172 - ومن خطبة له عليه السّلام أمين وحيه ، وخاتم رسله ، وبشير رحمته ، ونذير نقمته أيّها النّاس ، إنّ أحقّ النّاس بهذا الأمر أقواهم عليه ، وأعلمهم بأمر اللَّه فيه ، فإن شغب شاغب استعتب ، فإن أبى قوتل . ولعمرى لئن كانت الإمامة لا تنعقد حتّى تحضرها عامّة النّاس فما إلى ذلك سبيل ، ولكن أهلها يحكمون على من غاب عنها ، ثمّ ليس للشّاهد أن يرجع ، ولا للغائب أن يختار . ألا وإنّى أقاتل رجلين : رجلا ادّعى ما ليس له ، وآخر منع الَّذى عليه . أوصيكم عباد اللَّه بتقوى اللَّه ، فإنّها خير ما تواصى العباد به ، وخير عواقب الأمور عند اللَّه ، وقد فتح باب الحرب بينكم وبين أهل القبلة ، ولا يحمل هذا العلم إلَّا أهل البصر والصّبر ، والعلم بمواقع الحقّ ، فامضوا لما تؤمرون به ، وقفوا عند ما تنهون عنه ، ولا تعجلوا فى أمر حتّى تتبيّنوا ، فإنّ لنا مع كلّ أمر ، تنكرونه غيرا . ألا وإنّ هذه الدّنيا الَّتى أصبحتم تتمنّونها وترغبون فيها ، وأصبحت تغضبكم وترضيكم ، ليست بداركم ولا منزلكم الَّذى خلقتم له ولا الَّذى دعيتم إليه ، ألا وإنّها ليست بباقية لكم ، ولا تبقون عليها ، وهى وإن غرّتكم منها فقد حذّرتكم شرّها . فدعوا غرورها لتحذيرها ، وإطماعها لتخويفها ، وسابقوا فيها إلى الدّار الَّتى دعيتم إليها ، وانصرفوا بقلوبكم عنها ولا يخنن أحدكم خنين الأمة على ما زوى عنه منها ، واستتمّوا نعمة اللَّه عليكم بالصّبر على طاعة اللَّه ، والمحافظة على ما استحفظكم من كتابه . ألا وإنّه لا يضرّكم تضييع شيء من دنياكم بعد حفظكم قائمة دينكم . ألا وإنّه لا ينفعكم بعد تضييع دينكم شيء حافظتم عليه من أمر دنياكم ، أخذ اللَّه بقلوبنا وقلوبكم إلى الحقّ وألهمنا وإيّاكم الصّبر .
اقول : هذا اشارة الى صفات الامام الحق ، وهو كونه اقواهم على امر الخلافة ، أى : اقدرهم على تدبيرها عن علم واعملهم واعلمهم بأوامر اللَّه فيها ، وذلك يستلزم علمه بأصول الدين وفروعه ليضع الأعمال مواضعها ، وقد استلزم الوصف الاوّل : فضيلة
الشجاعة ، والثاني : فضيلتى العلم والعفة ، وتلزم الفضائل الثلاث فضيلة العدل .
وروى بعد قوله : واقواهم عليه ، واعلمهم به ، واعملهم بأمر اللَّه فيه ، وهذه الفضائل الأربع هى جماع مكارم الاخلاق وأصولها . وقوله : فان شغب شاغب ، اى : خرج باغ على الإمام . والشغب : الشرّ . والاستعتاب : طلب العتبى وهى : الرجوع الى الحق .
وقوله : ولعمرى ، الى قوله : ان يختار : جواب لما انكره معاوية واهل الشام ، من الاجماع على بيعته وانّه يحتاج فى انعقادها الى حضور جميع الناس . واشار الى انّ الاجماع على هذا الوجه غير ممكن ، وان امكن ففى غاية العسر بل المعتبر منه اتّفاق اهل الحلّ والعقد من امّة محمد صلى اللَّه عليه وآله ، على امر من الأمور وهم اهل الامامة الذين يحكمون على من غاب عنها . ثم ليس لمن حضرو رضى كطلحة والزبير ، ان يرجع ولا للغائب كمعاوية ، ان يختار ، وهذا هو رسم الاجماع الذى اتّفقت كلمة محقّقى الأصوليين عليه . وانّما احتيج بالاجماع حيث لم يسلم له النص على امامته ، والمدّعى ما ليس له بحق : كمعاوية للامامة ، والمانع للَّذى عليه : كطلحة والزبير فى منعهما ، ما له عليهما من الطاعة .
