الامن : اشارة الى درجة اعلى ، ويسمّى طمأنينة ، وذلك انّ السالك ما دام فى مرتبة الوقت فانّه يعرض له عند لمعان تلك البروق فى سرّه اضطراب وانزعاج يحسّ به جليسه لانّ النفس اذا فاجأها امر عظيم انزعجت له ، فاذا كثرت تلك الغواشى الفتها فصارت بحيث لا تنزعج عنها بل تسكن اليها وتطمئن عندها ، لثبوت قدم عقلها فى درجة اعلى من درجات الجنة التي هى قرار الأمن والراحة من عذاب اللَّه . وقوله : بما استعمل : متعلق بثبتت اى : بسبب هذا . وباللَّه التوفيق .
210 - ومن كلام له عليه السّلام قاله بعد تلاوته : ( أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ )[1]يا له مراما ما أبعده ، وزورا ما أغفله ، وخطرا ما أفظعه ، لقد استخلوا منهم أىّ مدّكر ، وتناوشوهم من مكان بعيد أفبمصارع آبائهم يفخرون أم بعديد الهلكى يتكاثرون يرتجعون منهم أجسادا خوت ، وحركات سكنت ، ولأن يكونوا عبرا أحقّ من أن يكونوا مفتخرا ، ولأن يهبطوا بهم جناب ذلَّة أحجى من أن يقوموا بهم مقام عزّة لقد نظروا إليهم بأبصار العشوة ، وضربوا منهم فى غمرة جهالة ، ولو استنطقوا عنهم عرصات تلك الدّيار الخاوية ، والرّبوع الخالية ، لقالت ذهبوا فى الأرض ضلَّالا ، وذهبتم فى أعقابهم جهّالا ، تطئون فى هامهم ، وتستثبتون فى أجسادهم وترتعون فيما لفظوا ، وتسكنون فيما خرّبوا ، وإنّما الأيّام بينكم وبينهم بواك ونوائح عليكم . أولئكم سلف غايتكم ، وفرّاط مناهلكم ، الَّذين كانت لهم مقاوم العزّ ، وحلبات الفخر ، ملوكا وسوقا ، سلكوا فى بطون البرزخ سبيلا ، سلَّطت الأرض عليهم فيه ، فأكلت من لحومهم ، وشربت من دمائهم ، فأصبحوا فى فجوات قبورهم جمادا لا ينمون ، وضمارا لا يوجدون ، لا يفزعهم ورود الأهوال ، ولا يحزنهم تنكَّر الأحوال ، ولا يحفلون بالرّواجف ، ولا يأذنون للقواصف ، غيّبا لا ينتظرون ، وشهودا لا يحضرون ، وإنّما كانوا جميعا فتشتّتوا ، والَّافا فافترقوا ، وما عن طول عهدهم ولا بعد محلَّهم عميت أخبارهم ، وصمّت ديارهم ،
[1]سورة التكاثر - 1 - 2 .
ولكنّهم سقوا كأسا بدّلتهم بالنّطق خرسا وبالسّمع صمما ، وبالحركات سكونا فكأنّهم فى ارتجال الصّفة صرعى سبات ، جيران لا يتأنسون ، وأحبّاء لا يتزاورون ، بليت بينهم عرى التّعارف ، وانقطعت منهم أسباب الإخاء ، فكلَّهم وحيد وهم جميع ، وبجانب الهجر وهم أخلَّاء ، لا يتعارفون لليل صباحا ، ولا لنهار مساء ، أىّ الجديدين ظعنوا فيه كان عليهم سرمدا ، شاهدوا من أخطار دارهم أفظع ممّا خافوا ، ورأوا من آياتها أعظم ممّا قدّروا ، فكلتا الغايتين