الرغبة . والفحص : البحث . ونقاش الحساب : الاستقصاء فيه . واستعار لفظ الرصد للنفوس التي تظهر فيها يوم القيامة صور السيّئات . ولفظ العيون : للجوارح الشاهدة يومئذ .
وحفّاظ الصدق : الكرام الكاتبون . والرتاج : العلق ، والأمور التي صدرت بهم مصادرها هى : اعمالهم واحوالهم التي كانوا عليها فى الدنيا ، وكلّ ما ينبه على احوال الآخرة عبرة . والغير : جمع غيرة فعلة من التغير ، واعتبارها طريق الاتّعاظ . والنذر : جمع نذير وهو : كل ما افاد تخويفا .
157 - ومن خطبة له عليه السّلام أرسله على حين فترة من الرسل ، وطول هجعة من الأمم ، وانتقاض من المبرم ، فجاءهم بتصديق الَّذى بين يديه ، والنّور المقتدى به : ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق ، ولكن أخبركم عنه ، ألا إنّ فيه علم ما يأتي ، والحديث عن الماضى ، ودواء دائكم ، ونظم ما بينكم .
اقول : استعار لفظ الهجعة : للغفلة الشاملة يومئذ للناس عن احوال الآخرة . ولفظ المبرم : وهو الحبل لما كان الخلق عليه من نظام الحال بالشرائع السابقة . ولفظ الانتقاض : لفساد ذلك بتغير الشرائع ، والَّذى صدّقه بين يديه هو : التوراة والانجيل ، وكلّ امر تقدّم امرا منتظرا قريبا منه يقال انّه جاء بين يديه . ولفظ النور : القرآن . واستنطاقه : استماع فوائده منه عليه السلام ، اذ هو لسان الكتاب ، ودلّ عليه بقوله : ولن ينطق ، الى قوله : عنه . وعلم ما يأتي اي : من الفتن وأحوال القيامة ، والحديث عن الماضى من علم الأوّلين وقصصهم . ودائرهم هو : الجهل ورذائل الاخلاق . ودوائهم من ذلك : تزكية نفوسهم بما فيه من الحثّ على مكارم الاخلاق ، والتحلَّى بالكمالات النفسانية . ونظم ما بينهم : بما اشتمل عليه من القوانين المصلحيّة ، والحكمة السياسية ، والمدنية ، التي فيها نظام العالم ، واستقامة اموره .
منها : فعند ذلك لا يبقى بيت مدر ولا وبر ، إلَّا وأدخله الظَّلمة ترحة ، وأولجوا فيه نقمة ، فيومئذ لا يبقى لكم فى السّماء عاذر ، ولا فى الأرض ناصر ، أصفيتم بالأمر غير أهله ، وأوردتموه غير مورده ، وسينتقم اللَّه ممّن ظلم : مأكلا بمأكل ، ومشربا بمشرب : من مطاعم العلقم ، ومشارب الصّبر والمقر ، ولباس شعار الخوف ، ودثار السّيف ، وإنّما هم مطايا الخطيئات ، وزوامل الآثام ، فأقسم ثمّ أقسم لتنخمنّها أميّة من بعدى كما تلفظ النّخامة ، ثمّ لا تذوقها ولا تطعم بطعمها أبدا ما كرّ الجديدان .
اقول : سياق الكلام الإخبار عن حال بنى امية فى دولتهم من الظلم واستحقاقهم عند ذلك التغيير ، وكنى عنه : بعدم العاذر فى السماء ، والناصر فى الارض . والأمر امر الخلافة ، والتوبيخ والوعيد بالله لهم ، ولمن عدل بها عنه ، ومأكلا ومشربا نصب بفعل مضمر اي : يبدّلهم الله مأكلا بمأكل . واستعار لفظ العلقم والصبر والمقر وهو : المرّ لما يتجرّعونه من شدائد القتل وزوال الدولة .
وافاد بعض الشارحين انّه انّما خصص الخوف بالشعار ، لأنه باطن فى القلوب ، والسيف بالدثار ، لانّه ظاهر كما انّ الشعار : ما كان يلي الحديد ، والدثار : ما كان فوقه ، واستعار لهم لفظ المطايا . والزوامل : جمع زاملة للحمل يستظهر به الانسان فى سفره باعتبار حملهم للخطايا . ووصف التنخم لزوال الخلافة عنهم ، فكأنهم قذفوها من أفواههم كالنخامة . وأمّا هنا بمعنى : المدّة . والجديدان : الليل ، والنهار .
