بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 404


الريبة ، اى : لا يتداخلهم شكّ فى الدّين بنفاق او فى صحبتهم . وقوله : فكانوا كتفاضل البدر ، اى : كانوا فى الناس كالبدر المتفاضل ، ويفيد انّهم افضل من غيرهم مع تفاضلهم .
ونبّه على وجه الشبه بقوله : ينتقى ، الى قوله : التمحيص وهو الاختيار . والكرامة : نصيحته فى طاعة ربّه اى : الحسن التّام . والقارعة : الشديدة من شدائد الدهر . ومعارف انتقاله : المواضع التي يعلم انتقاله اليها . وسليم : لم يتدنّس بالعقائد الباطلة ومن يهديه : أئمه الدّين ، ومن يرديه : أئمه الضلال فى مهاوى الهلاك . والحوبة : الأثم . وباللَّه التوفيق .
205 - ومن دعائه عليه السّلام الحمد للَّه الَّذى لم يصبح بى ميّتا ولا سقيما ، ولا مضروبا على عروقى بسوء ولا مأخوذا بأسوإ عملى ، ولا مقطوعا دابرى ، ولا مرتدّا عن دينى ، ولا منكرا لربّى ، ولا مستوحشا من إيمانى ، ولا ملتبسا عقلى ، ولا معذّبا بعذاب الأمم من قبلى . أصبحت عبدا مملوكا ظالما لنفسى ، لك الحجّة علىّ ولا حجّة لى . لا أستطيع أن آخذ إلَّا ما أعطيتنى ، ولا أتّقى إلَّا ما وقيتنى . اللَّهمّ إنّى أعوذ بك أن أفتقر فى غناك ، أو أضلّ فى هداك ، أو أضام فى سلطانك ، أو اضطهد والأمر لك . اللَّهمّ اجعل نفسى أوّل كريمة تنتزعها من كرائمى ، وأوّل وديعة ترتجعها من ودائع نعمك عندى . اللَّهمّ إنّا نعوذ بك أن نذهب عن قولك ، أو نفتتن عن دينك ، أو تتابع بنا أهواؤنا دون الهدى الَّذى جاء من عندك .
اقول : الدّابر : الظهر . والدابر : بقية الرجل من ولده ونسله . والالتباس : الإختلاط . وكرائمه : قواه واعضاؤه التي تكرّم عليه ، واراد متعنّي بجميع قواى وجوارحى سليمة الى آخر عمرى ، لانّ انتزاع النفس قبل جميع الكرائم يستلزم بقاؤها سليمة من الآفات الى حين الممات ، ونحوه قول الرسول صلى اللَّه عليه وآله ( اللَّهم متّعني بسمعى وبصرى و