مدّت لهم إلى مباءة ، فأتت مبالغ الخوف والرّجاء ، فلو كانوا ينطقون بها لعيّوا بصفة ما شاهدوا وما عاينوا ، ولئن عميت آثارهم ، وانقطعت أخبارهم ، لقد رجعت فيهم أبصار العبر ، وسمعت عنهم آذان العقول ، وتكلَّموا من غير جهات النّطق ، فقالوا : كلحت الوجوه النّواضر ، وخوت الأجسام النّواعم ، ولبسنا أهدام البلى ، وتكاءدنا ضيق المضجع ، وتوارثنا الوحشة ، وتهكَّمت علينا الرّبوع الصّموت ، فانمحت محاسن أجسادنا ، وتنكَّرت معارف صورنا ، وطالت فى مساكن الوحشة إقامتنا ، ولم نجد من كرب فرجا ، ولا من ضيق متّسعا فلو مثّلتهم بعقلك ، أو كشف عنهم محجوب الغطاء لك ، وقد ارتسخت أسماعهم بالهوامّ فاستكَّت ، واكتحلت أبصارهم بالتّراب فخسفت ، وتقطَّعت الألسنة فى أفواههم بعد ذلاقتها ، وهمدت القلوب فى صدورهم بعد يقظتها ، وعاث فى كلّ جارحة منهم جديد بلى سمّجها ، وسهّل طرق الآفة إليها ، مستسلمات فلا أيد تدفع ، ولا قلوب تجزع ، لرأيت أشجان قلوب ، وأقذاء عيون ، لهم من كلّ فظاعة صفة حال لا تنتقل ، وغمرة لا تنجلى ، وكم أكلت الأرض من عزيز جسد ، وأنيق لون ، كان فى الدّنيا غذىّ ترف ، وربيب شرف ، يتعلَّل بالسّرور فى ساعة حزنه ، ويفزع إلى السّلوة إن مصيبة نزلت به ، ضنّا بغضارة عيشه ، وشحاحة بلهوه ولعبه فبينا هو يضحك إلى الدّنيا وتضحك الدّنيا إليه فى ظلّ عيش غفول ، إذ وطىء الدّهر به حسكه ونقضت الأيّام قواه ونظرت إليه الحتوف من كثب فخالطه بث لا يعرفه ، ونجىّ همّ ما كان يجده ، وتولَّدت فيه فترات علل آنس ما كان بصحّته ، ففزع إلى ما كان عوّده الأطبّاء من تسكين الحارّ بالقارّ ، وتحريك البارد بالحارّ ، فلم يطفىء ببارد إلَّا ثوّر حرارة ، ولا حرّك بحارّ إلَّا هيّج برودة ، ولا اعتدل بممازج لتلك الطَّبائع إلَّا أمدّ منها كلّ ذات داء ، حتّى فتر معلَّله ، وذهل ممرّضه ، وتعايا أهله بصفة دائه ، وخرسوا عن جواب السّائلين عنه ، وتنازعوا دونه شجىّ خبر يكتمونه : فقائل هو
لما به ، وممنّ لهم إياب عافيته ، ومصبّر لهم على فقده ، يذكَّرهم أسى الماضين من قبله . فبينما هو كذلك على جناح من فراق الدّنيا ، وترك الأحبّة ، إذ عرض له عارض من غصصه فتحيّرت نوافذ فطنته ، ويبست رطوبة لسانه فكم من مهمّ من جوابه عرفه فعىّ عن ردّه ، ودعاء مؤلم لقلبه سمعه فتصامّ عنه : من كبير كان يعظَّمه ، أو صغير كان يرحمه ، وإنّ للموت لغمرات هى أفظع من أن تستغرق بصفة ، أو تعتدل على قلوب أهل الدّنيا .
أقول : اللام فى قوله ياله : لام الجرّ فى المستغاث له ، والمنادى محذوف .