وقوله : وقد فتح ، الى قوله : غيرا : اعلام لأصحابه بحكم البغاة من أهل القبلة اجمالا ، واحال بالتفصيل على اوامره حال الحرب ، وقد كان الناس قبل حرب الجمل لا يعرفون كيفية قتال اهل القبلة ، ولا كيفية السّنّة فيهم ، الى ان علموا ذلك منه عليه السلام . ونقل عن الشافعى[1]انّه قال : لو لا على ما عرفت شيئا من أحكام أهل البغي .
وقوله : ولا يحتمل ، الى قوله : الحق ، اى : العلم بوجوب حرب هؤلاء وقتالهم وقتلهم . وأهل البصر : اهل العقول الراجحة ، والصبر على المكاره ، وعن التسرّع الى الوسواس بالشّبه والعلم بمواضع الحقّ ، وذلك انّ المسلمين عظم عليهم حرب أهل القبلة واكبروه ، والمقدمون على ذلك أقدموا على خوف وحذر ، فقال عليه السلام : انّ هذا العلم لا يدركه كلّ أحد . وروى « العلم » بالفتح اى : علم الحرب وذلك انّ صاحب الراية عليه
[1]في ش بزيادة : رحمه اللَّه .
مدار الحرب ، وقلوب العسكر منوطة به فيجب ان يكون بالشرائط المذكورة . وقوله : ولا تعجلوا ، الى قوله : غيرا : اى لا تتسرّعوا الى انكار امر ترونه منكرا حتى تتبيّنوا منّا ما نفعله فيه ، فانّا نغير كلّ امر ينكر العرف والشرع . وخصّ خنين الامة : لأن العادة ان تضرب وتؤذى فيكثر خنينها ، او لانّ الغالب عليها الغربة فيحنّ الى اصلها . واستحفاظهم لكتاب اللَّه : امرهم بالمحافظة على قوانينه والعمل به .
173 - ومن خطبة له عليه السّلام فى طلحة بن عبيد اللَّه قد كنت وما أهدّد بالحرب ، ولا أرهّب بالضّرب ، وأنا على ما قد وعدنى ربّى من النّصر ، واللَّه ما استعجل متجرّدا للطَّلب بدم عثمان ، إلَّا خوفا من أن يطالب بدمه لأنّه مظنّته ، ولم يكن فى القوم أحرص عليه منه ، فأراد أن يغالط بما أجلب فيه ليلبس الأمر ، ويقع الشّكّ وو اللَّه ما صنع فى أمر عثمان واحدة من ثلاث : لئن كان ابن عفّان ظالما ، كما كان يزعم ، لقد كان ينبغي له أن يؤازر قاتليه ، أو أن ينابذ ناصريه ، ولئن كان مظلوما لقد كان ينبغي له أن يكون من المنهنهين عنه ، والمعذرّين فيه ، ولئن كان فى شكّ من الخصلتين لقد كان ينبغي له أن يعتزله ويركد جانبا ، ويدع النّاس معه ، فما فعل واحدة من الثّلاث ، وجاء بأمر لم يعرف بابه ، ولم تسلم معاذيره .
اقول : هذا الفصل من كلام قاله حين بلغه خروج طلحة ، والزبير ، الى البصرة وتهديدهما له بالحرب وكان : تامة . والواو فى قوله : وما : للحال : اى : قد وجدت الى هذه الغاية ، وما هدّدت بالحرب ، واجلب : جمع ، ونهنه عنه : كفّ . والمعذرين بالتخفيف ، المعتذرين عنه ، وبالتشديد : المظهرين للعذر مع انّه لا عذر . وركد : سكن .
