إنّما فرّق بينهم مبادى طينهم ، وذلك أنّهم كانوا فلقة من سبخ أرض وعذبها ، وحزن تربة وسهلها ، فهم على حسب قرب أرضهم يتقاربون ، وعلى قدر اختلافها يتفاوتون ، فتامّ الرّواء ، ناقص العقل ، ومادّ القامة ، قصير الهمّة ، وزاكي العمل ، قبيح المنظر ، وقريب القعر ، بعيد السّبر ، ومعروف الضّريبة ، منكر الجليبة ، وتائه القلب ، متفرّق اللَّبّ ، وطليق اللَّسان ، حديد الجنان .
اقول : الفصل اشارة الى السبب المادّى لاختلاف الناس فى الصور والاخلاق .
والطين : اشارة الى ما ذكره من التربة الممتزجة من السبخ ، والعذب ، والحزن ، والسهل : وهى الجزء الارضى فى الأبدان البشريّة ، وانّما خصصه بالذكر دون سائر العناصر ، لانّه الجزء الأرضى فيها كما علمت فى الخطبة الاولى ، وظاهر انّ لتلك التربة بحسب ما يغلب عليها من الكيفيّات المذكورة أثرا عظيما فى اختلاف الصور والاخلاق ، ففى الاغلب فيمن يتولَّد فى البلاد السبخة ان يكون مزاجه حارا يابسا . وبحسب ذلك تكون نحافة بدنه وسرعة نزقه وما يتبع ذلك من ذميم الاخلاق او حميدها ، وكذلك من عذبت تربته كان الأغلب عليه لطف الصورة وحسن الأخلاق . والفلقة : القطعة . وقوله : فتامّ الرواء الى آخره : كالتفصيل لهم فى تفاوتهم ، وذكر اقساما خمسة . والرواء : المنظر الحسن . والسبر : اختبار الباطن . وقريب القعر : كناية عن القصر . وقيل : لبعض الحكماء حين سئل ما بال القصير من الناس ادهى واحذق قال : لقرب قلبه من دماغه . وكأنه اراد انّ القلب لما كان مبدأ الحار الغريزى ، وكانت الاعراض النفسانية من الفطنة والذكاء والفهم والاقدام والوقاحة وحسن الظن وجودة الرجاء والنشاط ورجولية الاخلاق وقلَّة الكسل وقلة الانفعال عن الاشياء كل ذلك يدلّ على الحرارة ، وتوفّرها واضداد ذلك يدلّ على البرودة لا جرم كان قرب القلب من الدماغ فى القصر ، لكونه سببا لتوفّر الحرارة فى الدماغ ، وجودة استعداد القوى النفسانية فيه سببا لتلك الاعراض المذكورة ، وكان بعده منه فى الطويل سببا لقلَّة الحرارة فيه وضعف استعداد القوى النفسانية لتلك الأعراض .
والضريبة الخلق . والجليبة ما يجلبه الانسان ويتكلَّفه . وباللَّه التوفيق .
< فهرس الموضوعات > من كلام له عليه السلام حين كان يلي غسل رسول الله ( ص ) < / فهرس الموضوعات > 224 - ومن كلام له عليه السّلام وهو يلي غسل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وتجهيزه بأبى أنت وأمّى لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النّبوّة والأنباء ، وأخبار السّماء ، خصّصت حتّى صرت مسلَّيا عمّن سواك ، وعمّمت حتّى صار النّاس فيك سواء .
ولو لا أنّك أمرت بالصّبر ، ونهيت عن الجزع ، لأنفدنا عليك ماء الشّئون ، ولكان الدّاء مماطلا ، والكمد مخالفا ، وقلَّا لك ، ولكنّه مالا يملك ردّه ، ولا يستطاع دفعه ، بأبى أنت وأمّى ، اذكرنا عند ربّك ، واجعلنا من بالك .