158 - ومن خطبة له عليه السّلام ولقد أحسنت جواركم ، وأحطت بجهدى من ورائكم : وأعتقتكم من ربق الذّلّ ، وحلق الضّيم ، شكرا منّى للبرّ القليل وإطراقا عمّا أدركه البصر ، وشهده البدن من المنكر الكثير .
استعار لفظ الربق ، والحلق : لما يخاف عليهم من دولة غيره من الأرذال . والبر القليل اى : منهم وهو : طاعتهم القليلة له . والمنكر الكثير : منكرهم ، ويحمل اطرافه عنه على عدم تمكَّنه من ازالته لاستلزام ذلك مفسدة اكثر منه ، والتجاوز عن بعض الإساءات المنكرة من الرعيّة ، كالضّروري فى تدبّر الدولة .
159 - ومن خطبة له عليه السّلام أمره قضاء وحكمة ، ورضاه أمان ورحمة ، يقضى بعلم ، ويعفو بحلم اللَّهمّ . لك الحمد على ما تأخذ وتعطى ، وعلى ما تعافى وتبتلى ، حمدا يكون أرضى الحمد لك ، وأحبّ الحمد اليك ، وأفضل الحمد عندك ، حمدا يملأ ما خلقت ، ويبلغ ما أردت ، حمدا لا يحجب عنك ، ولا يقصر دونك ، حمدا لا ينقطع عدده ، ولا يفنى مدده ، فلسنا نعلم كنه عظمتك ، إلَّا أنّا نعلم أنّك حىّ قيّوم لا تأخذك سنة ولا نوم ، لم ينته اليك نظر ، ولم يدركك بصر ، أدركت الأبصار ، وأحصيت الأعمار ، وأخذت بالنّواصى والأقدام ، وما الَّذى نرى من خلقك ونعجب له من قدرتك ، ونصفه من عظيم سلطانك ، وما تغيّب عنّا منه ، وقصرت أبصارنا عنه ، وانتهت عقولنا دونه ، وحالت ستور الغيوب بيننا وبينه ، أعظم فمن فرّغ قلبه ، وأعمل فكره ، ليعلم كيف أقمت عرشك ، وكيف ذرأت خلقك ، وكيف علَّقت فى الهواء سمواتك ، وكيف مددت على مور الماء أرضك ، رجع طرفه حسيرا ، وعقله مبهورا ، وسمعه والها وفكره حائرا .
أقول : أمره : حكم قدرته الالهية ، وكونه قضاء اى : حكما لازما لا يردّ . وكونه حكمة : كونه على وفق الحكمة الالهية والنظام الأكمل ، ورضاه يعود الى علمه بطاعة العبد له ، وعفوه يعود الى عدم عقابه للمذنبين . وانّما يتحقق العفو مع القدرة على العقاب فلذلك قال : يعفو بحلم . وقوله : فلسنا الى آخره : اعتراف بالعجز عن ادراك كنه عظمته ، واشار الى بيان وجه معرفته الممكنة للخلق ، وهى امّا بالصفات الحقيقيّة ، لكونه حيا او بالاعتبارات السلبيّة لكونه لا تأخذه سنة ولا نوم ، ولا ينتهى اليه نظر عقلىّ او بصرىّ ،
او الاضافية لكونه مدركا للأبصار محصيا للأعمال آخذا بالنواصى والاقدام . و « ما » فى قوله : وما الَّذى : استفهامية على سبيل الاستحقار لما استفهم عنه مما عدّده من المدركات بالنسبة الى ما لم يدرك من عظيم ملكوته . و « ما » الثّانية فى قوله : وما يغيب : بمعنى الَّذى محله الرفع بالابتداء وخبره اعظم . والواو فيها للحال . ومبهورا : مغلوبا . وباقى الفصل ظاهر .
