وقوله : لا تعدوا ، الى قوله مقتدرا ، اى : غاية ما يحصل للراغبين منها ، وما بلغته امانيّهم ان يفنى وهو وجه التمثيل . وكنّى بالبطن والظهر : عن اقبالها ، وادبارها عن المرء . وطلَّته اى : بلته ، واستعار لفظ الديمة : للرخاء ، ولفظ المزنة : للبلاء . وهتنت : سالت واراد : انّ كل خير ناله المرء فيها فانّه غالب الأحوال يستعقب شرّا اكثر منه . ونبّه على ذلك بالطلّ ، والهتن . والمتنكرة : المتغيّرة . واعذوذب واحلولى : مبالغة فى العذوبة والحلاوة .
واوبى : امرض . والغضارة : طيّب العيش . وارهقه تعبا : كلَّفه ايّاه . ونبّه باستعارة لفظ الجناح : للأمن . ولفظ القوادم : للخوف واراد : انّه ما من آمن فيها الَّا ويستعقب خوفا اقوى منه وما يؤمنه : هو الاعمال الصالحة . وما يوبقه اى : يهلكه ففنياتها المهلكة بمحبّتها فى الآخرة . والابهّة : العظمة ، والنخوة : الكبر . ورنق : كدر . واستعار لفظ الاجاج والصبر والسمام لعذبها ، وحلوها ، وعذابها ، باعتبار ما يلزمها فى الآخرة من مرارة العقاب وسوء المذاق . وأسبابها : ما يتعلَّق به المرء منها . والرمام : البالية لانّها فى عدم بقائها كالبالية . والموفور : ذو الوفور من المال . والمحروب : المسلوب ماله . والظهر : المركوب .
وارهقتهم : غشيتهم . والفادح : الامر الشديد . والقارعة : الداهية . وضعضعتهم : اذلَّتهم .
والتعفير : الصاق الوجه بالعفر وهو التراب . والمنسم : خف البعير . وريب المنون : صروفها . ودان : اطاع . واخلد الى كذا : لصق به ولزمه . والسغب : الجوع .
وقوله : او نّورت لهم الَّا الظلمة اى : ما نوّرت لهم ، ولكن اوجبت لهم الظلمة وذلك ما يكتسبه طالبوها من الجهل وملكات السوء ومن لم يتهمها هو المعتقد انّها مطلوبة لذاتها ، وذلك من الهالكين لغفلته عن حقيقتها . وبئست الدار له ، ونعم الدار لمن اتّهمها فعمل فيها على وجل منها وعلم بعاقبتها . والمندبة : النوح . وجيدوا : مطروا . والقنوط : اليأس . وقوله : فجاؤها ، الى آخره ، اى : فكان مجيئهم اليها بالعود فيها كما فارقوها ، وانفصلوا عنها بالخلق منها ، وهو اشارة الى قوله تعالى : * ( ( مِنْها خَلَقْناكُمْ وفِيها نُعِيدُكُمْ ) ) *[1].
[1]سورة طه - 55 .
< فهرس الموضوعات > من خطبة له عليه السلام ذكر فيها ملك الموت < / فهرس الموضوعات > 109 - ومن خطبة له عليه السّلام ذكر فيها ملك الموت هل تحسّ به إذا دخل منزلا أم هل تراه إذا توفّى أحدا بل كيف يتوفّى الجنين فى بطن أمّه أيلج عليه من بعض جوارحها ، أم الرّوح أجابته بإذن ربّها أم هو ساكن معه فى أحشائها كيف يصف إلهه من يعجز عن صفة مخلوق مثله أقول : هذا الفصل من خطبة ذكرها فى معرض تنزيه اللَّه تعالى عن ادراك العقول البشرية . ووجه الاستدلال به : انّ الانسان عاجز عن وصف مخلوق مثله ، كملك الموت ، وعن معرفة كيفيّة تصرّفه فى قبض النفوس الانسانية ، وكلّ من كان كذلك كان عن صفة آلهه الَّذى هو ابعد الاشياء عنه مناسبة اعجز .
