بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 407


مخالفة الحق . وقوله : فعليكم بالتناصح فى ذلك اى : فى حفظ حقّ الوالى على رعيّته وحقّهم عليه . وقوله : وليس امرؤ الى قوله من حقّه ، اى : انّه وان بلغ المرء اعظم درجات طاعة اللَّه ، فهو محتاج ان يعان عليها وليست درجته تلك بأرفع من ان يعان على ما حمله اللَّه تعالى منها ، وذلك انّ تكليف اللَّه تعالى بطاعته بحسب وسع المكلَّف والوسع فى الطاعة : قد يكون مشروطا بمعونة الغير فيها فلا يستغنى احد عنه . وقوله : ولا امرؤ الى قوله : او يعان عليه ، اى : انّه لا ينبغي ان يحتقر احد عن الاستعانة به فى طاعة اللَّه وان اقتحمته النفوس اى : استصغرته ، فانّه ليس بدون ان يعين على طاعة اللَّه ولو بقبول الصدقة مثلا وغرضه من ذلك اتّفاق الكلمة والاتّحاد فى الدين ، واسخف : اضعف . وصالح الناس : اكثرهم . وقوله : وربّما ، الى قوله البلاء : اى : ربّما استحلى من ابلى بلاء حسنا ان يمدح واحبّ أن يثنى عليه بعد بلائه . واللام فى قوله : لإخراجي متعلق بقوله : كرهت واراد انّ غرضى من طاعتى اخراجى نفسى من بقية حقوق اللَّه الواجبة علَّي له ولكم بأمره ، فكأنه قال : واذا كانت طاعتى اداء ما وجب علىّ فكيف استحق به ثناء .
والبادرة : سرعة الغضب وما يتحفظ به عند اهل البادرة كترك المسارة مثلا فى مجالس الملوك ، اجلالا لهم وخوفا منهم . وما كنا فيه هو : ضلال الجاهلية . وما صلحنا عليه اى : الاسلام والهدى .
207 - ومن كلام له عليه السّلام اللَّهمّ إنّي أستعديك على قريش ، فإنّهم قد قطعوا رحمى وأكفئوا إنائى ، وأجمعوا على منازعتى حقّا كنت أولى به من غيرى ، وقالوا ألا إنّ فى الحقّ أن تأخذه وفى الحقّ أن تمنعه ، فاصبر مغموما ، أومت متأسّفا ، فنظرت فإذا ليس لى رافد ، ولا ذابّ ، ولا مساعد ، إلَّا أهل بيتى فضننت بهم عن المنيّة فأغضيت على القذى ، وجرعت ريقى على الشّجى ، وصبرت من كظم الغيظ علىّ أمرّ من العلقم ، والم للقلب من حزّ الشّفار . قال الرضى : وقد مضى هذا الكلام فى أثناء خطبة متقدمة إلا أنى كررته ههنا لاختلاف الروايتين .


صفحه 408


اقول : استعديك : اطلب عدواك أى : معونتك . وكفأت الاناء : كببته لوجهه ، وهو كناية عن قلبهم لأمره وتغييرهم للخلافة عنه وهو الحق الَّذى كان اولى به . والرافد : المعيّن . وضننت : بخلت . والشجى : ما يعرض فى الحلق من عظم وغيره ، وهو كناية عن الغمّ والتألَّم الحاصل له . والعلقم : شجر مرّ . وقد مرّ تفسير مثله .
منها فى ذكر السائرين إلى البصرة لحربه عليه السلام : فقدموا على عمّالى وخزّان بيت مال المسلمين الَّذى فى يدي وعلى أهل مصر كلَّهم فى طاعتى وعلى بيعتى ، فشتّتوا كلمتهم ، وأفسدوا علىّ جماعتهم ، ووثبوا على شيعتى ، فقتلوا طائفة منهم غدرا ، وطائفة منهم عضّوا على أسيافهم ، فضاربوا بها حتّى لقوا اللَّه صادقين .
أقول : عضوّا على اسيافهم اى لزموها ، وقد اشرنا الى طرف من حال السائرين الى البصرة لحربه فى الاصل[1]وسبق بيان هذا الفصل مشروحا .
208 - ومن كلام له عليه السّلام لما مر بطلحة وعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد وهما قتيلان يوم الجمل لقد أصبح أبو محمّد بهذا المكان غريبا أما واللَّه لقد كنت أكره أن تكون قريش قتلى تحت بطون الكواكب ، أدركت وترى من بنى عبد مناف وأفلتتنى أعيان بنى جمح ، لقد أتلعوا أعناقهم إلى أمر لم يكونوا أهله ، فوقصوا دونه .
اقول : كان طلحة والزبير من بنى عبد مناف من قبل الامّ . وجمح قبيلة وكان فى زمنه عليه السلام منهم : عبد اللَّه بن صفوان بن اميّة بن خلف ، وعبد الرحمن بن صفوان . وقيل : كان مروان بن الحكم ، منهم اخذ اسيرا يوم الجمل ، واستشفع بالحسن الى أبيه