والمرام : المتعجّب من بعده هو التكاثر اذ لا يتناهى والزور : المتعجّب من غفلته هم زائروا المقابر ، والخطر : المتعجّب من فظاعته اى : شدّته ، هو خطر تلك الغفلة فى الآخرة . والمذكَّر محل التذكير من الأموات والاعتبار بهم من آثارهم او حالهم الحاضرة . واستحلوا منهم اى : اتّخذوا الاحياء من الاموات تخلية ذكر احوالهم دأبهم . واىّ مذكر : استفهام على سبيل التعجّب من ذلك المذكَّر فى قوّة افادته للعبرة . وتناوشوهم اى : تناولوهم من جهة بعيدة ، وهى افتخار كلّ بأبيه ، وقبيلته ، ومكاثرته بالماضين من قومه الَّذين هم بعد الموت أبعد الناس عنه فى انفسهم وكمالاتهم . واحجى : اولى بالحجى وهو العقل . ومقام الذّلة مقام الاعتبار بهم ، ومقام العزة مقام الافتخار بهم . وابصار العشوة الابصار العاشية ، والعشوة ركوب الامر على جهل ، واضافة الابصار اليها اضافة الموصوف الى الصفة . ويرتعون فيما لفظوا ، اى يتمتّعون فيما تركوه وراء ظهورهم من متاع الدنيا . والايام البواكى عليهم ايام الحياة . وسلف غايتكم وفرّاط مناهلكم اى : الذين سبقوكم اليها . والمناهل : الموارد . ومقاوم : جمع مقام لانّ ألفه منقلبة عن واو . وحلبات الفخر : جماعاته . وملوكا : حال .
والبرزخ : الحائل بين الشيئين وهو هنا ما بين الدنيا والآخرة . والفجوة : المتّسع من الارض . والضمار : الغائب الَّذى لا يرجى ايابه . ويأذنون : يسمعون . والَّافا : جمع اليف . وعميت اخبارهم : انقطع اثرها . وصمّت ديارهم : لم يسمع بها صوت ، وهما مجازان فى الاسناد . والسبات : النوم . وقوله : فكلتا الغايتين اى : غاية المؤمنين والكافرين وهما السعادة والشقاوة . مدّت اى : ضرب لها اجل ينتهون فيه الى مباءة : وهى المرجع ، امّا الجنة وامّا النارفات ذلك المرجع مبالغ الخوف والرجاء عظمة . والكلوح : تكشر فى
عبوس . والاهدام : جمع هدم وهو الثوب البالى . وتكأدنا : شق علينا . وتهكمت : تهدّمت .
والاشجان الاحزان . وغضارة العيش : طيبه . ووطىء الدهر به حسكه كالمثل يضرب لمن يقع فى الشدائد . والبث : الهم ، وآنس : حال وما : بمعنى المدّة . وبصحته : متعلق بآنس اى : انس اوقاته بصحّته . والقار : البارد . والأسى : جمع اسوة وهى الاقتداء . وتعتدل على عقول اهل الدنيا اى : يستقيم تصوّرها لهم . وباقى الفصل واضح ، وباللَّه التوفيق .
211 - ومن كلام له عليه السّلام قاله عند تلاوته : ( رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ ولَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ الله )[1]إنّ اللَّه سبحانه جعل الذّكر جلاء للقلوب ، تسمع به بعد الوقرة ، وتبصر به بعد العشوة ، وتنقاد به بعد المعاندة ، وما برح للَّه - عزّت آلاؤه - فى البرهة بعد البرهة وفى أزمان الفترات عباد ناجاهم فى فكرهم ، وكلَّمهم فى ذات عقولهم ، فاستصبحوا بنور يقظة فى الأسماع والأبصار والأفئدة يذكَّرون بأيّام اللَّه ، ويخوّفون مقامه ، بمنزلة الأدلَّة فى الفلوات ، من أخذ القصد حمدوا إليه طريقه ، وبشّروه بالنّجاة ، ومن أخذ يمينا وشمالا ذمّوا إليه الطَّريق وحذّروه من الهلكة ، وكانوا كذلك مصابيح تلك الظَّلمات ، وأدلَّة تلك الشّبهات ، وإنّ للذّكر لأهلا أخذوه من الدّنيا بدلا ، فلم تشغلهم تجارة ولا بيع عنه : يقطعون به أيّام الحياة ، ويهتفون بالزّواجر عن محارم اللَّه فى أسماع الغافلين ، ويأمرون بالقسط ويأتمرون به ، وينهون عن المنكر ويتناهون عنه ، فكأنّما قطعوا الدّنيا إلى الآخرة وهم فيها فشاهدوا ما وراء ذلك ، فكأنّما اطَّلعوا غيوب أهل البرزخ فى طول الإقامة فيه ، وحقّقت القيامة عليهم عداتها ، فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدّنيا حتّى كأنّهم يرون مالا يرى النّاس ، ويسمعون مالا يسمعون . فلو مثّلتهم لعقلك فى مقاومهم المحمودة ، ومجالسهم المشهودة ، وقد نشروا دواوين أعمالهم ، وفرغوا لمحاسبة أنفسهم على كلّ صغيرة وكبيرة أمروا بها فقصّروا عنها ، أو نهوا عنها ففرّطوا فيها ، وحمّلوا ثقل أوزارهم ظهورهم ، فضعفوا عن الاستقلال بها ،
[1]سورة النور - 36 - 37 .