< فهرس الموضوعات > من خطبة له عليه السلام في التحذير والتأديب < / فهرس الموضوعات > 110 - ومن خطبة له عليه السّلام وأحذّركم الدّنيا ، فإنّها منزل قلعة ، وليست بدار نجعة ، قد تزيّنت بغرورها ، وغرّت بزينتها ، هانت على ربّها : فخلط حلالها بحرامها ، وخيرها بشرّها ، وحياتها بموتها ، وحلوها بمرّها : لم يصفها اللَّه تعالى لأوليائه ، ولم يضنّ بها على أعدائه ، خيرها زهيد ، وشرّها عتيد ، وجمعها ينفد ، وملكها يسلب وعامرها يخرب ، فما خير دار تنقض نقض البناء ، وعمر يفنى فيها فناء الزّاد ومدّة تنقطع انقطاع السّير اجعلوا ما افترض اللَّه عليكم من طلبكم واسألوه من أداء حقّه ما سألكم ، وأسمعوا دعوة الموت آذانكم قبل أن يدعى بكم . إنّ الزّاهدين فى الدّنيا تبكى قلوبهم وإن ضحكوا ، ويشتدّ حزنهم وإن فرحوا ، ويكثر مقتهم أنفسهم وإن اغتبطوا بما رزقوا ، قد غاب عن قلوبكم ذكر الآجال ، وحضرتكم كواذب الآمال ، فصارت الدّنيا أملك بكم من الآخرة ، والعاجلة أذهب بكم من الآجلة وإنّما أنتم إخوان على دين اللَّه : ما فرّق بينكم إلَّا خبث السّرائر ، وسوء الضّمائر : فلا توازرون ، ولا تناصحون ، ولا تبادلون ، ولا توادّون ما بالكم تفرحون باليسير من الدّنيا
تدركونه ، ولا يحزنكم الكثير من الآخرة تحرمونه ، ويقلقكم اليسير من الدّنيا يفوتكم حتّى يتبيّن ذلك فى وجوهكم وقلَّة صبركم عمّا زوى منها عنكم كأنّها دار مقامكم ، وكأنّ متاعها باق عليكم وما يمنع أحدكم أن يستقبل أخاه بما يخاف من عيبه إلَّا مخافة أن يستقبله بمثله ، قد تصافيتم على رفض الآجل ، وحبّ العاجل ، وصار دين أحدكم لعقة على لسانه صنيع من قد فرغ من عمله وأحرز رضا سيّده اقول : منزل قلعة ، بالضّم اذا لم يصلح للاستيطان ، والنجعة : بالضّم طلب الكلاء ، والمراد بغرورها الاوّل : افتنانها وملذاتّها مجازا ، اطلاقا لاسم المسبّب على السبب .
وقوله : غرّت اى : استغفلت . وهو انها على ربّها : يعود الى عدم العناية بها بالذات ، فلم تكن خيرا محضا . ومعنى خلطه حلالها بحرامها : جمعه فيها بينهما . واستعار لفظ حلوها ومرّها : لخيرها وشرّها . والعتيد : المهيّا . وقوله : من طلبتكم ، اى : من جملة طلبتكم فى الدنيا . وقوله : واسألوه ، الى قوله : ما سألكم ، اى : اسألوه الَّذى سألكم ايّاه من اداء حقه بالاعانة[1]والتوفيق له . واسماعه دعوة الموت : إذانهم اخطار نزوله بهم بالبال من سماع ذكره . وقلَّة صبركم : عطف على وجوهكم . واللعقة بالضمّ : اسم لما يأخذه الملعقة مما يلعق ، واستعاره : للاقرار بالدين باللسان ، وكنّى به : عن ضعفه وقلَّته . وصنيع : مصدر اى : يصنعون فى ترك الدين الصنيع المذكور .
