بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 260


بلسانه ، ولا يسمع بسمعه : يردّد طرفه بالنّظر فى وجوههم يرى حركات ألسنتهم . ولا يسمع رجع كلامهم . ثمّ ازداد الموت التياطا به فقبض بصره كما قبض سمعه ، وخرجت الرّوح من جسده فصار جيفة بين أهله : قد أوحشوا من جانبه ، وتباعدوا من قربه ، لا يسعد باكيا ، ولا يجيب داعيا . ثمّ حملوه إلى محطَّ فى الأرض ، وأسلموه فيه إلى عمله ، وانقطعوا عن زورته . حتّى إذا بلغ الكتاب أجله ، والأمر مقاديره ، وألحق آخر الخلق بأوّله ، وجاء من أمر اللَّه ما يريده : من تجديد خلقه ، أماد السّماء وفطرها ، وأرجّ الأرض وأرجفها ، وقلع جبالها ونسفها ، ودكّ بعضها بعضا من هيبة جلالته ، ومخوف سطوته ، وأخرج من فيها فجدّدهم على أخلاقهم ، وجمعهم بعد تفرّقهم ، ثمّ ميّزهم لما يريد من مسألتهم عن خفايا الأعمال ، وخبايا الأفعال ، وجعلهم فريقين : أنعم على هؤلاء ، وانتقم من هؤلاء : فأمّا أهل طاعته فأثابهم بجواره وخلَّدهم فى داره ، حيث لا يظعن النزّال ، ولا يتغيّر لهم الحال ، ولا تنوبهم الأفزاع ، ولا تنالهم الأسقام ، ولا تعرض لهم الأخطار ، ولا تشخصهم الأسفار ، وأمّا أهل المعصية ، فأنزلهم شرّ دار ، وغلّ الأيدى إلى الأعناق وقرن النّواصى بالأقدام ، وألبسهم سرابيل القطران ، ومقطَّعات النّيران فى عذاب قد اشتدّ حرّه ، وباب قد أطبق على أهله فى نار لها كلب ولجب ولهب ساطع ، وقصيف هائل ، لا يظعن مقيمها ، ولا يفادى أسيرها ، ولا تفصم كبولها ، لا مدّة للدّار فتفنى ، ولا أجل للقوم فيقضى .
اقول : انّما كانت الملائكة أعلم خلق اللَّه به ، لبراءة علومهم من منازعة النفس الامارة ، ولقربهم من ابداع قدرته وكونهم اخوف لكونهم اعلم به .
وريب المنون : حادث الموت . وقوله : وانّهم ، الى قوله : طاعتك : اشارة الى تنزيهه تعالى عن اطَّلاع الملائكة على كنه معرفته ، لانّ ذلك غير ممكن لأحد سواه كما مرّ بيانه . والباء فى قوله بحسن بلائك قيل : انّها يتعلق بسبحانك اى : انزّهك بهذا الاعتبار . وخالقا ومعبودا : حالان ويحتمل ان يتعلق بمعبود ، ويحتمل ان يتعلق بخلقت . واستعار لفظ الدار للاسلام : باعتبار جمعه لأهله . ولفظ المأدبة وهى الطعام : يدعى اليه للجنة باعتبار جمعها للمشتهيات . والداعى هو : الرسول صلى اللَّه عليه وآله . وقد جمعها الخبر : انّ اللَّه جعل الاسلام دارا