فنشجوا نشيجا ، وتجاوبوا نحيبا ، يعجّون إلى ربّهم من مقاوم ندم واعتراف ، لرأيت أعلام هدى ، ومصابيح دجى قد حفّت بهم الملائكة ، وتنزّلت عليهم السّكينة ، وفتحت لهم أبواب السّماء ، وأعدّت لهم مقاعد الكرامات ، فى مقام اطَّلع اللَّه عليهم فيه فرضى سعيهم ، وحمد مقامهم ، يتنسّمون بدعائه روح التّجاوز ، رهائن فاقة إلى فضله ، وأسارى ذلَّة لعظمته ، جرح طول الأسى قلوبهم ، وطول البكاء عيونهم ، لكلّ باب رغبة إلى اللَّه منهم يد قارعة ، يسألون من لا تضيق لديه المنادح ، ولا يخيب عليه الرّاغبون ، فحاسب نفسك لنفسك ، فإنّ غيرها من الأنفس لها حسيب غيرك .
اقول : الذكر : هو القرآن الكريم ، وقيل : هو ذكر اللَّه مطلقا . والمنتفع به ما كان قلبيا مع دوامه فانّه بذلك يستلزم محبّة المذكور ، والاعراض عما سواه . واستعار لفظ الجلاء : لازالة كل ما سوى المذكور عن لوح القلب بالذكر وتسمع به وتبصر اى : ما تدرك ، مما ينبغي ان يسمع من المواعظ ويبصر من العبر بعد وقره بالجهل وعشوته .
والوقره : الصمم . والعشوة : ظلمة العين . والبرهة : المدّة الطويلة . وذلَّت عقولهم انفسهم الناطقة وتكليمهم : بالافاضة والالهام ونور اليقظة فى الاسماع اضاءة عقولهم : بالفوائد المسموعة وفى الأبصار اضاءتها من قبل العبر المبصرة . وفى الافئدة : ادراكها للمعقولات وتكلَّمها بها والقصد لزوم الفضيلة فى القوى العقليّة والنفسانية . واليمين والشمال : الانحراف عنها الى جانبى الافراط والتفريط منها . وقوله : وحققت القيامة عليهم عداتها اى : بطول ذكرهم للآخرة ينزل الموعود عندهم من امور القيامة منزلة الواقع المحقق . ومقاوم : جمع مقام وهو مقامهم بين يدي ربّهم فى خلواتهم به . والنشيج : الغصص بالبكاء دون النّحيب . والعج : رفع الصوت . والسكينة : مرتبة للسالكين سبق ذكرها . والتنسّم انتظار النسيم . والفاقة : الفقر وكنى بالايدى القارعة عن الدعوات فى طلب ما يرغب الى اللَّه فيه من افاضته العالية . والمنادح : جمع مندح وهو المتسع . والفصل من افصح العبارات . واغررها مقاصدها .
