بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 278


119 - ومن كلام له عليه السّلام قاله للخوارج ، وقد خرج إلى معسكرهم وهم مقيمون على إنكار الحكومة فقال عليه السلام : أكلَّكم شهد معنا صفّين فقالوا : منا من شهد ومنا من لم يشهد ، قال : فامتازوا فرقتين ، فليكن من شهد صفّين فرقة ، ومن لم يشهدها فرقة ، حتّى أكلَّم كلَّا بكلامه ، ونادى النّاس فقال : أمسكوا عن الكلام ، وأنصتوا لقولى ، وأقبلوا بأفئدتكم إلىّ ، فمن نشدناه شهادة فليقل بعلمه فيها ثم كلمهم عليه السلام بكلام طويل منه : ألم تقولوا عند رفعهم المصاحف - حيلة وغيلة ، ومكرا ، وخديعة - إخواننا ، وأهل دعوتنا : استقالونا ، واستراحوا إلى كتاب اللَّه سبحانه ، فالرّأى القبول منهم ، والتّنفيس عنهم فقلت لكم : هذا أمر ظاهره إيمان وباطنه عدوان ، وأوّله رحمة ، وآخره ندامة ، فأقيموا على شأنكم ، والزموا طريقتكم ، وعضّوا على الجهاد بنواجذكم ، ولا تلتفتوا إلى ناعق نعق إن أجيب أضلّ ، وإن ترك ذلّ . وقد كانت هذه الفعلة ، وقد رأيتكم أعطيتموها واللَّه لئن أبيتها ما وجبت علىّ فريضتها ، ولا حمّلنى اللَّه ذنبها ، وو اللَّه إن جئتها إنّى للمحقّ الَّذى يتّبع ، وإنّ الكتاب لمعى : ما فارقته مذ صحبته : فلقد كنّا مع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، وإنّ القتل ليدور على الآباء والأبناء والإخوان والقرابات فلا نزداد على كلّ مصيبة وشدّة إلَّا إيمانا ، ومضيّا على الحقّ ، وتسليما للأمر ، وصبرا على مضض الجراح ، ولكنّا إنّما أصبحنا نقاتل إخواننا فى الإسلام على ما دخل فيه من الزّيغ والاعوجاج والشّبهة والتّأويل ، فإذا طمعنا فى خصلة يلمّ اللَّه بها شعثنا ، ونتدانى بها إلى البقيّة فيما بيننا ، رغبنا فيها ، وأمسكنا عمّا سواها .
أقول : ظاهره ايمان : لانّه اجتهاد فى الدين . وباطنه عدوان : اذا كان حيلة للظلم والغلبة . واوّله رحمة : منكم لهم ، وآخره ندامة : منكم ، عند تمام الحيلة عليكم . وشأنهم وطريقهم : ما كانوا عليه من الرأى فى الحرب . والعض عليه بالنواجذ : كناية عن لزومه . والناعق : معاوية ، وعمرو بن العاص . وقوله : ولكنّا ، الى آخره ، اى : انّا الآن لا نقاتل على ما كنا نقاتل عليه من الكفر فى اوّل الدين ، ولكنا اصبحنا نقاتل على ما دخل


صفحه 279


فيه من الزيغ والشبهة بالتأويل ، وغرضنا الاوّل هو قيام الدين . خصلة : ينتظم بها امره ، ويجمع اللَّه بها ما تفرّق من امر المسلمين ، ويتقاربون بها الى ان يبقوا بينهم شيئا من الألفة والاجتماع فى الحق ، وجب ان يسارع اليها ، وتلك الخصلة ما كان يرجوه من تمام الصلح ، ورجوع الفئة الباغية الى الحق .
< فهرس الموضوعات > من كلام له عليه السلام قاله لأصحابه في ساعة الحرب < / فهرس الموضوعات > 120 - ومن كلام له عليه السّلام قاله لأصحابه فى ساعة الحرب وأىّ امرىء منكم أحسّ من نفسه رباطة جأش عند اللَّقاء ، ورأى من أحد من إخوانه فشلا ، فليذبّ عن أخيه ، بفضل نجدته الَّتى فضّل بها عليه ، كما يذبّ عن نفسه . فلو شاء اللَّه لجعله مثله . إنّ الموت طالب حثيث : لا يفوته المقيم ولا يعجزه الهارب . إنّ أكرم الموت القتل ، والَّذى نفس ابن أبى طالب بيده لألف ضربة بالسّيف أهون علىّ من ميتة على الفراش .
أقول : جأش القلب : روعته واضطرابه ، من الفزع . ورباطته : ثباته . والنجدة : فضيلة تحت الشجاعة . ورغَّب فى الاقدام للحرب بضميرين : صغرى الاوّل ، قوله : انّ الموت ، الى قوله : الهارب ، وتقدير كبراه ، وكل ما كان كذلك فلا ينبغي الفرار منه ، اذ لا فائدة فيه ، وصغرى الثاني ، قوله : انّ اكرم الموت الى آخره . تقدير الكبرى : وكل ما كان اكرم الموت الَّذى لا بد منه فينبغى ان يموت الانسان عليه .
< فهرس الموضوعات > من كلام له عليه السلام في تعطيف أصحابه واستثارة نجدتهم < / فهرس الموضوعات > 121 - ومن كلام له عليه السّلام وكأنّى أنظر إليكم تكشّون كشيش الضّباب ، لا تأخذون حقّا ، ولا تمنعون ضيما قد خلَّيتم والطَّريق . فالنّجاة للمقتحم ، والهلكة للمتلوّم .
أقول : كشيش الضباب : صوت حكّ جلودها بعضها بالبعض ، وكنى بذلك : عن