< فهرس الموضوعات > من خطبة له عليه السلام في خطاب الغافلين عن أمر الآخرة < / فهرس الموضوعات > 174 - ومن خطبة له عليه السّلام أيّها الغافلون غير المغفول عنهم ، والتّاركون المأخوذ منهم ، مالى أراكم عن اللَّه ذاهبين ، وإلى غيره راغبين كأنّكم نعم أراح بها سائم إلى مرعى وبىّ ، ومشرب دوىّ إنّما هى كالمعلوفة للمدى ، لا تعرف ما ذا يراد بها : إذا أحسن إليها تحسب يومها دهرها ، وشبعها أمرها ، واللَّه لو شئت أن أخبر كلّ رجل منكم بمخرجه ومولجه وجميع شأنه لفعلت ، ولكن أخاف أن تكفروا فىّ برسول اللَّه ، صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، ألا وإنّى مفضيه إلى الخاصّة ممّن يؤمن ذلك منه . والَّذى بعثه بالحقّ ، واصطفاه على الخلق ، ما أنطق إلَّا صادقا ، وقد عهد إلىّ بذلك كلَّه ، وبمهلك من يهلك ، ومنجى من ينجو ، ومآل هذا الأمر ، وما أبقى شيئا يمرّ على رأسى إلَّا أفرغه فى أذنىّ وأفضى به إلىّ . أيّها النّاس ، إنّى واللَّه ما أحثّكم على طاعة إلَّا وأسبقكم إليها ولا أنهاكم عن معصية إلَّا وأتناهى قبلكم عنها .
أقول : مأخوذ منهم اى : من اشخاصهم بالموت ، ومن احوالهم بالعدم . والسائم : الراعى . والمدى : جمع مدية وهى : السكين . ووجه شبههم بالنعم : غفلتهم عمّا ينبغي لهم . والنفس الأمّارة كالسائم . وقوله : انّما ، الى قوله : امرها : شبيه لها بالنعم . المعلوفة : باعتبار غفلتها عن غايتها وما يراد بها . ووجه الشبه هو قوله : لا تعرف الى آخره . ومفضيه : موصله . وكفرهم فيه برسول اللَّه : بتفضيلهم ايّاه عليه . والخاصّة : اهل العلم والثبات من اصحابه ممّن يؤمن ذلك الكفر منه .
< فهرس الموضوعات > من خطبة له عليه السلام في الحث على الاستقامة ، ولزوم الصدق < / فهرس الموضوعات > 175 - ومن خطبة له عليه السّلام انتفعوا ببيان اللَّه ، واتّعظوا بمواعظ اللَّه ، واقبلوا نصيحة اللَّه . فإنّ اللَّه قد أعذر إليكم بالجليّة ، وأخذ عليكم الحجّة ، وبيّن لكم محابّه من الأعمال ومكارهه منها ، لتتّبعوا هذه وتجتنبوا هذه ، فإنّ رسول اللَّه ، صلى اللَّه عليه وآله وسلم ، كان يقول : « حفّت الجنّة بالمكاره
وحفّت النّار بالشّهوات » . واعلموا أنّه ما من طاعة اللَّه شيء إلَّا يأتي فى كره ، وما من معصية اللَّه شيء إلَّا يأتي فى شهوة . فرحم اللَّه رجلا نزع عن شهوته ، وقمع هوى نفسه ، فإنّ هذه النّفس أبعد شيء منزعا ، وإنّها لا تزال تنزع إلى معصية فى هوى . واعلموا عباد اللَّه أنّ المؤمن لا يمسى ولا يصبح إلَّا ونفسه ظنون عنده فلا يزال زاريا عليها ، ومستزيدا لها . فكونوا كالسّابقين قبلكم والماضين أمامكم ، قوّضوا من الدّنيا تقويض الرّاحل ، وطووها طىّ المنازل . واعلموا أنّ هذا القرآن هو النّاصح الَّذى لا يغشّ ، والهادى الَّذى لا يضلّ ، والمحدّث الَّذى لا يكذب ، وما جالس هذا القرآن أحد إلَّا قام عنه بزيادة أو نقصان : زيادة فى هدى ، ونقصان من عمى . واعلموا أنّه ليس على أحد بعد