وألقيتم إليهم أزمّتكم وأسلمتم أمور اللَّه فى أيديهم ، يعملون فى الشّبهات ، ويسيرون فى الشّهوات وايم اللَّه لو فرّقوكم تحت كلّ كوكب لجمعكم اللَّه لشرّ يوم لهم .
اقول : كرامة اللَّه لهم بالاسلام . وقوله : وكانت امور اللَّه ، الى قوله نرجع ، اى : انّكم كنتم اهل الاسلام والحلّ والعقد فيه لانّهم المهاجرون والانصار ، والظلمة والبغاة ، وامور اللَّه التي اسلمت فى ايديهم احوال العباد والبلاد وتسليمهم ذلك بترك جهادهم . وقوله : وايم اللَّه ، الى آخره : وعيد لهم بدولة بنى اميّة ، ويحتمل ان يكون وعدا لبقية اصحابه ، وذرّيتهم بالظهور على بنى اميّة عند انتهاء دولتهم . وباللَّه التوفيق .
104 - ومن خطبة له عليه السّلام فى بعض ايام صفين وقد رأيت جولتكم ، وانحيازكم عن صفوفكم ، تحوزكم الجفاة الطَّغام وأعراب أهل الشّام ، وأنتم لهاميم العرب ، ويآفيخ الشّرف ، وأنف المقدم والسّنام الأعظم ، ولقد شفى ، وحاوح صدرى ، أن رأيتكم بأخرة تحوزونهم كما حازوكم ، وتزيلونهم عن مواقفهم كما أزالوكم ، حسّا بالنّضال وشجرا بالرّماح ، تركب أولاهم أخراهم كالابل الهيم المطرودة ، ترمى عن حياضها ، وتذاد عن مواردها .
أقول : الطَّغام : اراذل الناس . واللهاميم جمع لهموم وهو : الجواد من الناس ، واستعار لهم لفظ اليآفيخ ، واليافوخ اعلى الدماغ : اذ كانوا سادات العرب . ولفظ الأنف والسنام ، والوحاوح . جمع وحوحة وهى : صوت فيه بحح ، يصدر عن المتألم كنى بها : عمّا كان يجده من التألَّم بسبب تعاجر اصحابه عن عدوّهم . والحسّ : القطع . والاستئصال والنضال : السيوف . والشجر : الطعن . والهيم : الابل العطشى . وتذاد : تساق ، وتطرد .
105 - ومن خطبة له عليه السّلام وهى من خطب الملاحم الحمد للَّه المتجلَّى لخلقه بخلقه ، والظَّاهر لقلوبهم بحجّته ، خلق الخلق من غير رويّة ، إذ كانت الرّويّات لا تليق إلَّا بذوى الضّمائر . وليس بذى ضمير فى نفسه خرق علمه باطن غيب السّترات ، وأحاط بغموض عقائد السّريرات .
اقول : تجليه لخلقه بخلقه يعود الى ظهوره فى بدائع مصنوعاته لقلوب عباده . وحجّته : آثار قدرته . وغيب السترات : ما غاب من الامور المحجوبة عن علوم الخلق .
منها فى ذكر النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم : اختاره من شجرة الأنبياء ، ومشكاة الضّياء ، وذؤابة العلياء ، وسرّة البطحاء ، ومصابيح الظَّلمة ، وينابيع الحكمة .
اقول : استعار لفظ الشجرة لصنف الانبياء أو لآل ابراهيم عليه السلام ، باعتبار فروعها وهى الانبياء ، وثمرها وهى العلوم ومكارم الاخلاق . ولفظ المشكاة : باعتبار سطوع ضياء النبوّة عنهم . ولفظ الذؤابة وهى ما تدلَّى من الشعر ونحوه : باعتبار هبوط هذا الصنف وتدلَّيهم من مقاوم العزو الشرف وهى حضائر القدس . وبطحاء : مكة بسيط واديها . وسرّة : الوادى اشرف موضع فيه . واستعار لفظ المصابيح : للانبياء لهداية الخلق بهم . ولفظ الينابيع : لتفجر العلوم والحكمة عنهم .
