بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 431


لدقيق تفصيل كل شى الى قوله حتى : اشارة الى اوسط الحجّة على ما ادّعاه من اشراك النملة على صغرها ، والنخلة فى طولها وعظمها فى الاستناد الى صانع واحد حكيم ، وتقرير الحجّة انّ فى النملة والنخلة تفصيلا لطيفا دقيقا ، واختلاف شكل وهيئة ومقدار ووجوها من الحكمة وكل ما اشتمل على ذلك فله صانع مدبّر حكيم خصّصه بها دون غيره ، فينتج انّهما يشتركان فى الحاجة الى صانع مدبّر حكيم خص كلا منهما بما يشتمل عليه ، وهذه الحجة هى المسمّاة فى عرف المتكلَّمين بالاستدلال بامكان الصفات . وقوله : وما الجليل الى قوله سواء : اشارة الى انّ كل المخلوقات وان اختلفت صفاتها ومقاديرها لا تفاوت فيها بالنظر الى قدرته ، وكمالها بين ان يفيض عنها صورة الحقير منها كالنملة ، او العظيم منها كالنخلة بل التفاوت من جانب القابل . وقوله : وكذلك السماء الى آخره اى : انّ الجميع متشابه فى الحاجة الى الصانع الحكيم ، وهو المخصص لكلّ بكماله اللائق به اذ ليس ذلك للجسميّة ولا للوازمها لتشابهها فى الجميع ، ولا لعوارضها لانّ الكلام فى الاختصاص بذلك العارض كالكلام فى الاختصاص بالصّفة ويلزم التسلسل ، فبقى ان يكون لامر خارج عنها وهو المدبّر الحكيم . واشار بالجاحدين : الَّذين زعموا الزعم المذكور الى جماعة من العرب انكروا الخالق والبعث ، وقالوا : بالدهر : المفنى كما حكى اللَّه تعالى عنهم : * ( ( وقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا ) ) *[1]وقياس انفسهم على النبات من باب التمثيل والاصل فيه النبات . والفرع انفسهم ، والحكم هو ما توهّموه من كونهم بلا صانع ، والجامع هو ما يشتركون فيه مع النبات من الموت والحياة او نحوه وجوابهم منع الحكم المذكور ، والتّنبيه على ما هو معلوم بالضرورة من انّ كل صنعة فلها صانع ، وكل جناية فلها جان . قوله : وان شئت قلت فى الجرادة ، الى قوله : مستدقّة : تنبيه آخر على وجود الصانع الحكيم فى وجود الجرادة ، وحدقه قمراء اى : مضيئة . والسوىّ : المعتدل . واراد بحسّها قوّتها الوهميّة . واجلبوا : اجمعوا . والنزوات : الوثبات . وتعفير الخد : تمريغه فى العفر وهو التراب . وارسى قوائمها : اثبتها وارساها فى الندى كطير الماء . واراد بالجنس : اللغوىّ وهو يصدق على النوع والصنف فى المصطلح العلمىّ . واستعار وصف الدعاء هنا : لحكم


[1]سورة الجاثية - 24 .