أقول : بأبى أنت وامّى : متعلق بمحذوف تقديره افديك . ومن النبوّة والانباء : بيان الغير . وروى عوض الانباء الأنبياء اى : الخبر . ومن على هذا بيان : لما انقطع . وخصصت اى : فى مصيبتك من حيث انّها عظيمة لا يصاب الناس بمثلها ، فلذلك كان مسلية لهم عن غيرها . وماء الشئون : الدموع ، والشئون متصل قطع الرأس مع المشعوب بعضها مع بعض ، والعرب تزعم انّ الدموع تنزل منها . وقيل : الشأنان عرقان ينحدران من الرأس الى الحاجبين ثم الى العينين . ومما طلة الداء : ملازمة الحزن كأنه لملازمته مع من شأنه المفارقة مماطل فيها ، والمحالف : الملازم . وضمير التثنية فى قلَّا لانفاذ ماء الشئون ولمما طلة الحزن وفى ولكنه لموته ، والبال : القلب اى : اجعلنا ممن تباليه وتعتنى به .
< فهرس الموضوعات > من خطبة له عليه السلام في تحميد الله تعالى < / فهرس الموضوعات > 225 - ومن خطبة له عليه السّلام فاعلموا وأنتم فى نفس البقاء ، والصّحف منشورة ، والتّوبة مبسوطة ، والمدبر يدعى ، والمسىء يرجى قبل أن يخمد العمل ، وينقطع المهل ، وينقضي الأجل ، ويسدّ باب التّوبة ، وتصعد الملائكة .
فأخذ امرو من نفسه لنفسه ، وأخذ من حىّ لميّت ، ومن فان لباق ، ومن ذاهب
لدائم ، امرو خاف اللَّه ، وهو معمّر إلى أجله ، ومنظور إلى عمله ، امرو ألجم نفسه بلجامها ، وزمّها بزمامها ، فأمسكها بلجامها عن معاصى اللَّه ، وقادها بزمامها إلى طاعة اللَّه تعالى .
اقول : فى نفس البقاء اى : فى سعة منه . والصحف صحف الأعمال . والمدبر اى : عن طاعة اللَّه . واستعار لفظ الجمود : لوقوف العمل كالماء يجمد بعد جريانه . وقوله : فأخذ امرؤ فى صورة الخبر اى : فليأخذ امرؤ من نفسه الامّارة بكسرها ، ومنعها عن مشتهياتها ، وميولها الطبيعية لنفسه العاقلة . ويحتمل أن يريد بالنفس الاولى : البدن والأخذ منه بالعبادة ، كالصلاة ، والصيام وذلك كمال لنفسه العاقلة ، وذخر لها فى الآخرة . قوله : وأخذ من حىّ لميت اى : فكذلك فليأخذ المدبر من نفسه باعتبار ما هو حىّ فى الدنيا لنفسه باعتبار ما هو ميّت لا يمكنه ذلك ، وكذلك فليأخذ الحىّ من فان وهو دنياه لباق ودائم وهو أخراه . وقوله : امرؤ الى آخره : كالجواب لسائل سأل عن ذلك المرء ، الأخذ من نفسه لنفسه فكأنّه قال : هو امرؤ خاف اللَّه وامرؤ كذا ، ومنظور الى عمله اى : ملتفت اليه من اللَّه كقوله تعالى : * ( ( فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) ) *[1]واستعار لفظ اللجام والذمام : للتقوى .
226 - ومن خطبة له عليه السّلام الحمد للَّه الَّذى لا تدركه الشّواهد ، ولا تحويه المشاهد ، ولا تراه النّواظر ، ولا تحجبه السّواتر ، الدّالّ على قدمه بحدوث خلقه ، وبحدوث خلقه على وجوده ، وباشتباههم على أن لا شبه له ، الَّذى صدق فى ميعاده ، وارتفع عن ظلم عباده ، وقام بالقسط فى خلقه ، وعدل عليهم فى حكمه ، مستشهد بحدوث الأشياء على أزليّته ، وبما وسمها به من العجز على قدرته ، وبما اضطرّها إليه من الفناء على دوامه . واحد لا بعدد ، دائم لا بامد ، وقائم لا بعمد . تتلقّاه الأذهان لا بمشاعرة ، وتشهد له المرائى لا بمحاضرة . لم تحط به الأوهام بل تجلَّى لها وبها امتنع منها ، وإليها حاكمها ليس بذى كبر امتدّت به النّهايات فكبّرته تجسيما ، ولا بذى عظم تناهت به الغايات فعظَّمته تجسيدا ، بل كبر شأنا ، وعظم سلطانا .