ومنها : طبيب دوّار بطبّه : قد أحكم مراهمه ، وأحمى مواسمه يضع من ذلك حيث الحاجة إليه : من قلوب عمى ، وآذان صمّ ، وألسنة بكم متّبع بدوائه مواضع الغفلة ، ومواطن الحيرة ، لم يستضيئوا بأضواء الحكمة ولم يقدحوا بزناد العلوم الثّاقبة ، فهم فى ذلك كالأنعام
السّائمة ، والصّخور القاسية ، قد انجابت السّرائر لأهل البصائر ، ووضحت محجّة الحقّ لخابطها وأسفرت السّاعة عن وجهها ، وظهرت العلامة لمتوسّمها . ما لى أراكم أشباحا بلا أرواح وأرواحا بلا أشباح ، ونسّاكا بلا صلاح ، وتجّارا بلا أرباح ، وأيقاظا نوّما ، وشهودا غيّبا ، وناظرة عمياء ، وسامعة صمّاء ، وناطقة بكماء رأيت ضلالة ، قد قامت على قطبها ، وتفرّقت بشعبها ، تكيلكم بصاعها وتخبطكم بباعها ، قائدها خارج عن المّلة ، قائم على الضّلَّة ، فلا يبقى يومئذ منكم إلَّا ثفالة كثفالة القدر ، أو نفاضة كنفاضة العكم ، تعر ككم ، عرك الأديم ، وتدوسكم دوس الحصيد ، وتستخلص المؤمن من بينكم استخلاص الطير الحبّة البطينة ، من بين هزيل الحبّ ، أين تذهب بكم المذاهب وتتيه بكم الغياهب ، وتخدعكم الكواذب ومن أين تؤتون وأنّى تؤفكون فلكلّ أجل كتاب ، ولكلّ غيبة إياب ، فاستمعوا من ربّانيّكم وأحضروه قلوبكم ، واستيقظوا إن هتف بكم ، وليصدق رائد أهله ، وليجمع شمله ، وليحضر ذهنه ، فلقد فلق لكم الأمر فلق الخرزة ، وقرفه قرف الصّمغة ، فعند ذلك أخذ الباطل مآخذه ، وركب الجهل مراكبه ، وعظمت الطَّاغية ، وقلَّت الدّاعية ، وصال الدّهر صيال السّبع العقور ، وهدر فنيق الباطل بعد كظوم ، وتواخى النّاس على الفجور وتهاجروا على الدّين ، وتحابّوا على الكذب ، وتباغضوا على الصّدق ، فإذا كان ذلك كان الولد غيظا والمطر قيظا ، وتفيض اللَّئام فيضا ، وتغيض الكرام غيضا ، وكان أهل ذلك الزّمان ذئابا ، وسلاطينه سباعا ، وأوساطه أكَّالا ، وفقراؤه أمواتا ، وغار الصّدق ، وفاض الكذب ، واستعملت المودّة باللَّسان ، وتشاجرت النّاس بالقلوب ، وصار الفسوق نسبا ، والعفاف عجبا ، ولبس الإسلام لبس الفرو مقلوبا .
اقول : اراد بالطبيب نفسه فانّه طبيب مرضى الجهل ورذائل الاخلاق ، ودورانه بطبه : تعرّضه لعلاج الجهّال ، ونصب نفسه لذلك ، واستعار لفظ المراهم لما عنده من العلم والحكمة .
