ويحك ، إنّى لست كأنت ، إنّ اللَّه فرض على أئمّة العدل أن يقدّروا أنفسهم بضعفة النّاس كيلا يتبيّغ بالفقير فقره .
اقول : استفهامة للعلاء فى معرض التوبيخ لما انّ ذلك ينافي الزهد فى الدنيا . وقوله : ويلى ، الى آخره هداية له الى وجوب استعمالها فى مرضاة اللَّه بعد التفريط فى بنائها . ومطالع الحقوق مصارفها الشرعيّة . وقوله : على به ينوب مناب فعل الأمر اى : ائتونى به . وعدىّ[1]تصغير عدو ونهيه له عما فعل لانّه لم يكن على وجهه ، بل فهم منه انّه عن جهل وهوى ، واستلزام ترك حقوق تلزمه شرعا لأهله وولده . والهيام : الذهاب فى التيه .
واستهام بك الخبيث اى : طلب منك الشيطان الهنام وزيّنه لك . وقوله : فكيف بك اى : فكيف بك هذه الحال ، وانت القدوة : جوابه عليه السلام بالفرق بينهما .
200 - ومن كلام له عليه السّلام وقد سأله سائل عن أحاديث البدع ، وعما فى أيدى الناس من اختلاف الخبر فقال عليه السلام : إنّ فى أيدى النّاس حقّا وباطلا ، وصدقا وكذبا ، وناسخا ومنسوخا ، وعامّا وخاصّا ، ومحكما ومتشابها ، وحفظا ووهما . ولقد كذب على رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، على عهده حتّى قام خطيبا ، فقال : « من كذب علىّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار »[2]. وإنّما أتاك بالحديث أربعة رجال ليس لهم خامس : رجل منافق مظهر للإيمان ، متصنّع بالإسلام ، لا يتأثّم ولا يتحرّج يكذب على رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، متعمّدا ، فلو علم النّاس أنّه منافق كاذب لم يقبلوا منه ، ولم يصدّقوا قوله ، ولكنّهم قالوا صاحب رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : رآه ، وسمع منه ، ولقف عنه فيأخذون بقوله ، وقد أخبرك اللَّه عن المنافقين بما أخبرك ، ووصفهم بما وصفهم به لك ، ثمّ بقوا بعده - عليه وآله السّلام - فتقرّبوا إلى أئمّة الضّلالة ،
[1]في نسخة ش : وعدى نفسه تصغير .
[2]صحيح مسلم 1 - 10 . الغدير 5 - 378 .
والدّعاة إلى النّار بالزّور والبهتان ، فولَّوهم الأعمال ، وجعلوهم حكَّاما على رقاب النّاس ، وأكلوا بهم الدّنيا ، وإنّما النّاس مع الملوك والدّنيا إلَّا من عصم اللَّه ، فهذا أحد الأربعة . ورجل سمع من رسول اللَّه شيئا لم يحفظه على وجهه ، فوهم فيه ولم يتعمّد كذبا ، فهو فى يديه ويرويه ويعمل به ، ويقول : أنا سمعته من رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، فلو علم المسلمون أنّه وهم فيه لم يقبلوا منه ، ولو علم هو أنّه كذلك لرفضه ورجل ثالث : سمع من رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله شيئا يأمر به ثمّ نهى عنه وهو لا يعلم ، أو سمعه ينهى عن شيء ، ثمّ أمر به وهو لا يعلم ، فحفظ المنسوخ ، ولم يحفظ النّاسخ ، فلو علم أنّه منسوخ لرفضه ، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنّه منسوخ لرفضوه . وآخر رابع : لم يكذب على اللَّه ، ولا على رسوله ، مبغض للكذب خوفا من اللَّه ، وتعظيما لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله ولم يهم ، بل حفظ ما سمع على وجهه ، فجاء به على ما سمعه : لم يزد فيه ولم ينقص منه ، فحفظ النّاسخ فعمل به ، وحفظ المنسوخ فجنّب عنه ، وعرف الخاصّ والعامّ ، فوضع كلّ شيء موضعه ، وعرف المتشابه ومحكمه . وقد كان يكون من رسول اللَّه ، صلَّى اللَّه عليه وآله ، الكلام له وجهان : فكلام خاصّ ، وكلام عامّ ، فيسمعه من لا يعرف ما عنى اللَّه سبحانه به ، ولا ما عنى به رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، فيحمله السّامع ، ويوجّهه على غير معرفة بمعناه ، وما قصد به ، وما خرج من أجله ، وليس كلّ أصحاب رسول اللَّه ، صلَّى اللَّه عليه وآله ، من كان يسأله ويستفهمه ، حتّى إن كانوا ليحبّون أن يجيء الأعرابىّ والطَّارىء فيسأله عليه السّلام حتّى يسمعوا وكان لا يمرّبى من ذلك شيء إلَّا سألت عنه وحفظته ، فهذه وجوه ما عليه النّاس فى اختلافهم ، وعللهم فى رواياتهم .