[1]سورة الاعراف - 129 .
وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله الصّفى وأمينه الرّضىّ ، صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، أرسله بوجوب الحجج ، وظهور الفلج ، وإيضاح المنهج ، فبلَّغ الرّسالة صادعا بها ، وحمل على المحجّة دالَّا عليها ، وأقام أعلام الاهتداء ، ومنار الضّياء ، وجعل أمراس الإسلام متينة ، وعرى الإيمان وثيقة .
اقول : اراد بالشواهد : الخواص لكونها تشهد ما تدركه وتحضر عنده . والمشاهد : المحاضر والمجالس . وقوله : الدالّ على قدمه الى قوله : لا شبيه له : قد سبقت الاشارة الى الاعتبارات المذكورة فى قوله ( الحمد للَّه الدالّ على وجوده بخلقه ) وكذلك باقى الاعتبارات كالاستدلال بعجز الخلق على قدرته ، وبفنائهم على دوامه وكونه قائما لا بعمد اى ثابت الوجود ، من غير سبب يستند اليه ، وتلقى الاذهان له لا بمشاعرة ، اى ليس له من طريق الحواسّ اذ ليس بمحسوس بل بالعقول الصرفة وشهادة المرائى له لا بمحاضرة شهادة النواظر بوجوده فى آثار قدرته من غير حضور معه . ويحتمل ان يريد بالمرائى : نفس الاثار التي ترى فيها فانّها شاهدة بوجود شهادة المعلول بوجود علته ، وتحليه للاوهام بها ظهوره لها فى صورة وجودها ، ووجود مدركاتها من جهة ما هو صانعها وموجدها ، اذ كانت الاوهام عند اعتبارها لاحوال نفسها معترفة بحاجتها الى موجد ومقيم ، ومساعدة للعقول فى حكمها بذلك ، وان كان ادراكها على وجه جزئى فكانت مشاهدة له بحسب ما طبعت عليه وبقدر امكانها ، وهو متحل لها كذلك . والباء فى بها : للسّبيّة اذ وجودها هو السبب المادّى فى تحلَّيه لها . ويحتمل ان يكون بمعنى فى اي : فى وجودها ومعنى بل هاهنا بعد سلب الاحاطة به ، انّ الاوهام لم تكن ادراكها له على وجه الاحاطة به ، بل على الوجه المذكور والممكن من تحلَّيه لها . وقوله : وبها امتنع منها ، اي بخلقها قاصرة عن ادراك المعاني الكلَّية المجرّدة كانت مبدأ لامتناعه من ادراكها له ، ومحاكمته لها اليها جعلها حكما بينها وبينه عند رجوعها من توجّهها فى طلبه منجذبة خلف العقول ، حسيرة معترفة بانّه لا يمكن ادراكه . وقيل : اراد بالأوهام : العقول . وقوله : بها امتنع ، اى : بالعقول ونظرها علم انّها لا تدركه ، واليها حاكمها ، اى : جعل العقول المدّعية انّها تحيط به وتدركه كالخصوم ثم حاكمها الى العقول السليمة
فحكمت له العقول السليمة على المدّعية لما ليست أهلا له . او انّه جعل تلك المدّعية هى الحاكمة على نفسها بعد اجتهادها فى طلبه ، واعترافها بالعجز عن ادراكه ، ووجوب الحجج ، اى : الحجج الواجبة على الخلق . والفلج : الفوز . والنار : الاعلام . والأمراس جمع مرس بفتح الراء وهى الحبل . وباللَّه التوفيق .