[1]الشرح الكبير 4 - 50 .


صفحه 409


عليهما السلام . وروى اغيار بالغين المعجمة اى : جهلائهم ، وبالمهملة : جمع عير ، وعير القوم سيّدهم . واتلعوا اعناقهم : رفعوها ومدّوها كالمتطلَّعين ، وهو كناية عن تطاولهم الى امر الخلافة . ووقصوا : كسرت اعناقهم . وباللَّه التوفيق .
209 - ومن كلام له عليه السّلام قد أحيا عقله ، وأمات نفسه ، حتّى دقّ جليله ، ولطف غليظه ، وبرق له لا مع كثير البرق ، فأبان له الطَّريق ، وسلك به السّبيل ، وتدافعته الأبواب إلى باب السّلامة ، ودار الإقامة ، وثبتت رجلاه بطمأنينة بدنه فى قرار الأمن والرّاحة ، بما استعمل قلبه ، وأرضى ربّه .
اقول : يشير الى وصف العارف فأحيى عقله بالرياضة التّامة ، وتحصيل الكمالات العلميّة والعمليّة وتكميل قوّته بهما . واماتته نفسه اى : الامارّة بالسوء بتطويعها لعقله وكسرها بالعبادة والزهد الحقيقى . واستعار وصف الاماتة لقطعها عما يخصها من المشتهيات التي هى مادّة حياتها من حيث هى نفس امّارة . وكنى بجليله عن بدنه ودقّته لانقطاع مادة توسّعه فى المشتهيات . وغليظه : امّا بدنه او طباعه وقواه فانّها يلطف بالرياضة بعد غلظها وقساوتها . واشار باللَّام الى ما يعرض للسالك عند بلوغ الارادة والرياضة حدّا ما من الخلسات الى الجانب الأعلى ، من ظهور أنوار الهية لذيذة شبيهة بالبرق فى سرعة لمعانه واختفائه ، وتلك اللوامع مسماة فى عرف المجرّدين بالأوقات . وهذه اللوامع فى مبدأ الامر تعرض قليلا فاذا امعن فى الارتياض كثرت ، فاشار باللامع الى نفس ذلك النور ، وبكثرة بروقه الى كثرة عروضه له بعد الامعان فى الرياضة . وقوله : فأبان له الطريق اى : اظهر له ذلك اللمعان طريق الحق الى اللَّه تعالى ، وكان سببا لسلوكه فى سبيله اليه ، وتدافعته الابواب اى : ابواب الرياضة من الزهد والعبادة وغيرهما . ووجه التدافع هاهنا انتقاله من باب الى باب منها ، ومن عبادة الى اخرى . فكأنها تدافعه . وباب السلامة هو الباب الَّذى يلقى فيه السلامة من الانحراف عن الصراط المستقيم ، بمعرفة انّ تلك هى الطريق ويشبه ان يكون هو الوقت . وقوله : وثبتت رجلاه ، الى قوله : والراحة فى قرار