صفحه 405


اجعلهما الوارث منّى . والفصل واضح .
206 - ومن خطبة له عليه السّلام خطبها بصفين أمّا بعد ، فقد جعل اللَّه لى عليكم حقّا بولاية أمركم ، ولكم علىّ من الحقّ مثل الَّذى لى عليكم ، فالحقّ أوسع الأشياء فى التّواصف ، وأضيقها فى التّناصف ، لا يجرى لأحد إلَّا جرى عليه ، ولا يجرى عليه إلَّا جرى له . ولو كان لأحد أن يجرى له ولا يجرى عليه لكان ذلك خالصا للَّه سبحانه دون خلقه ، لقدرته على عباده ، ولعدله فى كلّ ما جرت عليه صروف قضائه ، ولكنّه جعل حقّه على العباد أن يطيعوه وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثّواب تفضّلا منه وتوسّعا بما هو من المزيد أهله . ثمّ جعل - سبحانه - من حقوقه حقوقا افترضها لبعض النّاس على بعض ، فجعلها تتكافأ فى وجوهها ، ويوجب بعضها بعضا ، ولا يستوجب بعضها إلَّا ببعض . وأعظم ما افترض - سبحانه - من تلك الحقوق حقّ الوالى على الرّعيّة ، وحقّ الرّعيّة على الوالى ، فريضة فرضها اللَّه - سبحانه - لكلّ على كلّ ، فجعلها نظاما لألفتهم ، وعزّا لدينهم فليست تصلح الرّعيّة إلَّا بصلاح الولاة ، ولا يصلح الولاة إلَّا باستقامة الرّعيّة ، فإذا أدّت الرّعيّة إلى الوالى حقّه ، وأدّى الوالى إليها حقّها ، عزّ الحقّ بينهم ، وقامت مناهج الدّين ، واعتدلت معالم العدل ، وجرت على أذلالها السّنن ، فصلح بذلك الزّمان ، وطمع فى بقاء الدّولة ، ويئست مطامع الأعداء . وإذا غلبت الرّعيّة واليها ، أو أجحف الوالى برعيّته ، اختلفت هنالك الكلمة ، وظهرت معالم الجور ، وكثر الادغال فى الدّين ، وتركت محاجّ السّنن ، فعمل بالهوى ، وعطَّلت الأحكام وكثرت علل النّفوس ، فلا يستوحش لعظيم حقّ عطَّل ، ولا لعظيم باطل فعل فهنالك تذلّ الأبرار وتعزّ الأشرار ، وتعظم تبعات اللَّه عند العباد ، فعليكم بالتّناصح فى ذلك وحسن التّعاون عليه ، فليس أحد - وإن اشتدّ على رضا اللَّه حرصه ، وطال فى العمل اجتهاده - ببالغ حقيقة ما اللَّه أهله من الطَّاعة [ له ] ولكن من واجب حقوق اللَّه على العباد النّصيحة بمبلغ جهدهم ، والتّعاون على إقامة الحقّ بينهم ،


صفحه 406


وليس امرؤ - وإن عظمت فى الحقّ منزلته ، وتقدّمت فى الدّين فضيلته - بفوق أن يعان على ما حمّله اللَّه من حقّه ، ولا امرؤ - وإن صغّرته النّفوس ، واقتحمته العيون - بدون أن يعين على ذلك ، أو يعان عليه . فأجابه عليه السلام رجل من أصحابه بكلام طويل يكثر فيه الثناء عليه ويذكر سمعه وطاعته له ، فقال عليه السلام : إنّ من حقّ من عظم جلال اللَّه فى نفسه ، وجلّ موضعه من قلبه ، أن يصغر عنده - لعظم ذلك - كلّ ما سواه ، وإنّ أحقّ من كان كذلك لمن عظمت نعمة اللَّه عليه ، ولطف إحسانه إليه ، فإنّه لم تعظم نعمة اللَّه على أحد إلَّا ازداد حقّ اللَّه عليه عظما ، وإنّ من أسخف حالات الولاة عند صالح النّاس أن يظنّ بهم حبّ الفخر ، ويوضع أمرهم على الكبر ، وقد كرهت أن يكون جال فى ظنّكم أنّى أحبّ الإطراء ، واستماع الثّناء ، ولست - بحمد اللَّه - كذلك ، ولو كنت أحبّ أن يقال ذلك لتركته انحطاطا للَّه سبحانه عن تناول ما هو أحقّ به من العظمة والكبرياء ، وربّما استحلى النّاس الثّناء بعد البلاء ، فلا تثنوا علىّ بجميل ثناء لإخراجي نفسى إلى اللَّه وإليكم من التّقيّة فى حقوق لم أفرغ من أدائها ، وفرائض لا بدّ من إمضائها ، فلا تكلَّمونى بما تكلَّم به الجبابرة ، ولا تتحفّظوا منّى بما يتحفّظ به عند أهل البادرة ، ولا تخالطونى بالمصانعة ، ولا تظنّوا بى استثقالا فى حقّ قيل لى ، ولا التماس إعظام لنفسى ، فإنّه من استثقل الحقّ أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما عليه أثقل ، فلا تكفّوا عن مقالة بحقّ ، أو مشورة بعدل ، فإنّى لست فى نفسى بفوق أن أخطىء ، ولا آمن ذلك من فعلى إلَّا أن يكفى اللَّه من نفسى ما هو أملك به منّى ، فإنّما أنا وأنتم عبيد مملوكون لربّ لا ربّ غيره : يملك منّا ما لا نملك من أنفسنا ، وأخرجنا ممّا كنّا فيه إلى ما صلحنا عليه ، فأبدلنا بعد الضّلالة بالهدى ، وأعطانا البصيرة بعد العمى .
اقول : انّما كان الحّق فى التواصف أوسع منه فى التناصف ، لانّ القول أسهل وأيسر كلفة من العمل .
ومعالم العدل : مظانّه . واذلالها : وجوهها وطرقها . واجحف به : ذهب بأصله . والادغال : الإفساد . والمحاجّ الطرق الواضحة . وعلل النفوس : شبهاتها فى


