بنصركم ربّكم ، والجهاد على حقّكم : الموت أو الذّلّ لكم فو اللَّه لئن جاء يومى - ولياتينّى - ليفرّقنّ بينى وبينكم وأنا لكم قال ، وبكم غير كثير . للَّه أنتم أما دين يجمعكم ، ولا حميّة تشحذكم أو ليس عجبا أنّ معاوية يدعو الجفاة الطَّغام ، فيتّبعونه على غير معونة ولا عطاء ، وأنا أدعوكم - وأنتم تريكة الإسلام ، وبقيّة النّاس إلى المعونة وطائفة من العطاء فتتفرّقون عنّى ، وتختلفون علىّ انّه لا يخرج إليكم من أمرى رضا فترضونه ، ولا سخط فتجتمعون عليه ، وإنّ أحبّ ما أنا لاق إلىّ الموت . قد دارستكم الكتاب ، وفاتحتكم الحجاج ، وعرّفتكم ما أنكرتم ، وسوّغتكم ما مججتم ، لو كان الأعمى يلحظ ، أو النّائم يستيقظ وأقرب بقوم من الجهل باللَّه قائدهم معاوية ومؤدّبهم ابن النّابغة .
أقول : انّما قال على : ما قضى من امر وقدّر من فعل : لانّ القضاء هو احاطة علمه تعالى بكلّ شيء وهو اعمّ من ان يكون فعلا ، ولما كان القدر هو تفصيل القضاء وايجاد الأشياء على وفقه خصّ القدر بالفعل . وخضتم : مستعار للسعى فى غير طاعة . وخرتم : ضعفتم او صحتم من الخوار . وقوله : الموت او الذّل لكم : فى قوّة منفصلة ما نعة الخلوّ .
والشحذ : التحديد . والطغام : او غاد الناس . وانّما قال : على غير معونة ولا عطاء اى : العطاء والمعونة المتعارفين بين الجند ، لأنّ بذل معاوية كان جزافا لرؤساء القبائل ، وقسمة على عليه السلام كانت على وجه الرزق والعطاء من غير تفضيل لشريف على من دونه . وتريكة الاسلام : ما بقى منه . والتريكة : بيضة النعام ، وكل بيضة بالعراء تريكة . ومجّه : ألقاه من فيه . واستعار لفظ التسويغ : لإعطائهم ما كانوا يحرّمونه من غيره من الارزاق ، او اعطائهم العلوم التي لم تقبلها اذهانهم ، قبل ذلك كما استعار له وصف المج . وقوله : لو كان ، الى قوله : يستيقظ : اشارة الى غفلتهم وجهلهم . وابن النابغة : عمرو بن العاص وهو رئيس المنافقين والجهّال فكيف بتلاميذه .
182 - ومن كلام له عليه السّلام وقد أرسل رجلا من أصحابه يعلم له علم أحوال قوم من جند الكوفة قد هموا باللحاق بالخوارج ، وكانوا على خوف منه عليه السلام ، فلما عاد إليه الرجل قال له : أأمنوا فقطنوا أم
جبنوا فظعنوا فقال الرجل : بل ظعنوا يا أمير المؤمنين . فقال : بعدا لهم كما بعدت ثمود ، أما لو أشرعت الأسنّة إليهم ، وصبّت السّيوف على هاماتهم لقد ندموا على ما كان منهم ، إنّ الشّيطان اليوم قد استفلَّهم ، وهو غدا متبرّئ منهم ، ومتخلّ عنهم ، فحسبهم بخروجهم من الهدى ، وارتكاسهم فى الضّلال والعمى ، وصدّهم عن الحقّ ، وجماحهم فى التّيه .
أقول : قطنوا : اقاموا . وبعدت : بالكسر هلكت . واشرعت الرمح نحوه : سدّدته .
واستفلَّهم : طلب تفريقهم وهزيمتهم . والارتكاس : الرجوع فى الشيء مقلوبا . واستعار لفظ الجماح : لخروجهم عن فضيلة العدل ، الى طرف الافراط على جهل بمطلوبهم وهو معنى التيه .