111 - ومن خطبة له عليه السّلام الحمد للَّه الواصل الحمد بالنّعم ، والنّعم بالشّكر . نحمده على آلائه ، كما نحمده على بلائه ، ونستعينه على هذه النّفوس البطاء عمّا أمرت به ، السّراع إلى ما نهيت عنه ، ونستغفره ممّا أحاط به علمه وأحصاه كتابه : علم غير قاصر وكتاب غير مغادر . ونؤمن به إيمان من عاين الغيوب ، ووقف على الموعود : إيمانا نفى إخلاصه الشّرك ، ويقينه الشّكّ . ونشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له ، وأنّ محمّدا عبده ورسوله ، صلَّى اللَّه
[1]في نسخة ش بزيادة : عليه .
عليه وآله وسلَّم . شهادتين تصعدان القول ، وترفعان العمل : لا يخفّ ميزان توضعان فيه ، ولا يثقل ميزان ترفعان عنه . أوصيكم عباد اللَّه بتقوى اللَّه الَّتى هى الزّاد ، وبها المعاد ، زاد مبلَّغ ، ومعاد منجح ، دعا إليها أسمع داع ، ووعاها خير واع ، فأسمع داعيها ، وفاز واعيها . عباد اللَّه ، إنّ تقوى اللَّه حمت أولياء اللَّه محارمه ، وألزمت قلوبهم مخافته حتّى أسهرت لياليهم ، وأظمأت هواجرهم ، فأخذوا الرّاحة بالنّصب والرّىّ بالظَّمأ ، واستقربوا الأجل ، فبادروا العمل ، وكذّبوا الأمل ، فلا حظوا الأجل . ثمّ إنّ الدّنيا دار فناء وعناء ، وغير وعبر : فمن الفناء أنّ الدّهر موتّر قوسه ، لا تخطىء سهامه ، ولا تؤسى جراحه ، يرمى الحىّ بالموت والصّحيح بالسّقم ، والنّاجى بالعطب ، آكل لا يشبع ، وشارب لا ينقع ومن العناء أنّ المرء يجمع مالا يأكل ، ويبنى مالا يسكن ، ثمّ يخرج إلى اللَّه لا مالا حمل ، ولا بناء نقل ، ومن غيرها أنّك ترى المرحوم مغبوطا ، والمغبوط مرحوما ، ليس ذلك إلَّا نعيما زلّ ، وبؤسا نزل ، ومن عبرها أنّ المرء يشرف على أمله ، فيقطعه حضور أجله ، فلا أمل يدرك ، ولا مؤمّل يترك فسبحان اللَّه ما أغرّ سرورها ، وأظمأريّها ، وأضحى فيئها ، لا جاء يردّ ، ولا ماض يرتدّ فسبحان اللَّه ما أقرب الحىّ من الميّت للحاقه به ، وأبعد الميّت من الحىّ لانقطاعه عنه . إنّه ليس شيء بشرّ من الشّرّ إلَّا عقابه ، وليس شيء بخير من الخير إلَّا ثوابه وكلّ شيء من الدّنيا سماعه أعظم من عيانه ، وكلّ شيء من الآخرة عيانه أعظم من سماعه ، فليكفكم من العيان السّماع ، ومن الغيب الخبر ، واعلموا أنّ ما نقص من الدّنيا وزاد فى الآخرة خير ممّا نقص من الآخرة وزاد فى الدّنيا ، فكم من منقوص رابح ومزيد خاسر . إنّ الَّذى أمرتم به أوسع من الَّذى نهيتم عنه ، وما أحلّ لكم أكثر ممّا حرّم عليكم ، فذروا ما قلّ لما كثر . وما ضاق لما اتّسع ، قد تكفّل لكم بالرّزق ، وأمرتم بالعمل ، فلا يكوننّ المضمون لكم طلبه أولى بكم من المفروض عليكم عمله ، مع أنّه ، واللَّه ، لقد اعترض الشّكّ ودخل اليقين ، حتّى كأنّ الَّذى ضمن لكم قد فرض عليكم ، وكأنّ الَّذى فرض عليكم قد وضع عنكم فبادروا العمل ، وخافوا بغتة الأجل ، فانّه لا يرجى من رجعة العمر ما يرجى من رجعة الرّزق ، ما فات من الرّزق رجى غدا زيادته ، وما فات أمس من العمر لم يرج اليوم رجعته . الرّجاء مع الجائى ، واليأس مع الماضى ( فَ * ( اتَّقُوا الله حَقَّ تُقاتِه ولا تَمُوتُنَّ إِلَّا
* ( وأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ) * .