صفحه 407


مخالفة الحق . وقوله : فعليكم بالتناصح فى ذلك اى : فى حفظ حقّ الوالى على رعيّته وحقّهم عليه . وقوله : وليس امرؤ الى قوله من حقّه ، اى : انّه وان بلغ المرء اعظم درجات طاعة اللَّه ، فهو محتاج ان يعان عليها وليست درجته تلك بأرفع من ان يعان على ما حمله اللَّه تعالى منها ، وذلك انّ تكليف اللَّه تعالى بطاعته بحسب وسع المكلَّف والوسع فى الطاعة : قد يكون مشروطا بمعونة الغير فيها فلا يستغنى احد عنه . وقوله : ولا امرؤ الى قوله : او يعان عليه ، اى : انّه لا ينبغي ان يحتقر احد عن الاستعانة به فى طاعة اللَّه وان اقتحمته النفوس اى : استصغرته ، فانّه ليس بدون ان يعين على طاعة اللَّه ولو بقبول الصدقة مثلا وغرضه من ذلك اتّفاق الكلمة والاتّحاد فى الدين ، واسخف : اضعف . وصالح الناس : اكثرهم . وقوله : وربّما ، الى قوله البلاء : اى : ربّما استحلى من ابلى بلاء حسنا ان يمدح واحبّ أن يثنى عليه بعد بلائه . واللام فى قوله : لإخراجي متعلق بقوله : كرهت واراد انّ غرضى من طاعتى اخراجى نفسى من بقية حقوق اللَّه الواجبة علَّي له ولكم بأمره ، فكأنه قال : واذا كانت طاعتى اداء ما وجب علىّ فكيف استحق به ثناء .
والبادرة : سرعة الغضب وما يتحفظ به عند اهل البادرة كترك المسارة مثلا فى مجالس الملوك ، اجلالا لهم وخوفا منهم . وما كنا فيه هو : ضلال الجاهلية . وما صلحنا عليه اى : الاسلام والهدى .
207 - ومن كلام له عليه السّلام اللَّهمّ إنّي أستعديك على قريش ، فإنّهم قد قطعوا رحمى وأكفئوا إنائى ، وأجمعوا على منازعتى حقّا كنت أولى به من غيرى ، وقالوا ألا إنّ فى الحقّ أن تأخذه وفى الحقّ أن تمنعه ، فاصبر مغموما ، أومت متأسّفا ، فنظرت فإذا ليس لى رافد ، ولا ذابّ ، ولا مساعد ، إلَّا أهل بيتى فضننت بهم عن المنيّة فأغضيت على القذى ، وجرعت ريقى على الشّجى ، وصبرت من كظم الغيظ علىّ أمرّ من العلقم ، والم للقلب من حزّ الشّفار . قال الرضى : وقد مضى هذا الكلام فى أثناء خطبة متقدمة إلا أنى كررته ههنا لاختلاف الروايتين .


