او الاضافية لكونه مدركا للأبصار محصيا للأعمال آخذا بالنواصى والاقدام . و « ما » فى قوله : وما الَّذى : استفهامية على سبيل الاستحقار لما استفهم عنه مما عدّده من المدركات بالنسبة الى ما لم يدرك من عظيم ملكوته . و « ما » الثّانية فى قوله : وما يغيب : بمعنى الَّذى محله الرفع بالابتداء وخبره اعظم . والواو فيها للحال . ومبهورا : مغلوبا . وباقى الفصل ظاهر .
منها : يدّعى بزعمه أنه يرجو اللَّه كذب والعظيم ما باله لا يتبيّن رجاؤه فى عمله ، فكلّ من رجا عرف رجاؤه فى عمله ، إلَّا رجاء اللَّه فإنّه مدخول ، وكلّ خوف محقّق ، إلَّا خوف اللَّه فإنّه معلول : يرجو اللَّه فى الكبير ، ويرجو العباد فى الصّغير ، فيعطى العبد ما لا يعطى الرّبّ ، فما بال اللَّه ، جلّ ثناؤه ، يقصّر به عمّا يصنع لعباده أتخاف أن تكون فى رجائك له كاذبا ، أو تكون لا تراه للرّجاء موضعا ، وكذلك إن هو خاف عبدا من عبيده أعطاه من خوفه مالا يعطى ربّه ، فجعل خوفه من العباد نقدا ، وخوفه من خالقهم ضمارا ووعدا ، وكذلك من عظمت الدّنيا فى عينه وكبر موقعها فى قلبه ، آثرها على اللَّه فانقطع إليها وصار عبدا لها . وقد كان فى رسول اللَّه ، صلَّى اللَّه عليه وآله ، كاف لك فى الأسوة ودليل لك على ذمّ الدنيا وعيبها ، وكثرة مخازيها ومساويها ، إذ قبضت عنه أطرافها ، ووطَّئت لغيره أكنافها ، وفطم عن رضاعها ، وزوى عن زخارفها ، وإن شئت ثنّيت بموسى كليم اللَّه ، صلَّى اللَّه عليه وآله ، إذ يقول : * ( ( فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ ) ) *[1]واللَّه ما سأله إلَّا خبزا يأكله ، لأنّه كان يأكل بقلة الأرض . ولقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه لهزاله وتشذّب لحمه ، وإن شئت ثلَّثت بداود ، صلَّى اللَّه عليه وآله صاحب المزامير ، وقارئ أهل الجنّة ، فلقد كان يعمل سفائف الخوص بيده ، ويقول لجلسائه : أيّكم يكفيني بيعها ويأكل قرص الشّعير من ثمنها ، وإن شئت قلت فى عيسى بن مريم ، عليه السّلام ، فلقد كان يتوسّد الحجر ويلبس الخشن ، ويأكل الجشب وكان إدامه الجوع وسراجه باللَّيل
[1]سورة القصص - 24 .
