أقول : الدخلة : بكسر الدال وضمّها باطن الشيء . والمعتام : المختار . وحقائقه : ما حقّ وثبت من دينه . وعقائل كراماته : نفائس ما اكرم به عباده من قوانين الدين . واشراط الهدى : علاماته . وغربيب العمى : ما يعقل من ظلمة الجهل وسواه . اخلد الى كذا : سكن اليه . وتنفس : تبخل . وغض النعمة : طريها . وتجوز بلفظ الفترة فى امر الجاهلية : اطلاقا لاسم الظرف على المظروف . ويحتمل ان يريد الفترة : من عذاب ينتظر بسبب مخالفتهم لآرائه . قالت الامامية : والأمور التي مالوا فيها : تقديمهم عليه من سبق من الأئمة . وقال غيرهم : ميلهم عليه فى تقديم عثمان وقت الشورى . وامرهم الى اصلاح أحوالهم التي كانوا عليها فى زمن الرسول عليه السلام . وما علىّ الَّا الجهد ، اى : فى عود مثل ذلك الأمر عليهم . وقوله : ولو اشاء الى آخره ، يفهم منه : انّه لو قال : مقتضى قوله : نسبتهم الى ظلمه وتخطئتهم فى التقديم عليه وذكر وجوه تأخيرهم له . واللَّه اعلم .
178 - ومن كلام له عليه السّلام وقد سأله ذعلب اليمانى فقال : هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين فقال عليه السلام : أفأعبد ما لا أرى فقال : وكيف تراه فقال : لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان قريب من الأشياء غير ملامس ، بعيد منها غير مباين ، متكلَّم لا برويّة ، مريد لا بهمّة ، صانع لا بجارحة ، لطيف لا يوصف بالخفاء ، كبير لا يوصف بالجفاء ، بصير لا يوصف بالحاسّة ، رحيم لا يوصف بالرّقّة . تعنو الوجوه لعظمته ، وتجب القلوب من مخافته .
أقول : حقائق الإيمان : أركانه ، وهى : التصديق بوجوده تعالى ، ووحدانيته ، واعتبارات اسمائه الحسنى مما عدّده . واحترز بقوله : غير ملامس وغير مباين : عن القرب والبعد المعهود للأجسام اذ معنى قربه تعالى : ايصال علمه وقدرته بكل شيء ، ومعنى بعده : مباينته بذاته الكاملة عن مشابهة شيء . واحترز بسلب الرؤية فى الكلام : عن كلام المخلوقين . وبسلب الهمّة عن مثله : ارادته لارادتنا فى سبق العزم لها ، وبسلب الجارحة :
عن مثلية صنعة كصنعتنا . وبسلب الوصف بالخفاء : عن اللطف بمعنى رقّة القوام ، بل معنى لطفه تعالى تصرّفه فى الذوات والصفات تصرّفا خفيا بفعل الاسباب المعدّة لها لافاضة كمالاتها . وبسلب وصفه بالرّقة : عن رحمتنا . وباقى الفصل ظاهر .
179 - ومن خطبة له عليه السّلام[1]الحمد للَّه الَّذى أظهر من آثار سلطانه ، وجلال كبريائه ، ما حيّر مقل العيون من عجائب قدرته ، وردع خطرات هماهم النّفوس عن عرفان كنه صفته . وأشهد أن لا إله إلَّا اللَّه شهادة إيمان وإيقان ، وإخلاص وإذعان ، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله أرسله وأعلام الهدى دارسة ، ومناهج الدّين طامسة ، فصدع بالحقّ ، ونصح للخلق ، وهدى إلى الرّشد ، وأمر بالقصد ، صلى اللَّه عليه وآله وسلم .
واعلموا ، عباد اللَّه ، أنّه لم يخلقكم عبثا ، ولم يرسلكم هملا . علم مبلغ نعمه عليكم ، وأحصى إحسانه إليكم ، فاستفتحوه ، واستنجحوه ، واطلبوا إليه واستمنحوه ، فما قطعكم عنه حجاب ، ولا أغلق عنكم دونه باب ، وإنّه لبكلّ مكان ، وفى كلّ حين وأوان ، ومع كلّ ، إنس وجانّ ، لا يثلمه العطاء ، ولا ينقصه الحباء ، ولا يستنفده سائل ، ولا يستقصيه نائل ، ولا يلويه شخص عن شخص ، ولا يلهيه صوت عن صوت ، ولا تحجزه هبة عن سلب ، ولا يشغله غضب عن رحمة ، ولا تولهه رحمة عن عقاب ، ولا يجنّه البطون عن الظَّهور ، ولا يقطعه الظَّهور عن البطون . قرب فنأى ، وعلا فدنا ، وظهر فبطن ، وبطن فعلن ، ودان ولم يدن ، لم يذرا الخلق باحتيال ، ولا استعان بهم لكلال .