183 - ومن خطبة له عليه السّلام روى عن نوف البكالى قال : خطبنا هذه الخطبة بالكوفة أمير المؤمنين عليه السلام وهو قائم على حجارة نصبها له جعدة بن هبيرة المخزومى ، وعليه مدرعة من صوف ، وحمائل سيفه ليف ، وفى رجليه نعلان من ليف ، وكأن جبينه ثفنة بعير . فقال عليه السلام : الحمد للَّه الَّذى إليه مصائر الخلق وعواقب الأمر ، نحمده على عظيم إحسانه ، ونيّر برهانه ، ونوامى فضله وامتنانه ، حمدا يكون لحقّه قضاء ، ولشكره أداء ، وإلى ثوابه مقرّبا ، ولحسن مزيده موجبا . ونستعين به استعانة راج لفضله ، مؤمّل لنفعه ، واثق بدفعه ، معترف له بالطَّول ، مذعن له بالعمل والقول . ونؤمن به إيمان من رجاه موقنا ، وأناب إليه مؤمنا ، وخنع له مذعنا ، وأخلص له موحّدا ، وعظَّمه ممجّدا ، ولاذبه راغبا مجتهدا : لم يولد سبحانه فيكون فى العزّ مشاركا ، ولم يلد فيكون مورثا هالكا ، ولم يتقدّمه وقت ولازمان ، ولم يتعاوره زيادة ولا نقصان ، بل ظهر للعقول بما أرانا من علامات التّدبير المتقن ، والقضاء المبرم .
ومن شواهد خلقه خلق السّموات موطَّدات بلا عمد ، قائمات بلا سند . دعاهنّ فأجبن طائعات مذعنات ، غير متلكَّئات ولا مبطئات ، ولو لا إقرارهنّ له بالرّبوبيّة وإذعانهنّ له بالطَّواعية لما جعلهنّ موضعا لعرشه ولا مسكنا لملائكته ، ولا مصعدا للكلم الطَّيّب والعمل الصّالح من خلقه ، جعل نجومها أعلاما يستدلّ بها الحيران فى مختلف فجاج الأقطار ، لم يمنع ضوء نورها اد لهمام سجف اللَّيل المظلم ، ولا استطاعت جلابيب سواد الحنادس أن تردّ ما شاع فى السّموات من تلالؤ نور القمر ، فسبحان من لا يخفى عليه سواد غسق داج ، ولا ليل ساج فى بقاع الأرضين المتطأطئات ، ولا فى يفاع السّفع المتجاورات ، وما يتجلجل به الرّعد فى أفق السّماء ، وما تلاشت عنه بروق الغمام ، وما تسقط من ورقة تزيلها عن مسقطها عواصف الأنواء وانهطال السّماء ، ويعلم مسقط القطرة ومقرّها ، ومسحب الذّرّة ومجرّها ، وما يكفى البعوضة من قوتها ، وما تحمل الأنثى فى بطنها . الحمد للَّه الكائن قبل أن يكون كرسى أو عرش ، أو سماء أو أرض ، أو جانّ أو إنس لا يدرك بوهم ، ولا يقدّر بفهم ، ولا يشغله سائل ، ولا ينقصه نائل ، ولا ينظر بعين ، ولا يحدّ بأين ، ولا يوصف بالأزواج ، ولا يخلق بعلاج ، ولا يدرك بالحواسّ ، ولا يقاس بالنّاس . الَّذى كلَّم موسى تكليما ، وأراه من آياته عظيما ، بلا جوارح ولا أدوات ، ولا نطق ولا لهوات . بل إن كنت صادقا أيّها المتكلَّف لوصف ربّك ، فصف جبرائيل وميكائيل وجنود الملائكة المقرّبين فى حجرات القدس مرجحنّين ، متولَّهة عقولهم أن يحدّوا أحسن الخالقين . فإنّما يدرك بالصّفات ذو والهيئات والأدوات ، ومن ينقضي إذا بلغ أمد حدّه بالفناء فلا إله إلَّا هو أضاء بنوره كلّ ظلام ، وأظلم بظلمته