القمر ، وظلاله فى الشّتاء مشارق الأرض ومغاربها ، وفاكهته وريحانه ما تنبت الأرض للبهائم ، ولم تكن له زوجة تفتنه ، ولا ولد يحزنه ، ولا مال يلفته ، ولا طمع يذلَّه ، دابّته رجلاه ، وخادمه يداه . فتأسّ بنبيّك الأطيب الأطهر ، صلَّى اللَّه عليه وآله ، فإنّ فيه أسوة لمن تأسّى ، وعزاء لمن تعزّى ، وأحبّ العباد إلى اللَّه المتأسّى بنبيّه ، والمقتصّ لأثره : قضم الدّنيا قضما ، ولم يعرها طرفا ، أهضم أهل الدّنيا كشحا ، وأخمصهم من الدّنيا بطنا ، عرضت عليه الدّنيا فأبى أن يقبلها ، وعلم أنّ اللَّه سبحانه أبغض شيئا فأبغضه ، وحقر شيئا فحقره ، وصغّر شيئا فصغّره ، ولو لم يكن فينا إلَّا حبّنا ما أبغض اللَّه ورسوله ، وتعظيمنا ما صغّر اللَّه ورسوله ، لكفى به شقاقا للَّه ، ومحادّة عن أمر اللَّه ، ولقد كان ، صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، يأكل على الأرض ، ويجلس جلسة العبد ، ويخصف بيده نعله ، ويرقع بيده ثوبه ، ويركب الحمار العارى ، ويردف خلفه ، ويكون السّتر على باب بيته فتكون فيه التّصاوير فيقول : يا فلانه - لإحدى أزواجه - غيّبيه عنّى ، فإنّى إذا نظرت إليه ذكرت الدّنيا وزخارفها ، فأعرض عن الدّنيا بقلبه ، وأمات ذكرها من نفسه ، وأحبّ أن تغيب زينتها عن عينه ، لكيلا يتّخذ منها رياشا ، ولا يعتقدها قرارا ، ولا يرجو فيها مقاما ، فأخرجها من النّفس ، وأشخصها عن القلب ، وغيّبها عن البصر ، وكذلك من أبغض شيئا أبغض أن ينظر إليه ، وأن يذكر عنده . ولقد كان فى رسول اللَّه ، صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، ما يدلَّك على مساوى الدّنيا وعيوبها ، إذ جاع فيها مع خاصّته ، وزويت عنه زخارفها مع عظيم زلفته . فلينظر ناظر بعقله أكرم اللَّه محمّدا بذلك أم أهانه فإن قال : « أهانه » فقد كذب وأتى بالافك العظيم ، وإن قال : « أكرمه » فليعلم أنّ اللَّه قد أهان غيره حيث بسط الدّنيا له ، وزواها عن أقرب النّاس منه ، فتأسّى متأسّ بنبيّه ، واقتصّ أثره ، وولج مولجه ، وإلَّا فلا يأمن الهلكة ، فإنّ اللَّه جعل محمّدا ، صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، علما للسّاعة ، ومبشّرا بالجنّة ، ومنذرا بالعقوبة : خرج من الدّنيا خميصا ، وورد الآخرة سليما ، لم يضع حجرا على حجر حتّى مضى لسبيله ، وأجاب داعى ربّه ، فما أعظم منّة اللَّه عندنا حين أنعم علينا به سلفا نتّبعه ، وقائدا نطأ عقبه ، واللَّه لقد رقعت مدرعتى هذه حتّى استحييت من راقعها ، ولقد قال لى قائل : ألا تنبذها عنك فقلت : اغزب عنّى « فعند الصّباح يحمد القوم السّرى » .
اقول : مساق الكلام ذمّ من يرجو اللَّه بلا عمل فهو كالمدّعى للرجاء ، وتنبيه ان رجاءه ليس[1]بخالص بتكذيبه ، والاشارة الى تقصيره فى العمل وتوبيخه عليه .