ولفظ المواسم وهى المكاوى : لما عنده من القوّة على اصلاح من لا ينفعه الموعظة ، ومن يحتاج الى الجلد والقطع وسائر الحدود ، فهو كالطبيب الكامل يضع كل واحد من أدويته حيث الحاجة اليه من قلوب عمى يفتحها لفهم مراد اللَّه ، ومن آذان صمّ : يعدّها لسماع الموعظة ، وتجوز بلفظ الصمم فى عدم انتفاعها بالموعظة اطلاقا لاسم السبب
على المسبب . ومن ألسنة بكم : يطلقها بذكر اللَّه ، واستعار لها لفظ البكم : باعتبار عدم تكلَّمها بما ينبغي ، ومواضع الغفلة والحيرة كناية : عن قلوب الجهّال . واستعار لفظ الزناد : للفكرة ووصف القدح : لاكتساب العلم به . وقوله : فهم فى ذلك اى : فى عدم استضاءتهم بأضواء الحكمة . وغفلتهم فى الدنيا : كالانعام السائمة ، وكالصخور القاسية فى عدم انفعالهم عن المواعظ . وانجابت : انكشفت . والسرائر : ما يكون بعده من الحوادث . وذو البصائر : نفسه عليه السلام ، واهل بيته ، ويحتمل ان يريد بالسرائر : اسرار الدين ومنازل سبيل اللَّه . وكذلك قوله : ووضحت محجة الحق لخابطها ، والمحجة : الطريق القاصد . وكنى باسفار الساعة عن « بدوها بوقوع الفتن وقوّتها بعلاماتها المتفرّسة » وهى : الفتن . وكنى بكونهم اشباحا بلا ارواح عن : غفلتهم وعدم انتفاعهم بعقولهم فيما ينبغي من طاعة اللَّه ، وأرواحا بلا اشباح قيل : هو مع ما قبله فى معرض التنقيص لهم ، فانّ فيهم من هو كروح بلا جسد فى قلة نهضته للحرب والجهاد ، وذلك ككثير من زهّادهم ، ومعتزلىّ الحرب منهم كعبد اللَّه بن عمر وغيره . والنسّاك بلا صلاح ، كناية : عمن زهد منهم عن جهل اورياء .
وتجّارا بلا ارباح لمعا ملتهم للَّه بالاعمال المدخولة التي لا ثواب فيها . وايقاظا نوّما ، اى : ايقاظ العيون نوم العقول وشهودا بأبدانهم ، غيبا بعقولهم عن قبول انوار اللَّه . وناظرة اى : نفسا ناظرة تحسبها عمياء يعنى : بصيرتها . وكذلك سامعة صمّا : لفقدها قبول الموعظة . وناطقة بكماء : عما ينبغي لها من القول . وروى عميا ، وصمّا ، وبكما : صفة للجميع اى : نفوسا لذلك . وقوله : راية ضلالة اى : هذه راية ضلالة واراد ما قرب ظهوره من قيام دولة بنى اميّة ، فهو الموجود المشار اليه . وكنى بقيامها على قطبها عن : اجتماع اهلها على من تدور عليه من الرؤساء . وتفرّقها بشعبها : انتشارها فى الآفاق ، واستعار لها وصف الليل : باعتبار اهلاكها لهم جزافا . ووصف الخبط : ملاحظة لشبهها بالناقة النفور ، وقيامها على المضلة : وقوفها على طريق الضلال لاضلال الخلق وفتنتهم . وكنى بالثفالة : عمّن لا خير فيه من الاراذل . والعلم : العدل . ونفاضته : ما بقى فيه من اثر الزاد . واراد انّه لا يبقى منهم يومئذ من يلتفت اليه ممن له شهرة ، واستعار لفظ العرك : للفتن باعتبار ما ينزل بهم من بلائها . ووصف الدوس : باعتبار اهانتها لهم ، واستخلاص المؤمن لايقاع المكروه به ،