أوصيكم ، عباد اللَّه ، بتقوى اللَّه ، فإنّها الزّمام والقوام ، فتمسّكوا بوثائقها ، واعتصموا بحقائقها ، تؤل بكم إلى أكنان الدّعة ، وأوطان السّعة ، ومعاقل الحرز . ومنازل العزّ ، فى يوم تشخص فيه الأبصار ، وتظلم الأقطار ، وتعطَّل فيه صروم العشار ، وينفخ فى الصّور ، فتزهق كلّ مهجة ، وتبكم كلّ لهجة ، وتذلّ الشّمّ الشّوامخ ، والصّمّ الرّواسخ ، فيصير صلدها سرابا رقرقا ، ومعهدها قاعا سملقا ، فلا شفيع يشفع ، ولا حميم يدفع ، ولا معذرة تنفع .
[1]هذه الخطبة جاءت فى الشرح الكبير تحت رقم 186 . المجلد الثالث ص 431 .
أقول : استعار لفظ المقلة وهى : شحمة العين لقوّة العقل ، باعتبار ادراكها . وخطرات هماهم النفوس : ما يخطر لها فتهمهم به ، والهمهمة : صوت خفى ، وردعه لها : استلزام كماله المطلق عن ادراك حقيقته ، والإيمان : التصديق القلبىّ باللَّه وما جاءت به رسله ، وما يطابقه باللسان . والايقان : اعتقاد انّ ذلك التصديق لا يكون الَّا كذلك . والاخلاص : ان يحذف فى توحيده تعالى كل امر سواه عن درجة الاعتبار ، والاذعان : ثمرة ذلك الاخلاص وهى : كمال العبادات التابعة له . واعلام الهدى : أئمه الدين . والمناهج : قوانين الشريعة ودروسها . وطموسها : اضمحلالها قبل النبوّة . وكونه تعالى بكل مكان : بعلمه . وفى كل زمان : مساوقة وجوده لوجود الزمان ، اذ هو تعالى عن احاطة بهما . ومع كل انس وجان : بعلمه . والحباء : النوال ، واشار باجتماع الاضداد تحت حكم قدرته : الى كمالها ، وتنزيهها عن قدرة البشر ، وكذلك اجتماع الاحوال المتضادة له كالرحمة ، والعقاب ، والبطون والظهور وغيرها انّما هى باعتبارات مختلفة تعتبرها الاذهان لمعقوليته تعالى كما مر . والتوليه : شغل القلب وتحيّره . ودان : قهر . وذرأ : خلق . واستعار لفظ الزّمام لتقوى اللَّه : لقودها العبد الى الحق ، وكونها قواما اى : للعبد على سبيل . ووثائقها : ما يتمسّك به منها وهو المأمور بلزومه من العبادات والطاعات . وحقائقها : الخالص منها الثابت فى الدين ، والجزم . تؤل : فى جواب الامر بالتمسّك . وكنان الدعة : مواطن الراحة من العذاب وهى : غرفات الجنة ومنازلها وهى : اوطان السعة . والمعاقل : المحارز وهى : منازل العزّفى جوار الله . والصروم : جمع صرمة وهى : القطعة من الابل نحو الثلاثين . والعشار : النوق أتى عليها بعد طروق الفحل عشرة اشهر . والشّم الشوامخ : الجبال العالية . ومعهدها : ما كان مسكونا . والقاع : الخالى . والسملق : الصفصف المستوى .
منها :[1]بعثه حين لا علم قائم ، ولا منار ساطع ، ولا منهج واضح : أوصيكم عباد اللَّه ، بتقوى اللَّه ، وأحذّركم الدّنيا ، فإنّها دار شخوص ، ومحلَّة تنغيص ، ساكنها ظاعن ، وقاطنها بائن ،
[1]فى الشرح الكبير ج 3 ص 437 وردت بقية الخطبة مستقلة وبرقم 187 .