صفحه 280


حالهم فى الازدحام فى الهزيمة . والطريق : طريق الآخرة ، وانتصب على المفعول معه . والنجاة للمقتحم ، اى : لمقتحم الجهاد . والمتلوّم : المتوقّف عن سلوكها واراد : الهلاك الاخروىّ .
122 - ومن كلام له عليه السّلام فى حث أصحابه على القتال فقدّموا الدّراع ، وأخّروا الحاسر ، وعضّوا على الأضراس ، فإنّه أنبى للسّيوف عن الهام ، والتووا فى أطراف الرّماح ، فإنّه أمور للأسنّة ، وغضّوا الابصار فإنّه أربط للجأش ، وأسكن للقلوب وأميتوا الأصوات فإنّه أطرد للفشل ، ورايتكم فلا تميلوها ، ولا تخلَّوها ولا تجعلوها إلَّا بأيدى شجعانكم ، والمانعين الذّمار منكم ، فإنّ الصّابرين على نزول الحقائق ، هم الَّذين يحفّون براياتهم ، ويكتنفونها : حفافيها ، ووراءها ، وأمامها لا يتأخّرون عنها فيسلموها ، ولا يتقدّمون عليها فيفردوها . أجزأ امرؤ قرنه ، وآسى أخاه بنفسه ، ولم يكل قرنه إلى أخيه فيجتمع عليه قرنه وقرن أخيه . وايم اللَّه لئن فررتم من سيف العاجلة لا تسلموا من سيف الآخرة ، وأنتم لهاميم العرب ، والسّنام الأعظم . إنّ فى الفرار موجدة اللَّه ، والذّلّ اللَّازم ، والعار الباقى ، وإنّ الفارّ لغير مزيد فى عمره ، ولا محجوز بينه وبين يومه . الرّائح إلى اللَّه ، كالظَّمآن يرد الماء ، الجنّة تحت أطراف العوالى ، اليوم تبلى الأخبار ، واللَّه لأنا أشوق إلى لقائهم منهم إلى ديارهم . اللَّهمّ فإن ردّوا الحقّ فافضض جماعتهم ، وشتّت كلمتهم وأبسلهم بخطاياهم ، إنّهم لن يزولوا عن مواقفهم دون طعن دراك يخرج منه النّسيم ، وضرب يفلق الهام ، ويطيح العظام ، ويندر السّواعد ، والأقدام ، وحتّى يرموا بالمناسر تتبعها المناسر ، ويرجموا بالكتائب تقفوها الحلائب ، وحتّى يجرّ ببلادهم الخميس يتلوه الخميس ، وحتّى تدعق الخيول فى نواحر أرضهم ، وبأعنان مساربهم ومسارحهم .
أقول : صدر الفصل تعليم كيفية الحرب ، ونبّه على امر[1]صغراه . وقوله : فانّه ، الى


[1]في ش بزيادة : بضميه .