صفحه 432


القدرة الالهية على كلّ منها بالدخول فى الوجود ، وهو كقوله تعالى : * ( ( ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلأَرْضِ ) ) *[1]. والفصل من افصح العبارات .
227 - ومن خطبة له عليه السّلام فى التوحيد ، وتجمع هذه الخطبة من أصول العلم ما لا تجمعه خطبة ما وحّده من كيّفه ، ولا حقيقته أصاب من مثّله ، ولا إيّاه عنى من شبّهه ، ولا صمده من أشار إليه وتوهّمه . كلّ معروف بنفسه مصنوع ، وكلّ قائم فى سواه معلول ، فاعل لا باضطراب آلة ، مقدّر لا بحول فكرة ، غنىّ لا باستفادة . لا تصحبه الأوقات ، ولا ترفده الأدوات ، سبق الأوقات كونه ، والعدم وجوده ، والابتداء أزله . بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له وبمضادّته بين الأمور عرف أن لا ضدّله ، وبمقارنته بين الأشياء عرف أن لا قرين له ، ضادّ النّور بالظَّلمة ، والوضوح بالبهمة ، والجمود بالبلل ، والحرور بالصّرد . مؤلَّف بين متعادياتها ، مقارن بين متبايناتها ، مقرّب بين متباعداتها ، مفرّق بين متدانياتها . لا يشمل بحدّ ولا يحسب بعدّ ، وإنّما تحدّ الأدوات أنفسها ، وتشير الآلات إلى نظائرها . منعتها منذ القدميّة ، وحمتها قد الأزليّة ، وجنّبتها لو لا التّكملة ، بها تجلَّى صانعها للعقول ، وبها امتنع عن نظر العيون ، لا يجرى عليه السّكون والحركة وكيف يجرى عليه ما هو أجراه ، ويعود فيه ما هو أبداه ، ويحدث فيه ما هو أحدثه إذا لتفاوتت ذاته ، ولتجزّأ كنهه ، ولا متنع من الأزل معناه ولكان له وراء إذ وجد له أمام ولا لتمس التّمام إذ لزمه النّقصان وإذا لقامت آية المصنوع فيه ، ولتحوّل دليلا بعد أن كان مدلولا عليه ، وخرج بسلطان الامتناع من أن يؤثّر فيه ما يؤثّر فى غيره . الَّذى لا يحول ، ولا يزول ، ولا يجوز عليه الأفول ، ولم يلد فيكون مولودا ، ولم يولد فيصير محدودا . جلّ عن اتّخاذ الأبناء ، وطهر عن ملا مسة النّساء ، لا تناله الأوهام فتقدّره ، ولا تتوهّمه الفطن فتصوّره ، ولا تدركه الحواسّ فتحسّه ، ولا تلمسه الأيدى فتمسّه .


[1]سورة فصّلت - 11 .


صفحه 433


لا يتغيّر بحال ، ولا يتبدّل بالأحوال ، ولا تبليه اللَّيالى والأيّام ، ولا يغيّره الضّياء والظَّلام ، ولا يوصف بشىء من الأجزاء ، ولا بالجوارح والأعضاء ، ولا بعرض من الأعراض ، ولا بالغيريّة والأبعاض ، ولا يقال له حدّ ولا نهاية ، ولا انقطاع ولا غاية . ولا أنّ الأشياء تحويه ، فتقلَّه أو تهويه ، أو أنّ شيئا يحمله فيميله أو يعد له . ليس فى الأشياء بوالج ، ولا عنها بخارج . يخبر لا بلسان ولهوات ، ويسمع لا بخروق وأدوات . يقول ولا يلفظ ، ويحفظ ولا يتحفّظ ، ويريد ولا يضمر ، يحبّ ويرضى من غير رقّة ، ويبغض ويغضب من غير مشقّة . يقول لمن أراد كونه « كن » فيكون لا بصوت يقرع ، ولا بنداء يسمع ، وإنّما كلامه - سبحانه - فعل منه أنشأه ، ومثله لم يكن من قبل ذلك كائنا ، ولو كان قديما لكان إلها ثانيا . لا يقال كان بعد أن لم يكن فتجرى عليه الصّفات المحدثات ولا يكون بينها وبينه فصل ، ولا له عليها فضل ، فيستوى الصّانع والمصنوع ، ويتكافأ المبتدع والبديع . خلق الخلائق على غير مثال خلا من غيره ، ولم يستعن على خلقها بأحد من خلقه ، وأنشأ الأرض فأمسكها من غير اشتغال ، وأرساها على غير قرار ، وأقامها بغير قوائم ، ورفعها بغير دعائم ، وحصّنها من الأود والاعوجاج ، ومنعها من التّهافت والانفراج ، أرسى أوتادها ، وضرب أسدادها ، واستفاض عيونها ، وخدّ أوديتها ، فلم يهن ما بناه ، ولا ضعف ما قوّاه . هو الظَّاهر عليها بسلطانه وعظمته ، وهو الباطن لها بعلمه ومعرفته ، والعالى على كلّ شيء منها بجلاله وعزّته ، لا يعجزه شيء منها طلبه ، ولا يمتنع عليه فيغلبه ، ولا يفوته السّريع منها فيسبقه ، ولا يحتاج إلى ذى مال فيرزقه . خضعت الأشياء له ، وذلَّت مستكينة لعظمته ، لا تستطيع الهرب من سلطانه إلى غيره فتمتنع من نفعه وضرّه ، ولا كفؤ له فيكافئه ، ولا نظير له فيساويه هو المفنى لها بعد وجودها ، حتّى يصير موجودها كمفقودها . وليس فناء الدّنيا بعد ابتداعها ، بأعجب من إنشائها واختراعها وكيف ولو اجتمع جميع حيوانها من طيرها وبهائمها ، وما كان من مراحها وسائمها ، وأصناف أسناخها وأجناسها ، ومتبلَّدة أممها وأكياسها ، على إحداث بعوضة ما قدرت على إحداثها ، ولا عرفت كيف السّبيل إلى إيجادها ، ولتحيّرت عقولها فى علم ذلك وتاهت ،