اقول : وصله تعالى الحمد بالنعم : افاضتها على الشاكرين ، بحسب استعدادهم لحمده ومقتضى وعده الكريم * ( ( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ) ) *[1]ووصله النعم بالشكر : افاضة صور الشكر على قلوب المنعم عليهم ، واعترافهم بالنعمة وتلك الافاضة نعمة اخرى من فضله ويحتمل ان يريد : انّه تعالى يصل نعمته على حامديه بشكره لهم * ( ( إِنَّ الصَّفا والْمَرْوَةَ ) ) *[2].
وجعل الحمد على البلاء اصلا فى التشبيه : لانّ الابتلاء نعمة عظيمة وفى حق أولياء اللَّه اقوى من النعم المشهورة ، تنبيها وجذبا الى اللَّه وكنىّ به : اللوح المحفوظ الَّذى لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الَّا احصاها . ومن عاين الغيوب اى : شاهد بعين يقينه الامور الغائبة ، وكوشف بالموعود من احوال الآخرة ، وتصعّدان القول الى محل القبول من حضرة العزّة لانّهما اصلان فى الإيمان . واسمع داع : هو الرسول صلى اللَّه عليه وآله اى : اشدّهم اسماعا للخلق وتبليغا . وخير واع هو عليه السلام ، ومن سارع الى اجابة الداعى .
ونسبة السهر الى الليالى والظماء الى الهواجر : مجاز به اقامة الظرف مقام المظروف المفعول به مبالغة كقولهم : نهاره صائم ، وليله قائم . وقوله : فأخذوا الى قوله : الظمأ ، اى : استعدّوا بتعبهم فى الدنيا ، وظمائهم فيها لراحة الآخرة ، والدين من رحيقها المختوم ، وروى : فلاحظوا بالفاء والاشبه الواو لترتب تكذيب الأمل على ملاحظة الأجل ، دون العكس والواو لا يفيد الترتّب ، ويحتمل الفاء لافادة الملازمة بين تكذيب الأمل وملاحظة الأجل ، وترتّب تصوّر كل منهما على تصور السابق منهما فى الذهن . ولا توسى اى : لا يمكن طبها ودوائها . ولا ينقع : لا يروى . وقوله : ومن غيرها ، الى قوله : تدلّ ، اى : انّك ترى المرحوم بها وهو الفقير العاجز قد استبدل بفقره غنى ، وبذلَّه عزّا ، فصار مغبوطا بعد ان كان مرحوما ، وتارة يرى العكس من ذلك وليس ذلك الا نعيما زال عن المغبوط ، وبؤسا بدل به : وهو معنى تغيّرها . واستعار لفظ الرّى : لكمال الالتذاذ بها ، ولفظ الفىء :
[1]سورة ابراهيم - 7
[2]سورة البقرة - 158 .
للانتفاع بفيئاتها ، واذ ذلك اقوى صارف يستغفل العبد عن اللَّه ، فسرورها اقوى ما يغر صاحبه . وريّها اعظم ما يظمأ به صاحبه من شراب الأبرار فى دار القرار ، وفيها اشدّ ضحى للمستظلّ بها . والضحى : البروز لحر الشمس .