والغياهب : ظلمات الجهل ، والكواذب : النفوس الامّارة الخادعة للانسان بالآمال الكاذبة . واىّ بمعنى : متى ، اى : متى تصرفون عما أنتم عليه من الغفلة . والربّانى ، العالم علم الربوبية وعين نفسه . وقوله : وليصدق : رائد اهله مثل ، واصله : لا يكذب رائد اهله ، واراد : ان يبلغ كل من الحاضرين أهله وقبيلته ما سمع منه من الحكمة والموعظة ليرجعوا الى طاعته ، وينتفعوا بعلمه كما يرجع طلب الكلاء والماء الواجد له الى قومه ، فيبشّرهم ويصدّقهم ، ويحتمل ان يريد بالرائد : الفكر ، وبأهله : النفس الانسانية فكأنه قال : فلتصدق افكاركم نفوسكم ، اذ كان الفكر مبعوثا من قبل النفس فى طلب مرعاها ، وما حياتها من العلوم والكمالات كالرائد لأهله وصدقه لها : تصرّفه على حسب العقل فيما يشير به دون مشاركة الهوى فانّه اذا أرسله النفس عن مشاركة الهوى كذّبها ودلَّاها بغرور . وقوله : وليجمع شمله ، اى : ما تفرّق من خواطره وهمومه فى امر الدنيا . وفلق الأمر : اوضحه . وشق ظلمة الجهل عن مصابيح اليقين . وخصّ فلق الخرزة : لانّ فلقها لا يكاد يلتحم ويخفى . وقرفه قرف الصمغة : القى علمه اليهم بالكلية ، يقال : تركته على مثل مفرق الصمغة : اذا لم يترك له شيئا ، لانّ الصمغة تقتلع من شجرتها حتى لا يبقى عليها علقة . وقوله : فعند ذلك متصل ، بقوله : من بين هزيل الحب ، واخذ الباطل مأخذه : استحكامه واستقراره فى مقارّه . ومراكب الجهل : حملته ، واستعار له وصف الركوب : ملاحظة له بالمستعد المغير . والطاغية : الفئة الطاغية ، والداعية : رعاة الدين ، وروى الداعية اى : الفرقة الداعية الى اللَّه . واستعار لفظ الفينق هو : الفحل المكرّم . ووصف الهدير : لاستفحال الباطل وقوّته يومئذ . ولفظ الكظوم وهو امساك البعير عن الجرّة : لضعف الباطل وسكون الفتن فى زمان العدل ، وكون الولد غيظا اى : سببا لغيظ والده لنشأته على غير دين وادب ناظم له ، او لحاجته الى مؤنته التي يصعب فى زمن الجور . وكون المطر قيظا كناية عن : الجدب واستعداد الزمان للشرور ، او المفسدة لحال الخلق بسبب الجور اذ المطر القيظىّ لا ينبت ما ينتفع به من الزرع ، ومقتضى قسمته عليه السلام الناس أربعة اقسام : سلاطين ، واكابر ، واوساط ، وفقراء . واستعار لفظ السباع : للسلاطين . ولفظ الذئاب : للأكابر باعتبار تسلَّطهم على من دونهم من اهل الحرفة
والمتجر . واكَّالا : جمع آكلة ولفظ الأموات : للفقراء باعتبار انقطاع مادّة الحياة عنهم واستيلاء الظلمة عليهم . وتشبيه لبس الاسلام بلبس الفرو كناية عن : النفاق واستعمال الاسلام فى الظاهر دون الباطن ، بخلاف مراد عناية اللَّه به كلبس الفرو ، وباللَّه التوفيق .
106 - ومن خطبة له عليه السّلام كلّ شيء خاضع له ، وكلّ شيء قائم به : غنى كلّ فقير ، وعزّ كلّ ذليل ، وقوّة كلّ ضعيف ، ومفزع كلّ ملهوف ، ومن تكلَّم سمع نطقه ، ومن سكت علم سرّه ، ومن عاش فعليه رزقه ، ومن مات فإليه منقلبه ، لم ترك العيون فتخبر عنك ، بل كنت قبل الواصفين من خلقك ، لم تخلق الخلق لوحشة ، ولا استعملتهم لمنفعة ، ولا يسبقك من طلبت ، ولا يفلتك من أخذت ، ولا ينقص سلطانك من عصاك ، ولا يزيد فى ملكك من أطاعك ، ولا يردّ أمرك من سخط قضاءك ، ولا يستغنى عنك من تولَّى عن أمرك ، كلّ سرّ عندك علانية ، وكلّ غيب عندك شهادة ، أنت الأبد لا أمد لك ، وأنت المنتهى لا محيص عنك ، وأنت الموعد لا منجى منك إلَّا إليك ، بيدك ناصية كلّ دابّة ، وإليك مصير كلّ نسمة ، سبحانك ما أعظم ما نرى من خلقك ، وما أصغر عظمه فى جنب قدرتك ، وما أهول ما نرى من ملكوتك ، وما أحقر ذلك فيما غاب عنّا من سلطانك ، وما أسبغ نعمك فى الدّنيا ، وما أصغرها فى نعيم الآخرة .