212 - ومن كلام له عليه السّلام قاله عند تلاوته : ( يَا أيُّهَا الإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ )[1]أدحض مسئول حجّة ، وأقطع مغترّ معذرة ، لقد أبرح جهالة بنفسه . يا أيّها الإنسان ، ما جرّأك على ذنبك ، وما غرّك بربّك ، وما آنسك بهلكة نفسك أما من دائك بلول ، أم ليس من نومتك يقظة أما ترحم من نفسك ما ترحم من غيرك فربّما ترى الضّاحى من لحرّ الشّمس فتظله ، أو ترى المبتلى بألم يمضّ جسده ، فتبكى رحمة له ، فما صبّرك على دائك ، وجلَّدك على مصابك ، وعزّاك عن البكاء على نفسك وهى أعزّ الأنفس عليك وكيف لا يوقظك خوف بيات نقمة ، وقد تورّطت بمعاصيه مدارج سطواته ، فتداو من داء الفترة فى قلبك بعزيمة ، ومن كرى الغفلة فى ناظرك بيقظة ، وكن للَّه مطيعا ، وبذكره آنسا ، وتمثّل فى حال تولَّيك عنه إقباله عليك : يدعوك إلى عفوه ، ويتغمّدك بفضله ، وأنت متولّ عنه إلى غيره ، فتعالى من قوىّ ما أكرمه ، وتواضعت من ضعيف ما أجرأك على معصيته ، وأنت فى كنف ستره مقيم ، وفى سعة فضله متقلَّب ، فلم يمنعك فضله ، ولم يهتك عنك ستره ، بل لم تخل من لطفه مطرف عين فى نعمة يحدثها لك ، أو سيّئة يسترها عليك ، أو بليّة يصرفها عنك فما ظنّك به لو أطعته ، وايم اللَّه لو أنّ هذه الصّفة كانت فى متّفقين فى القوّة ، متوازنين فى القدرة ، لكنت أوّل حاكم على نفسك بذميم الأخلاق ، ومساوئ الأعمال . وحقّا أقول ما الدّنيا غرّتك ، ولكن بها اغتررت ، ولقد كاشفتك العظات ، وآذنتك على سواء ، ولهى بما تعدك من نزول البلاء بجسمك ، والنّقص فى قوّتك ، أصدق وأوفى من أن تكذبك ، أو تغرّك ، ولربّ ناصح لها عندك متّهم ، وصادق من خبرها مكذّب ، ولئن تعرّفتها فى الدّيار الخاوية ، والرّبوع الخالية ، لتجدنّها من حسن تذكيرك ، وبلاغ موعظتك ، بمحلَّة الشّفيق عليك ، والشّحيح بك ، ولنعم دار من لم يرض بها دارا ، ومحلّ من لم يوطَّنها محلَّا وإنّ السّعداء بالدّنيا غدا هم الهاربون منها اليوم . إذا رجفت الرّاجفة ، وحقّت بجلائلها القيامة ، ولحق بكلّ منسك أهله وبكلّ معبود
[1]سورة الانفطار - 6 .
عبدته ، وبكلّ مطاع أهل طاعته ، فلم يجز فى عدله وقسطه يومئذ خرق بصر فى الهواء ، ولا همس قدم فى الأرض إلَّا بحقّه . فكم حجّة يوم ذاك داحضة ، وعلائق عذر منقطعة ، فتحرّ من أمرك ما يقوم به عذرك ، وتثبت به حجّتك ، وخذ ما يبقى لك ممّا لا تبقى له ، وتيسّر لسفرك ، وشم برق النّجاة ، وارحل مطايا التّشمير .
اقول : دحض الحجة : بطلانها .
وأبرح جهالة بنفسه : بالغ فى تحصيل جهالتها واعجبه ذلك . ولما كانت الهلكة فى الآخرة بمحبّة الدنيا وباطلها ، وكان الانسان شديد الانس بها صدق تعجّبه من أنسه بهلكة نفسه . والبلول : الصحة . والضاحى : البارز . وقوله : فربّما . الى قوله : رحمة له فى قوّة ضمير احتج به على وجوب رحمته لنفسه ، وتقدير كبراه وكل من يرحم غيره فاولى ان يرحم نفسه من بلاء يقع فيه . والجلد : القوّة .
والمدارج : الطرق . والتمثّل : التصوّر . وتعمدّه قصده . وقوله : وايم اللَّه الى قوله الاعمال : اى لو كان هذا الوصف المذكور من اقبال اللَّه عليك ، وادبارك عنه ، وصف مثلين من الناس فى القوّة والقدرة والمنزلة وانت المسىء منهما لكان فيما ينبغي لك من الحياء والانفة ان تكون اوّل حاكم على نفسك بتقصيرها وقبح اعمالها ، وانّما تغرّه الدنيا اذا لم يخلق فى العناية الالهية كذلك وغروره بها ظنّه انّ المقصود منها هى لذاتّها الحاضرة ، ومكاشفاتها بالعظات ظهور ما ينبغي الاتّعاظ به من الغير والتصاريف اللازمة لها ، وآذنتك على سواء اى : اعلمتك على عدل منها تصاريفها اذ كان ذلك مقتضى خلقها بعدل من اللَّه وحكمة ، وتعرّفها اعتبار تصاريفها . ومحلة الشفيق : منزلته وقد اضاف اسم نعم . ويئس هنا الى ما آيس فيه الالف واللام كقوله فنعم : صاحب قوم لا سلاح لهم . وجمع بين اسم الجنس والنكرة التي تبدّل منه وقد جاء مثله : فنعم الزّاد زاد ابيك زادا .