صفحه 410


الامن : اشارة الى درجة اعلى ، ويسمّى طمأنينة ، وذلك انّ السالك ما دام فى مرتبة الوقت فانّه يعرض له عند لمعان تلك البروق فى سرّه اضطراب وانزعاج يحسّ به جليسه لانّ النفس اذا فاجأها امر عظيم انزعجت له ، فاذا كثرت تلك الغواشى الفتها فصارت بحيث لا تنزعج عنها بل تسكن اليها وتطمئن عندها ، لثبوت قدم عقلها فى درجة اعلى من درجات الجنة التي هى قرار الأمن والراحة من عذاب اللَّه . وقوله : بما استعمل : متعلق بثبتت اى : بسبب هذا . وباللَّه التوفيق .
210 - ومن كلام له عليه السّلام قاله بعد تلاوته : ( أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ )[1]يا له مراما ما أبعده ، وزورا ما أغفله ، وخطرا ما أفظعه ، لقد استخلوا منهم أىّ مدّكر ، وتناوشوهم من مكان بعيد أفبمصارع آبائهم يفخرون أم بعديد الهلكى يتكاثرون يرتجعون منهم أجسادا خوت ، وحركات سكنت ، ولأن يكونوا عبرا أحقّ من أن يكونوا مفتخرا ، ولأن يهبطوا بهم جناب ذلَّة أحجى من أن يقوموا بهم مقام عزّة لقد نظروا إليهم بأبصار العشوة ، وضربوا منهم فى غمرة جهالة ، ولو استنطقوا عنهم عرصات تلك الدّيار الخاوية ، والرّبوع الخالية ، لقالت ذهبوا فى الأرض ضلَّالا ، وذهبتم فى أعقابهم جهّالا ، تطئون فى هامهم ، وتستثبتون فى أجسادهم وترتعون فيما لفظوا ، وتسكنون فيما خرّبوا ، وإنّما الأيّام بينكم وبينهم بواك ونوائح عليكم . أولئكم سلف غايتكم ، وفرّاط مناهلكم ، الَّذين كانت لهم مقاوم العزّ ، وحلبات الفخر ، ملوكا وسوقا ، سلكوا فى بطون البرزخ سبيلا ، سلَّطت الأرض عليهم فيه ، فأكلت من لحومهم ، وشربت من دمائهم ، فأصبحوا فى فجوات قبورهم جمادا لا ينمون ، وضمارا لا يوجدون ، لا يفزعهم ورود الأهوال ، ولا يحزنهم تنكَّر الأحوال ، ولا يحفلون بالرّواجف ، ولا يأذنون للقواصف ، غيّبا لا ينتظرون ، وشهودا لا يحضرون ، وإنّما كانوا جميعا فتشتّتوا ، والَّافا فافترقوا ، وما عن طول عهدهم ولا بعد محلَّهم عميت أخبارهم ، وصمّت ديارهم ،


[1]سورة التكاثر - 1 - 2 .