والمدخول : غير الخالص . وقوله : ما باله ، الى قوله : عمله ، قياس من الشكل الثاني ، بيّن فيه ، انّ المقصّر غير راج الرجاء التام ، وتلخيصه : انّ هذا المدّعى لا يتبين رجاؤه فى عمله ، وكل من رجا يتّبين رجاؤه فى عمله ، فينتج : انّ هذا المدّعى للرجاء غير راج ، وتقدير الاستثناء مع المستثنى منه ، وكل رجاء لراج تعريف فى عمله خلوص رجائه الَّا رجاء الراجى للَّه فانّه غير خالص . وروى : فكل رجاء الَّا رجاء اللَّه فأنه مدخول . والتقدير : وكل رجاء محقّق او خالص ليطابق الكليّتين على مساق واحد . والضمار : مالا يرجى من الوعد . وقبض اطراف الدنيا عنه كناية : عن منعه منهما . والأكناف : الجوانب . وزوى : غيّب . واستعار لفظ الادام : للجوع . ولفظ السراج : للقمر ، والظلال لمشارق الارض ومغاربها . وخص التأسّى بمحمد صلى اللَّه عليه وآله ، لكونه مستجمعا لجميع هدى من سبق فالمقتدى به مقتد بجميعهم . والقضم : الأكل بأدنى الفم . والهضيم الخميص : لقلة الأكل . والكشح : الخاصرة . والمحادّة : المعاداة . وجلسة العبد : كما فى التشهّد . والرياش : الزينة . والاخلاق الكريمة التي عدّدها فيه صلى اللَّه عليه وآله هى : الامور المقتدى به فيها . والزلفة : القربة والمنزلة . وقوله : فتأسى : خبر فى معنى الأمر بالتأسيّ . والنبذ : الالقاء . واغرب : تباعد . وقوله : فعند الصباح ، الى قوله : السرى ، مثل : يضرب لمحتمل المشقة ليصل الى الراحة . واصله : انّ القوم يسيرون ليلا فيحمدون عاقبة ذلك بقرب المنزل اذا اصبحوا ،[2]ومطابقة الصباح لاتصال النفس العاقلة بالملأ الأعلى ، واشراق نور الحق عليها عند مفارقة ظلمة البدن ، والهيئات الدنيوية بالرياضة الكاملة التي عندها يحمد عواقب الصبر على مكاره الدنيا ، ومعاناة شدائدها مطابقة ظاهره حسنة الموقع .
[1]في ش : غير خالص
[2]مجمع الامثال 2 - 3 . المستقصى فى امثال العرب 2 - 186 .
160 - ومن خطبة له عليه السّلام بعثه بالنّور المضيء ، والبرهان الجلىّ ، والمنهاج البادى ، والكتاب الهادى : أسرته خير أسرة ، وشجرته خير شجرة : أغصانها معتدلة ، وثمارها متهدّلة مولده بمكَّة ، وهجرته بطيبة ، علابها ذكره ، وامتدّ بها صوته . أرسله بحجّة كافية ، وموعظة شافية ، ودعوة متلافية ، أظهر به الشّرائع المجهولة ، وقمع به البدع المدخولة ، وبيّن به الأحكام المفصولة ، فمن يبتغ غير الإسلام دينا تتحقّق شقوته ، وتنفصم عروته ، وتعظم كبوته ، ويكن مآبه إلى الحزن الطَّويل ، والعذاب الوبيل . وأتوكَّل على اللَّه توكَّل الإنابة إليه ، وأسترشده السّبيل الموديّة إلى جنّته ، القاصدة إلى محلّ رغبته . أوصيكم عباد اللَّه بتقوى اللَّه وطاعته ، فإنّها النّجاة غدا ، والمنجاة أبدا ، رهّب فأبلغ ، ورغَّب فأسبغ ، ووصف لكم الدّنيا وانقطاعها وزوالها وانتقالها ، فأعرضوا عمّا يعجبكم فيها لقلَّة ما يصحبكم منها . أقرب دار من سخط اللَّه ، وأبعدها من رضوان اللَّه فغضّوا عنكم عباد اللَّه غمومها وأشغالها لما أيقنتم به من فراقها وتصرّف حالها ، فاحذروها حذر الشّفيق النّاصح ، والمجدّ الكادح ، واعتبروا بما قد رأيتم من مصارع القرون قبلكم : قد تزايلت أوصالهم ، وزالت أبصارهم وأسماعهم ، وذهب شرفهم وعزّهم ، وانقطع سرورهم ونعيمهم ، فبدّلوا بقرب الأولاد فقدها ، وبصحبة الأزواج مفارقتها ، لا يتفاخرون ، ولا يتناسلون ، ولا يتزاورون ، ولا يتجاورون . فاحذروا عباد اللَّه حذر الغالب لنفسه ، المانع لشهوته ، النّاظر بعقله ، فإنّ الأمر واضح ، والعلم قائم ، والطَّريق جدد ، والسّبيل قصد .