صفحه 434


وعجزت قواها وتناهت ، ورجعت خاسئة حسيرة عارفة بأنّها مقهورة ، مقرّة بالعجز عن إنشائها ، مذعنة بالضّعف عن إفنائها . وإن اللَّه - سبحانه - يعود بعد فناء الدّنيا وحده لا شيء معه : كما كان قبل ابتدائها ، كذلك يكون بعد فنائها ، بلا وقت ولا مكان ، ولا حين ولا زمان ، عدمت عند ذلك الآجال والأوقات ، وزالت السنون والسّاعات ، فلا شيء إلَّا الواحد القهّار الَّذى إليه مصير جميع الأمور . بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها ، وبغير امتناع منها كان فناؤها ، ولو قدرت على الامتناع دام بقاؤها . لم يتكاءده صنع شيء منها إذ صنعه ، ولم يؤده منها خلق ما خلقه وبرأه ، ولم يكوّنها لتشديد سلطان ، ولا لخوف من زوال ونقصان ، ولا للاستعانة بها على ندّ مكاثر ، ولا للاحتراز بها من ضدّ مثاور ، ولا للازدياد بها فى ملكه ، ولا لمكاثرة وشريك فى شركه ، ولا لوحشة كانت منه فأراد أن يستأنس إليها . ثمّ هو يفنيها بعد تكوينها ، لا لسأم دخل عليه فى تصريفها وتدبيرها ، ولا لراحة واصلة إليه ، ولا لثقل شيء منها عليه . لم يملَّه طول بقائها فيدعوه إلى سرعة إفنائها ، لكنّه - سبحانه - دبّرها بلطفه ، وأمسكها بأمره ، وأتقنها بقدرته ، ثمّ يعيدها بعد الفناء من غير حاجة منه إليها ، ولا استعانة بشىء منها عليها ، ولا لانصراف من حال وحشة إلى حال استئناس ، ولا من حال جهل وعمى إلى علم والتماس ، ولا من فقر وحاجة إلى غنى وكثرة ، ولا من ذلّ وضعة إلى عزّ وقدرة . اقول الكيفية فى اللغة : الصفة ، والحال التي عليها الشيء ، وفى الاصطلاح العلمىّ : هيئة قارة فى المحل لا يوجب اعتبار وجودها فيه نسبة الى امر خارج عنه .
ولا قسمة فى ذاته ولا نسبة واقعة فى اجزائه ، وبرهان منافاة الكيفية للتوحيد ما مر فى الخطبة الأولى فى قوله : ( فمن وصف اللَّه سبحانه فقد قرنه ومن قرنه فقد ثنّاه ) وظاهر انّ من ثنّاه لم يوحّده .
قوله : ولا حقيقته اصاب من مثّله ، اى : اثبت مثلا وبرهانه انّ المثل للشيء هو المشارك له امّا فى ذاته او فى بعض اجزائها ، او فى صفة خارجة عنها ، وهو تعالى لا شريك له فى ذاته والَّا لاحتاج الى مميّز من خارج لا يكون مقتضى ذاته ، والَّا لكان مشتركا غير مميز له بل مقتضى علة اخرى فيكون واجب الوجود محتاجا فيما يميزّه عن غيره الى غيره ، هذا


