أهل محلَّة موحشين ، وأهل فراغ متشاغلين ، لا يستأنسون بالأوطان ، ولا يتواصلون تواصل الجيران ، على ما بينهم من قرب الجوار ، ودنوّ الدّار ، وكيف يكون بينهم تزاور وقد طحنهم بكلكله البلى ، وأكلتهم الجنادل والثّرى وكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه ، وارتهنكم ذلك المضجع ، وضمّكم ذلك المستودع ، فكيف بكم لو تناهت بكم الأمور ، وبعثرت القبور * ( ( هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ ورُدُّوا إِلَى الله مَوْلاهُمُ الْحَقِّ ، وضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ) ) *[1].
اقول : حاصل الفصل النفير عن الدنيا بذكر معايبها . والجذب بذلك الى استعمالها على الوجه المطلوب للَّه من وجودها . ولفظ الغدر : مستعار لزينتها الظاهرة المستعقبة للهلاك فى الآخرة . والتارّة : المرة . والمستهدفة اى : جعلت هدفا وهو الغرض . وابعد آثارا ، اى : أبعد ان ينال او يقدر على مثلها لعظمتها . وركود رياحهم : كناية عن سبكون احوالهم وخمول ذكرهم . والنمارق : جمع نمرق ، ونمرقة ، وهى وسادة صغيرة . والواو : فى وساكنها يشبه ان يكون للحال . والكلكل : الصدر وهو مستعار . والبعثرة : النبش والتفريق . وتبلو : تختبر .
216 - ومن دعاء له عليه السّلام اللَّهمّ إنّك آنس الآنسين لأوليائك ، وأحضرهم بالكفاية للمتوكَّلين عليك ، تشاهدهم فى سرائرهم ، وتطَّلع عليهم فى ضمائرهم ، وتعلم مبلغ بصائرهم ، فأسرارهم لك مكشوفة ، وقلوبهم إليك ملهوفة ، إن أوحشتهم الغربة آنسهم ذكرك ، وإن صبّت عليهم المصائب لجئوا إلى الاستجارة بك علما بأنّ أزمّة الأمور بيدك ، ومصادرها عن قضائك . اللَّهمّ إن فههت عن مسألتى ، أو عميت عن طلبتى ، فدلَّنى على مصالحى ، وخذ بقلبى إلى مراشدى ، فليس ذلك بنكر من هداياتك ، ولا ببدع من كفاياتك . اللَّهمّ احملنى على عفوك ، ولا تحملنى على عدلك .
[1]سورة يونس - 30 .
اقول : انّما كان تعالى آنس الآنسين لأوليائه لانقطاعهم اليه عمّن سواه . ولهف القلوب[1]تحسّرها على الوصول اليه . والغربة الموحشة لهم : غربتهم فى الدنيا اذا كان مقصدهم الأصلى هو حضرة القدس . والفهاهة العىّ . والعمة : التحير .
< فهرس الموضوعات > من كلام له عليه السلام في مدح بعض من مات على عهد الرسول ( ص ) < / فهرس الموضوعات > 217 - ومن كلام له عليه السّلام للَّه بلاء فلان ، فقد قوّم الأود ، وداوى العمد ، أقام السّنّة ، وخلَّف الفتنة ، ذهب نقّى الثّوب ، قليل العيب ، أصاب خيرها ، وسبق شرّها ، أدّى إلى اللَّه طاعته ، واتّقاه بحقّه ، رحل وتركهم فى طرق متشعّبة : لا يهتدى فيها الضّالّ ، ولا يستيقن المهتدى .
أقول : يقال للَّه بلاء فلان ، كما يقال للَّه درّه ، وللَّه أبوه ، وهى كلمة مدح ، قيل : اراد به عمر[2]وقيل : بعض الصحابة ممن جاهد فى دين اللَّه . والأود : الاعوجاج . والعمد : مرض يأخذ الابل فى اسنمتها ، وهو مستعار لأمراض القلوب ومداواتها بالزواجر القوليّة والفعليّة . ونقاء ثوبه : كناية عن طهارته من المطاعن ، والضمير فى خيرها وشرّها : للخلافة وان لم يجر ذكرها لكونها معهودة او لتقدّم ذكرها . والطرق المتشعبة : طرق الفتنة .