صفحه 261


والجنة مأدبة والداعى اليها محمدا . واستعار لفظ الجيفة : للدنيا لاستقذار نفوس الاولياء لها . ووصف الافتضاح بأكلها : للاستهتار بافتنائها والخروج به عن شعار الصالحين وطاعة اللَّه . ووصف العشاء لما يعرض لأبصار بصائر اهلها من اغطية الجهل فيفسد نظرها فلا يبصر ما ينتفع به ولا تسمع ما يتعظ به . ووصف التخريق لتفريق افكاره فى تحصيل المشبّهات . ووصف الاماتّه : لاخراج قلبه عن الانتفاع به فى امر الآخرة فهو كالميت عنها . وولهت عليها نفسه اى : حيرته محبة لها . وقوله : فغير موصوف ما نزل بهم اى : لشدّته . واغمض فى مطالبها تساهل فى وجوه اخذها ، ولم يضبط دينه فيها . ومصرّحاتها : ما وضح منها . والمهنأ : المصدر من هنأ يهنأ . والعبأ : الثقل . واستعار وصف غلق الرهون : ملاحظة لعدم انفكاك نفسه من تبعاتها المشبه لغلق الرهن بما عليه من مال . واصحر ظهر وانكشف . ورجع القول جوابه وترديده . والالتياط : الالتصاق . والمخط : كناية عن اللحد لانّه يخط ثم يحفر ، وروى بالحاء المهملة . ومحط القوم : منزلهم . وبلوغ الكتاب أجله : انقضاء المدّة المضروبة لبقاء الخلق فى الدنيا أو فى البرزخ . والمقطَّعات : ثياب من نار . والكلب : الشدّة . واللجب : غلبة الاصوات . والقصيف الصوت الشديد . والكبول : جمع كبل ، وهو : القيد الضخم . وصفة القيامة واحوالها وغايتها فى غاية الوضوح ، وباللَّه التوفيق .
ومنها فى ذكر النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم :
قد حقّر الدّنيا وصغّرها ، وأهونها وهوّنها ، وعلم أنّ اللَّه زواها عنه اختيارا ، وبسطها لغيره احتقارا ، فأعرض عنها بقلبه ، وأمات ذكرها عن نفسه ، وأحبّ أن تغيب زينتها عن عينه ، لكيلا يتّخذ منها رياشا ، أو يرجو فيها مقاما ، بلَّغ عن ربّه معذرا ، ونصح لأمّته منذرا ، ودعا إلى الجنّة مبشّرا . نحن شجرة النّبوّة ، ومحطَّ الرّسالة ، ومختلف الملائكة ، ومعادن العلم ، وينابيع الحكم ، ناصرنا ومحبّنا ينتظر الرّحمة ، وعدوّنا ومبغضنا ينتظر السّطوة .
أقول : روى : حقر الدنيا مخفّفا ومشددا ، اى : زهد فيها او زهّد غيره فيها ، وكذلك :


صفحه 262


اهوانه بها ، وتهوينه لها . والرياش : اللباس والزينة . والمعذر : الذى ابلى فى العذر فلا يلام بعده . واستعار لفظ الشجرة : لبنى هاشم ، وكذلك لفظ المعادن والينابيع والسطوة المنتظرة لعدوّهم ، من اللَّه تعالى . والفصل واضح .
107 - ومن خطبة له عليه السّلام إنّ أفضل ما توسّل به المتوسّلون إلى اللَّه ، سبحانه ، الإيمان به وبرسوله والجهاد فى سبيله فانّه ذروة الإسلام ، وكلمة الإخلاص فإنّها الفطرة ، وإقام الصّلاة فإنّها الملَّة ، وإيتاء الزّكاة فإنّها فريضة واجبة ، وصوم شهر رمضان فإنّه جنّة من العقاب ، وحجّ البيت واعتماره فإنّهما ينفيان الفقر ويرحضان الذّنب ، وصلة الرّحم فإنّها مثراة فى المال ، ومنسأة فى الأجل وصدقة السّرّ فإنّها تكفّر الخطيئة ، وصدقة العلانية فإنّها تدفع ميتة السّوء ، وصنائع المعروف فإنّها تقى مصارع الهوان . أفيضوا فى ذكر اللَّه فإنّه أحسن الذّكر ، وارغبوا فيما وعد المتّقين فإنّه أصدق الوعد ، واقتدوا بهدى نبيّكم فإنّه أفضل الهدى ، واستنّوا بسنّته فإنّه أهدى السّنن ، وتعلَّموا القرآن فإنّه أحسن الحديث ، وتفقّهوا فيه فإنّه ربيع القلوب ، واستشفوا بنوره فإنّه شفاء الصّدور ، وأحسنوا تلاوته فإنّه أنفع القصص ، فإنّ العالم العامل بغير علمه كالجاهل الحائر الَّذى لا يستفيق من جهله ، بل الحجّة عليه أعظم ، والحسرة له ألزم ، وهو عند اللَّه ألوم .
أقول : اراد : انّ افضل الوسائل الى اللَّه ، الايمان الكامل ، فالايمان باللَّه ورسوله هو اصله ، وباقى الفرائض والسنن كمالات له ، ورغَّب فى كل منهما بضمير صغراه ، قوله : فانّه كذا ، وتقدير الكبرى فى الكلّ ، وكل ما كان كذلك فينبغى ان يفعل . واستعار لفظ الذروة : للجهّال لانّه اصل لقيام الدين فى الوجود ، فكان اشرف واعلى من غيره من سائر العبادات . والفطرة : فطرة اللَّه التي فطر الناس عليها من التعبّد له ، والاقرار بربوبيته .
وجعل الصلاة هى الملَّة : مجازا تشريفا لانها اكثر اشتمالا على مقصود الملة فى جميع اجزائها ، وهو : الالتفات الى اللَّه تعالى ودوام ملاحظة عظمته .