صفحه 435


خلف ولا شريك له فى بعض الاجزاء والَّا لكان مركَّبا فكان ممكنا هذا خلف ، ولا فى صفة خارجة عن ذاته اذا ثبت انّه لا صفة له وراء ذاته . وكذلك قوله : ولا ايّاه عنى من شبهه . وصمده اى قصده وقد سبق فى الخطبة الاولى : امتناع الاشارة العقلية والوهمية اليه ، فمن اشار اليه ، فقد اشار الى غيره فلم يتحقق قصده ايّاه ومدار هذه الاشارات على انّه تعالى غير معلوم الذات بالكنه . وقوله : كل معروف بنفسه مصنوع : شروع فى البرهان على ذلك ، وهو صغرى ضمير تقدير كبراه وكلّ ما هو مصنوع فهو ليس باله العالم ينتج كلّ معروف بنفسه فهو ليس باله العالم ، وينعكس بعكس النقيض الى كل ما هو اله العالم فهو غير معروف بنفسه فتجعله كبرى ، ويضم اليه صغرى صادقة هى قولنا انّه تعالى إله العالم فينتج انّه تعالى غير معروف بنفسه . وامّا بيان صغرى الضمير فهو انّ الحقيقة انّما نعلمها بأجزائها ، وكلّ ذى جزء فهو مركَّب فله مركب فهو مصنوع . وقوله : وكل قائم فى سواه معلول : تنزيه له عن حاجته الى المحل ، وهو صغرى ضمير كالَّذى قبله ، وان شئت فهذه الجملة فى قوّة شرطيّة متّصلة هى صغرى ضمير ايضا تقديرها لو كان قائما فى سواء لكان معلولا ، ويستثنى نقيض لازمها لينتج انّه ليس بقائم فى سواه ، وبيان الملازمة : انّ القائم بغيره محتاج الى الغير فكان معلولا له ولما يقيمه فيه كما علم فى مظانّه ، وكونه مقدّرا كونه معطيا لكلّ مستحق مقدار ما يستحقه ويقبله من كمال الوجود ، ولواحقه من أجل ورزق ونحوهما .
وغناه تعالى عدم حاجته الى غيره ولا باستفادة تنزيه له عن غنى غيره ولا تصحبه الاوقات اى : ليس هو بذى وقت يقارنه ويحلّ فيه ، وترفده : تعينه . ولما كان كل مسبوق بالعدم ممكنا كان ما ليس بممكن غير مسبوق بالعدم ، فكان تعالى سابق الوجود على كلّ عدم لغيره والابتداء ازله اى : سبقت ازليته ابتداء العالم . وقوله : بتشعيره الى قوله له : لانّ المشاعر ان كانت له من غيره كان محتاجا الى غيره هذا خلف ، وان كانت من ذاته ، فان كانت من كمال الهيّته كان موجدا لها من حيث هو فاقد كمالا ، فكان ناقصا بذاته هذا خلف ، وان لم يكن كذلك كان اثباتها له نقصا لانّ الزيادة على الكمال نقصان . وكذلك قوله : بمضادته الى قوله : له : اذ لو كان له ضد لكان خالقا لضده ولنفسه وهو محال ، وكذلك تنزيهه عن مقارنة الغير ، بمقارنته بين الأشياء ، وكذا مضادّته بين الاشياء خلقة لها على طبائعها المتضادّة ، والوضح


صفحه 436


والوضوح : البياض : والبهمة : السواد . والحرور : الحرارة . والصّرد : البرد . وتفريقه بين متدانياتها ، بالفناء كما جمع بين متعادياتها بالتركيب والمزج . ولا يشمله حد اى : لا يحيط به نهاية ، ولا يدخل فى حساب المعدودات وقد سبق بيانه . والادوات : الآلات كالحواس ونحوها . وقوله : منعتها ، الى قوله : التكملة : يعود الضمير الى الآلات ، ومحلّ منذ ، وقد : ولو لا : الرفع بالفاعليّة ، والمراد انّ اطلاق لفظ منذ على الآلات كما يقال هذه الآلة وجدت منذ كذا ، يمنع كونها قديمة اذ كان وضعها لابتداء الزمان ، ولذلك قد يفيد تقريب الماضى من الحال ، كقولك : قد وجدت هذه الآلة وقت كذا . ولا شيء من الازلىّ بقريب من الحال ، وكذلك اطلاق لفظ لو لا عند النظر الى الآلات المستحسنة ، كما يقال : ما احسن هذا لو لا كذا ، فيدلّ بها على امتناع كماله لوجود نقصان فيه : وانّما اشار الى نقصانها وحدوثها ، ليعلم انّها فى أبعد بعيد على تقديره وتحديده .
وقوله : بها ، الى قوله : العقول ، اى : بوجودها المحكم المتقن على انّ لها صانعا حكيما . وقوله : بها الى قوله : العيون اى : بإيجادها ، وخلقها بحيث تدرك بحسّ البصر ، علم انّه تعالى ليس مثلها ، وهو كقوله : بتشعيره الى قوله : لا مشعر له . وقيل : اراد انّ وجودها لما كان سببا لكمال عقولنا ، وكمال عقولنا سببا لعلمنا بأنّه لا يرى بحسّ البصر كانت هى اسبابا فى العلم بانّه لا يرى . وقوله . اذن لتفاوتت ذاته ، الى قوله : فى غيره : بيان لعدم جريان الحركة والسكون عليه من سبعة اوجه فى قياسات استثنائية اتّحد مقدّم المتّصلات فيها ، وتعدّدت تواليها ، وتقديره فى الاوّل لو جرت الحركة والسكون عليه لتفاوتت ذاته ، ومعنى التفاوت : التغيّر والنقصان بتعاقب الحركة والسكون عليه ، والملازمة هنا ظاهرة وفى الثاني انّ كل متحرّك جسم وكل جسم فله جزء . وفى الثالث انّ كلّ متحرك جسم وكلّ جسم فليس له من ذاته استحقاق الوجود فضلا عن استحقاق الازليّة التي معناها عدم اوّليّة الوجود ، فلو كان تعالى متحركا او ساكنا ، لم يكن لمعناه وحقيقته ازليّة بل ان كانت له فمن غيره . وفى الرابع انّه لو كان متحرّكا لكان له أمام يتحرك اليه وكل ماله أمام فله وراء . وفى الخامس ، انّه لو كان متحركا لالتمس التمام بحركته اذ الحركة لا بد ان تكون نحو غاية مطلوبة للمتحرّك هى كمال له فيكون ناقصا بذاته . وفى السادس انّه لو كان كذلك لكان جسما وفيه آثار الصنع وآياته . وفى السابع انّه لو كان