كلّ نور . أوصيكم عباد اللَّه بتقوى اللَّه الَّذى ألبسكم الرّياش ، وأسبغ عليكم المعاش ولو أنّ أحدا يجد إلى البقاء سلَّما أو إلى دفع الموت سبيلا لكان ذلك سليمان بن داود عليه السّلام : الَّذى سخّر له ملك الجنّ والإنس مع النّبوّة وعظيم الزّلفة ، فلمّا استوفى طعمته ، واستكمل مدّته ، رمته قسىّ الفناء بنبال الموت ، وأصبحت الدّيار منه خالية ، والمساكن معطَّلة ، وورثها قوم آخرون ، وإنّ لكم فى القرون السّالفة لعبرة أين العمالقة وأبناء العمالقة أين الفراعنة وأبناء الفراعنة أين أصحاب مدائن الرّسّ الَّذين قتلوا النّبيّين . وأطفئوا سنن المرسلين ، وأحيوا سنن الجبّارين أين الَّذين ساروا بالجيوش ،
وهزموا بالألوف ، وعسكروا العساكر ، ومدّنوا المدائن اقول : نقل الجوهرى : انّ نوف البكالى ، بفتح الباء وتخفيف الكاف كان صاحب عليّ عليه السلام ، ونقل عن ثعلب انّه منسوب الى بكالة قبيلة ، وقال القطب الراوندى[1]رحمه اللَّه : هو منسوب الى بكال ، حىّ من همدان ، ويقال : بكيل وهو اكثر ، وقال عبد الحميد بن ابى الحديد[2]: انّما هو بكال بكسر الباء من حمير ، فمنهم هذا الشخص وهو نوف بن فضالة صاحب عليّ عليه السلام ، وجعدة بن هبيرة ابن اخت امير المؤمنين ، امّ هانى .
وثفنة البعير : ما يقع على الأرض من اعضائه . ونيّر برهانه : ما اظهره لنا من البرهان الواضح على وجوده وكماله . وخنع : خضع . واذعن : انقاد . ويتعاوره : يختلف عليه . وعلامات التدبير : الاحكام والاتقان فى مصنوعاته الموجودة على وفق . القضاء المبرم : اى المحكم . ودعاهن : حكم القدرة الألهية عليهنّ بالدخول فى الوجود . واجابتهنّ : دخولهنّ فيه . وغير متلكئات : اى متوقّفات . والطواعية : الطاعة واوصاف الدعاء والاقرار والاجابة ، والطاعة : مستعارة لشهادة حال الممكن بذلك . والادلهمام : شدّة الظلمة . والحندس بكسر الحاء : الليل شديد الظلمة . واليفاع : المرتفع من الارض . والسفع : الجبال . والسفعة : سواد مشرب بحمرة وهو لون الجبال غالبا . وجلجلة الرعد : صوته . وما تلاشت عنه : بروق الغمام اى : ينكشف للأبصار بسبب اضاءتها فكأنها اضمحلت عنه ولم تكشفه لانّ العلم به اشرف لتعلَّقه بما لا تدركه ابصار المخلوقين دون ما يضيئه لأدراك الكلّ له . والانواء : جمع نوء وهو : سقوط نجم من منازل القمر الثمانية والعشرين فى المغرب مع الفجر ، وطلوع رقيبه من المشرق يقابله من ساعته ، فى كل ليلة الى ثلاثة عشر يوما ، ( وهكذا كلّ نجم منها الى انقضاء السنة ما خلا الجبهة فانّ لها أربعة عشر يوما )[3]. وانّما اضاف العواصف الى الأنواء : لانّ العرب تضيف الآثار العلويّة من الرياح
[1]منهاج البراعة 2 - 181
[2]شرح ابن ابى الحديد . 10 - 76 . لسان العرب 11 - 63
[3]العبارة بين القوسين غير موجودة فى نسخة ش .