اقول : استعار لفظ النور : لهدى النبوّة . والبرهان الجلىّ : المعجزات ، والمنهاج البادى : شريعته الواضحة واسرته : اهله ، واستعار لفظ الشجرة : لقريش ، ولفظ الأغصان : لأشخاص بيته صلى اللَّه عليه وآله ، واعتدال هذه الاغصان : تقاربهم فى الفضل ، ولفظ الثمار : لفضائلهم العلميّة والعملَّية . ولفظ التهدّل : لظهورها وكثرتها ، وسهولة الانتفاع بها . وطيبة : اسم للمدينة . وامتداد ضوئه كناية : عن انتشار دعوته . وتلافى دعوته : تداركها للخلق ، وانقاذهم اياهم من الهلكة . والشرائع المجهولة : طرق
دينه ، والمدخولة : التي فيها . دخل بالتحريك اى : عيب ، وعروته : استعارة فى متمسكه من عصم النجاة . والوبيل : المهلك . والضمير فى رهّب ورغَّب للَّه . والاعراض عن الدنيا هو : الزهد الحقيقىّ . وغضّ غمومها : كفّها . والكادح : المجدّ فى السّعى والعمل ، والغالب لنفسه اى : الأمّارة بالسوء . الناظر بعين عقله مقابح شهوته . والأمر الواضح : سبيل الخير والشرّ . والعلم القائم : كتاب اللَّه ودينه . والفصل واضح .
161 - ومن كلام له عليه السّلام لبعض أصحابه وقد سأله : كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحق به فقال : يا أخا بنى أسد ، إنّك لقلق الوضين ، ترسل فى غير سدد ولك بعد ذمامة الصّهر وحقّ المسألة ، وقد استعلمت فاعلم : أمّا الاستبداد علينا بهذا المقام - ونحن الأعلون نسبا ، والأشدّون برسول اللَّه ، صلَّى اللَّه عليه وآله ، نوطا - فإنّها كانت أثرة شحّت عليها نفوس قوم ، وسخت عنها نفوس آخرين ، والحكم اللَّه والمعود إليه يوم القيامة .
< شعر > ودع عنك نهبا صيح فى حجراته < / شعر > وهلمّ الخطب فى ابن أبى سفيان فلقد أضحكنى الدّهر بعد إبكائه ، ولا غرو واللَّه فيا له خطبا يستفرغ العجب ويكثر الأود ، حاول القوم إطفاء نور اللَّه من مصباحه ، وسدّ فوّاره من ينبوعه . وجدحوا بينى وبينهم شربا وبيئا . فإن ترتفع عنّا وعنهم محن البلوى أحملهم من الحقّ على محضه ، وإن تكن الأخرى * ( ( فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ ، إِنَّ الله عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ ) ) * .[1]اقول : الوضين : الحزام . والمثل يقال : لمن لا يتثبت في قوله : والسدد : الصواب .
والذمامة بالكسر : الحرمة . وامّا كون الأسدى صهرا فلان زينب بنت جحش زوجة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله كانت اسديّة وامّها ميمونة بنت عبد المطلب ، فهى بنت عمة رسول اللَّه . قالوا : والمصاهرة المشار اليها هذه . وقيل : بل كان على عليه السلام متزوّجا
[1]سورة فاطر - 8 .