اقول : احاديث البدع : الأحاديث المسرعة بعد الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله ، والمكذوبة عليه . والَّذى ترتكب منها البدع وهى : محدثات الامور فى الدين بما لا حجة شرعيّة فيه . والحفظ : ما حفظ عنه عليه السلام . والوهم : ما غلط فيه فتوّهم مثلا انّه عام والمراد به الخصوص : او انّه ثابت وهو منسوخ ، ووجه الحصر فى قسمة رجال الحديث ،
انّ الناقل له المنتسب الى الاسلام ، امّا منافق ، او لا والثاني : امّا ان يكون قد وهم فيه او لا والثالث امّا ان يكون قد عرف ما يتعلق به من شرائط الرواية او لا يكون . ودّل على الحصر بقوله : ليس لهم خامس واشار الى الاوّل بقوله : رجل منافق ، الى قوله : فهذا احد الاربعة . ويتصنّع بالاسلام يتزيّن به ويتحلَّى به فى عيون أهله . ولا يتأثّم : لا يعترف بالاثم اولا يحجم عنه . ووجه الشبهة فى قبول قوله : ظاهر الاسلام وصحبة الرسول عليه السلام . وخبّر اللَّه تعالى عن المنافقين كقوله : * ( ( إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ) ) * الآية[1]ونحوها . ووصفهم بالكذب فى قوله تعالى : * ( ( إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ ) ) *[2]وأئمه الضلال : بنو اميّة . واشار الى الثاني بقوله : ورجل سمع منى ، الى قوله : لرفضه والى الثالث بقوله : ورجل ثالث ، الى قوله : لرفضوه . والى الرابع بقوله : وآخر رابع الى قوله : ومحكمه وهو ظاهر .
201 - ومن خطبة له عليه السّلام وكان من اقتدار جبروته ، وبديع لطائف صنعته ، أن جعل من ماء البحر الزّاخر المتراكم المتعاصف يبسا جامدا ، ثمّ فطر منه أطباقا ، ففتقها سبع سموات بعد ارتتاقها ، فاستمسكت بأمره ، وقامت على حدّه ، وأرسى أرضا يحملها الأخضر المثعنجر ، والقمقام المسخّر ، قد ذلّ لأمره ، وأذعن لهيبته ، ووقف الجارى منه لخشيته ، وجبل جلاميدها ، ونشوز متونها وأطوادها ، فأرساها فى مراسيها ، وألزمها قرارتها . فمضت رؤسها فى الهواء ، ورست أصولها فى الماء ، فأنهد جبالها عن سهولها ، وأساخ قواعدها فى متون أقطارها ومواضع أنصابها ، فأشهق قلالها ، وأطال أنشازها ، وجعلها للأرض عمادا ، وأرّزها فيها أوتادا ، فسكنت على حركتها من أن تميد بأهلها ، أو تسيخ بحملها ، أو تزول عن مواضعها . فسبحان من أمسكها بعد موجان مياهها ، وأجمدها بعد رطوبة أكنافها ، فجعلها لخلقه مهادا ، وبسطها لهم فراشا فوق بحر لجّىّ راكد لا يجرى ، وقائم لا يسرى ، تكركره الرّياح
[1]سورة النساء - 145
[2]سورة المنافقون - 1 .
العواصف . وتمخضه الغمام الذّوارف * ( ( إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى ) ) * .
اقول : اشار هاهنا الى انّ اصل الاجرام السماويّة والأرضية : هو الماء . ووصف كيفية تكونّها عنه ، وقد مرّ ذلك فى الخطبة الأولى . وتعاصفه ترادّ أمواجه . واليبس الجامد الأرض وحدّه هو ما مضى به لها من النهاية . والضمير فى يحملها لليبس .
والمثعنجر : السيّال كثير الماء . والقمقام : البحر . وجبل : خلق . وجلاميدها : صخورها .