صفحه 263


قال الراوندى رحمه اللَّه :[1]اراد بكون الزكاة فريضة : كونها سهما مقتطعا من المال وجوبا ، والَّا لما كان لتخصيصها بالفريضة من بين سائر الفرائض معنى . وخصّص صوم رمضان باستعارة لفظ الجنّة : لانّه اشد فى كسر النفس الامارة وقطع وسائل الشيطان التي هى الشهوات ، ولذلك قال النّبى صلى اللَّه عليه وآله : ( انّ الشيطان ليجرى من ابن آدم مجرى الدم فضيّقوا مجاريه بالجوع ) . فكان الصوم على الخصوص اشدّ قمعا للشيطان من سائر العبادات فكان اقوى جنّة فى دفع ما يلزم بسببه من العقاب .
ورغَّب فى الحجّ ، والعمرة ، بفضيلتين : دنيوية وهى : كونهما ينفيان الفقر ، وكان ذلك بسبب التجارة الحاصلة فى موسم الحجّ ، وقيام الاسواق بمكة حينئذ . واخرويّة وهى : كونهما يرحضان الذنب اى : يغسلانه . وكون صلة الرحم مثراة للمال يفهم له شيئان : احدهما : انّ العناية الالهية قسّمت لكل حيّ قسطا من الرزق مدّ حياته فاذا اعدّت شخصا من الناس للقيام بأمر جماعة وكفّلته بامدادهم ، وجب فى العناية افاضته ارزاقهم بحسب استعداده لذلك وهو معنى كونه مثراة للمال . الثاني ، انّ صلة الرحم من الاخلاق الحميدة التي تستمال بها طباع الخلق وتستجلب عاطفتهم فيكون سببا لامداده ومعونته من ذوى الامداد ، والمعونات : كالملوك وغيرهم فكان مثراة . وامّا كونها منسأة فى الأجل فلانّها توجب تعاطف ذوى الارحام ، ومعاضدتهم لواصلهم ، فيكون عن اذى الاعداء ابعد وذلك مظنّة طول عمره وتأخيره ، ولانّها توجب تعلَّق همّهم ببقاءه واصلهم وامداده بالدعاء الَّذى قد يكون شرطا فى بقائه ، فكانت صلتهم منساة . والمنسأة : محل النسا وهو : التأخير .
وكون صدقة السرّ تكفّر الخطيئة : لانّها ابعد عن الرياء ، واقرب الى رضى اللَّه .
وتكفيرها : سترها . وكون صدقة العلانية تدفع ميتة السوء لاستلزامها الشهرة بفعل الخيرات ، والذكر الجميل ، ومحبّة المتصدّق ، وذلك يمنع غالبا من ميتات السوء كالقتل ، والحريق ، وكل ما يكون بقصد الغير وفعله ، لكان محبته واشتهاره بفعل الجميل . والافاضة فى ذكر اللَّه : الاندفاع وكونه أحسن الحديث لقوله تعالى : * ( ( الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ ) ) *[2]الآية . واستعار لفظ الربيع : لما فيه من فنون العلم الَّذى هو مسارح أبصار


[1]منهاج البراعة 1 - 473
[2]سورة الزمر - 23 .