فى بنى اسد . والنوط : التعلَّق . والأثرة : الاستبداد بالشىء ، يقال : لما يستبدّ به ، والمراد : الخلافة . والبيت لامرئ القيس ، وأصله انه تنقل فى احياء العرب بعد قتل أبيه ، فنزل على رجل من جديله طىّ يقال له طريف فأحسن جواره فمدحه واقام معه . ثمّ إنّه خاف ان لا يمنعه فتحوّل عنه ، ونزل على خالد بن سدوس بن اسمع النبهانى ، فأغارت بنو جديله عليه وهو فى جوار خالد ، فذهبوا بإبله فلما أتاه الخبر ذكر ذلك لخالد ، فقال له : اعطنى رواحلك ألحق عليها ، فاردّ عليك ابلك ففعل ، فركب خالد فى اثر القوم حتى ادركهم ، فقال : يا بنى جديله اغرتم على ابل جارى قالوا : ما هو لك بجار ، قال : بلى واللَّه ، وهذه رواحله . فرجعوا اليه ، فأنزلوه عنهن وذهبوا بهن وبالابل ، فقال امرؤ القيس القصيدة التي اوّلها البيت :
< شعر > فدع عنك نهبا صيح فى حجراته وهات حديثا ما حديث الرواحل < / شعر > والنهب : المنهوب . وحجراته : جوانبه . وحديث الثاني : مبتدا ، والأوّل : خبره ، وما : للتنكير ، وهى التي اذا دخلت على اسم زادته ايهاما ، كقوله : لأمر ما جدع قصير انفه واراد : انّى لا ادرى كيف هو وذلك انه قيل : ان خالدا هو الَّذى ذهب بالرواحل فكان عنده شكّ فى امرها . فأما مطابقته لما هو فيه فهو انّ الائمة السابقين وان كانوا قد استبدّوا بهذا الأمر فحديثهم مفهوم : اذ لهم الشبهة بالقدمة فى الاسلام ، والهجرة ، وقرب المنزلة من الرسول فدع ذكرهم وذكر نهبهم لهذا المقام فيما سبق ، ولكن هات ما نحن فيه الآن من خطب معاوية ، والخطب الحادث . ولا غرو اى : لا عجب . والأود : الاعوجاج . والقوم : قريش . واستعار لفظ المصباح : لنفسه لانّ انوار دين اللَّه تقتبس منه . ولفظ الينبوع اذ هو منبع ما يفوز من العلوم التي هى ماء الحياة الأبدية . ولفظ الشرب الوبىء : لما حصل فى صدورهم من الاحن بسبب هذا الأمر حتى لزم عنه القتل ، والقتال الى يوم القيامة . ووصف الجدح بالجيم بعده الحاء وهو : الخلط للكدر الواقع بينهم واختلاط الامر بسبب ذلك . ومحن البلوى : المحن ممّا ابتلاهم اللَّه به من الخلاف . ومحض الشيء : خالصة .
162 - ومن خطبة له عليه السّلام الحمد للَّه خالق العباد ، وساطح المهاد ، ومسيل الوهاد ، ومخصب النّجاد ليس لأوّليّته ابتداء ، ولا لأزليّته انقضاء ، هو الأوّل لم يزل ، والباقى بلا أجل خرّت له الجباه ، ووحّدته الشّفاه ، حدّ الأشياء عند خلقه لها إبانة له من شبهها ، لا تقدّره الأوهام بالحدود والحركات ، ولا بالجوارح والأدوات لا يقال له : « متى » ولا يضرب له أمد بحتّى ، الظَّاهر لا يقال « ممّا » ، والباطن لا يقال « فيما » ، لا شبح فيتقضّى ، ولا محجوب فيحوى . لم يقرب من الأشياء بالتصاق ، ولم يبعد عنها بافتراق ، لا يخفى عليه من عباده شخوص لحظة ، ولا كرور لفظة ، ولا ازدلاف ربوة ، ولا انبساط خطوة فى ليل داج ، ولا غسق ساج ، يتفيّأ عليه القمر المنير ، وتعقبه الشّمس ذات النّور ، فى الأفول والكرور ، وتقلَّب الأزمنة والدّهور ، من إقبال ليل مقبل ، وإدبار نهار مدبر ، قبل كلّ غاية ومدّة ، وكلّ إحصاء وعدّة ، تعالى عمّا ينحله ، المحدّدون من صفات الأقدار ، ونهايات الأقطار ، وتأثّل المساكن ، وتمكَّن الأماكن : فالحدّ لخلقه مضروب ، وإلى غيره منسوب ، لم يخلق الأشياء ، من أصول أزليّة ، ولا من أوائل أبديّة ، بل خلق ما خلق فأقام حدّه ، وصوّر ما صوّر ، فأحسن صورته ، ليس لشيء منه امتناع ، ولا له بطاعة شيء انتفاع . علمه بالأموات الماضين كعلمه بالأحياء الباقين وعلمه بما فى السّموات العلى كعلمه بما فى الأرضين السّفلى .