تميد بأهلها ميدان السّفينة تقصفها العواصف فى لجج البحار ، فمنهم الغرق الوبق ، ومنهم النّاجى على بطون الأمواج ، تحفزه الرّياح بأذيالها ، وتحمله على أهوالها ، فما غرق منها فليس بمستدرك ، وما نجا منها فإلى مهلك عباد اللَّه ، الآن فاعملوا ، والألسن مطلقة ، والأبدان صحيحة ، والأعضاء لدنة ، والمنقلب فسيح ، والمجال عريض ، قبل إرهاق الفوت ، وحلول الموت ، فحقّقوا عليكم نزوله ، ولا تنتظروا قدومه اقول : استعار لفظ العلم ، والمنار : للهداة الى اللَّه . والساطع : المرتفع . ولفظ المنهج : للشريعة . والقاطن : المقيم وشبهها بأهلها : كالسفينة براكبها ، ووجه التمثيل قوله : تقصفها الى آخره . واشتمل هذا التمثيل على تشبهات ، فالدنيا : كالسفينة فى الريح العاصف ، وتغيّراتها كحركات السفينة . ورميهم بحوادثها : كالأحوال التي تلحق اهل السفينة حينئذ . وقسمتهم الى غريق وبق اى : هالك بحوادثها ، والى ناج : الى حين مقاساة متاعها ولا بدّ من هلاكه . واللدن : الناعم ، والأرهاق : اللحوق ، وتحقيق نزوله : بذكره واخطاره بالبال ، وتقدير كونه واقعا بهم . ونهى عن انتظار قدومه : لاستلزام ذلك توهّم بعده ، والتكاسل بسبب ذلك عن العمل .
180 - ومن خطبة له عليه السّلام ولقد علم المستحفظون من أصحاب محمّد ، صلى اللَّه عليه وآله وسلم ، أنّى لم أردّ على اللَّه ولا على رسوله ساعة قطَّ ، ولقد واسيته بنفسى فى المواطن الَّتى تنكص فيها الأبطال ، وتتأخّر فيها الأقدام ، نجدة أكرمنى اللَّه بها .
ولقد قبض رسول اللَّه ، صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، وإنّ رأسه لعلى صدرى ، ولقد سالت نفسه فى كفّى ، فأمررتها على وجهى ، ولقد ولَّيت غسله ، صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، والملائكة أعوانى ، فضجّت الدّار والأفنية ، ملأ يهبط وملأ يعرج ، وما فارقت سمعى هينمة منهم ، يصلَّون عليه حتّى واريناه فى ضريحه ، فمن ذا أحقّ به منّى حيّا وميّتا فانفذوا
على بصائركم ، ولتصدق نيّاتكم فى جهاد عدوّكم . فوالَّذى لا اله إلَّا هو إنّى لعلى جادّة الحقّ ، وإنّهم لعلى مزلَّة الباطل ، أقول ما تسمعون ، وأستغفر اللَّه لى ولكم .
أقول : المستحفظون من الصحابة : العلماء الَّذين استحفظوا كتاب اللَّه ودينه فهم حفظته . ومواساته عليه السلام : تقدّمه دونه الى الموت فى مواطن القتال ، كيوم حنين ، واحد ، وبدر . والنجدة : فضيلة تحت الشجاعة ، ونصبها على المفعول له . ونفسه : دمه يقال : انّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله قاء وقت موته دما يسيرا ، وانّ عليا عليه السلام مسح بذلك وجهه . ولا ينافي ذلك نجاسة الدم لجواز ان يخصّص دم الرسول عليه السلام ، كما روى : انّ أبا طيبة الحجام[1]شرب دمه حين حجمه . فقال له : اذن لا يتجع بطنك ، وهو الَّذى غسّله صلى اللَّه عليه ، والفضل بن عباس يصب عليه الماء . وروى انّه عصب عينى الفضل حينئذ ، وكان يقول : ما قلبت منه عضوا الَّا وانقلب لا اجد له ثقلا كأنّ معي من يساعدني عليه وما ذاك الَّا الملائكة .
والهينمة : صوت خفى ، وذكر هذه الفضائل لنفسه فى قوة : صغرى ، تقدير كبراه : وكلّ من كان بهذا القرب هو الفضيلة فلا احقّ منه بأمره وخلافته ، وامضوا اى : على جهاد عدوّكم . وبصائرهم : عقائدهم او عقولهم السليمة .
181 - ومن كلام له عليه السّلام فى ذم أصحابه[2]أحمد اللَّه على ما قضى من أمر ، وقدّر من فعل ، وعلى ابتلائى بكم أيّتها الفرقة الَّتى إذا أمرت لم تطع ، وإذا دعوت لم تجب ، إن أمهلتم خضتم ، وإن حوربتم خرتم وإن اجتمع النّاس على إمام طعنتم ، وان أجئتم إلى مشاقّة نكصتم . لا أبا لغيركم ما تنظرون
[1]الاصابة 4 - 114
[2]التقديم والتأخير الحاصل فى الخطب هو من فعل المؤلف مع عدم وجود اىّ حذف ونقض وتحريف فى الخطب .