منها : يدّعى بزعمه أنه يرجو اللَّه كذب والعظيم ما باله لا يتبيّن رجاؤه فى عمله ، فكلّ من رجا عرف رجاؤه فى عمله ، إلَّا رجاء اللَّه فإنّه مدخول ، وكلّ خوف محقّق ، إلَّا خوف اللَّه فإنّه معلول : يرجو اللَّه فى الكبير ، ويرجو العباد فى الصّغير ، فيعطى العبد ما لا يعطى الرّبّ ، فما بال اللَّه ، جلّ ثناؤه ، يقصّر به عمّا يصنع لعباده أتخاف أن تكون فى رجائك له كاذبا ، أو تكون لا تراه للرّجاء موضعا ، وكذلك إن هو خاف عبدا من عبيده أعطاه من خوفه مالا يعطى ربّه ، فجعل خوفه من العباد نقدا ، وخوفه من خالقهم ضمارا ووعدا ، وكذلك من عظمت الدّنيا فى عينه وكبر موقعها فى قلبه ، آثرها على اللَّه فانقطع إليها وصار عبدا لها . وقد كان فى رسول اللَّه ، صلَّى اللَّه عليه وآله ، كاف لك فى الأسوة ودليل لك على ذمّ الدنيا وعيبها ، وكثرة مخازيها ومساويها ، إذ قبضت عنه أطرافها ، ووطَّئت لغيره أكنافها ، وفطم عن رضاعها ، وزوى عن زخارفها ، وإن شئت ثنّيت بموسى كليم اللَّه ، صلَّى اللَّه عليه وآله ، إذ يقول : * ( ( فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ ) ) *[1]واللَّه ما سأله إلَّا خبزا يأكله ، لأنّه كان يأكل بقلة الأرض . ولقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه لهزاله وتشذّب لحمه ، وإن شئت ثلَّثت بداود ، صلَّى اللَّه عليه وآله صاحب المزامير ، وقارئ أهل الجنّة ، فلقد كان يعمل سفائف الخوص بيده ، ويقول لجلسائه : أيّكم يكفيني بيعها ويأكل قرص الشّعير من ثمنها ، وإن شئت قلت فى عيسى بن مريم ، عليه السّلام ، فلقد كان يتوسّد الحجر ويلبس الخشن ، ويأكل الجشب وكان إدامه الجوع وسراجه باللَّيل
[1]سورة القصص - 24 .
القمر ، وظلاله فى الشّتاء مشارق الأرض ومغاربها ، وفاكهته وريحانه ما تنبت الأرض للبهائم ، ولم تكن له زوجة تفتنه ، ولا ولد يحزنه ، ولا مال يلفته ، ولا طمع يذلَّه ، دابّته رجلاه ، وخادمه يداه . فتأسّ بنبيّك الأطيب الأطهر ، صلَّى اللَّه عليه وآله ، فإنّ فيه أسوة لمن تأسّى ، وعزاء لمن تعزّى ، وأحبّ العباد إلى اللَّه المتأسّى بنبيّه ، والمقتصّ لأثره : قضم الدّنيا قضما ، ولم يعرها طرفا ، أهضم أهل الدّنيا كشحا ، وأخمصهم من الدّنيا بطنا ، عرضت عليه الدّنيا فأبى أن يقبلها ، وعلم أنّ اللَّه سبحانه أبغض شيئا فأبغضه ، وحقر شيئا فحقره ، وصغّر شيئا فصغّره ، ولو لم يكن فينا إلَّا حبّنا ما أبغض اللَّه ورسوله ، وتعظيمنا ما صغّر اللَّه ورسوله ، لكفى به شقاقا للَّه ، ومحادّة عن أمر اللَّه ، ولقد كان ، صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، يأكل على الأرض ، ويجلس جلسة العبد ، ويخصف بيده نعله ، ويرقع بيده ثوبه ، ويركب الحمار العارى ، ويردف خلفه ، ويكون السّتر على باب بيته فتكون فيه التّصاوير فيقول : يا فلانه - لإحدى أزواجه - غيّبيه عنّى ، فإنّى إذا نظرت إليه ذكرت الدّنيا وزخارفها ، فأعرض عن الدّنيا بقلبه ، وأمات ذكرها من نفسه ، وأحبّ أن تغيب زينتها عن عينه ، لكيلا يتّخذ منها رياشا ، ولا يعتقدها قرارا ، ولا يرجو فيها مقاما ، فأخرجها من النّفس ، وأشخصها عن القلب ، وغيّبها عن البصر ، وكذلك من أبغض شيئا أبغض أن ينظر إليه ، وأن يذكر عنده . ولقد كان فى رسول اللَّه ، صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، ما يدلَّك على مساوى الدّنيا وعيوبها ، إذ جاع فيها مع خاصّته ، وزويت عنه زخارفها مع عظيم زلفته . فلينظر ناظر بعقله أكرم اللَّه محمّدا بذلك أم أهانه فإن قال : « أهانه » فقد كذب وأتى بالافك العظيم ، وإن قال : « أكرمه » فليعلم أنّ اللَّه قد أهان غيره حيث بسط الدّنيا له ، وزواها عن أقرب النّاس منه ، فتأسّى متأسّ بنبيّه ، واقتصّ أثره ، وولج مولجه ، وإلَّا فلا يأمن الهلكة ، فإنّ اللَّه جعل محمّدا ، صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، علما للسّاعة ، ومبشّرا بالجنّة ، ومنذرا بالعقوبة : خرج من الدّنيا خميصا ، وورد الآخرة سليما ، لم يضع حجرا على حجر حتّى مضى لسبيله ، وأجاب داعى ربّه ، فما أعظم منّة اللَّه عندنا حين أنعم علينا به سلفا نتّبعه ، وقائدا نطأ عقبه ، واللَّه لقد رقعت مدرعتى هذه حتّى استحييت من راقعها ، ولقد قال لى قائل : ألا تنبذها عنك فقلت : اغزب عنّى « فعند الصّباح يحمد القوم السّرى » .