منها : فى صفة عجيب خلق أصناف من الحيوانات : ولو فكَّروا فى عظيم القدرة ، وجسيم النّعمة ، لرجعوا إلى الطَّريق ، وخافوا عذاب الحريق ، ولكنّ القلوب عليلة ، والأبصار مدخولة ألا ينظرون إلى صغير ما خلق كيف أحكم خلقه ، وأتقن تركيبه ، وفلق له السّمع والبصر ، وسوّى له العظم والبشر أنظروا إلى النّملة فى صغر جثّتها ، ولطافة هيئتها ، لا تكاد تنال بلحظ البصر ، ولا بمستدرك الفكر ، كيف دبّت على أرضها ، وصبّت على رزقها تنقل الحبّة إلى جحرها ، وتعدّها فى مستقرّها ، تجمع فى حرّها لبردها ، وفى وردها لصدرها ، مكفولة برزقها ، مرزوقة بوفقها ، لا يغفلها المنّان ، ولا يحرمها الدّيّان ، ولو فى الصّفا اليابس ، والحجر الجامس ، ولو فكَّرت فى مجارى أكلها ، فى علوها وسفلها ، وما فى الجوف من شراسيف بطنها ، وما فى الرّأس من عينها وأذنها ، لقضيت من خلقها عجبا ، ولقيت من وصفها تعبا ، فتعالى الَّذى أقامها على قوائمها ، وبناها على دعائمها لم يشركه فى فطرتها فاطر ، ولم يعنه فى خلقها قادر . ولو ضربت فى مذاهب فكرك لتبلغ غاياته ما دلَّتك الدّلالة إلَّا على أنّ فاطر النّملة هو فاطر النّخلة ، لدقيق تفصيل كلّ شيء ، وغامض اختلاف كلّ حىّ وما الجليل واللَّطيف ، والثّقيل والخفيف ، والقوىّ والضّعيف ، فى خلقه إلَّا سواء وكذلك السّماء والهواء ، والرّياح والماء فانظر إلى الشّمس والقمر ، والنّبات والشّجر ، والماء والحجر ، واختلاف هذا اللَّيل والنّهار ، وتفجّر هذه البحار ، وكثرة هذه الجبال ، وطول هذه القلال ، وتفرّق هذه اللَّغات ، والألسن المختلفات ، فالويل لمن أنكر المقدّر ، وجحد المدبّر . زعموا أنّهم كالنّبات مالهم زارع ، ولا لاختلاف صورهم صانع ولم يلجئوا إلى حجّة فيما ادّعوا ، ولا تحقيق لما أوعوا ، وهل يكون بناء من غير بان ، أو جناية من غير جان
وإن شئت قلت فى الجرادة إذ خلق لها عينين حمراوين ، وأسرج لها حدقتين قمر - اوين ، وجعل لها السّمع الخفىّ ، وفتح لها الفم السّوىّ ، وجعل لها الحسّ القوىّ ، ونابين بهما تقرض ومنجلين بهما تقبض ، يرهبها الزّرّاع فى زرعهم ، ولا يستطيعون ذبّها ، ولو أجلبوا بجمعهم ، حتّى ترد الحرث فى نزواتها ، وتقضى منه شهواتها وخلقها كلَّه لا يكون إصبعا مستدقّة . فتبارك اللَّه الَّذى يسجد له من فى السّموات والأرض طوعا وكرها ، ويعفّر له خدّا ووجها ، ويلقى إليه بالطَّاعة سلما وضعفا ، ويعطى له القياد رهبة وخوفا . فالطَّير مسخّرة لأمره ، أحصى عدد الرّيش منها والنّفس ، وأرسى قوائمها على النّدى واليبس ، وقدّر أقواتها ، وأحصى أجناسها : فهذا غراب ، وهذا عقاب ، وهذا حمام ، وهذا نعام ، دعا كلّ طائر باسمه ، وكفل له برزقه ، وأنشأ السّحاب الثّقال فأهطل ديمها ، وعدّد قسمها فبلّ الأرض بعد جفوفها ، وأخرج نبتها بعد جدوبها .