صفحه 264


البصائر لرياض الربيع . وشفاء للصدور : من امراض الجهل . والحجّة على العالم اعظم : لانّ العالمين ليس لهم ان يقولوا يوم القيامة * ( ( وإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ ) ) *[1]. والحسرة له الزم : لعلمه بما يفوته من الكمال بسبب التفريط ، بخلاف الجاهل لجهله بما يفوته من ذلك ، وهو عند اللَّه ألوم : باعتبار انقطاع عذره يومئذ ، وقوّته : جرأته على المخالفة عن علم[2].
108 - ومن خطبة له عليه السّلام أمّا بعد ، فإنّى أحذّركم الدّنيا فإنّها حلوة خضرة ، حفّت بالشّهوات ، وتحبّبت بالعاجلة ، وراقت بالقليل ، وتحلَّت بالآمال ، وتزيّنت بالغرور ، لاتدوم حبرتها ، ولا تؤمن فجعتها ، غرّارة ضرّارة ، حائلة زائلة ، نافدة بائدة ، أكَّالة غوّالة ، لا تعدو إذا تناهت إلى أمنيّة أهل الرّغبة فيها ، والرّضاء بها ، أن تكون كما قال اللَّه سبحانه وتعالى : * ( ( واضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناه مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِه ، نَباتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوه الرِّياحُ و ) ) *[3]لم يكن امرؤ منها فى حبرة إلَّا أعقبتها عبرة ، ولم يلق فى سرّائها بطنا ، إلَّا منحته من ضرّائها ظهرا ، ولم تطلَّه فيها ديمة رخاء ، إلَّا هتنت عليه مزنة بلاء ، وحرىّ ، إذا أصبحت له منتصرة ، أن تمسى له متنكَّرة وإن جانب منها اعذوذب ، واحلولى أمرّ منها جانب فأوبى ، لا ينال امرؤ من غضارتها رغبا ، إلَّا أرهقته من نوائبها تعبا ، ولا يمسى منها فى جناح أمن إلَّا أصبح على قوادم خوف ، غرّارة غرور ما فيها فانية ، فان من عليها لا خير فى شيء من أزوادها إلَّا التّقوى ، من أقلّ منها استكثر ممّا يؤمنه ، ومن استكثر منها استكثر ممّا يوبقه ، وزال عمّا قليل عنه ، كم من واثق بها فجعته ، وذى طمأنينة قد صرعته ، وذى أبّهة قد جعلته حقيرا ، وذى نخوة قدردّته ذليلا سلطانها دول ، وعيشها رنق ، وعذبها أجاج ، وحلوها صبر ، وغذاؤها سمام ، وأسبابها رمام ، حيّها بعرض موت ، وصحيحها بعرض سقم ، ملكها مسلوب ، وعزيزها مغلوب ، وموفورها منكوب وجارها محروب ، ألستم فى مساكن من كان قبلكم أطول أعمارا ، وأبقى آثارا ، وأبعد آمالا ،


[1]سورة الاعراف - 172 .
[2]كلمة : يومئذ الى اخرها لم تكن في ش
[3]سورة الكهف - 45 .