والأمطار والحرّ والبرد اليها . وسلب تحديده بالاين : سلب الكميّة المتّصلة عنه . وبالأزواج ، سلب للكم المنفصل عنه اى : ليس فيه اثنينية وتعدّد . والمعالجة : الفعل بآلة والعظيم من آياته ، كما روى انّه كان يسمع الصوت من كل الجهات ليس على حدّ سماع البشر ، وقد ذكرنا كيفية سماع الأنبياء للوحي فى الأصل ، وقيل : اراد الآيات التسع كانشقاق البحر ، وقلب العصا ثعبانا ، وغيرهما . وحجرات القدس : مقارّ الطهارة عن كدورات الشهوة والغضب . والمرجحنّ : المائل الى جهة تحت ، وهو مستعار لخضوعهم تحت سلطان عظمته . والظلام : امّا محسوس فأضاءه نور الكواكب ، او معقول وهو : ظلام العدم والجهل فأضاءه نور الوجود والعلم والشرائع . وكذلك النور : امّا محسوس فأظلمه معاقبة الظلام له ، وامّا معقول كأنوار الوجود والنفوس البشريّة فانّها انوار الهية تغشاها ظلمة العدم والجهل . والرياش : اللباس . والعماليق : اولاد لاوذ بن ارم بن سام بن نوح ، وكان ملك اليمن والحجاز ، وما تاخم ذلك من الأقاليم . وامّا الفراعنة : فهم ملوك مصر . وامّا اصحاب مدائن الرسّ فقيل : انّهم اصحاب شعيب النّبى عليه السلام . والرسّ : بئر عظيمة جدّا انخسفت بهم وكانوا حولها . وقيل : الرسّ قرية باليمامة كان يسكنها قوم من بقايا ثمود ، واللَّه اعلم . منها : قد لبس للحكمة جنّتها ، وأخذها بجميع أدبها : من الإقبال عليها ، والمعرفة بها ، والتّفرّغ لها ، وهى عند نفسه ضالَّته الَّتى يطلبها ، وحاجته الَّتى يسأل عنها ، فهو مغترب إذا اغترب الإسلام ، وضرب بعسيب ذنبه وألصق الأرض بجرانه ، بقيّة من بقايا حجّته ، خليفة من خلائف أنبيائه .
ثم قال عليه السّلام : أيّها النّاس ، إنّى قد بثثت لكم المواعظ وعظ الأنبياء بها أممهم ، وأدّيت إليكم ما أدّت الأوصياء إلى من بعدهم ، وأدّبتكم بسوطى فلم تستقيموا ، وحدوتكم بالزّواجر فلم تستوسقوا للَّه أنتم ، أتتوقّعون إماما غيرى يطأ بكم الطَّريق ، ويرشدكم السّبيل ألا إنّه قد أدبر من الدّنيا ما كان مقبلا ، وأقبل منها ما كان مدبرا ، وأزمع التّرحال
عباد اللَّه الأخيار ، وباعوا قليلا من الدّنيا لا يبقى بكثير من الآخرة لا يفنى ، ما ضرّ إخواننا الَّذين سفكت دماؤهم وهم بصفّين أن لا يكونوا اليوم أحياء يسيغون الغصص ، ويشربون الرّنق قد - واللَّه - لقوا اللَّه فوفّاهم أجورهم ، وأحلَّهم دار الامن بعد خوفهم ، أين إخوانى الَّذين ركبوا الطَّريق ومضوا على الحقّ أين عمّار وأين ابن التّيّهان وأين ذو الشّهادتين وأين نظراؤهم من إخوانهم الَّذين تعاقدوا على المنيّه ، وأبرد برؤسهم إلى الفجرة قال : ثم ضرب بيده على لحيته الشريفة الكريمة فأطال البكاء ، ثم قال عليه السلام : أوه على إخوانى الَّذين قرؤا القرآن فأحكموه ، وتدبّروا الفرض فأقاموه ، أحيوا السّنّة ، وأماتوا البدعة ، دعوا للجهاد فأجابوا ، ووثقوا بالقائد فاتّبعوه . ثم نادى باعلى صوته : الجهاد الجهاد عباد اللَّه ألا وإنّى معسكر فى يومى هذا ، فمن أراد الرّواح إلى اللَّه فليخرج . قال نوف : وعقد للحسين - عليه السلام - فى عشرة آلاف ، ولقيس بن سعد - رحمه الله - في عشرة آلاف ، ولأبى ايوب الانصارى فى عشرة آلاف ، ولغيرهم على اعداد اخر ، وهو يريد الرجعة الى صفين ، فما دارت الجمعه حتى ضربه الملعون ابن ملجم لعنه الله ، فتراجعت العساكر فكنّا كأغنام فقدت راعيها تختطفها الذئاب من كل مكان .