بنصركم ربّكم ، والجهاد على حقّكم : الموت أو الذّلّ لكم فو اللَّه لئن جاء يومى - ولياتينّى - ليفرّقنّ بينى وبينكم وأنا لكم قال ، وبكم غير كثير . للَّه أنتم أما دين يجمعكم ، ولا حميّة تشحذكم أو ليس عجبا أنّ معاوية يدعو الجفاة الطَّغام ، فيتّبعونه على غير معونة ولا عطاء ، وأنا أدعوكم - وأنتم تريكة الإسلام ، وبقيّة النّاس إلى المعونة وطائفة من العطاء فتتفرّقون عنّى ، وتختلفون علىّ انّه لا يخرج إليكم من أمرى رضا فترضونه ، ولا سخط فتجتمعون عليه ، وإنّ أحبّ ما أنا لاق إلىّ الموت . قد دارستكم الكتاب ، وفاتحتكم الحجاج ، وعرّفتكم ما أنكرتم ، وسوّغتكم ما مججتم ، لو كان الأعمى يلحظ ، أو النّائم يستيقظ وأقرب بقوم من الجهل باللَّه قائدهم معاوية ومؤدّبهم ابن النّابغة .
أقول : انّما قال على : ما قضى من امر وقدّر من فعل : لانّ القضاء هو احاطة علمه تعالى بكلّ شيء وهو اعمّ من ان يكون فعلا ، ولما كان القدر هو تفصيل القضاء وايجاد الأشياء على وفقه خصّ القدر بالفعل . وخضتم : مستعار للسعى فى غير طاعة . وخرتم : ضعفتم او صحتم من الخوار . وقوله : الموت او الذّل لكم : فى قوّة منفصلة ما نعة الخلوّ .
والشحذ : التحديد . والطغام : او غاد الناس . وانّما قال : على غير معونة ولا عطاء اى : العطاء والمعونة المتعارفين بين الجند ، لأنّ بذل معاوية كان جزافا لرؤساء القبائل ، وقسمة على عليه السلام كانت على وجه الرزق والعطاء من غير تفضيل لشريف على من دونه . وتريكة الاسلام : ما بقى منه . والتريكة : بيضة النعام ، وكل بيضة بالعراء تريكة . ومجّه : ألقاه من فيه . واستعار لفظ التسويغ : لإعطائهم ما كانوا يحرّمونه من غيره من الارزاق ، او اعطائهم العلوم التي لم تقبلها اذهانهم ، قبل ذلك كما استعار له وصف المج . وقوله : لو كان ، الى قوله : يستيقظ : اشارة الى غفلتهم وجهلهم . وابن النابغة : عمرو بن العاص وهو رئيس المنافقين والجهّال فكيف بتلاميذه .
182 - ومن كلام له عليه السّلام وقد أرسل رجلا من أصحابه يعلم له علم أحوال قوم من جند الكوفة قد هموا باللحاق بالخوارج ، وكانوا على خوف منه عليه السلام ، فلما عاد إليه الرجل قال له : أأمنوا فقطنوا أم
جبنوا فظعنوا فقال الرجل : بل ظعنوا يا أمير المؤمنين . فقال : بعدا لهم كما بعدت ثمود ، أما لو أشرعت الأسنّة إليهم ، وصبّت السّيوف على هاماتهم لقد ندموا على ما كان منهم ، إنّ الشّيطان اليوم قد استفلَّهم ، وهو غدا متبرّئ منهم ، ومتخلّ عنهم ، فحسبهم بخروجهم من الهدى ، وارتكاسهم فى الضّلال والعمى ، وصدّهم عن الحقّ ، وجماحهم فى التّيه .
أقول : قطنوا : اقاموا . وبعدت : بالكسر هلكت . واشرعت الرمح نحوه : سدّدته .
واستفلَّهم : طلب تفريقهم وهزيمتهم . والارتكاس : الرجوع فى الشيء مقلوبا . واستعار لفظ الجماح : لخروجهم عن فضيلة العدل ، الى طرف الافراط على جهل بمطلوبهم وهو معنى التيه .