وانهد : رفع . واساخ : ادخل . وانصابها : جمع نصب وهو لما انتصب منها . والانشاز : جمع نشز وهو العوالى منها . وارزّها : غرزها . وروى مخففا اى : اثبتها . واكنافها : اقطارها .
وتكركره : تردّده وتصرّفه . والفصل واضح ، وباللَّه التوفيق .
< فهرس الموضوعات > من خطبة له عليه السلام في استنهاض أصحابه إلى الجهاد < / فهرس الموضوعات > 202 - ومن خطبة له عليه السّلام اللَّهمّ أيّما عبد من عبادك سمع مقالتنا العادلة غير الجائرة ، والمصلحة فى الدّين والدّنيا غير المفسدة فأبى بعد سمعه لها إلَّا النّكوص عن نصرتك ، والإبطاء عن إعزاز دينك ، فإنّا نستشهدك عليه بأكبر الشّاهدين شهادة ، ونستشهد عليه جميع من أسكنته أرضك وسمواتك ، ثمّ أنت بعد المغنى عن نصره ، والآخذ له بذنبه .
اقول : الفصل استنفار لأصحابه الى الجهاد بدعاء اللَّه ، واستشهاده على المتقاعدين عن صوته تخويفا وجذبا بذلك الى نصرة الدين . والنكوص : الرجوع .
< فهرس الموضوعات > من خطبة له عليه السلام في حميد الله وشكره < / فهرس الموضوعات > 203 - ومن خطبة له عليه السّلام الحمد للَّه العلىّ عن شبه المخلوقين ، الغالب لمقال الواصفين ، الظَّاهر بعجائب تدبيره للنّاظرين ، الباطن بجلال عزّته عن فكر المتوهّمين ، العالم بلا اكتساب ، ولا ازدياد ، ولا علم مستفاد ، المقدّر لجميع الأمور بلا رويّة ولا ضمير ، الَّذى لا تغشاه الظَّلم ،
ولا يستضيء بالأنوار ، ولا يرهقه ليل ، ولا يجرى عليه نهار ، ليس إدراكه بالأبصار ، ولا علمه بالأخبار .
اقول : غلبه لمقال الواصفين : امتناعه بكمال ذاته وصفاته عن احاطة وصفهم به . وبطونه : خفاؤه عن تعلَّق الفكر به لجلالته ونزاهته عن مناسبة من شأنه كذلك ، والمقدر : الموجد ، والرّوية : الفكر . والضمير : ما اضمر من عزم وارادة ونحوهما . ويرهقه : يدركه .
وظاهر تقدّس علم اللَّه تعالى وتنزّه ذاته عن الأسباب واللواحق المذكورة . وانّما لم يكن علمنا له بالاخبار لانّ الاخبار انّما يصدق اذا اسندت الى محسوس ، تعالى اللَّه عن ذلك .
ومنها فى ذكر النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم : أرسله بالضّياء ، وقدّمه فى الاصطفاء ، فرتق به المفاتق ، وساور به المغالب وذلَّل به الصّعوبة ، وسهّل به الحزونة ، حتّى سرّح الضّلال عن يمين وشمال .
اقول : اراد بالمفاتق : امور العالم المتفرقّة ، ورتقها نظامها به . والمساورة : المغالبة .
والصعوبة : صعوبة المشركين . والحزونة حزونة طريق اللَّه . وسرح الضلال عن يمين وشمال : طرح رذيلتى الافراط والتفريط عن قوى النفس العاقلة كالقاء جنبتى الحمل عن ظهر الدابة . وهو من لطيف الاستعارة .
204 - ومن خطبة له عليه السّلام وأشهد أنّه عدل عدل ، وحكم فصل ، وأشهد أنّ محمّدا عبده وسيّد عباده كلَّما نسخ اللَّه الخلق فرقتين ، جعله فى خيرهما ، لم يسهم فيه عاهر ، ولا ضرب فيه فاجر . ألا وإنّ اللَّه قد جعل للخير أهلا ، وللحقّ دعائم ، وللطَّاعة عصما ، وإنّ لكم عند كلّ طاعة عونا من اللَّه : يقول على الألسنة ، ويثبّت الأفئدة ، فيه كفاء لمكتف ، وشفاء لمشتف .