وقوله : ليس شيء الى قوله : ثوابه ، يريد الخير والشر ، المتصوّرين بالقياس الى شرور الدنيا وخيراتها ، فانّها امور مستحقرة فى جنب عقاب اللَّه وثوابه ، ويحتمل ان يريد الشر والخير المطلقين للمبالغة ، اذ يقال : هذا اشدّ من الشديد . وقوله : فليكفكم اى : من عيان الامور الاخرويّة سماعها ، ومن غيبها الخير عنها اذ لا يمكن الاطَّلاع عليها فى هذا العالم ، وما نقص من الدنيا : كالزكاة ، والعبادة البدنية الآخذين من المال والبدن ، فانّه مستلزم لزيادة الدرجة فى الآخرة لمن قصدها به ، وما يقابل ذلك من الزيادة فى الدنيا مستلزم للغفلة عن الآخرة ، ونقصان الحال فيها ، وما امرنا به واحلّ لنا اوسع من الَّذى نهينا عنه وحرّم علينا ، لانّ الحلال اقسام أربعة : وهى : الواجب ، والمندوب ، والمباح ، والمكروه ، والحرام قسم واحد فقط ، واعترض الشك فيما اقول من ضمان الرزق وفرض العبادة . وقوله : الرجاء مع الجائى ، اى : مع الرزق . واليأس مع الماضى اى : من العمر .
112 - ومن خطبة له عليه السّلام فى الاستسقاء اللَّهمّ قد انصاحت جبالنا ، واغبرّت أرضنا ، وهامت دوابّنا ، وتحيّرت فى مرابضها ، وعجّت عجيج الثكالى على أولادها ، وملَّت التّردّد فى مراتعها ، والحنين إلى مواردها . اللَّهمّ فارحم أنين الآنّة ، وحنين الحانّة . اللَّهمّ فارحم حيرتها فى مذاهبها وأنينها فى موالجها ، اللَّهمّ خرجنا إليك حين اعتكرت علينا حدابير السّنين ، وأخلفتنا مخايل الجود ، فكنت الرّجاء للمبتئس والبلاغ للملتمس : ندعوك حين قنط الأنام ، ومنع الغمام ، وهلك السّوام أن لا تؤاخذنا بأعمالنا ، ولا تأخذنا بذنوبنا ، وانشر علينا رحمتك بالسّحاب المنبعق ، والرّبيع المغدق ، والنّبات المونق ، سحّا وابلا ، تحيى به ما قد مات وتردّ به ما قد فات . اللَّهمّ سقيا منك ، محيية ، مروية ، تامّة ، عامّة ، طيّبة ، مباركة ، هنيئة ، مريعة ، زاكيا
نبتها ، ثامرا فرعها ، ناضرا ورقها ، تنعش بها الضّعيف من عبادك ، وتحيى بها الميت من بلادك . اللَّهمّ سقيا منك تعشب بها نجادنا ، وتجرى بها وهادنا ، وتخصب بها جنابنا ، وتقبل بها ثمارنا ، وتعيش بها مواشينا ، وتندى بها أقاصينا ، وتستعين بها ضواحينا ، من بركاتك الواسعة ، وعطاياك الجزيلة على بريّتك المرملة ووحشك المهملة ، وأنزل علينا سماء مخضلة ، مدرارا هاطلة ، يدافع الودق منها الودق ، ويحفز القطر منها القطر ، غير خلَّب برقها ، ولا جهام عارضها ولا قزع ربابها ، ولا شفّان ذهابها ، حتّى يخصب لإمراعها المجدبون ، ويحيا ببركتها المسنتون ، فإنّك تنزل الغيث بعد ما قنطوا ، وتنشر رحمتك وأنت الولىّ الحميد .
قال السيد - رحمه اللَّه - قوله عليه السلام « انصاحت جبالنا » أي تشققت من المحول . يقال : انصاح الثوب ، اذا انشق . ويقال ايضا : انصاح النبت وصاح وصوّح اذا جفّ ويبس ، وقوله « وهامت دوابنا » اي : عطشت ، والهيام : العطش ، وقوله « حدابير السنين » جمع حدبار : وهي الناقة التي أنضاها السير فشبه السنة التي فشا فيها الجدب ، قال ذو الرمه :
< شعر > حدابير ما تنفكّ إلَّا مناخة على الخسف أو نرمي بها بلدا قفرا < / شعر > وقوله « ولا قزع ربابها » : القزع : القطع الصغار المتفرقه من السحاب ، وقوله « ولا شفان ذهابها » فانّ تقديره : ولا ذات شفان ذهابها ، والشفان : الريح البارده ، والذهاب : الأمطار اللينه ، فحذف « ذات » لعلم السامع به .