اقول : الضمير فى لبس : للعارف مطلقا ، وقيل : هو الامام المنتظر . واستعار لفظ الجنّة : للاستعداد بالزهد والعبادة الواقيين له كوقاء الجنة . والمعرفة بها : اى بقدرها ولفظ الضالة لها : باعتبار طلبه ايّاها ، كما قال صلى اللَّه عليه وآله : ( الحكمة ضالَّة المؤمن )[1]وقوله : فهو ، الى قوله : الاسلام ، اشارة الى خفائه بين الناس وقلَّة وجود مثله ، وغربة الاسلام : قلة لزومه ، والعمل به كما قال صلى اللَّه عليه وآله : ( بدأ الاسلام غريبا وسيعود كما بدأ )[2]واستعار لفظ عسيب الذنب وهو : طرفه ، ولفظ الجران وهو : مقدّم عنق البعير ، للاسلام ملاحظة لشبهه ايّاه فى سقوطه عند ضعفه . واستوسق الأمر : اجتمع وانتظم . وازمع : صمم عزمه . وقوله : ما ضرّ ، الى قوله : الرنق : تنبيه على عدم ضرر الموت لإخوانه المذكورين من الصحابة الَّذين قتلوا بصفّين . والرنق ، بالسكون : الكدر . وعمّار : هو عمار ابن ياسر الَّذى قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله فيه : عمار جلدة ما بين عينى ، تقتله الفئة
[1]مجمع البحرين 6 - 46 . التمثيل والمحاضرة - 25
[2]صحيح مسلم 1 - 130 . النهاية فى غريب الحديث 3 - 348 .
الباغية لا انا لها اللَّه شفاعتي[1]. وابن التيهان : هو ابو الهيثم مالك بن مالك ، وقيل : مالك ابن عمرو بن الحرث التيهان . ذو الشهادتين : هو ابو عمارة خزيمة بن ثابت الانصارى الأوسى ، جعل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله شهادته بشهادة رجلين لقصة مشهورة . وابرد : أرسل . والفجرة : امراء الشام . والقائد : يعنى نفسه . وقيس : هو ابن سعد بن عبادة الانصارى . وابو ايّوب : هو خالد بن سعد بن كعب من بنى النجار ، وعليه نزل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله حين هاجر الى المدينة حتى بنى مسجده ومساكنه .
184 - ومن خطبة له عليه السّلام الحمد للَّه المعروف من غير رؤية ، الخالق من غير منصبة ، خلق الخلائق بقدرته ، واستعبد الأرباب بعزّته ، وساد العظماء بجوده . وهو الَّذى أسكن الدّنيا خلقه ، وبعث إلى الجنّ والإنس رسله ، ليكشفوا لهم عن غطائها ، وليحذّروهم من ضرّائها ، وليضربوا لهم أمثالها ، وليهجموا عليهم بمعتبر من تصرّف مصاحّها وأسقامها ، وليبصروهم عيوبها وحلالها وحرامها ، وما أعدّ اللَّه للمطيعين منهم والعصاة من جنّة ونار وكرامة وهوان . أحمده إلى نفسه كما استحمد إلى خلقه ، وجعل لكلّ شيء قدرا ، ولكلّ قدر أجلا ، ولكلّ أجل كتابا .