صفحه 411


ولكنّهم سقوا كأسا بدّلتهم بالنّطق خرسا وبالسّمع صمما ، وبالحركات سكونا فكأنّهم فى ارتجال الصّفة صرعى سبات ، جيران لا يتأنسون ، وأحبّاء لا يتزاورون ، بليت بينهم عرى التّعارف ، وانقطعت منهم أسباب الإخاء ، فكلَّهم وحيد وهم جميع ، وبجانب الهجر وهم أخلَّاء ، لا يتعارفون لليل صباحا ، ولا لنهار مساء ، أىّ الجديدين ظعنوا فيه كان عليهم سرمدا ، شاهدوا من أخطار دارهم أفظع ممّا خافوا ، ورأوا من آياتها أعظم ممّا قدّروا ، فكلتا الغايتين مدّت لهم إلى مباءة ، فأتت مبالغ الخوف والرّجاء ، فلو كانوا ينطقون بها لعيّوا بصفة ما شاهدوا وما عاينوا ، ولئن عميت آثارهم ، وانقطعت أخبارهم ، لقد رجعت فيهم أبصار العبر ، وسمعت عنهم آذان العقول ، وتكلَّموا من غير جهات النّطق ، فقالوا : كلحت الوجوه النّواضر ، وخوت الأجسام النّواعم ، ولبسنا أهدام البلى ، وتكاءدنا ضيق المضجع ، وتوارثنا الوحشة ، وتهكَّمت علينا الرّبوع الصّموت ، فانمحت محاسن أجسادنا ، وتنكَّرت معارف صورنا ، وطالت فى مساكن الوحشة إقامتنا ، ولم نجد من كرب فرجا ، ولا من ضيق متّسعا فلو مثّلتهم بعقلك ، أو كشف عنهم محجوب الغطاء لك ، وقد ارتسخت أسماعهم بالهوامّ فاستكَّت ، واكتحلت أبصارهم بالتّراب فخسفت ، وتقطَّعت الألسنة فى أفواههم بعد ذلاقتها ، وهمدت القلوب فى صدورهم بعد يقظتها ، وعاث فى كلّ جارحة منهم جديد بلى سمّجها ، وسهّل طرق الآفة إليها ، مستسلمات فلا أيد تدفع ، ولا قلوب تجزع ، لرأيت أشجان قلوب ، وأقذاء عيون ، لهم من كلّ فظاعة صفة حال لا تنتقل ، وغمرة لا تنجلى ، وكم أكلت الأرض من عزيز جسد ، وأنيق لون ، كان فى الدّنيا غذىّ ترف ، وربيب شرف ، يتعلَّل بالسّرور فى ساعة حزنه ، ويفزع إلى السّلوة إن مصيبة نزلت به ، ضنّا بغضارة عيشه ، وشحاحة بلهوه ولعبه فبينا هو يضحك إلى الدّنيا وتضحك الدّنيا إليه فى ظلّ عيش غفول ، إذ وطىء الدّهر به حسكه ونقضت الأيّام قواه ونظرت إليه الحتوف من كثب فخالطه بث لا يعرفه ، ونجىّ همّ ما كان يجده ، وتولَّدت فيه فترات علل آنس ما كان بصحّته ، ففزع إلى ما كان عوّده الأطبّاء من تسكين الحارّ بالقارّ ، وتحريك البارد بالحارّ ، فلم يطفىء ببارد إلَّا ثوّر حرارة ، ولا حرّك بحارّ إلَّا هيّج برودة ، ولا اعتدل بممازج لتلك الطَّبائع إلَّا أمدّ منها كلّ ذات داء ، حتّى فتر معلَّله ، وذهل ممرّضه ، وتعايا أهله بصفة دائه ، وخرسوا عن جواب السّائلين عنه ، وتنازعوا دونه شجىّ خبر يكتمونه : فقائل هو