صفحه 408


اقول : استعديك : اطلب عدواك أى : معونتك . وكفأت الاناء : كببته لوجهه ، وهو كناية عن قلبهم لأمره وتغييرهم للخلافة عنه وهو الحق الَّذى كان اولى به . والرافد : المعيّن . وضننت : بخلت . والشجى : ما يعرض فى الحلق من عظم وغيره ، وهو كناية عن الغمّ والتألَّم الحاصل له . والعلقم : شجر مرّ . وقد مرّ تفسير مثله .
منها فى ذكر السائرين إلى البصرة لحربه عليه السلام : فقدموا على عمّالى وخزّان بيت مال المسلمين الَّذى فى يدي وعلى أهل مصر كلَّهم فى طاعتى وعلى بيعتى ، فشتّتوا كلمتهم ، وأفسدوا علىّ جماعتهم ، ووثبوا على شيعتى ، فقتلوا طائفة منهم غدرا ، وطائفة منهم عضّوا على أسيافهم ، فضاربوا بها حتّى لقوا اللَّه صادقين .
أقول : عضوّا على اسيافهم اى لزموها ، وقد اشرنا الى طرف من حال السائرين الى البصرة لحربه فى الاصل[1]وسبق بيان هذا الفصل مشروحا .
208 - ومن كلام له عليه السّلام لما مر بطلحة وعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد وهما قتيلان يوم الجمل لقد أصبح أبو محمّد بهذا المكان غريبا أما واللَّه لقد كنت أكره أن تكون قريش قتلى تحت بطون الكواكب ، أدركت وترى من بنى عبد مناف وأفلتتنى أعيان بنى جمح ، لقد أتلعوا أعناقهم إلى أمر لم يكونوا أهله ، فوقصوا دونه .
اقول : كان طلحة والزبير من بنى عبد مناف من قبل الامّ . وجمح قبيلة وكان فى زمنه عليه السلام منهم : عبد اللَّه بن صفوان بن اميّة بن خلف ، وعبد الرحمن بن صفوان . وقيل : كان مروان بن الحكم ، منهم اخذ اسيرا يوم الجمل ، واستشفع بالحسن الى أبيه


[1]الشرح الكبير 4 - 50 .


صفحه 409


عليهما السلام . وروى اغيار بالغين المعجمة اى : جهلائهم ، وبالمهملة : جمع عير ، وعير القوم سيّدهم . واتلعوا اعناقهم : رفعوها ومدّوها كالمتطلَّعين ، وهو كناية عن تطاولهم الى امر الخلافة . ووقصوا : كسرت اعناقهم . وباللَّه التوفيق .
209 - ومن كلام له عليه السّلام قد أحيا عقله ، وأمات نفسه ، حتّى دقّ جليله ، ولطف غليظه ، وبرق له لا مع كثير البرق ، فأبان له الطَّريق ، وسلك به السّبيل ، وتدافعته الأبواب إلى باب السّلامة ، ودار الإقامة ، وثبتت رجلاه بطمأنينة بدنه فى قرار الأمن والرّاحة ، بما استعمل قلبه ، وأرضى ربّه .
اقول : يشير الى وصف العارف فأحيى عقله بالرياضة التّامة ، وتحصيل الكمالات العلميّة والعمليّة وتكميل قوّته بهما . واماتته نفسه اى : الامارّة بالسوء بتطويعها لعقله وكسرها بالعبادة والزهد الحقيقى . واستعار وصف الاماتة لقطعها عما يخصها من المشتهيات التي هى مادّة حياتها من حيث هى نفس امّارة . وكنى بجليله عن بدنه ودقّته لانقطاع مادة توسّعه فى المشتهيات . وغليظه : امّا بدنه او طباعه وقواه فانّها يلطف بالرياضة بعد غلظها وقساوتها . واشار باللَّام الى ما يعرض للسالك عند بلوغ الارادة والرياضة حدّا ما من الخلسات الى الجانب الأعلى ، من ظهور أنوار الهية لذيذة شبيهة بالبرق فى سرعة لمعانه واختفائه ، وتلك اللوامع مسماة فى عرف المجرّدين بالأوقات . وهذه اللوامع فى مبدأ الامر تعرض قليلا فاذا امعن فى الارتياض كثرت ، فاشار باللامع الى نفس ذلك النور ، وبكثرة بروقه الى كثرة عروضه له بعد الامعان فى الرياضة . وقوله : فأبان له الطريق اى : اظهر له ذلك اللمعان طريق الحق الى اللَّه تعالى ، وكان سببا لسلوكه فى سبيله اليه ، وتدافعته الابواب اى : ابواب الرياضة من الزهد والعبادة وغيرهما . ووجه التدافع هاهنا انتقاله من باب الى باب منها ، ومن عبادة الى اخرى . فكأنها تدافعه . وباب السلامة هو الباب الَّذى يلقى فيه السلامة من الانحراف عن الصراط المستقيم ، بمعرفة انّ تلك هى الطريق ويشبه ان يكون هو الوقت . وقوله : وثبتت رجلاه ، الى قوله : والراحة فى قرار