أقول : نزّهه فى معرفته عن الرؤية ، وفى خالقيته عن التعب ، لاستلزامهما الجسميّة . وقوله : ليكشفوا لهم اى : اغطية الهيئات البدنيّة ، واغشية الجهل وكشفها بالتذكير ، والموعظة عن اعين بصائرهم ، ليروا ما تغطَّى من احوال الآخرة التي خلقوا لها . وضرّائها : ما يلزم الغفلة فيها من الضرر الاخروىّ . وباللَّه التوفيق . منها : فى ذكر القرآن : فالقرآن آمر زاجر ، وصامت ناطق ، حجّة اللَّه على خلقه : أخذ عليهم ميثاقه ، وارتهن عليه أنفسهم ، أتمّ نوره ، وأكمل به دينه ، وقبض نبيّه ، صلَّى اللَّه عليه وآله ، وقد فرغ إلى الخلق من أحكام الهدى به ، فعظَّموا منه سبحانه ما عظَّم من نفسه ، فإنّه لم
[1]الغدير 9 - 21 . باسانيد وطرق مختلفة .
يخف عنكم شيئا من دينه ، ولم يترك شيئا رضيه أو كرهه ، إلَّا وجعل له علما باديا ، وآية محكمة تزجر عنه أو تدعو إليه ، فرضاه فيما بقى واحد ، وسخطه فيما بقى واحد . واعلموا أنّه لن يرضى عنكم بشىء سخطه على من كان قبلكم ، ولن يبسخط عليكم بشىء رضيه ممّن كان قبلكم ، وإنّما تسيرون فى أثر بيّن ، وتتكلَّمون برجع قول قد قاله الرّجال من قبلكم ، قد كفاكم مئونة دنياكم ، وحثّكم على الشّكر ، وافترض من ألسنتكم الذّكر ، وأوصاكم بالتّقوى وجعلها منتهى رضاه وحاجته من خلقه ، فاتّقوا اللَّه الَّذى أنتم بعينه ونواصيكم بيده ، وتقلَّبكم فى قبضته : إن أسررتم علمه ، وإن أعلنتم كتبه ، قد وكَّل بكم حفظة كراما ، لا يسقطون حقّا ، ولا يثبتون باطلا ، واعلموا أنّ من يتّق اللَّه يجعل له مخرجا من الفتن ، ونورا من الظَّلم ، ويخلده فيما اشتهت نفسه ، وينزله منزلة الكرامة عنده ، فى دار اصطنعها لنفسه : ظلَّها عرشه ، ونورها بهجته ، وزوّارها ملائكته ، ورفقاؤها رسله . فبادروا المعاد ، وسابقوا الآجال ، فإنّ النّاس يوشك أن ينقطع بهم الأمل ، ويرهقهم الأجل ، ويسدّ عنهم باب التّوبة ، فقد أصبحتم فى مثل ما سأل إليه الرّجعة من كان قبلكم ، وأنتم بنو سبيل على سفر من دار ليست بداركم ، وقد أوذنتم منها بالارتحال ، وأمرتم فيها بالزّاد ، واعلموا أنّه ليس لهذا الجلد الرّقيق صبر على النّار ، فارحموا نفوسكم فإنّكم قد جرّبتموها فى مصائب الدّنيا . أفرأيتم جزع أحدكم من الشّوكة تصيبه والعثرة تدميه ، والرّمضاء تحرقه فكيف إذا كان بين طابقين من نار ، ضجيع حجر ، وقرين شيطان أعلمتم أنّ مالكا إذا غضب على النّار حطم بعضها بعضا لغضبه ، وإذا زجرها توثّبت بين أبوابها جزعا من زجرته أيّها اليفن الكبير ، الَّذى قد لهزه القتير كيف أنت إذا التحمت أطواق النّار بعظام الأعناق ، ونشبت الجوامع ، حتّى أكلت لحوم السّواعد فاللَّه اللَّه ، معشر العباد ، وأنتم سالمون فى الصّحّة قبل السّقم وفى الفسحة قبل الضّيق ، فاسعوا فى فكاك رقابكم من قبل أن تغلق رهائنها : أسهروا عيونكم . وأضمروا بطونكم ، واستعملوا أقدامكم ، وأنفقوا أموالكم ، وخذوا من أجسادكم فجدّدوا بها على أنفسكم ولا تبخلوا بها عنها ، فقد قال اللَّه سبحانه : * ( ( إِنْ تَنْصُرُوا الله يَنْصُرْكُمْ ويُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ ) ) *[1]وقال تعالى : * ( ( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ الله ) *
[1]سورة محمد ( ص ) 7 .