183 - ومن خطبة له عليه السّلام روى عن نوف البكالى قال : خطبنا هذه الخطبة بالكوفة أمير المؤمنين عليه السلام وهو قائم على حجارة نصبها له جعدة بن هبيرة المخزومى ، وعليه مدرعة من صوف ، وحمائل سيفه ليف ، وفى رجليه نعلان من ليف ، وكأن جبينه ثفنة بعير . فقال عليه السلام : الحمد للَّه الَّذى إليه مصائر الخلق وعواقب الأمر ، نحمده على عظيم إحسانه ، ونيّر برهانه ، ونوامى فضله وامتنانه ، حمدا يكون لحقّه قضاء ، ولشكره أداء ، وإلى ثوابه مقرّبا ، ولحسن مزيده موجبا . ونستعين به استعانة راج لفضله ، مؤمّل لنفعه ، واثق بدفعه ، معترف له بالطَّول ، مذعن له بالعمل والقول . ونؤمن به إيمان من رجاه موقنا ، وأناب إليه مؤمنا ، وخنع له مذعنا ، وأخلص له موحّدا ، وعظَّمه ممجّدا ، ولاذبه راغبا مجتهدا : لم يولد سبحانه فيكون فى العزّ مشاركا ، ولم يلد فيكون مورثا هالكا ، ولم يتقدّمه وقت ولازمان ، ولم يتعاوره زيادة ولا نقصان ، بل ظهر للعقول بما أرانا من علامات التّدبير المتقن ، والقضاء المبرم .
ومن شواهد خلقه خلق السّموات موطَّدات بلا عمد ، قائمات بلا سند . دعاهنّ فأجبن طائعات مذعنات ، غير متلكَّئات ولا مبطئات ، ولو لا إقرارهنّ له بالرّبوبيّة وإذعانهنّ له بالطَّواعية لما جعلهنّ موضعا لعرشه ولا مسكنا لملائكته ، ولا مصعدا للكلم الطَّيّب والعمل الصّالح من خلقه ، جعل نجومها أعلاما يستدلّ بها الحيران فى مختلف فجاج الأقطار ، لم يمنع ضوء نورها اد لهمام سجف اللَّيل المظلم ، ولا استطاعت جلابيب سواد الحنادس أن تردّ ما شاع فى السّموات من تلالؤ نور القمر ، فسبحان من لا يخفى عليه سواد غسق داج ، ولا ليل ساج فى بقاع الأرضين المتطأطئات ، ولا فى يفاع السّفع المتجاورات ، وما يتجلجل به الرّعد فى أفق السّماء ، وما تلاشت عنه بروق الغمام ، وما تسقط من ورقة تزيلها عن مسقطها عواصف الأنواء وانهطال السّماء ، ويعلم مسقط القطرة ومقرّها ، ومسحب الذّرّة ومجرّها ، وما يكفى البعوضة من قوتها ، وما تحمل الأنثى فى بطنها . الحمد للَّه الكائن قبل أن يكون كرسى أو عرش ، أو سماء أو أرض ، أو جانّ أو إنس لا يدرك بوهم ، ولا يقدّر بفهم ، ولا يشغله سائل ، ولا ينقصه نائل ، ولا ينظر بعين ، ولا يحدّ بأين ، ولا يوصف بالأزواج ، ولا يخلق بعلاج ، ولا يدرك بالحواسّ ، ولا يقاس بالنّاس . الَّذى كلَّم موسى تكليما ، وأراه من آياته عظيما ، بلا جوارح ولا أدوات ، ولا نطق ولا لهوات . بل إن كنت صادقا أيّها المتكلَّف لوصف ربّك ، فصف جبرائيل وميكائيل وجنود الملائكة المقرّبين فى حجرات القدس مرجحنّين ، متولَّهة عقولهم أن يحدّوا أحسن الخالقين . فإنّما يدرك بالصّفات ذو والهيئات والأدوات ، ومن ينقضي إذا بلغ أمد حدّه بالفناء فلا إله إلَّا هو أضاء بنوره كلّ ظلام ، وأظلم بظلمته كلّ نور . أوصيكم عباد اللَّه بتقوى اللَّه الَّذى ألبسكم الرّياش ، وأسبغ عليكم المعاش ولو أنّ أحدا يجد إلى البقاء سلَّما أو إلى دفع الموت سبيلا لكان ذلك سليمان بن داود عليه السّلام : الَّذى سخّر له ملك الجنّ والإنس مع النّبوّة وعظيم الزّلفة ، فلمّا استوفى طعمته ، واستكمل مدّته ، رمته قسىّ الفناء بنبال الموت ، وأصبحت الدّيار منه خالية ، والمساكن معطَّلة ، وورثها قوم آخرون ، وإنّ لكم فى القرون السّالفة لعبرة أين العمالقة وأبناء العمالقة أين الفراعنة وأبناء الفراعنة أين أصحاب مدائن الرّسّ الَّذين قتلوا النّبيّين . وأطفئوا سنن المرسلين ، وأحيوا سنن الجبّارين أين الَّذين ساروا بالجيوش ،