أقول : خشوع الاشياء له دخولها فيما يتوهّم من ذلَّة الحاجة اليه ، وقيامها به فى الوجود قيام المعلول بعلته . والملهوف : المظلوم يستغيث . وسمعه تعالى : يعود الى علمه بالمسموعات . وقوله : فيخبر عنك اى : ارباب العيون اى : لم ترك ارباب العيون بعيونها ، فحذف المضاف وقد مرّ تنزيهه تعالى عن الوحشة والمنفعة . وقوله : انت الأبد لا امد لك ، اى : الدائم فلا غاية لك . وقيل : ذو الابد اى : ذو الدوام . والمحيص : المعدّل ، وباقى الفصل ظاهر .
منها : من ملائكة أسكنتهم سمواتك ، ورفعتهم عن أرضك ، هم أعلم خلقك بك ، وأخوفهم لك ، وأقربهم منك ، لم يسكنوا الأصلاب ، ولم يضمّنوا الأرحام ، ولم يخلقوا من ماء مهين ، ولم يشعبهم ريب المنون ، وإنّهم - على مكانهم منك ، ومنزلتهم عندك ، واستجماع أهوائهم فيك ، وكثرة طاعتهم لك ، وقلَّة غفلتهم عن أمرك - لو عاينوا كنه ما خفى عليهم منك لحقروا أعمالهم ، ولزروا على أنفسهم ، ولعرفوا أنّهم لم يعبدوك حقّ عبادتك ، ولم يطيعوك حقّ طاعتك .
سبحانك خالقا ومعبودا : بحسن بلائك عند خلقك ، خلقت دارا ، وجعلت فيها مأدبة : مشربا ، ومطعما ، وأزواجا ، وخدما ، وقصورا ، وأنهارا ، وزروعا ، وثمارا ، ثمّ أرسلت داعيا يدعو إليها ، فلا الدّاعى أجابوا ، ولا فيما رغَّبت إليه رغبوا ، ولا إلى ما شوّقت إليه اشتاقوا أقبلوا على جيفة افتضحوا بأكلها ، واصطلحوا على حبّها ، ومن عشق شيئا أعشى بصره ، وأمرض قلبه ، فهو ينظر بعين غير صحيحة ، ويسمع بأذن غير سميعة ، قد خرقت الشّهوات عقله ، وأماتت الدّنيا قلبه ، وولهت عليها نفسه فهو عبد لها ، ولمن فى يده شيء منها : حيثما زالت زال إليها ، وحيثما أقبلت أقبل عليها ، ولا يزدجر من اللَّه بزاجر ، ولا يتّعظ منه بواعظ ، وهو يرى المأخوذين على الغرّة - حيث لا إقالة ولا رجعة - كيف نزل بهم ما كانوا يجهلون ، وجاءهم من فراق الدّنيا ما كانوا يأمنون ، وقدموا من الآخرة على ما كانوا يوعدون ، فغير موصوف ما نزل بهم ، اجتمعت عليهم سكرة الموت وحسرة الفوت ، ففترت لها أطرافهم ، وتغيّرت لها ألوانهم ، ثمّ ازداد الموت فيهم ولوجا ، فحيل بين أحدهم وبين منطقه ، وإنّه لبين أهله ينظر ببصره ، ويسمع باذنه - على صحّة من عقله ، وبقاء من لبّه - يفكَّر فيم أفنى عمره ، وفيم أذهب دهره ، ويتذكَّر أموالا جمعها : أغمض فى مطالبها ، وأخذها من مصرّحاتها ومشتبهاتها ، قد لزمته تبعات جمعها ، وأشرف على فراقها : تبقى لمن وراءه ينعمون فيها ، ويتمتّعون بها ، فيكون المهنا لغيره ، والعبء على ظهره . والمرء قد غلقت رهونه بها ، فهو يعضّ يده ، ندامة على ما أصحر له عند الموت من أمره ، ويزهد فيما كان يرغب فيه أيّام عمره ، ويتمنّى أنّ الَّذى كان يغبطه بها ويحسده عليها قد حازها دونه فلم يزل الموت يبالغ فى جسده حتّى خالط لسانه سمعه ، فصار بين أهله لا ينطق