واعلموا أنّ عباد اللَّه المستحفظين علمه ، يصونون مصونه ، ويفجّرون عيونه ، يتواصلون بالولاية ، ويتلاقون بالمحبّة ، ويتساقون بكأس رويّة ، ويصدرون بريّة ، لا تشوبهم الرّيبة ، ولا تسرع فيهم الغيبة ، على ذلك عقد خلقهم وأخلاقهم ، فعليه يتحابّون ، وبه يتواصلون ، فكانوا كتفاضل البذر ينتقى ، فيؤخذ منه ويلقى ، قد ميّزه التّخليص ، وهذّبه التّمحيص ، فليقبل امرؤ كرامة بقبولها ، وليحذر قارعة قبل حلولها ، ولينظر امرو فى قصير أيّامه ، وقليل مقامه ، فى منزل حتّى يستبدل به منزلا ، فليصنع لمتحوّله ، ومعارف منتقله ، فطوبى لذى قلب سليم أطاع من يهديه ، وتجنّب من يرديه وأصاب سبيل السّلامة ببصر من بصّره ، وطاعة هاد أمره ، وبادر الهدى قبل أن تغلق أبوابه ، وتقطع أسبابه ، وأستفتح التّوبة ، وأماط الحوبة . فقد أقيم على الطَّريق ، وهدى نهج السّبيل .
اقول : نسخ الخلق : نقلهم عن أصولهم بالتناسل ، واراد كلَّما اوجد فرقتين من الخلق عن اصولهما جعله فى خيرهما كما قال صلى اللَّه عليه وآله : ( انا محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب انّ اللَّه خلق الخلق فجعلنى فى خيّرهم ، ثم جعلهم فرقتين ، فجعلنى فى خيّرهم ، ثم جعلهم قبائل ، فجعلنى فى خيّرهم ، ثم جعلهم بيوتا ، فجعلنى فى خيّرهم ، فأنا خيركم بيتا وخيركم نفسا ) . ولم يسهم فيه عاهر : اى : لم يكن للزنا فيه شرك كما قال صلى اللَّه عليه وآله : لم يزل ينقلني اللَّه تعالى من اصلاب الطاهرين الى ارحام الطاهرات .
وقوله : عصما ، اى : قوّما وادلَّة يعتصم بها ويلجأ اليها فى المعونة على الطاعة . وقوله : يقول الى قوله الافئدة : تفصيل لوجوه المعونة ، والضمير فى يقول : اللَّه ، او للعون مجازا . وقوله : على الألسنة : كما فى القرآن الكريم . وتثبيته للأفئدة ، اى : على محبته وطاعته ، تذكيره تعالى . ولطائف موعظته ووعده ووعيده فى كتابه العزيز كما قال : * ( ( الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ ) *[1]) وما فيه الكفاية هو ذلك العون . والولاية بالكسر : الاسم من الولىّ واصله القرب ، وبالفتح : مصدر واراد انّهم يتواصلون فى قربتهم من اللَّه وتجمعهم محبته . واستعار لفظ الكأس الرّوية ، والرّية الفعلة من الرّى واراد انّهم لا يعترفون الَّا عن فائدة . وقوله : على ذلك اى على ما عدّد من مكارم الاخلاق فى صفات عباد اللَّه ، ولا تشوبهم
[1]سورة الرعد - 28 .
الريبة ، اى : لا يتداخلهم شكّ فى الدّين بنفاق او فى صحبتهم . وقوله : فكانوا كتفاضل البدر ، اى : كانوا فى الناس كالبدر المتفاضل ، ويفيد انّهم افضل من غيرهم مع تفاضلهم .
ونبّه على وجه الشبه بقوله : ينتقى ، الى قوله : التمحيص وهو الاختيار . والكرامة : نصيحته فى طاعة ربّه اى : الحسن التّام . والقارعة : الشديدة من شدائد الدهر . ومعارف انتقاله : المواضع التي يعلم انتقاله اليها . وسليم : لم يتدنّس بالعقائد الباطلة ومن يهديه : أئمه الدّين ، ومن يرديه : أئمه الضلال فى مهاوى الهلاك . والحوبة : الأثم . وباللَّه التوفيق .