اقول : مساق الكلام ذمّ من يرجو اللَّه بلا عمل فهو كالمدّعى للرجاء ، وتنبيه ان رجاءه ليس[1]بخالص بتكذيبه ، والاشارة الى تقصيره فى العمل وتوبيخه عليه .
والمدخول : غير الخالص . وقوله : ما باله ، الى قوله : عمله ، قياس من الشكل الثاني ، بيّن فيه ، انّ المقصّر غير راج الرجاء التام ، وتلخيصه : انّ هذا المدّعى لا يتبين رجاؤه فى عمله ، وكل من رجا يتّبين رجاؤه فى عمله ، فينتج : انّ هذا المدّعى للرجاء غير راج ، وتقدير الاستثناء مع المستثنى منه ، وكل رجاء لراج تعريف فى عمله خلوص رجائه الَّا رجاء الراجى للَّه فانّه غير خالص . وروى : فكل رجاء الَّا رجاء اللَّه فأنه مدخول . والتقدير : وكل رجاء محقّق او خالص ليطابق الكليّتين على مساق واحد . والضمار : مالا يرجى من الوعد . وقبض اطراف الدنيا عنه كناية : عن منعه منهما . والأكناف : الجوانب . وزوى : غيّب . واستعار لفظ الادام : للجوع . ولفظ السراج : للقمر ، والظلال لمشارق الارض ومغاربها . وخص التأسّى بمحمد صلى اللَّه عليه وآله ، لكونه مستجمعا لجميع هدى من سبق فالمقتدى به مقتد بجميعهم . والقضم : الأكل بأدنى الفم . والهضيم الخميص : لقلة الأكل . والكشح : الخاصرة . والمحادّة : المعاداة . وجلسة العبد : كما فى التشهّد . والرياش : الزينة . والاخلاق الكريمة التي عدّدها فيه صلى اللَّه عليه وآله هى : الامور المقتدى به فيها . والزلفة : القربة والمنزلة . وقوله : فتأسى : خبر فى معنى الأمر بالتأسيّ . والنبذ : الالقاء . واغرب : تباعد . وقوله : فعند الصباح ، الى قوله : السرى ، مثل : يضرب لمحتمل المشقة ليصل الى الراحة . واصله : انّ القوم يسيرون ليلا فيحمدون عاقبة ذلك بقرب المنزل اذا اصبحوا ،[2]ومطابقة الصباح لاتصال النفس العاقلة بالملأ الأعلى ، واشراق نور الحق عليها عند مفارقة ظلمة البدن ، والهيئات الدنيوية بالرياضة الكاملة التي عندها يحمد عواقب الصبر على مكاره الدنيا ، ومعاناة شدائدها مطابقة ظاهره حسنة الموقع .
[1]في ش : غير خالص
[2]مجمع الامثال 2 - 3 . المستقصى فى امثال العرب 2 - 186 .