والراجفة قيل : هى النفخة الاولى فى الصور . وجلائلها : اهوالها العظيمة جمع جليلة .
والمنسك : محل العبادة ، وهو اشارة الى لحوق كل نفس يوم القيامة بمعبودها ومقصدها فى الدنيا وما احبّته فيها ، كما قال صلَّى اللَّه عليه وآله : ( لو احبّ احدكم حجرا لحشر معه ) . وخرق البصر فى الهواء : لمحه . وتيسّر لسفره : استعداده بالرياضة للسفر الى الآخرة ، وان يشم برق النجاة اى : يوجّه بصر عقله الى استلامة انوار الهداية المنجية .
213 - ومن كلام له عليه السّلام واللَّه لأن أبيت على حسك السّعدان مسهّدا ، وأجرّ فى الأغلال مصفّدا أحبّ إلىّ من أن ألقى اللَّه ورسوله يوم القيامة ظالما لبعض العباد ، وغاصبا لشيء من الحطام ، وكيف أظلم أحدا لنفس يسرع إلى البلى قفولها ، ويطول فى الثّرى حلولها واللَّه لقد رأيت عقيلا ، وقد أملق حتّى استما حنى من برّكم صاعا ، ورأيت صبيانه شعث الشّعور ، غبر الألوان من فقرهم ، كأنّما سوّدت وجوههم بالعظلم ، وعاودنى مؤكَّدا ، وكرّر علىّ القول مردّدا ، فأصغيت إليه سمعى فظنّ أنّى أبيعه دينى ، وأتّبع قياده ، مفارقا طريقتى ، فأحميت له حديدة ، ثمّ أدنيتها من جسمه ليعتبر بها ، فضجّ ضجيح ذى دنف من ألمها ، وكاد أن يحترق من ميسمها . فقلت له : ثكلتك الثّواكل يا عقيل ، أتئنّ من حديدة أحماها إنسانها للعبه ، وتجرّنى إلى نار سجرها جبّارها لغضبه أتئنّ من الأذى ولا أئنّ من لظى وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة فى وعائها ، ومعجونة شنئتها ، كأنّما عجنت بريق حيّة أوقيئها ، فقلت : أصلة ، أم زكاة ، أم صدقة فذلك محرّم علينا أهل البيت ، فقال : لاذا ولا ذاك ، ولكنّها هديّة ، فقلت : هبلتك الهبول ، أعن دين اللَّه أتيتنى لتخد عنى أمختبط ، أم ذوجنّة ، أم تهجر واللَّه لو اعطيت الأقاليم السّبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصى اللَّه فى نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت ، وإنّ دنياكم عندى لأهون من ورقة فى فم جرادة تقضمها ، ما لعلىّ ولنعيم يفنى ، ولذّة لا تبقى نعوذ باللَّه من سبات العقل ، وقبح الزّلل ، وبه نستعين .
اقول : السعدان : نبت . والمصفّد : الموثوق غلَّا . والقفول : الرجوع من السفر .
والاستماحة : طلب المنح وهو العطاء . والعظلم : شجر يصبغ به ، قيل هو النيل . وميسمها : اثرها ، وانسانها اى الَّذى احماها والاضافة تكفى فيها بأدنى سبب . واعجب من ذلك اى : من عقيل . والطارق : الآتى ليلا . والملفوفة : هديّة اتى بها قيل : كانت شيئا من حلوا العسل . وشنئتها : ابغضتها ، وشبّهها فى بغضه لها بما عجن بالسّم ، وذلك لما تصوّره من ارادة مهديها بها من الميل معه فى امر دنيوىّ يستلزم الظلم . وهبلته الهبول : ثكلته