أقول : ساطع المهاد : جاعل الأرض مهادا للحيوان . والوهاد : جمع وهدة وهى : المطمئن من الأرض . والنجاد جمع نجد وهو : المرتفع منها . واشار بعدم ابتداء اوليّته : الى قدمه لذاته وبعدم انقضاء ازليّته : الى سلب الغاية عن وجوده . وحدّه للاشياء : جعلها ذات حدود ، ونهايات من اجزاء واشكال ، واقطار تنتهى بها . ولما ظهر من خلقه تعالى للموجودات انّه مباين لها بذاته اشبهت ارادته لأيجادها قصد إبانته منها ، فاستعار لفظها لتميزه بذاته عنها . ولما كانت الأوهام لا تدركه لا جرم لم يمكن تقديرها ايّاه بما من شأنها الادراك به مما عدّد ، ولما تنزّه عن الزمان والمادة والمكان لم تصدق عليه الألفاظ المقولة بحسبها . وشخوص اللحظة مدّ البصر . وازدلاف الربوة : تقدّمها اى : الربوة
المتقدّمة . والضمير فى « عليه » للغسق . وفى تعقبه للقمر . وقوله : من اقبال ليل : متعلق بتقليب . والبدئة : المبتدأة ، واشار بتشابه علمه فى الماضين والباقين ، وبما فى السماوات والأرضين : الى ازليّته وعدم تجدّده تغيره .
منها : أيّها المخلوق السّوىّ ، والمنشأ المرعىّ فى ظلمات الأرحام ومضاعفات الأستار ، بدئت من سلالة من طين ، ووضعت فى قرار مكين إلى قدر معلوم ، وأجل مقسوم ، تمور فى بطن أمّك جنينا : لا تحير دعاء ، ولا تسمع نداء ، ثمّ أخرجت من مقرّك إلى دار لم تشهدها ، ولم تعرف سبل منافعها ، فمن هداك لاجترار الغذاء من ثدى أمّك وعرّفك عند الحاجة مواضع طلبك وإرادتك هيهات إنّ من يعجز عن صفات ذى الهيئة والأدوات فهو عن صفات خالقه أعجز ، ومن تناوله بحدود المخلوقين أبعد .
اقول : الخطاب للإنسان . والسوىّ : مستوى الخلقة . والمرعى : المعتنى بأمره . ونبّه بكونه مخلوقا سويّا مرعيا فى اطوار خلقته وتقلَّبات حالاته الى غايته على وجود صانع حكيم لطيف خبير ، وهذا القدر من المعرفة هو الضّرورى للفطن ، وان احتاج الى تنبيه ما ، وما - وراء ذلك فامر لا تطلع العقول البشرية منه الَّا على اعتبارات ، ومقايسات له الى خلقه كما سبق بيانه . ونبّه على بعد ادراكه بقوله : هيهات ، الى قوله : والادوات اى : من يعجز عن صفات نفسه فى حال بخليقه ، والاطلاع على منافع جزئيات اعضائه مع كونها اقرب الاشياء اليه ، فهو عن وصف خالقه الذى هو ابعد الاشياء عنه مناسبة اعجز ، ومن ادراكه بالمقايسة ، والتشبيه بحدود المخلوقات وصفاتها أبعد .