صفحه 281


تمام الكلام وقد سبق مثله والحاسر : العارى من الدرع . وامور : اشدّ حركة ونفوذا . والمور : الحركة . وفائدة غضّ البصر : انّ مده الى العدو يوجب انفعالا عنه ، وربما خيف على البصر من بريق النصال والاسنّة . والذمار : ما يحميه الرجل . والحقائق : كناية عن الامور الشديدة التي حقّ نزولها ووجب فى القدر . وحفافا الشيء : جانباه . وقوله : أجزأ وآسى : خبران فى معنى الامر . واللهاميم : الاشراف جمع لهوم . والموجدة : الغضب . وكالظمآن : فى محل الرفع صفة لرائح اى : من يروح الى اللَّه بهذه الصفة . والعوالى : جمع عالية للقناة . والاخبار المبلوة : اخبار بواطن اهل الحرب يختبر بها والضمير فى لقائهم لاهل الشام . وابسلهم : اسلمهم للهلكة . ودراك ، اى : متدارك . والمنسر : القطعة من الجيش . والحلائب : جمع حلوبة اى : حتى يرموا بالكتائب فى الخيل يتبعها الأبل . وقيل : الحلائب جمع حلبة وهى : الخيل ، يجمع للسباق وفى الجرب . والخميس : الجيش . والدعق : الدّق . ونواحر ارضهم : اواخرها واقاصيها جمع نحيرة . واعنان مساربهم : نواحى مراعيهم .
123 - ومن كلام له عليه السّلام فى التحكيم فى معنى الخوارج لما انكروا تحكيم الرجال ويذمّ فيه اصحابه قال عليه السلام إنّا لم نحكَّم الرّجال ، وإنّما حكَّمنا القرآن ، وهذا القرآن إنّما هو خطَّ مستور بين الدّفّتين ، لا ينطق بلسان ، ولا بدّ له من ترجمان ، وإنّما ينطق عنه الرّجال . ولمّا دعانا القوم إلى أن نحكَّم بيننا القرآن لم نكن الفريق المتولَّى عن كتاب اللَّه تعالى ، وقد قال اللَّه سبحانه : * ( ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وأَطِيعُوا الرَّسُولَ ) ) *[1]فردّه إلى اللَّه : أن نحكم بكتابه ، وردّه إلى الرّسول أن نأخذ بسنّته ، فإذا حكم بالصّدق فى كتاب اللَّه فنحن أحقّ النّاس به ، وإن حكم بسنّة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله ، فنحن أولاهم به . وأمّا قولكم : لم جعلت بينكم وبينهم أجلا فى التّحكيم ، فإنّما فعلت ذلك ليتبيّن


[1]سورة النساء - 59 .


صفحه 282


الجاهل ، ويتثبّت العالم ، ولعلّ اللَّه أن يصلح فى هذه الهدنة أمر هذه الأمّة ، ولا تؤخذ بأكظامها ، فتعجل عن تبيّن الحقّ ، وتنقاد لأوّل الغىّ إنّ أفضل النّاس عند اللَّه من كان العمل بالحقّ أحبّ إليه - وإن نقصه وكرثه - من الباطل وإن جرّ إليه فائدة وزاده ، أين يتاه بكم من أين أتيتم استعدّوا للمسير إلى قوم حيارى عن الحقّ لا يبصرونه ، وموزعين بالجور لا يعدلون به جفاة عن الكتاب ، نكَّب عن الطَّريق ، ما أنتم بوثيقة يعلق بها ، ولا زوافر عزّ يعتصم إليها ، لبئس حشّاش نار الحرب أنتم أفّ لكم ، لقد لقيت منكم برحا يوما أناديكم ، ويوما أنا جيكم فلا أحرار صدق عند النّداء ، ولا إخوان ثقة عند النّجاء .
أقول : الفصل من اوّله ، الى قوله : اولاهم به : جواب لما انكره الخوارج من موافقته عليه السلام على التحكيم . وقوله : ليتبيّن الجاهل ، اى : طريق الحق ، والهدنة : الصلح . والكظم : مجرى النفس والاخذبه ، كناية عن الاعجال والاخذ بغتة . فانّه عليه السلام لو اخذهم بالقتال بغتة الجأهم الى لزوم ضلالهم من غير ترّو ، وذلك يخالف مقصود الشارع من جمع الخلق على الدين . وكرثه : حزنه ومن الباطل : متعلَّق باحبّ . وموزعين بكذا اى : مغرين به . وجفاة عن كتاب اللَّه ، تنبوا افهامهم عنه . ونكَّب : بضمّ الكاف وسكونها جمع نكوب وهو كثير العدول عن الطريق . والوثيقة ما يوثق به عند الشدائد . وزوافر الرجل : انصاره وعشيرته . والحشاش : ما يحشّ به النار اى توقد . والترح : الحزن . وروى : برحا اى : شدّة . وقوله : يوما ، الى آخره ، اى : يوما اناديكم للنصرة فى الدين ، ويوما اسارّكم فيه بالنصيحة والمشورة بالرأى فلا احرار صدق عند النداء : اذ شأن الحرّ أن يخلص من وثاق اللائمة والتقصير : ولا اخوان يوثق بهم : فيما يسرّ اليهم ويلقى من النصيحة ، اذ كانوا يفشون سرّه ولا يقبلون نصيحته .
124 - ومن كلام له عليه السّلام :
لما عوتب على تصيّره الناس اسوة فى العطاء من غير تفضيل اولى السابقات والشرف فقال : أتأمرونّى أن أطلب النّصر بالجور فيمن ولَّيت عليه واللَّه ما أطور به ما سمر سمير ،