القرآن من فاقة ، ولا لأحد قبل القرآن من غنى ، فاستشفوه من أدوائكم ، واستعينوا به على لأوائكم ، فإنّ فيه شفاء من أكبر الدّاء ، وهو الكفر والنّفاق والغىّ والضّلال . فاسألوا اللَّه به ، وتوجّهوا إليه بحبّه ، ولا تسألوا به خلقه . إنّه ما توجّه العباد إلى اللَّه بمثله ، واعلموا أنّه شافع ومشفّع ، وقائل ومصدّق ، وأنّه من شفع له القرآن يوم القيامة شفّع فيه ، ومن محل به القرآن يوم القيامة صدق عليه ، فإنّه ينادى مناد يوم القيامة : « ألا إنّ كلّ حارث مبتلى فى حرثه وعاقبة عمله غير حرثة القرآن » فكونوا من حرثته وأتباعه ، واستدلَّوه على ربّكم ، واستنصحوه على أنفسكم ، واتّهموا عليه آراءكم ، واستغشوا فيه أهواءكم ، العمل العمل ، ثمّ النّهاية النّهاية والاستقامة الاستقامة ثمّ الصّبر الصّبر ، والورع الورع ، إنّ لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم ، وإنّ لكم علما فاهتدوا بعلمكم ، وإنّ للإسلام غاية فانتهوا إلى غايته ، واخرجوا إلى اللَّه ممّا افترض عليكم من حقّه ، وبيّن لكم من وظائفه .
أنا شهيد لكم وحجيج يوم القيامة عنكم . ألا وإنّ القدر السّابق قد وقع ، والقضاء الماضى قد تورّدّ ، وإنّى متكلَّم بعدة اللَّه وحجّته ، قال اللَّه تعالى : * ( ( إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا الله ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) ) * وقد قلتم ربّنا اللَّه ، فاستقيموا على كتابه وعلى منهاج أمره ، وعلى الطَّريقة الصّالحة من عبادته ، ثمّ لا تمرقوا منها ، ولا تبتدعوا فيها ، ولا تخالفوا عنها ، فإنّ أهل المروق منقطع بهم عند اللَّه يوم القيامة ، ثمّ إيّاكم وتهزيع الأخلاق وتصريفها ، واجعلوا اللَّسان واحدا ، وليخزن الرّجل لسانه ، فإنّ هذا اللَّسان جموح
بصاحبه ، واللَّه ما أرى عبدا يتّقى تقوى تنفعه حتّى يختزن لسانه ، وإنّ لسان المؤمن من وراء قلبه ، وإن قلب المنافق من وراء لسانه ، لأنّ المؤمن إذا أراد أن يتكلَّم بكلام تدبّره فى نفسه : فإن كان خيرا أبداه ، وإن كان شرّا واراه ، وإنّ المنافق يتكلَّم بما أتى على لسانه : لا يدرى ما ذا له ، وما ذا عليه ولقد قال رسول اللَّه ، صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « لا يستقيم إيمان عبد حتّى يستقيم قلبه ، ولا يستقيم قلبه حتّى يستقيم لسانه » فمن استطاع منكم أن يلقى اللَّه وهو نقىّ الرّاحة من دماء المسلمين وأموالهم ، سليم اللَّسان من أعراضهم ، فليفعل . واعلموا ، عباد اللَّه ، أنّ المؤمن يستحلّ العام ما استحلّ عاما أوّل ، ويحرّم العام ما حرّم عاما أوّل ، وإنّ ما أحدث النّاس لا يحلّ لكم شيئا ممّا حرّم عليكم ، ولكن الحلال ما أحلّ اللَّه ، والحرام ما حرّم اللَّه ، فقد جرّبتم الأمور وضرّستموها ، ووعظتم بمن كان قبلكم ، وضربت لكم الأمثال ، ودعيتم إلى الأمر الواضح ، فلا يصمّ عن ذلك إلَّا أصمّ ، ولا يعمى عن ذلك إلَّا أعمى ومن لم ينفعه اللَّه بالبلاء والتّجارب