلام ، واهل بيته ، ويحتمل ان يريد بالسرائر : اسرار الدين ومنازل سبيل اللَّه . وكذلك قوله : ووضحت محجة الحق لخابطها ، والمحجة : الطريق القاصد . وكنى باسفار الساعة عن « بدوها بوقوع الفتن وقوّتها بعلاماتها المتفرّسة » وهى : الفتن . وكنى بكونهم اشباحا بلا ارواح عن : غفلتهم وعدم انتفاعهم بعقولهم فيما ينبغي من طاعة اللَّه ، وأرواحا بلا اشباح قيل : هو مع ما قبله فى معرض التنقيص لهم ، فانّ فيهم من هو كروح بلا جسد فى قلة نهضته للحرب والجهاد ، وذلك ككثير من زهّادهم ، ومعتزلىّ الحرب منهم كعبد اللَّه بن عمر وغيره . والنسّاك بلا صلاح ، كناية : عمن زهد منهم عن جهل اورياء .
وتجّارا بلا ارباح لمعا ملتهم للَّه بالاعمال المدخولة التي لا ثواب فيها . وايقاظا نوّما ، اى : ايقاظ العيون نوم العقول وشهودا بأبدانهم ، غيبا بعقولهم عن قبول انوار اللَّه . وناظرة اى : نفسا ناظرة تحسبها عمياء يعنى : بصيرتها . وكذلك سامعة صمّا : لفقدها قبول الموعظة . وناطقة بكماء : عما ينبغي لها من القول . وروى عميا ، وصمّا ، وبكما : صفة للجميع اى : نفوسا لذلك . وقوله : راية ضلالة اى : هذه راية ضلالة واراد ما قرب ظهوره من قيام دولة بنى اميّة ، فهو الموجود المشار اليه . وكنى بقيامها على قطبها عن : اجتماع اهلها على من تدور عليه من الرؤساء . وتفرّقها بشعبها : انتشارها فى الآفاق ، واستعار لها وصف الليل : باعتبار اهلاكها لهم جزافا . ووصف الخبط : ملاحظة لشبهها بالناقة النفور ، وقيامها على المضلة : وقوفها على طريق الضلال لاضلال الخلق وفتنتهم . وكنى بالثفالة : عمّن لا خير فيه من الاراذل . والعلم : العدل . ونفاضته : ما بقى فيه من اثر الزاد . واراد انّه لا يبقى منهم يومئذ من يلتفت اليه ممن له شهرة ، واستعار لفظ العرك : للفتن باعتبار ما ينزل بهم من بلائها . ووصف الدوس : باعتبار اهانتها لهم ، واستخلاص المؤمن لايقاع المكروه به ،