اقول : علة القلوب مرض الجهل .
ومدخولة : معيوبة . وعيبها كونها لا يدرك العبر ولا ينتفع بها . والبشر : الجلد . ونقل الجاحظ من عجائب النملة انّها : يدّخر فى الصيف للشتاء فيقدّم فى حال المهلة ولا تضيع اوقات الفرصة ، ويبلغ من صحة تميّزها والنظر فى عاقبة امرها أن تخاف على الحبوب التي ادّخرتها للشتاء ان تعفّن وتسوسّ فى بطن الارض فتخرجها الى ظهرها لتنشرها ، وتعيد اليها جفافها ويضربها النسيم فينفى عنها العفن والفساد ، وربّما تختار فى الاكثر ان يكون ذلك العمل ليلا ليكون اخفى وفى القمر لانّها فيه أبصر ، فان كان مكانها نديّا وخافت ان تنبت الحبة نقرت موضع القطمير من وسطها لعلمها انّها من ذلك الموضع تنبت وربّما فقلت الحبة بنصفين . فأمّا ان كان الحب من الكزبرة فأنّها تفلقه ارباعا لان انصاف حب الكزبرة ينبت من بين جمع الحب . قال : ونقل الىّ من اثق به انّه احتفر بيت النمل ، فوجد الحبوب التي جمعتها كلّ نوع وحده . قال : ووجدنا فى بعضها انّ بعض الحبوب فوق بعض وبينها فواصل حائلة من التبن ونحوه[1]. والجامس : الجامد ، والسراسيف : اطراف الاضلاع المحتوية على البطن ، ودعائمها ما يقوم فى بدنها مقام العظام والاعصاب ونحوها . وقوله :
[1]الحيوان 4 - 18 . حياة الحيوان 2 - 366 .
لدقيق تفصيل كل شى الى قوله حتى : اشارة الى اوسط الحجّة على ما ادّعاه من اشراك النملة على صغرها ، والنخلة فى طولها وعظمها فى الاستناد الى صانع واحد حكيم ، وتقرير الحجّة انّ فى النملة والنخلة تفصيلا لطيفا دقيقا ، واختلاف شكل وهيئة ومقدار ووجوها من الحكمة وكل ما اشتمل على ذلك فله صانع مدبّر حكيم خصّصه بها دون غيره ، فينتج انّهما يشتركان فى الحاجة الى صانع مدبّر حكيم خص كلا منهما بما يشتمل عليه ، وهذه الحجة هى المسمّاة فى عرف المتكلَّمين بالاستدلال بامكان الصفات . وقوله : وما الجليل الى قوله سواء : اشارة الى انّ كل المخلوقات وان اختلفت صفاتها ومقاديرها لا تفاوت فيها بالنظر الى قدرته ، وكمالها بين ان يفيض عنها صورة الحقير منها كالنملة ، او العظيم منها كالنخلة بل التفاوت من جانب القابل . وقوله : وكذلك السماء الى آخره اى : انّ الجميع متشابه فى الحاجة الى الصانع الحكيم ، وهو المخصص لكلّ بكماله اللائق به اذ ليس ذلك للجسميّة ولا للوازمها لتشابهها فى الجميع ، ولا لعوارضها لانّ الكلام فى الاختصاص بذلك العارض كالكلام فى الاختصاص بالصّفة ويلزم التسلسل ، فبقى ان يكون لامر خارج عنها وهو المدبّر الحكيم . واشار بالجاحدين : الَّذين زعموا الزعم المذكور الى جماعة من العرب انكروا الخالق والبعث ، وقالوا : بالدهر : المفنى كما حكى اللَّه تعالى عنهم : * ( ( وقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا ) ) *[1]وقياس انفسهم على النبات من باب التمثيل والاصل فيه النبات . والفرع انفسهم ، والحكم هو ما توهّموه من كونهم بلا صانع ، والجامع هو ما يشتركون فيه مع النبات من الموت والحياة او نحوه وجوابهم منع الحكم المذكور ، والتّنبيه على ما هو معلوم بالضرورة من انّ كل صنعة فلها صانع ، وكل جناية فلها جان . قوله : وان شئت قلت فى الجرادة ، الى قوله : مستدقّة : تنبيه آخر على وجود الصانع الحكيم فى وجود الجرادة ، وحدقه قمراء اى : مضيئة . والسوىّ : المعتدل . واراد بحسّها قوّتها الوهميّة . واجلبوا : اجمعوا . والنزوات : الوثبات . وتعفير الخد : تمريغه فى العفر وهو التراب . وارسى قوائمها : اثبتها وارساها فى الندى كطير الماء . واراد بالجنس : اللغوىّ وهو يصدق على النوع والصنف فى المصطلح العلمىّ . واستعار وصف الدعاء هنا : لحكم
[1]سورة الجاثية - 24 .