< فهرس الموضوعات > من كلا له عليه السلام في وصف بيعته بالخلافة < / فهرس الموضوعات > 218 - ومن كلام له عليه السّلام فى وصف بيعته بالخلافة ، وقد تقدم مثله بألفاظ مختلفة وبسطتم يدي فكففتها ، ومددتموها فقبضتها ، ثمّ تداككتم علىّ تداكّ الإبل الهيم على حياضها يوم ورودها ، حتّى انقطعت النّعل ، وسقط الرّداء ، ووطىء الضّعيف ، وبلغ
[1]في ش : قلوبهم
[2]عبارات الخطبة والفاظ الكلام تدل بصراحة ان المقصود لم يكن عمر . . . وتكذبها الخطبة الشقشقية التي تحامل الامام عليه السلام فيها على عمر . . .
من سرور النّاس ببيعتهم إيّاى أن ابتهج بها الصّغير ، وهدج إليها الكبير ، وتحامل نحوها العليل ، وحسرت إليها الكعاب[1].
اقول : التداكّ : الازدحام . والهيم : العطاش . والهدج : مشية الشيخ وهو مشى فى ارتعاش ، والتحامل : تكلَّف المشى مع مشقة ، وحسرت : كشفت وجهها . والكعاب : بالفتح التي نهد ثديها . والفصل احتجاج على من خالفه من البغاة وهو فى قوّة صغرى ضمير ، تقدير كبراه وكلّ ما فعلتم به ذلك فليس لكم ان تختلفوا عليه من بعد وتنكثوا بيعته .
219 - ومن خطبة له عليه السّلام فإنّ تقوى اللَّه مفتاح سداد ، وذخيرة معاد ، وعتق من كلّ ملكة ، ونجاة من كلّ هلكة ، بها ينجح الطَّالب ، وينجو الهارب ، وتنال الرّغائب ، فاعملوا والعمل يرفع ، والتّوبة تنفع ، والدّعاء يسمع ، والحال هادئة ، والأقلام جارية ، وبادروا بالأعمال عمرا ناكسا ، أو مرضا حابسا ، أو موتا خالسا ، فإنّ الموت هادم لذّاتكم ، ومكدّر شهواتكم ، ومباعد طيّاتكم ، زائر غير محبوب ، وقرن غير مغلوب ، وواتر غير مطلوب ، قد أعلقتكم حبائله ، وتكنّفتكم غوائله ، وأقصدتكم معابله ، وعظمت فيكم سطوته ، وتتابعت عليكم عدوته ، وقلَّت عنكم نبوته ، فيوشك أن تغشاكم دواجى ظلله ، واحتدام علله ، وحنادس غمراته ، وغواشى سكراته ، وأليم إزهاقه ، ودجوّ إطباقه ، وجشوبة مذاقه ، فكأن قد أتاكم بغتة ، فأسكت نجيّكم ، وفرّق نديّكم ، وعفّى آثاركم ، وعطَّل دياركم ، وبعث ورّاثكم يقتسمون تراثكم ، بين حميم خاصّ لم ينفع ، وقريب محزون لم يمنع ، وآخر شامت لم يجزع ، فعليكم بالجدّ والاجتهاد ، والتّأهّب والاستعداد ، والتّزوّد فى منزل الزّاد ، ولا تغرّنّكم الحياة الدّنيا كما غرّت من كان قبلكم من الأمم الماضية ، والقرون الخالية ، الَّذين احتلبوا درّتها ، وأصابوا غرّتها ، وأفنوا عدّتها ، وأخلقوا جدّتها ، أصبحت مساكنهم أجداثا ، وأموالهم ميراثا ، لا يعرفون من أتاهم ، ولا يحفلون من بكاهم ، ولا يجيبون من دعاهم ، فاحذروا
[1]جاء الكلام هذا بصورة مفصلة فى كتاب ( المعيار والموازنة ) ص 50 .
الدّنيا ، فإنّها غدّارة غرّارة خدوع ، معطية منوع ، ملبسة نزوع ، لا يدوم رخاؤها ، ولا ينقضي عناؤها ، ولا يركد بلاؤها .
اقول : السداد : استقامة العبد على طريق اللَّه الى جنته ، والتقوى مفتاح ذلك ، وفى لزومها عتق للعبد من ملكات السوء وهلكات الآخرة والمطالب فى الدنيا والآخرة .