صفحه 265


وأعدّ عديدا ، وأكثف جنودا : تعبّدوا للدّنيا أىّ تعبّد وآثروها أىّ إيثار ، ثمّ ظعنوا عنها بغير زاد مبلَّغ ، ولا ظهر قاطع فهل بلغكم أنّ الدّنيا سخت لهم نفسا بفدية ، أو أعانتهم بمعونة ، أو أحسنت لهم صحبة بل أرهقتهم بالفوادح ، وأوهنتهم بالقوارع وضعضعتهم بالنّوائب ، وعفّرتهم للمتأخر ، ووطئتهم بالمناسم ، وأعانت عليهم ريب المنون ، فقد رأيتم تنكَّرها لمن دان لها ، وآثرها ، وأخلد لها حتّى ظعنوا عنها لفراق الأبد ، وهل زوّدتهم إلَّا السّغب ، أو أحلَّتهم إلَّا الضّنك أو نوّرت لهم إلَّا الظَّلمة ، أو أعقبتهم إلَّا النّدامة أفهده تؤثرون ، أم إليها تطمئنون ، أم عليها تحرصون فبئست الدّار لمن لم يتّهمها ولم يكن فيها على وجل منها ، فاعلموا - وأنتم تعلمون - بأنّكم تاركوها ، وظاعنون عنها واتّعظوا فيها بالَّذين قالوا : * ( ( مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ) ) * حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا ، وأنزلوا الأجداث فلا يدعون ضيفانا ، وجعل لهم من الصّفيح أجنان ومن التّراب أكفان ، ومن الرّفات جيران ، فهم جيرة لا يجيبون داعيا ولا يمنعون ضيما ، ولا يبالون مندبة : إن جيدوا لم يفرحوا وإن قحطوا لم يقنطوا : جميع وهم آحاد وجيرة وهم أبعاد متدانون لا يتزاورون وقريبون لا يتقاربون ، حلماء قد ذهبت أضغانهم ، وجهلاء قد ماتت أحقادهم ، لا يخشى فجعهم ولا يرجى دفعهم ، استبدلوا بظهر الأرض بطنا ، وبالسّعة ضيقا وبالأهل غربة ، وبالنّور ظلمة ، فجاؤها كما فارقوها حفاة عراة ، قد ظعنوا عنها بأعمالهم إلى الحياة الدّائمة ، والدّار الباقية كما قال سبحانه : * ( ( كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُه ، وَعْداً عَلَيْنا ، إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ ) ) *[1].
أقول : مدار[2]الفصل على ذمّ الدنيا ، والتنفير عنها ، بذكر معايبها ، وما يلزمها من غاية الموت .
واستعار لها لفظ الحلوة الخضرة : باعتبار زينتها ، وبهجتها ، وخصّ متعلقى الذوق والبصر اعنى : الخضرة والحلوة : لاكثريّة تأدية الحاستين المذكورتين ، الى النفس الالتذاذ بواسطتهما دون سائر الحواسّ .
وراقت : أعجبت . والقليل : متاعها فى متاع الآخرة ، ووجه زينتها بالغرور : انّ ما يعدّ فيها زينة وخيرا من متاعها انّما هو بسبب الغفلة عن عاقبة ذلك وثمرته فى الآخرة .
وحبرتها : سرورها . والحائلة : الزائلة . وبائدة : هالكة . والغوّالة : التي تأخذ على غرّة .


[1]الانبياء - 104 .
[2]فى ش : هذا الفصل .


صفحه 266


وقوله : لا تعدوا ، الى قوله مقتدرا ، اى : غاية ما يحصل للراغبين منها ، وما بلغته امانيّهم ان يفنى وهو وجه التمثيل . وكنّى بالبطن والظهر : عن اقبالها ، وادبارها عن المرء . وطلَّته اى : بلته ، واستعار لفظ الديمة : للرخاء ، ولفظ المزنة : للبلاء . وهتنت : سالت واراد : انّ كل خير ناله المرء فيها فانّه غالب الأحوال يستعقب شرّا اكثر منه . ونبّه على ذلك بالطلّ ، والهتن . والمتنكرة : المتغيّرة . واعذوذب واحلولى : مبالغة فى العذوبة والحلاوة .
واوبى : امرض . والغضارة : طيّب العيش . وارهقه تعبا : كلَّفه ايّاه . ونبّه باستعارة لفظ الجناح : للأمن . ولفظ القوادم : للخوف واراد : انّه ما من آمن فيها الَّا ويستعقب خوفا اقوى منه وما يؤمنه : هو الاعمال الصالحة . وما يوبقه اى : يهلكه ففنياتها المهلكة بمحبّتها فى الآخرة . والابهّة : العظمة ، والنخوة : الكبر . ورنق : كدر . واستعار لفظ الاجاج والصبر والسمام لعذبها ، وحلوها ، وعذابها ، باعتبار ما يلزمها فى الآخرة من مرارة العقاب وسوء المذاق . وأسبابها : ما يتعلَّق به المرء منها . والرمام : البالية لانّها فى عدم بقائها كالبالية . والموفور : ذو الوفور من المال . والمحروب : المسلوب ماله . والظهر : المركوب .
وارهقتهم : غشيتهم . والفادح : الامر الشديد . والقارعة : الداهية . وضعضعتهم : اذلَّتهم .
والتعفير : الصاق الوجه بالعفر وهو التراب . والمنسم : خف البعير . وريب المنون : صروفها . ودان : اطاع . واخلد الى كذا : لصق به ولزمه . والسغب : الجوع .
وقوله : او نّورت لهم الَّا الظلمة اى : ما نوّرت لهم ، ولكن اوجبت لهم الظلمة وذلك ما يكتسبه طالبوها من الجهل وملكات السوء ومن لم يتهمها هو المعتقد انّها مطلوبة لذاتها ، وذلك من الهالكين لغفلته عن حقيقتها . وبئست الدار له ، ونعم الدار لمن اتّهمها فعمل فيها على وجل منها وعلم بعاقبتها . والمندبة : النوح . وجيدوا : مطروا . والقنوط : اليأس . وقوله : فجاؤها ، الى آخره ، اى : فكان مجيئهم اليها بالعود فيها كما فارقوها ، وانفصلوا عنها بالخلق منها ، وهو اشارة الى قوله تعالى : * ( ( مِنْها خَلَقْناكُمْ وفِيها نُعِيدُكُمْ ) ) *[1].