صفحه 410


الامن : اشارة الى درجة اعلى ، ويسمّى طمأنينة ، وذلك انّ السالك ما دام فى مرتبة الوقت فانّه يعرض له عند لمعان تلك البروق فى سرّه اضطراب وانزعاج يحسّ به جليسه لانّ النفس اذا فاجأها امر عظيم انزعجت له ، فاذا كثرت تلك الغواشى الفتها فصارت بحيث لا تنزعج عنها بل تسكن اليها وتطمئن عندها ، لثبوت قدم عقلها فى درجة اعلى من درجات الجنة التي هى قرار الأمن والراحة من عذاب اللَّه . وقوله : بما استعمل : متعلق بثبتت اى : بسبب هذا . وباللَّه التوفيق .
210 - ومن كلام له عليه السّلام قاله بعد تلاوته : ( أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ )[1]يا له مراما ما أبعده ، وزورا ما أغفله ، وخطرا ما أفظعه ، لقد استخلوا منهم أىّ مدّكر ، وتناوشوهم من مكان بعيد أفبمصارع آبائهم يفخرون أم بعديد الهلكى يتكاثرون يرتجعون منهم أجسادا خوت ، وحركات سكنت ، ولأن يكونوا عبرا أحقّ من أن يكونوا مفتخرا ، ولأن يهبطوا بهم جناب ذلَّة أحجى من أن يقوموا بهم مقام عزّة لقد نظروا إليهم بأبصار العشوة ، وضربوا منهم فى غمرة جهالة ، ولو استنطقوا عنهم عرصات تلك الدّيار الخاوية ، والرّبوع الخالية ، لقالت ذهبوا فى الأرض ضلَّالا ، وذهبتم فى أعقابهم جهّالا ، تطئون فى هامهم ، وتستثبتون فى أجسادهم وترتعون فيما لفظوا ، وتسكنون فيما خرّبوا ، وإنّما الأيّام بينكم وبينهم بواك ونوائح عليكم . أولئكم سلف غايتكم ، وفرّاط مناهلكم ، الَّذين كانت لهم مقاوم العزّ ، وحلبات الفخر ، ملوكا وسوقا ، سلكوا فى بطون البرزخ سبيلا ، سلَّطت الأرض عليهم فيه ، فأكلت من لحومهم ، وشربت من دمائهم ، فأصبحوا فى فجوات قبورهم جمادا لا ينمون ، وضمارا لا يوجدون ، لا يفزعهم ورود الأهوال ، ولا يحزنهم تنكَّر الأحوال ، ولا يحفلون بالرّواجف ، ولا يأذنون للقواصف ، غيّبا لا ينتظرون ، وشهودا لا يحضرون ، وإنّما كانوا جميعا فتشتّتوا ، والَّافا فافترقوا ، وما عن طول عهدهم ولا بعد محلَّهم عميت أخبارهم ، وصمّت ديارهم ،


[1]سورة التكاثر - 1 - 2 .