والهارب اى : من عذاب اللَّه . والاقلام : اقلام الكرام الكاتبين . وعمرا ناكسا ، اى : رادّا ان طال بصاحبه الى الضعف والعجز عن العمل كقوله تعالى : * ( ( ومَنْ نُعَمِّرْه نُنَكِّسْه فِي الْخَلْقِ ) ) *[1]وقوله : * ( ( والله خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ ومِنْكُمْ ) ) * الآية[2]. والخالس : المختطف .
والطيّات : جمع طيّة بالكسر ، وهى منزل السفر . والوتر : الحقد والغضب . والتكنّف : الاحاطة . والغوائل : المصائب . والمعابل : جمع معبلة بكسر الميم ، وهى نصل طويل عريض . وعدوته : ظلمه . ونبا السيف اذا لم يؤثّر فى الضربة . ودواجى ظلله : مظلمات سحابه . والاحتدام : شدّة الحدّة . وارهاقه : اعجاله . والجشوبة : بالجيم غلظ الطعام .
والنجى : القوم يتناجون . والندى : القوم يجتمعون فى النادى وهو مجتمعهم . ومنزل الزاد الدنيا اذهى منزل زاد الآخرة . وغرّتها : مستعار لأيام السلامة فيها . ويحفلون : يبالون .
وركد : سكن .
منها فى صفة الزهاد . كانوا قوما من أهل الدّنيا وليسوا من أهلها ، فكانوا فيها كمن ليس منها : عملوا فيها بما يبصرون ، وبادروا فيها ما يحذرون ، تقلَّب أبدانهم بين ظهرانى أهل الآخرة ، يرون أهل الدّنيا يعظمون موت أجسادهم ، وهم أشدّ إعظاما لموت قلوب أحيائهم .
اقول : الاشارة الى بعض اصحابه الذين درجوا قبله وكونهم من الدنيا بأبدانهم ومشاركتهم الضّرورية لأهلها ، وليسوا من اهلها بقلوبهم ، لاستغراقها فى محبّة اللَّه ومطالعة
[1]سورة يس - 68
[2]سورة النحل - 70 . سورة الحج - 5 .
انوار كبريائه ، وعملهم بما يبصرون اى : من انوار العلم القائدة لهم فى سبيل اللَّه ، ومبادرتهم فى الدنيا لما يحذرون مسارعتهم الى الأعمال الصالحة دفعا لما يحذرون من عذاب الآخرة . وقوله : تقلب ، الى قوله : الآخرة اى : تنقلب . والمراد انّ دأبهم معاشرة اهل الآخرة العاملين لهادون غيرهم . ويحتمل ان يريد انّهم مع سائر الناس بأبدانهم كما سبق . والناس اهل الآخرة باعتبار مصيرهم اليها . وبين ظهرانيهم : بفتح النون اى بينهم .
وقوله : يرون ، الى آخره : فرّق بينهم ، وبين اهل الدنيا اذ كانوا لا يرون وراء كمال اجسادهم كمالا . فهم يعظمون موتها ، وامّا الزهاد فيها فهم اشدّ اعظاما لموت قلوب احيائهم اذ لا يرون كمالا فوق كمال القلوب .
< فهرس الموضوعات > من خطبة له عليه السلام في ( ذي قار ) وهو متوجه إلى البصرة < / فهرس الموضوعات > 220 - ومن خطبة له عليه السّلام خطبها بذى قار ، وهو متوجه إلى البصرة ذكرها الواقدى فى كتاب الجمل[1]فصدع بما أمر به ، وبلَّغ رسالات ربّه ، فلمّ اللَّه به الصّدع ، ورتق به الفتق ، وألَّف بين ذوى الأرحام ، بعد العداوة الواغرة فى الصّدور ، والضّغائن القادحة فى القلوب .
أقول : الفصل من ممادح الرسول صلى اللَّه عليه وآله . وصدع : اى شقّ بأمر اللَّه عصا الكفر . ولمّ اللَّه به ما انصدع به من عصا المسلمين ، ورتق به : ما كان مفتتقا من امورهم .
والوغرة : ذات الوغرة وهى شدة حرارة الصدور واضغانها .