[1]سورة طه - 55 .


صفحه 267


< فهرس الموضوعات > من خطبة له عليه السلام ذكر فيها ملك الموت < / فهرس الموضوعات > 109 - ومن خطبة له عليه السّلام ذكر فيها ملك الموت هل تحسّ به إذا دخل منزلا أم هل تراه إذا توفّى أحدا بل كيف يتوفّى الجنين فى بطن أمّه أيلج عليه من بعض جوارحها ، أم الرّوح أجابته بإذن ربّها أم هو ساكن معه فى أحشائها كيف يصف إلهه من يعجز عن صفة مخلوق مثله أقول : هذا الفصل من خطبة ذكرها فى معرض تنزيه اللَّه تعالى عن ادراك العقول البشرية . ووجه الاستدلال به : انّ الانسان عاجز عن وصف مخلوق مثله ، كملك الموت ، وعن معرفة كيفيّة تصرّفه فى قبض النفوس الانسانية ، وكلّ من كان كذلك كان عن صفة آلهه الَّذى هو ابعد الاشياء عنه مناسبة اعجز .
< فهرس الموضوعات > من خطبة له عليه السلام في التحذير والتأديب < / فهرس الموضوعات > 110 - ومن خطبة له عليه السّلام وأحذّركم الدّنيا ، فإنّها منزل قلعة ، وليست بدار نجعة ، قد تزيّنت بغرورها ، وغرّت بزينتها ، هانت على ربّها : فخلط حلالها بحرامها ، وخيرها بشرّها ، وحياتها بموتها ، وحلوها بمرّها : لم يصفها اللَّه تعالى لأوليائه ، ولم يضنّ بها على أعدائه ، خيرها زهيد ، وشرّها عتيد ، وجمعها ينفد ، وملكها يسلب وعامرها يخرب ، فما خير دار تنقض نقض البناء ، وعمر يفنى فيها فناء الزّاد ومدّة تنقطع انقطاع السّير اجعلوا ما افترض اللَّه عليكم من طلبكم واسألوه من أداء حقّه ما سألكم ، وأسمعوا دعوة الموت آذانكم قبل أن يدعى بكم . إنّ الزّاهدين فى الدّنيا تبكى قلوبهم وإن ضحكوا ، ويشتدّ حزنهم وإن فرحوا ، ويكثر مقتهم أنفسهم وإن اغتبطوا بما رزقوا ، قد غاب عن قلوبكم ذكر الآجال ، وحضرتكم كواذب الآمال ، فصارت الدّنيا أملك بكم من الآخرة ، والعاجلة أذهب بكم من الآجلة وإنّما أنتم إخوان على دين اللَّه : ما فرّق بينكم إلَّا خبث السّرائر ، وسوء الضّمائر : فلا توازرون ، ولا تناصحون ، ولا تبادلون ، ولا توادّون ما بالكم تفرحون باليسير من الدّنيا