لم ينتفع بشىء من العظة ، وأتاه التّقصير من أمامه حتّى يعرف ما أنكر وينكر ما عرف ، وإنّما النّاس رجلان : متّبع شرعة ، ومبتدع بدعة ، ليس معه من اللَّه برهان سنّة ، ولا ضياء حجّة ، وإنّ اللَّه سبحانه لم يعظ أحدا بمثل هذا القرآن ، فإنّه حبل اللَّه المتين ، وسببه الأمين ، وفيه ربيع القلب ، وينابيع العلم ، وما للقلب جلاء غيره ، مع أنّه قد ذهب المتذكَّرون ، وبقى النّاسون أو المتناسون . فإذا رأيتم خيرا فأعينوا عليه ، وإذا رأيتم شرّا فاذهبوا عنه ، فإنّ رسول اللَّه ، صلى اللَّه عليه وآله وسلم ، كان يقول : « يا ابن آدم اعمل الخير ودع الشّرّ فإذا أنت جواد قاصد » . ألا وإنّ الظلم ثلاثة : فظلم لا يغفر ، وظلم لا يترك ، وظلم مغفور لا يطلب : فأمّا الظَّلم الَّذى لا يغفر فالشّرك باللَّه ، قال اللَّه تعالى : * ( ( إِنَّ الله لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِه ) ) * وأمّا الظَّلم الَّذى يغفر فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات ، وأمّا الظَّلم الَّذى لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضا ، القصاص هناك شديد ليس هو جرحا بالمدى ، ولا ضربا بالسّياط ، ولكنّه ما يستصغر ذلك معه . فايّاكم والتّلوّن فى دين اللَّه ، فإنّ جماعة فيما تكرهون من الحقّ خير من فرقة فيما تحبّون من الباطل ، وإنّ اللَّه سبحانه لم يعط أحدا بفرقة خيرا : ممّن مضى ولا ممّن بقى .
يا أيّها النّاس ، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب النّاس ، وطوبى لمن لزم بيته وأكل قوته ، واشتغل بطاعة ربّه ، وبكى على خطيئته ، فكان من نفسه فى شغل ، والنّاس منه فى راحة اقول : قوله بالجليّة اى : بالاعذار الجلية ، او : بان أوضح لكم جلية الأمور .
ونبّه بالخبر على انّ مكاره اللَّه وان كانت لذيذة ، فانّ النار محفوفة بها ، فمن لابسها وانهمك فيها وصل الى النار ، وان محابّه من الاعمال وان كانت شاقة فانّ الجنة محفوفة بها ، فلا تنال بدون الوصول اليها ، ونزع : قلع . وقمع : ردع والنفس اى : الامارة بالسوء أبعد شيء منزعا ، اى : رجوعا عن المعصية ، اذ هى مجبولة على محبّة الباطل . وظنون : متهمة بالخيانة ، والتقصير فى طاعة اللَّه . وتقويض البناء : نقضه . ومجالسة القرآن : مجالسة أهله ، والاستماع اليهم ، والتفّهم عنهم . واراد بالفاقة : الحاجة الى ما ينبغي من الهداية ، والكمال النفساني . وبالغنى : حصولهما . وادوائهم : الجهل والرذائل . واللأواء : الشدّة ، واستعار لفظ الشافع المشفع : للقرآن ، باعتبار كونه : وسيلة لمن تقرّب به الى اللَّه ، موصلة له الى مطالبه . ومحل به الى السلطان : سعى به ، ووجه ذلك فى القرآن اعتبار كون العامل به معروفا عند اللَّه بذلك ، فأشبه القرآن الشاهد عليه بذلك . وحرثة القرآن : مستثيروا دفاينه وكنوز علمه . واستنصحوه على أنفسكم ، اى : اتّخذوه انصح منها ، فانّه اولى بالنصيحة . وقوله : واتّهموا عليه آراءكم اى : الآراء : والأهواء : المخالفة له . والنهاية التي للخلق المطلوبة منهم : اخلاصهم للَّه ، والتحلَّى بزينته ، وهى غاية الاسلام أيضا . والعلم : مستعار له عليه السلام وللقرآن . وقوله : من حقه : متعلَّق بقوله : اخرجوا والخروج اليه : بأخلاص العمل له . والماضى : النافذ الَّذى لا يرّد . وتورّد اى : دخل فى الوجود شيئا بعد شيء ، يقال : تورّدت الخيل البلد : اذا دخلته قطعة قطعة واشار بالقدر : الى واقع خاص وهو خلافته وما يصحبها من الفتن والوقائع . وعدة اللَّه التي يتكلم بها هى : ما وعد به عباده الَّذين اعترفوا بربوبيّته ، واستقاموا على سلوك سبيله من تنزّل الملائكة عليهم بذهاب الخوف والحزن والبشارة بالجنّة . وامّا حجته التي تكلَّم بها فقوله : « وقد قلتم : ربّنا اللَّه ، اى : اعترفتم بالرّبوبيّة . فاستقيموا على كتابه ، ومنهاج امره الى قوله عنها » . وتهزيع الاخلاق :
تفريقها وتكثيرها ، وهو نهى عن النفاق ، وذو اللسانين ، والوجهين ، هو المنافق . واستعار لفظ الوراء للسان المؤمن : باعتبار انّ قوله مؤخر عن فكر قلبه ، ولقلب المنافق : باعتبار انّ فكره مؤخر عن كلامه ، واستقامة القلب فى الخبر بالاعتقاد الصالح لاستقامة الايمان وصحته ، واستقامة اللسان اى : على الأقوال الصالحة علامة لاستقامة الايمان لا سبب ، لكن لما كانت العلامة متقدّمة على ذى العلامة فى العلم ، اشار الى : توقّف استقامة القلب على استقامة اللسان بحتّى ايضا .
ونقاء الراحة : كناية عن الخلاص من حقوق المسلمين ، دمائهم وأحوالهم . وقوله : انّ المؤمن ، الى قوله : احلّ اللَّه اى : انّ المؤمن يستحلّ ويحرّم فى المستقبل ما كان حلالا او حراما فى الماضي ، وهو : ما احلَّه اللَّه ورسوله او حرّمه وثبت بالكتاب والسة اخذه او تركه دون ما احدث من البدع . وضرست الأمر اى : احكمته خبرا . وقوله : ولا يصم عن ذلك الَّا اصم اى : بعد بيان الأمر وايضاحه بما ذكر لا يصم عنه الَّا اصم اى : شديد الصّمم والَّا اعمى اى : شديد عمى الجهل وهو عمى البصيرة . والأمر : هو طريق الدين .
وقوله : من امامه : لانّ الكمال الَّذى يتوجّه اليه بوجه عقله يفوته لنقصان غريزته ، ووقوف عقله عنها . وقوله : حتى تعرف ، الى قوله : عرف ، اشارة الى : غاية جهله ، وهو : ان يتخيّل تارة فيما هو منكر ومجهول له انّه عالم به وفيما هو معروف عنده ، وصحيح انّه لا يعرفه لشبهة تعتريه . والأمين : المأمون اى : من تمسّك به لم يخنه . والهنة : كناية عن الصغيرة من الزلَّات والعفو عنها فى آيات الوعد . والتلوّن فى الدين : النفاق فيه ، وافتراق القلوب عنه . وباقى الفصل ظاهر .
176 - ومن كلام له عليه السّلام فى معنى الحكمين فأجمع رأى ملئكم على أن اختاروا رجلين ، فأخذنا عليهما أن يجعجعا عند القرآن ، ولا يجاوزاه ، وتكون ألسنتهما معه ، وقلوبهما تبعه ، فتاها عنه ، وتركا الحقّ وهما يبصرانه ، وكان الجور هواهما ، والاعوجاج رأيهما ، وقد سبق استثناؤنا عليهما فى الحكم بالعدل