< فهرس الموضوعات > من كلام له عليه السلام قاله إلى عبد الله بن زمعة < / فهرس الموضوعات > 221 - ومن كلام له عليه السّلام كلم به عبد اللَّه بن زمعة ، وهو من شيعته ، وذلك أنه قدم عليه فى خلافته يطلب منه مالا ، فقال عليه السلام : إنّ هذا المال ليس لى ولا لك ، وإنّما هو فيء للمسلمين ، وجلب أسيافهم ، فإن
[1]الذريعة 5 - 141 . تأسيس الشيعة - 243 .
شركتهم فى حربهم كان لك مثل حظَّهم ، وإلَّا فجناة أيديهم لا تكون لغير أفواههم .
أقول : زمعة بفتح الميم . والجلب : المجلوب وروى بالخاء . وجناة الثمر : ما يجنى منه .
< فهرس الموضوعات > من كلام له عليه السلام حول اللسان والكلام < / فهرس الموضوعات > 222 - ومن كلام له عليه السّلام ألا إنّ اللَّسان بضعة من الإنسان ، فلا يسعده القول إذا امتنع ، ولا يمهله النّطق إذا اتّسع ، وإنّا لأمراء الكلام ، وفينا تنشّبت عروقه ، وعلينا تهدّلت غصونه .
واعلموا - رحمكم اللَّه - أنّكم فى زمان القائل فيه بالحقّ قليل ، واللَّسان عن الصّدق كليل ، واللَّازم للحقّ ذليل ، أهله معتكفون على العصيان ، مصطلحون على الإدهان فتاهم عارم ، وشائبهم آثم ، وعالمهم منافق ، وقارئهم مماذق ، لا يعظَّم صغيرهم كبيرهم ، ولا يعول غنيّهم فقيرهم .
اقول : روى فى سبب هذا الكلام ، انّه عليه السلام امر ابن اخته جعدة بن هبيرة المخزومى يوما ان يخطب ، فصعد المنبر فحصر ، فقام - عليه السلام - فصعد المنبر فخطب خطبة طويلة منها هذا الفصل . والبضعة : القطعة . والضمير فى يسعده ويمهله : للسان .
وفى امتنع واتّسع : للانسان ، والمعنى : انّ اللسان لما كان آلة للانسان فاذا امتنع الانسان من القول النفساني ، امتنع اللسان عن النطق ، واذا اتّسع ذهنه بالمعانىّ ، واستحصرها امكنه القول اللسانى ولم يمهل النطق من الحركة به . وتهدّلت : تدلت . والادهان : المصانعة . والعارم : الشرس سيء الخلق . والمماذق : الَّذى يمزج الودّ ولا يخلصه ، وهو نوع من النفاق .
< فهرس الموضوعات > من كلام له عليه السلام وقد ذكر عنده اختلاف الناس < / فهرس الموضوعات > 223 - ومن كلام له عليه السّلام روى ابو محمد اليمانى عن أحمد بن قتيبة عن عبد اللَّه بن يزيد عن مالك بن دحية قال : كنا عند أمير المؤمنين عليه السلام وقد ذكر عنده اختلاف الناس فقال :
إنّما فرّق بينهم مبادى طينهم ، وذلك أنّهم كانوا فلقة من سبخ أرض وعذبها ، وحزن تربة وسهلها ، فهم على حسب قرب أرضهم يتقاربون ، وعلى قدر اختلافها يتفاوتون ، فتامّ الرّواء ، ناقص العقل ، ومادّ القامة ، قصير الهمّة ، وزاكي العمل ، قبيح المنظر ، وقريب القعر ، بعيد السّبر ، ومعروف الضّريبة ، منكر الجليبة ، وتائه القلب ، متفرّق اللَّبّ ، وطليق اللَّسان ، حديد الجنان .
اقول : الفصل اشارة الى السبب المادّى لاختلاف الناس فى الصور والاخلاق .