أقول : اعتكرت : اختلطت . والمخايل : جمع مخيلة : للسحابة التي ترجى المطر منها . والمبتئس : الحزين . والمنبعق والمنبعج : السحاب المنّصب بشدّة . والمغدق : كثير الماء ، ويحتمل ان يريد بالربيع هنا : المطر . والسقيا : بالضم ، الاسم من السقى .
والخلَّب : السحاب الَّذى يكذّب الظَّن . والمربع : المخصب . والنجاد : جمع نجد ، للمرتفع من الارض . والضواحى البارزة اى : اهل نواحينا . والمرمّلة : القليلة المطر .
والمخضلة : الرطبة . والودق : القطر . والجهام : المظلم الذى لاماء فيه . والمسنتون الَّذين اصابتهم شدة السنة . وسحّا : مصدر او حال . والسماء المخضلة : المطر نفسه . والفصل واضح .
113 - ومن خطبة له عليه السّلام أرسله داعيا إلى الحقّ ، وشاهدا على الخلق ، فبلَّغ رسالات ربّه ، غير وان ولا مقصّر ، وجاهد فى اللَّه أعداءه غير واهن ولا معذر ، إمام من اتّقى وبصر من اهتدى .
أقول : الوهن : الضعف . والمعذّر : المقصّر فى عذره . واستعار له لفظ البصر : لهداية الخلق به .
منها : لو تعلمون ما أعلم ممّا طوى عنكم غيبه اذا لخرجتم إلى الصّعدات ، تبكون على أعمالكم ، وتلتدمون على أنفسكم ، ولتركتم أموالكم لا حارس لها ، ولا خالف عليها ، ولهمّت كلّ امرىء نفسه ، لا يلتفت إلى غيرها ، ولكنّكم نسيتم ما ذكَّرتم ، وأمنتم ما حذّرتم ، فتاه عنكم رأيكم ، وتشتّت عليكم أمركم ، ولوددت أنّ اللَّه فرّق بينى وبينكم ، وألحقنى بمن هو أحقّ بى منكم : قوم ، واللَّه ، ميامين الرّأى ، مراجيح الحلم مقاويل بالحقّ ، متاريك للبغى ، مضوا قدما على الطَّريقة ، وأو جفوا على المحجّة ، فظفروا بالعقبى الدّائمة ، والكرامة الباردة ، أما واللَّه ليسلَّطنّ عليكم غلام ثقيف الذّيّال الميّال : يأكل خضرتكم ، ويذيب شحمتكم إيه أبا وذحة قال السيد - رحمه اللَّه - :
أقول : الوذحه : الخنفساء ، وهذا القول يومئ به الى الحجّاج ، وله مع الوذحه حديث ليس هذا موضع ذكره .
أقول : ما طوى عنهم علم غيبه : هى الفتن المستقبلة . وقيل : الاحوال الاخرويّة .
والصعدات : جمع صعيد ، وهى : الطرق . وكنّى بذلك : عن قوّة جزعهم لو علموا ما سيقع .
واللَّدم ضرب الوجه والصدر ونحوه . ونسيانهم ما ذكَّروا اى : من آيات اللَّه . وقوله : قوم : تفسير لمن هو احقّ به منهم ، واراد : من درج من اصحابه رضى اللَّه عنهم . ورأى ميمون : مبارك . وقدما : بضمّ الدال اى : متقدّمين فى سبيل اللَّه لم ينثنوا عنها . الوجيف : سيرفيه سرعة . والمحجّة : طريق اللَّه الواضحة . والعرب تصف الكرامة والنعمة : بالبرد . وغلام