صفحه 412


لما به ، وممنّ لهم إياب عافيته ، ومصبّر لهم على فقده ، يذكَّرهم أسى الماضين من قبله . فبينما هو كذلك على جناح من فراق الدّنيا ، وترك الأحبّة ، إذ عرض له عارض من غصصه فتحيّرت نوافذ فطنته ، ويبست رطوبة لسانه فكم من مهمّ من جوابه عرفه فعىّ عن ردّه ، ودعاء مؤلم لقلبه سمعه فتصامّ عنه : من كبير كان يعظَّمه ، أو صغير كان يرحمه ، وإنّ للموت لغمرات هى أفظع من أن تستغرق بصفة ، أو تعتدل على قلوب أهل الدّنيا .
أقول : اللام فى قوله ياله : لام الجرّ فى المستغاث له ، والمنادى محذوف .
والمرام : المتعجّب من بعده هو التكاثر اذ لا يتناهى والزور : المتعجّب من غفلته هم زائروا المقابر ، والخطر : المتعجّب من فظاعته اى : شدّته ، هو خطر تلك الغفلة فى الآخرة . والمذكَّر محل التذكير من الأموات والاعتبار بهم من آثارهم او حالهم الحاضرة . واستحلوا منهم اى : اتّخذوا الاحياء من الاموات تخلية ذكر احوالهم دأبهم . واىّ مذكر : استفهام على سبيل التعجّب من ذلك المذكَّر فى قوّة افادته للعبرة . وتناوشوهم اى : تناولوهم من جهة بعيدة ، وهى افتخار كلّ بأبيه ، وقبيلته ، ومكاثرته بالماضين من قومه الَّذين هم بعد الموت أبعد الناس عنه فى انفسهم وكمالاتهم . واحجى : اولى بالحجى وهو العقل . ومقام الذّلة مقام الاعتبار بهم ، ومقام العزة مقام الافتخار بهم . وابصار العشوة الابصار العاشية ، والعشوة ركوب الامر على جهل ، واضافة الابصار اليها اضافة الموصوف الى الصفة . ويرتعون فيما لفظوا ، اى يتمتّعون فيما تركوه وراء ظهورهم من متاع الدنيا . والايام البواكى عليهم ايام الحياة . وسلف غايتكم وفرّاط مناهلكم اى : الذين سبقوكم اليها . والمناهل : الموارد . ومقاوم : جمع مقام لانّ ألفه منقلبة عن واو . وحلبات الفخر : جماعاته . وملوكا : حال .
والبرزخ : الحائل بين الشيئين وهو هنا ما بين الدنيا والآخرة . والفجوة : المتّسع من الارض . والضمار : الغائب الَّذى لا يرجى ايابه . ويأذنون : يسمعون . والَّافا : جمع اليف . وعميت اخبارهم : انقطع اثرها . وصمّت ديارهم : لم يسمع بها صوت ، وهما مجازان فى الاسناد . والسبات : النوم . وقوله : فكلتا الغايتين اى : غاية المؤمنين والكافرين وهما السعادة والشقاوة . مدّت اى : ضرب لها اجل ينتهون فيه الى مباءة : وهى المرجع ، امّا الجنة وامّا النارفات ذلك المرجع مبالغ الخوف والرجاء عظمة . والكلوح : تكشر فى


صفحه 413


عبوس . والاهدام : جمع هدم وهو الثوب البالى . وتكأدنا : شق علينا . وتهكمت : تهدّمت .
والاشجان الاحزان . وغضارة العيش : طيبه . ووطىء الدهر به حسكه كالمثل يضرب لمن يقع فى الشدائد . والبث : الهم ، وآنس : حال وما : بمعنى المدّة . وبصحته : متعلق بآنس اى : انس اوقاته بصحّته . والقار : البارد . والأسى : جمع اسوة وهى الاقتداء . وتعتدل على عقول اهل الدنيا اى : يستقيم تصوّرها لهم . وباقى الفصل واضح ، وباللَّه التوفيق .
211 - ومن كلام له عليه السّلام قاله عند تلاوته : ( رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ ولَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ الله )[1]إنّ اللَّه سبحانه جعل الذّكر جلاء للقلوب ، تسمع به بعد الوقرة ، وتبصر به بعد العشوة ، وتنقاد به بعد المعاندة ، وما برح للَّه - عزّت آلاؤه - فى البرهة بعد البرهة وفى أزمان الفترات عباد ناجاهم فى فكرهم ، وكلَّمهم فى ذات عقولهم ، فاستصبحوا بنور يقظة فى الأسماع والأبصار والأفئدة يذكَّرون بأيّام اللَّه ، ويخوّفون مقامه ، بمنزلة الأدلَّة فى الفلوات ، من أخذ القصد حمدوا إليه طريقه ، وبشّروه بالنّجاة ، ومن أخذ يمينا وشمالا ذمّوا إليه الطَّريق وحذّروه من الهلكة ، وكانوا كذلك مصابيح تلك الظَّلمات ، وأدلَّة تلك الشّبهات ، وإنّ للذّكر لأهلا أخذوه من الدّنيا بدلا ، فلم تشغلهم تجارة ولا بيع عنه : يقطعون به أيّام الحياة ، ويهتفون بالزّواجر عن محارم اللَّه فى أسماع الغافلين ، ويأمرون بالقسط ويأتمرون به ، وينهون عن المنكر ويتناهون عنه ، فكأنّما قطعوا الدّنيا إلى الآخرة وهم فيها فشاهدوا ما وراء ذلك ، فكأنّما اطَّلعوا غيوب أهل البرزخ فى طول الإقامة فيه ، وحقّقت القيامة عليهم عداتها ، فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدّنيا حتّى كأنّهم يرون مالا يرى النّاس ، ويسمعون مالا يسمعون . فلو مثّلتهم لعقلك فى مقاومهم المحمودة ، ومجالسهم المشهودة ، وقد نشروا دواوين أعمالهم ، وفرغوا لمحاسبة أنفسهم على كلّ صغيرة وكبيرة أمروا بها فقصّروا عنها ، أو نهوا عنها ففرّطوا فيها ، وحمّلوا ثقل أوزارهم ظهورهم ، فضعفوا عن الاستقلال بها ،