160 - ومن خطبة له عليه السّلام بعثه بالنّور المضيء ، والبرهان الجلىّ ، والمنهاج البادى ، والكتاب الهادى : أسرته خير أسرة ، وشجرته خير شجرة : أغصانها معتدلة ، وثمارها متهدّلة مولده بمكَّة ، وهجرته بطيبة ، علابها ذكره ، وامتدّ بها صوته . أرسله بحجّة كافية ، وموعظة شافية ، ودعوة متلافية ، أظهر به الشّرائع المجهولة ، وقمع به البدع المدخولة ، وبيّن به الأحكام المفصولة ، فمن يبتغ غير الإسلام دينا تتحقّق شقوته ، وتنفصم عروته ، وتعظم كبوته ، ويكن مآبه إلى الحزن الطَّويل ، والعذاب الوبيل . وأتوكَّل على اللَّه توكَّل الإنابة إليه ، وأسترشده السّبيل الموديّة إلى جنّته ، القاصدة إلى محلّ رغبته . أوصيكم عباد اللَّه بتقوى اللَّه وطاعته ، فإنّها النّجاة غدا ، والمنجاة أبدا ، رهّب فأبلغ ، ورغَّب فأسبغ ، ووصف لكم الدّنيا وانقطاعها وزوالها وانتقالها ، فأعرضوا عمّا يعجبكم فيها لقلَّة ما يصحبكم منها . أقرب دار من سخط اللَّه ، وأبعدها من رضوان اللَّه فغضّوا عنكم عباد اللَّه غمومها وأشغالها لما أيقنتم به من فراقها وتصرّف حالها ، فاحذروها حذر الشّفيق النّاصح ، والمجدّ الكادح ، واعتبروا بما قد رأيتم من مصارع القرون قبلكم : قد تزايلت أوصالهم ، وزالت أبصارهم وأسماعهم ، وذهب شرفهم وعزّهم ، وانقطع سرورهم ونعيمهم ، فبدّلوا بقرب الأولاد فقدها ، وبصحبة الأزواج مفارقتها ، لا يتفاخرون ، ولا يتناسلون ، ولا يتزاورون ، ولا يتجاورون . فاحذروا عباد اللَّه حذر الغالب لنفسه ، المانع لشهوته ، النّاظر بعقله ، فإنّ الأمر واضح ، والعلم قائم ، والطَّريق جدد ، والسّبيل قصد .
اقول : استعار لفظ النور : لهدى النبوّة . والبرهان الجلىّ : المعجزات ، والمنهاج البادى : شريعته الواضحة واسرته : اهله ، واستعار لفظ الشجرة : لقريش ، ولفظ الأغصان : لأشخاص بيته صلى اللَّه عليه وآله ، واعتدال هذه الاغصان : تقاربهم فى الفضل ، ولفظ الثمار : لفضائلهم العلميّة والعملَّية . ولفظ التهدّل : لظهورها وكثرتها ، وسهولة الانتفاع بها . وطيبة : اسم للمدينة . وامتداد ضوئه كناية : عن انتشار دعوته . وتلافى دعوته : تداركها للخلق ، وانقاذهم اياهم من الهلكة . والشرائع المجهولة : طرق
دينه ، والمدخولة : التي فيها . دخل بالتحريك اى : عيب ، وعروته : استعارة فى متمسكه من عصم النجاة . والوبيل : المهلك . والضمير فى رهّب ورغَّب للَّه . والاعراض عن الدنيا هو : الزهد الحقيقىّ . وغضّ غمومها : كفّها . والكادح : المجدّ فى السّعى والعمل ، والغالب لنفسه اى : الأمّارة بالسوء . الناظر بعين عقله مقابح شهوته . والأمر الواضح : سبيل الخير والشرّ . والعلم القائم : كتاب اللَّه ودينه . والفصل واضح .
161 - ومن كلام له عليه السّلام لبعض أصحابه وقد سأله : كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحق به فقال : يا أخا بنى أسد ، إنّك لقلق الوضين ، ترسل فى غير سدد ولك بعد ذمامة الصّهر وحقّ المسألة ، وقد استعلمت فاعلم : أمّا الاستبداد علينا بهذا المقام - ونحن الأعلون نسبا ، والأشدّون برسول اللَّه ، صلَّى اللَّه عليه وآله ، نوطا - فإنّها كانت أثرة شحّت عليها نفوس قوم ، وسخت عنها نفوس آخرين ، والحكم اللَّه والمعود إليه يوم القيامة .
< شعر > ودع عنك نهبا صيح فى حجراته < / شعر > وهلمّ الخطب فى ابن أبى سفيان فلقد أضحكنى الدّهر بعد إبكائه ، ولا غرو واللَّه فيا له خطبا يستفرغ العجب ويكثر الأود ، حاول القوم إطفاء نور اللَّه من مصباحه ، وسدّ فوّاره من ينبوعه . وجدحوا بينى وبينهم شربا وبيئا . فإن ترتفع عنّا وعنهم محن البلوى أحملهم من الحقّ على محضه ، وإن تكن الأخرى * ( ( فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ ، إِنَّ الله عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ ) ) * .[1]اقول : الوضين : الحزام . والمثل يقال : لمن لا يتثبت في قوله : والسدد : الصواب .
والذمامة بالكسر : الحرمة . وامّا كون الأسدى صهرا فلان زينب بنت جحش زوجة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله كانت اسديّة وامّها ميمونة بنت عبد المطلب ، فهى بنت عمة رسول اللَّه . قالوا : والمصاهرة المشار اليها هذه . وقيل : بل كان على عليه السلام متزوّجا
[1]سورة فاطر - 8 .