القدرة الالهية على كلّ منها بالدخول فى الوجود ، وهو كقوله تعالى : * ( ( ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلأَرْضِ ) ) *[1]. والفصل من افصح العبارات .
227 - ومن خطبة له عليه السّلام فى التوحيد ، وتجمع هذه الخطبة من أصول العلم ما لا تجمعه خطبة ما وحّده من كيّفه ، ولا حقيقته أصاب من مثّله ، ولا إيّاه عنى من شبّهه ، ولا صمده من أشار إليه وتوهّمه . كلّ معروف بنفسه مصنوع ، وكلّ قائم فى سواه معلول ، فاعل لا باضطراب آلة ، مقدّر لا بحول فكرة ، غنىّ لا باستفادة . لا تصحبه الأوقات ، ولا ترفده الأدوات ، سبق الأوقات كونه ، والعدم وجوده ، والابتداء أزله . بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له وبمضادّته بين الأمور عرف أن لا ضدّله ، وبمقارنته بين الأشياء عرف أن لا قرين له ، ضادّ النّور بالظَّلمة ، والوضوح بالبهمة ، والجمود بالبلل ، والحرور بالصّرد . مؤلَّف بين متعادياتها ، مقارن بين متبايناتها ، مقرّب بين متباعداتها ، مفرّق بين متدانياتها . لا يشمل بحدّ ولا يحسب بعدّ ، وإنّما تحدّ الأدوات أنفسها ، وتشير الآلات إلى نظائرها . منعتها منذ القدميّة ، وحمتها قد الأزليّة ، وجنّبتها لو لا التّكملة ، بها تجلَّى صانعها للعقول ، وبها امتنع عن نظر العيون ، لا يجرى عليه السّكون والحركة وكيف يجرى عليه ما هو أجراه ، ويعود فيه ما هو أبداه ، ويحدث فيه ما هو أحدثه إذا لتفاوتت ذاته ، ولتجزّأ كنهه ، ولا متنع من الأزل معناه ولكان له وراء إذ وجد له أمام ولا لتمس التّمام إذ لزمه النّقصان وإذا لقامت آية المصنوع فيه ، ولتحوّل دليلا بعد أن كان مدلولا عليه ، وخرج بسلطان الامتناع من أن يؤثّر فيه ما يؤثّر فى غيره . الَّذى لا يحول ، ولا يزول ، ولا يجوز عليه الأفول ، ولم يلد فيكون مولودا ، ولم يولد فيصير محدودا . جلّ عن اتّخاذ الأبناء ، وطهر عن ملا مسة النّساء ، لا تناله الأوهام فتقدّره ، ولا تتوهّمه الفطن فتصوّره ، ولا تدركه الحواسّ فتحسّه ، ولا تلمسه الأيدى فتمسّه .
[1]سورة فصّلت - 11 .