صفحه 283


وما أمّ نجم فى السّماء نجما ، لو كان المال لى لسوّيت بينهم ، فكيف وإنّما المال مال اللَّه ألا وإنّ إعطاء المال فى غير حقّه تبذير وإسراف ، وهو يرفع صاحبه فى الدّنيا ويضعه فى الآخرة ، ويكرمه فى النّاس ، ويهينه عند اللَّه ، ولم يضع امرؤ ماله فى غير حقّه ولا عند غير أهله إلَّا حرمه اللَّه شكرهم ، وكان لغيره ودّهم ، فإن زلَّت به النّعل يوما فاحتاج إلى معونتهم فشرّ خدين ، وألأم خليل .
أقول : التسوية : سنة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله ، ولزمها ابو بكر ، فلما فضّل من بعده ، اعتاد كبار الامة ذلك ، فلما ترك عليه السلام التفضيل ، شقّ على القوم وثارت اضغانهم . حتى كان من طلحة والزبير وغيرهما ما كان من نكث البيعة ، والخلاف عليه . والنصر : نصر الناس له . ولا طور به اي : لا اقرّبه . والسمير : الدهر . يقال : لا افعله ما سمر سمير اى : الدهر كله ، وكذلك لا افعله ما سمر بنا سمير ، وهما : الليل والنهار . والتبذير ، والاسراف : رذيلة الافراط من فضيلة السخاء ، وظاهر انّ الرذائل سبب للاهانة عند اللَّه فى الآخرة . والضمير فى اهله : للمال . وبالحرىّ ان يمنعه اللَّه شكرهم اذا عدل عنهم بما هم به احقّ ويلحقه خذلانهم . وقيل : اراد بالذين يمنعه اللَّه شكرهم : الذين اعطاهم المال من غير اهله ، ويلوح من سرّ ذلك : انّ اعطاء المال لغير أهله يكون امّا رغبة او رهبة للمعطى من دون اللَّه ، ونظر الآخذ الى تلك الجهة يمنعه عن الشكر ، ويصرفه عن معاونة المعطى .
125 - ومن كلام له عليه السّلام : أيضا للخوارج فإن أبيتم إلَّا أن تزعموا أنّى أخطأت وضللت فلم تضلَّلون عامّة أمّة محمّد ، صلَّى اللَّه عليه وآله ، بضلالى ، وتأخذونهم بخطئى وتكفّرونهم بذنوبى سيوفكم على عواتقكم تضعونها مواضع البرء والسّقم وتخلطون من أذنب بمن لم يذنب ، وقد علمتم أنّ رسول اللَّه ، صلَّى اللَّه عليه وآله ، رجم الزّانى ثمّ صلَّى عليه ، ثمّ ورّثه أهله ، وقتل القاتل وورّث ميراثه أهله ، وقطع السّارق وجلد الزّانى غير المحصن ثمّ قسم عليهما من الفىء ، ونكحا