صفحه 411


ولكنّهم سقوا كأسا بدّلتهم بالنّطق خرسا وبالسّمع صمما ، وبالحركات سكونا فكأنّهم فى ارتجال الصّفة صرعى سبات ، جيران لا يتأنسون ، وأحبّاء لا يتزاورون ، بليت بينهم عرى التّعارف ، وانقطعت منهم أسباب الإخاء ، فكلَّهم وحيد وهم جميع ، وبجانب الهجر وهم أخلَّاء ، لا يتعارفون لليل صباحا ، ولا لنهار مساء ، أىّ الجديدين ظعنوا فيه كان عليهم سرمدا ، شاهدوا من أخطار دارهم أفظع ممّا خافوا ، ورأوا من آياتها أعظم ممّا قدّروا ، فكلتا الغايتين مدّت لهم إلى مباءة ، فأتت مبالغ الخوف والرّجاء ، فلو كانوا ينطقون بها لعيّوا بصفة ما شاهدوا وما عاينوا ، ولئن عميت آثارهم ، وانقطعت أخبارهم ، لقد رجعت فيهم أبصار العبر ، وسمعت عنهم آذان العقول ، وتكلَّموا من غير جهات النّطق ، فقالوا : كلحت الوجوه النّواضر ، وخوت الأجسام النّواعم ، ولبسنا أهدام البلى ، وتكاءدنا ضيق المضجع ، وتوارثنا الوحشة ، وتهكَّمت علينا الرّبوع الصّموت ، فانمحت محاسن أجسادنا ، وتنكَّرت معارف صورنا ، وطالت فى مساكن الوحشة إقامتنا ، ولم نجد من كرب فرجا ، ولا من ضيق متّسعا فلو مثّلتهم بعقلك ، أو كشف عنهم محجوب الغطاء لك ، وقد ارتسخت أسماعهم بالهوامّ فاستكَّت ، واكتحلت أبصارهم بالتّراب فخسفت ، وتقطَّعت الألسنة فى أفواههم بعد ذلاقتها ، وهمدت القلوب فى صدورهم بعد يقظتها ، وعاث فى كلّ جارحة منهم جديد بلى سمّجها ، وسهّل طرق الآفة إليها ، مستسلمات فلا أيد تدفع ، ولا قلوب تجزع ، لرأيت أشجان قلوب ، وأقذاء عيون ، لهم من كلّ فظاعة صفة حال لا تنتقل ، وغمرة لا تنجلى ، وكم أكلت الأرض من عزيز جسد ، وأنيق لون ، كان فى الدّنيا غذىّ ترف ، وربيب شرف ، يتعلَّل بالسّرور فى ساعة حزنه ، ويفزع إلى السّلوة إن مصيبة نزلت به ، ضنّا بغضارة عيشه ، وشحاحة بلهوه ولعبه فبينا هو يضحك إلى الدّنيا وتضحك الدّنيا إليه فى ظلّ عيش غفول ، إذ وطىء الدّهر به حسكه ونقضت الأيّام قواه ونظرت إليه الحتوف من كثب فخالطه بث لا يعرفه ، ونجىّ همّ ما كان يجده ، وتولَّدت فيه فترات علل آنس ما كان بصحّته ، ففزع إلى ما كان عوّده الأطبّاء من تسكين الحارّ بالقارّ ، وتحريك البارد بالحارّ ، فلم يطفىء ببارد إلَّا ثوّر حرارة ، ولا حرّك بحارّ إلَّا هيّج برودة ، ولا اعتدل بممازج لتلك الطَّبائع إلَّا أمدّ منها كلّ ذات داء ، حتّى فتر معلَّله ، وذهل ممرّضه ، وتعايا أهله بصفة دائه ، وخرسوا عن جواب السّائلين عنه ، وتنازعوا دونه شجىّ خبر يكتمونه : فقائل هو