205 - ومن دعائه عليه السّلام الحمد للَّه الَّذى لم يصبح بى ميّتا ولا سقيما ، ولا مضروبا على عروقى بسوء ولا مأخوذا بأسوإ عملى ، ولا مقطوعا دابرى ، ولا مرتدّا عن دينى ، ولا منكرا لربّى ، ولا مستوحشا من إيمانى ، ولا ملتبسا عقلى ، ولا معذّبا بعذاب الأمم من قبلى . أصبحت عبدا مملوكا ظالما لنفسى ، لك الحجّة علىّ ولا حجّة لى . لا أستطيع أن آخذ إلَّا ما أعطيتنى ، ولا أتّقى إلَّا ما وقيتنى . اللَّهمّ إنّى أعوذ بك أن أفتقر فى غناك ، أو أضلّ فى هداك ، أو أضام فى سلطانك ، أو اضطهد والأمر لك . اللَّهمّ اجعل نفسى أوّل كريمة تنتزعها من كرائمى ، وأوّل وديعة ترتجعها من ودائع نعمك عندى . اللَّهمّ إنّا نعوذ بك أن نذهب عن قولك ، أو نفتتن عن دينك ، أو تتابع بنا أهواؤنا دون الهدى الَّذى جاء من عندك .
اقول : الدّابر : الظهر . والدابر : بقية الرجل من ولده ونسله . والالتباس : الإختلاط . وكرائمه : قواه واعضاؤه التي تكرّم عليه ، واراد متعنّي بجميع قواى وجوارحى سليمة الى آخر عمرى ، لانّ انتزاع النفس قبل جميع الكرائم يستلزم بقاؤها سليمة من الآفات الى حين الممات ، ونحوه قول الرسول صلى اللَّه عليه وآله ( اللَّهم متّعني بسمعى وبصرى و
اجعلهما الوارث منّى . والفصل واضح .
206 - ومن خطبة له عليه السّلام خطبها بصفين أمّا بعد ، فقد جعل اللَّه لى عليكم حقّا بولاية أمركم ، ولكم علىّ من الحقّ مثل الَّذى لى عليكم ، فالحقّ أوسع الأشياء فى التّواصف ، وأضيقها فى التّناصف ، لا يجرى لأحد إلَّا جرى عليه ، ولا يجرى عليه إلَّا جرى له . ولو كان لأحد أن يجرى له ولا يجرى عليه لكان ذلك خالصا للَّه سبحانه دون خلقه ، لقدرته على عباده ، ولعدله فى كلّ ما جرت عليه صروف قضائه ، ولكنّه جعل حقّه على العباد أن يطيعوه وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثّواب تفضّلا منه وتوسّعا بما هو من المزيد أهله . ثمّ جعل - سبحانه - من حقوقه حقوقا افترضها لبعض النّاس على بعض ، فجعلها تتكافأ فى وجوهها ، ويوجب بعضها بعضا ، ولا يستوجب بعضها إلَّا ببعض . وأعظم ما افترض - سبحانه - من تلك الحقوق حقّ الوالى على الرّعيّة ، وحقّ الرّعيّة على الوالى ، فريضة فرضها اللَّه - سبحانه - لكلّ على كلّ ، فجعلها نظاما لألفتهم ، وعزّا لدينهم فليست تصلح الرّعيّة إلَّا بصلاح الولاة ، ولا يصلح الولاة إلَّا باستقامة الرّعيّة ، فإذا أدّت الرّعيّة إلى الوالى حقّه ، وأدّى الوالى إليها حقّها ، عزّ الحقّ بينهم ، وقامت مناهج الدّين ، واعتدلت معالم العدل ، وجرت على أذلالها السّنن ، فصلح بذلك الزّمان ، وطمع فى بقاء الدّولة ، ويئست مطامع الأعداء . وإذا غلبت الرّعيّة واليها ، أو أجحف الوالى برعيّته ، اختلفت هنالك الكلمة ، وظهرت معالم الجور ، وكثر الادغال فى الدّين ، وتركت محاجّ السّنن ، فعمل بالهوى ، وعطَّلت الأحكام وكثرت علل النّفوس ، فلا يستوحش لعظيم حقّ عطَّل ، ولا لعظيم باطل فعل فهنالك تذلّ الأبرار وتعزّ الأشرار ، وتعظم تبعات اللَّه عند العباد ، فعليكم بالتّناصح فى ذلك وحسن التّعاون عليه ، فليس أحد - وإن اشتدّ على رضا اللَّه حرصه ، وطال فى العمل اجتهاده - ببالغ حقيقة ما اللَّه أهله من الطَّاعة [ له ] ولكن من واجب حقوق اللَّه على العباد النّصيحة بمبلغ جهدهم ، والتّعاون على إقامة الحقّ بينهم ،