والطين : اشارة الى ما ذكره من التربة الممتزجة من السبخ ، والعذب ، والحزن ، والسهل : وهى الجزء الارضى فى الأبدان البشريّة ، وانّما خصصه بالذكر دون سائر العناصر ، لانّه الجزء الأرضى فيها كما علمت فى الخطبة الاولى ، وظاهر انّ لتلك التربة بحسب ما يغلب عليها من الكيفيّات المذكورة أثرا عظيما فى اختلاف الصور والاخلاق ، ففى الاغلب فيمن يتولَّد فى البلاد السبخة ان يكون مزاجه حارا يابسا . وبحسب ذلك تكون نحافة بدنه وسرعة نزقه وما يتبع ذلك من ذميم الاخلاق او حميدها ، وكذلك من عذبت تربته كان الأغلب عليه لطف الصورة وحسن الأخلاق . والفلقة : القطعة . وقوله : فتامّ الرواء الى آخره : كالتفصيل لهم فى تفاوتهم ، وذكر اقساما خمسة . والرواء : المنظر الحسن . والسبر : اختبار الباطن . وقريب القعر : كناية عن القصر . وقيل : لبعض الحكماء حين سئل ما بال القصير من الناس ادهى واحذق قال : لقرب قلبه من دماغه . وكأنه اراد انّ القلب لما كان مبدأ الحار الغريزى ، وكانت الاعراض النفسانية من الفطنة والذكاء والفهم والاقدام والوقاحة وحسن الظن وجودة الرجاء والنشاط ورجولية الاخلاق وقلَّة الكسل وقلة الانفعال عن الاشياء كل ذلك يدلّ على الحرارة ، وتوفّرها واضداد ذلك يدلّ على البرودة لا جرم كان قرب القلب من الدماغ فى القصر ، لكونه سببا لتوفّر الحرارة فى الدماغ ، وجودة استعداد القوى النفسانية فيه سببا لتلك الاعراض المذكورة ، وكان بعده منه فى الطويل سببا لقلَّة الحرارة فيه وضعف استعداد القوى النفسانية لتلك الأعراض .
والضريبة الخلق . والجليبة ما يجلبه الانسان ويتكلَّفه . وباللَّه التوفيق .
< فهرس الموضوعات > من كلام له عليه السلام حين كان يلي غسل رسول الله ( ص ) < / فهرس الموضوعات > 224 - ومن كلام له عليه السّلام وهو يلي غسل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وتجهيزه بأبى أنت وأمّى لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النّبوّة والأنباء ، وأخبار السّماء ، خصّصت حتّى صرت مسلَّيا عمّن سواك ، وعمّمت حتّى صار النّاس فيك سواء .
ولو لا أنّك أمرت بالصّبر ، ونهيت عن الجزع ، لأنفدنا عليك ماء الشّئون ، ولكان الدّاء مماطلا ، والكمد مخالفا ، وقلَّا لك ، ولكنّه مالا يملك ردّه ، ولا يستطاع دفعه ، بأبى أنت وأمّى ، اذكرنا عند ربّك ، واجعلنا من بالك .
أقول : بأبى أنت وامّى : متعلق بمحذوف تقديره افديك . ومن النبوّة والانباء : بيان الغير . وروى عوض الانباء الأنبياء اى : الخبر . ومن على هذا بيان : لما انقطع . وخصصت اى : فى مصيبتك من حيث انّها عظيمة لا يصاب الناس بمثلها ، فلذلك كان مسلية لهم عن غيرها . وماء الشئون : الدموع ، والشئون متصل قطع الرأس مع المشعوب بعضها مع بعض ، والعرب تزعم انّ الدموع تنزل منها . وقيل : الشأنان عرقان ينحدران من الرأس الى الحاجبين ثم الى العينين . ومما طلة الداء : ملازمة الحزن كأنه لملازمته مع من شأنه المفارقة مماطل فيها ، والمحالف : الملازم . وضمير التثنية فى قلَّا لانفاذ ماء الشئون ولمما طلة الحزن وفى ولكنه لموته ، والبال : القلب اى : اجعلنا ممن تباليه وتعتنى به .
< فهرس الموضوعات > من خطبة له عليه السلام في تحميد الله تعالى < / فهرس الموضوعات > 225 - ومن خطبة له عليه السّلام فاعلموا وأنتم فى نفس البقاء ، والصّحف منشورة ، والتّوبة مبسوطة ، والمدبر يدعى ، والمسىء يرجى قبل أن يخمد العمل ، وينقطع المهل ، وينقضي الأجل ، ويسدّ باب التّوبة ، وتصعد الملائكة .
فأخذ امرو من نفسه لنفسه ، وأخذ من حىّ لميّت ، ومن فان لباق ، ومن ذاهب