بلسانه ، ولا يسمع بسمعه : يردّد طرفه بالنّظر فى وجوههم يرى حركات ألسنتهم . ولا يسمع رجع كلامهم . ثمّ ازداد الموت التياطا به فقبض بصره كما قبض سمعه ، وخرجت الرّوح من جسده فصار جيفة بين أهله : قد أوحشوا من جانبه ، وتباعدوا من قربه ، لا يسعد باكيا ، ولا يجيب داعيا . ثمّ حملوه إلى محطَّ فى الأرض ، وأسلموه فيه إلى عمله ، وانقطعوا عن زورته . حتّى إذا بلغ الكتاب أجله ، والأمر مقاديره ، وألحق آخر الخلق بأوّله ، وجاء من أمر اللَّه ما يريده : من تجديد خلقه ، أماد السّماء وفطرها ، وأرجّ الأرض وأرجفها ، وقلع جبالها ونسفها ، ودكّ بعضها بعضا من هيبة جلالته ، ومخوف سطوته ، وأخرج من فيها فجدّدهم على أخلاقهم ، وجمعهم بعد تفرّقهم ، ثمّ ميّزهم لما يريد من مسألتهم عن خفايا الأعمال ، وخبايا الأفعال ، وجعلهم فريقين : أنعم على هؤلاء ، وانتقم من هؤلاء : فأمّا أهل طاعته فأثابهم بجواره وخلَّدهم فى داره ، حيث لا يظعن النزّال ، ولا يتغيّر لهم الحال ، ولا تنوبهم الأفزاع ، ولا تنالهم الأسقام ، ولا تعرض لهم الأخطار ، ولا تشخصهم الأسفار ، وأمّا أهل المعصية ، فأنزلهم شرّ دار ، وغلّ الأيدى إلى الأعناق وقرن النّواصى بالأقدام ، وألبسهم سرابيل القطران ، ومقطَّعات النّيران فى عذاب قد اشتدّ حرّه ، وباب قد أطبق على أهله فى نار لها كلب ولجب ولهب ساطع ، وقصيف هائل ، لا يظعن مقيمها ، ولا يفادى أسيرها ، ولا تفصم كبولها ، لا مدّة للدّار فتفنى ، ولا أجل للقوم فيقضى .
اقول : انّما كانت الملائكة أعلم خلق اللَّه به ، لبراءة علومهم من منازعة النفس الامارة ، ولقربهم من ابداع قدرته وكونهم اخوف لكونهم اعلم به .
وريب المنون : حادث الموت . وقوله : وانّهم ، الى قوله : طاعتك : اشارة الى تنزيهه تعالى عن اطَّلاع الملائكة على كنه معرفته ، لانّ ذلك غير ممكن لأحد سواه كما مرّ بيانه . والباء فى قوله بحسن بلائك قيل : انّها يتعلق بسبحانك اى : انزّهك بهذا الاعتبار . وخالقا ومعبودا : حالان ويحتمل ان يتعلق بمعبود ، ويحتمل ان يتعلق بخلقت . واستعار لفظ الدار للاسلام : باعتبار جمعه لأهله . ولفظ المأدبة وهى الطعام : يدعى اليه للجنة باعتبار جمعها للمشتهيات . والداعى هو : الرسول صلى اللَّه عليه وآله . وقد جمعها الخبر : انّ اللَّه جعل الاسلام دارا