[1]سورة النور - 36 - 37 .


صفحه 414


فنشجوا نشيجا ، وتجاوبوا نحيبا ، يعجّون إلى ربّهم من مقاوم ندم واعتراف ، لرأيت أعلام هدى ، ومصابيح دجى قد حفّت بهم الملائكة ، وتنزّلت عليهم السّكينة ، وفتحت لهم أبواب السّماء ، وأعدّت لهم مقاعد الكرامات ، فى مقام اطَّلع اللَّه عليهم فيه فرضى سعيهم ، وحمد مقامهم ، يتنسّمون بدعائه روح التّجاوز ، رهائن فاقة إلى فضله ، وأسارى ذلَّة لعظمته ، جرح طول الأسى قلوبهم ، وطول البكاء عيونهم ، لكلّ باب رغبة إلى اللَّه منهم يد قارعة ، يسألون من لا تضيق لديه المنادح ، ولا يخيب عليه الرّاغبون ، فحاسب نفسك لنفسك ، فإنّ غيرها من الأنفس لها حسيب غيرك .
اقول : الذكر : هو القرآن الكريم ، وقيل : هو ذكر اللَّه مطلقا . والمنتفع به ما كان قلبيا مع دوامه فانّه بذلك يستلزم محبّة المذكور ، والاعراض عما سواه . واستعار لفظ الجلاء : لازالة كل ما سوى المذكور عن لوح القلب بالذكر وتسمع به وتبصر اى : ما تدرك ، مما ينبغي ان يسمع من المواعظ ويبصر من العبر بعد وقره بالجهل وعشوته .
والوقره : الصمم . والعشوة : ظلمة العين . والبرهة : المدّة الطويلة . وذلَّت عقولهم انفسهم الناطقة وتكليمهم : بالافاضة والالهام ونور اليقظة فى الاسماع اضاءة عقولهم : بالفوائد المسموعة وفى الأبصار اضاءتها من قبل العبر المبصرة . وفى الافئدة : ادراكها للمعقولات وتكلَّمها بها والقصد لزوم الفضيلة فى القوى العقليّة والنفسانية . واليمين والشمال : الانحراف عنها الى جانبى الافراط والتفريط منها . وقوله : وحققت القيامة عليهم عداتها اى : بطول ذكرهم للآخرة ينزل الموعود عندهم من امور القيامة منزلة الواقع المحقق . ومقاوم : جمع مقام وهو مقامهم بين يدي ربّهم فى خلواتهم به . والنشيج : الغصص بالبكاء دون النّحيب . والعج : رفع الصوت . والسكينة : مرتبة للسالكين سبق ذكرها . والتنسّم انتظار النسيم . والفاقة : الفقر وكنى بالايدى القارعة عن الدعوات فى طلب ما يرغب الى اللَّه فيه من افاضته العالية . والمنادح : جمع مندح وهو المتسع . والفصل من افصح العبارات . واغررها مقاصدها .