صفحه 284


المسلمات فأخذهم رسول اللَّه ، صلَّى اللَّه عليه وآله ، بذنوبهم ، وأقام حقّ اللَّه فيهم ، ولم يمنعهم سهمهم من الإسلام ، ولم يخرج أسماءهم من بين أهله ، ثمّ أنتم شرار النّاس ، ومن رمى به الشّيطان مراميه ، وضرب به تيهه . وسيهلك فىّ صنفان : محبّ مفرط يذهب به الحبّ إلى غير الحقّ ، ومبغض مفرط يذهب به البغض إلى غير الحقّ ، وخير النّاس فىّ حالا النّمط الأوسط فالزموه ، والزموا السّواد الأعظم ، فإنّ يد اللَّه على الجماعة . وإيّاكم والفرقة فإنّ الشّاذّ من النّاس للشّيطان ، كما أنّ الشّاذّ من الغنم للذّئب ألا من دعا إلى هذا الشّعار فاقتلوه ، ولو كان تحت عمامتى هذه . وإنّما حكَّم الحكمان ليحييا ما أحيا القرآن ، ويميتا ما أمات القرآن ، وإحياؤه إلاجتماع عليه ، وإماتته الإفتراق عنه : فان جرّنا القرآن إليهم اتّبعناهم وإن جرّهم إلينا اتّبعونا ، فلم آت - لا أبا لكم - بجرا ، ولا ختلتكم عن أمركم ، ولا لبّسته عليكم ، إنّما اجتمع رأى ملئكم على اختيار رجلين أخذنا عليهما أن لا يتعدّ يا القرآن فتاها عنه ، وتركا الحقّ وهما يبصرانه ، وكان الجور هواهما فمضيا عليه ، وقد سبق استثناؤنا عليهما - فى الحكومة بالعدل ، والصّمد للحقّ - سوء رأيهما وجور حكمهما .
أقول : كانت الخوارج تقول : انّه عليه السلام : ضلّ واخطأ فى التحكيم ، وكل مخطئ كافر ، وكانوا يقتلون حين اعتزالهم عنه من خالف اعتقادهم ، فبيّن عليه السلام كذب رأيهم : بانّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله لم يخرج احدا من الاسلام بذنب ارتكبه ، بل كان يجزيه على احكام المسلمين ، ويؤاخذه بما فعل . والضمير فى قوله : ونكحا : يرجع الى السارق ، والزانى . وفى قوله : فأخذهم : راجع الى كل من جرى ذكره من المذنبين . والضمير فى اهله : يرجع الى الاسلام ، ومرامى الشيطان : الخطايا والمعاصى . وتيهه : حيث لا يهتدى الضالّ لوجه الحق والغلو فى حبه : طرف الافراط من فضيلة محبته كما عليه الغلاة ، وفى بغضه : تفريط كما عليه الخوارج ، وكلاهما رذيلتان يستلزمان الكفر والهلاك الاخروى ، والنمط الاوسط : اهل فضيلة العدل فى محبته ، وفى الحديث ( خير هذه الامّة النمط الأوسط يلحق بهم التالى ، ويرجع اليهم الغالى )[1]


[1]مجمع البحرين 4 - 276 .


صفحه 285


والسواد الأعظم جمهور المسلمين المتفقين على عمود الاسلام ، المتمسكين بسنّة اللَّه . واستعار لفظ اليد : لعناية اللَّه . والشعار : شعار الخوارج من مفارقتهم الجماعة وما ارتكبوه من البدعة .
وقوله : ولو كان تحت عمامتى هذه ، قيل : اراد ولو كنت انا ذاك . وقيل : انّه مبالغة فى صفة من كان بغاية القرب منه والعناية به . والبجر : الشر والامر العظيم . والختل : الخديعة . والصمد : القصد . وسوء رايهما : مفعول به لما لسبق .
126 - ومن كلام له عليه السّلام : فيما يخبر به عن الملاحم بالبصرة يا أحنف ، كأنّى به وقد سار بالجيش الَّذى لا يكون له غبار ولا لجب ، ولا قعقعة لجم ، ولا حمحمة خيل يثيرون الأرض بأقدامهم كأنّها أقدام النّعام . يومئ بذلك إلى صاحب الزنج . ثم قال عليه السلام : ويل لسكككم العامرة ، والدّور المزخرفة الَّتى لها أجنحة كأجنحة النّسور وخراطيم كخراطيم الفيلة ، من أولئك الَّذين لا يندب قتيلهم ، ولا يفتقد غائبهم أنا كابّ الدّنيا لوجهها ، وقادرها بقدرها ، وناظرها بعينها .
أقول : الملحمة : الواقعة العظيمة ، الفتنة . والاشارة فى ذلك : الى صاحب الزنج ، وفتنته بالبصرة مشهورة ، والجيش بالصفة المذكورة هم : الزنج ، لانّهم لم يكونوا اصحاب خيل . واللجب : الصوت الهائل ، وشبّه اقدامهم : بأقدام النعام باعتبار عرض صدورها ، وتفرّق اصابعها وقصرها . والسكة : المحلة ، واستعار لفظ الاجنحة : للقطانيّات[1]، والخراطيم : للمياذيب من الخشب والخوص المقيّرة . وقوله : لا يندب ، الى قوله : غائبهم ، قيل : اراد : انّهم لا ينالون بالموت والقتل لشدّة بأسهم ، وشبه ان يكون ذلك ، لانّهم غرباء مجتمعون لا اهل لأحدهم يبكيه ويفتقده . وقوله : انا كابّ الدنيا ، الى آخره ، كناية : عن زهده فيها عن علم بها وبقدرها وما خلقت له ، يقال : كببت فلانا لوجهه اذا لم يلتفت


[1]نسخة ش بزيادة : لفظ .