صفحه 437


يتحوّل دليلا لكون جسمه مصنوعا يستدلّ به على صنعه وبطلان اللوازم فى هذه الأقيسة السبعة ظاهر ، فالملزوم وهو كون ممّا يجرى عليه الحركة والسكون باطل .
وقوله : وخرج بسلطان الامتناع ، الى قوله : غيره : عطف على قوله امتنع وقيل : على قوله تجلَّى اى : بها تجلى للعقول وخرج بسلطان امتناع كونه مثلا لها ، اى : بكونه واجب الوجود ، عن ان يكون ممكنا فيقبل اثر غيره ، ولا يحول ، اى : لا يتغير من حال الى حال . والافول : الغيبة بعد الظهور ، ولو جاز عليه ، لما كان محجوبا لابراهيم عليه السلام حيث قال : * ( ( فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْه ) ) *[1]وقوله : فيكون محدودا ، اى : بالحلّ الخارج عنه ، وكونه تعالى لا يوصف بعرض اذ لا صفة له تزيد على ذاته وقد مرّبيانه . ولانّ محل الاعراض الجواهر وهو تعالى ليس بجوهر ، فلا يوصف بالأعراض . وقوله : فيقله ، ويميله منصوبان باضماران ، وعليه نسخة الرضى عليه الرحمة بخطه .
وروى مرفوعين على العطف واخباره تعالى يعود الى خلقه الكلام فى لسان النبي صلى اللَّه عليه وآله على وفق ما تصوّره من المعنى كما سنفسّره عليه السلام به ، وسماعه يعود الى علمه بالمسموعات ، وحفظه يعود الى علمه بما فى الفعل من الحكمة ، والمصلحة ، وهو المعروف بالداعيّ . ومحبته ارادة هى مبدأ فعل ما ويقرب منه الرضا وهو منه تعالى علمه بطاعة العبد له ، وبغضه : يعود الى كراهته وهى علمه بعدم استحقاق العبد الثواب . والغضب : يعود الى علمه بعصيانه ، وهو منزّه عن المتعارف من ثوران النفس عن تصوّر المؤدّى المستلزم للمشقّة : وقوله : لا بصوت يقرع اى : ليس بذى حاسّة سمع يقرعها الصوت وكذلك لا صوت له يسمع ، ومن تفسيره عليه السلام لكلام اللَّه استدلَّت المعتزلة على كونه محدثا ومثله ، اى : صوره فى ذهن النبىّ ، ولسانه عليه السلام . وقيل : مثله لجبريل عليه السلام فى اللوح المحفوظ . ووجه الملازمة[2]لقوله : ولو كان قديما لكان الها ثانيا : انّه لو كان قديما لكان واجب الوجود بذاته لأنه لو كان ممكنا ، لكان صفة له تعالى قائمة بذاته لامتناع قيام صفة الشيء بغيره فهى ان كانت معتبرة فى كمال الهيته ، كان ناقصا بذاته هذا خلف ، وان لم يكن كانت زائدة على كماله اللائق به والزيادة سفلى


[1]سورة الانعام - 76
[2]فى نسخة ش : فى قوله .


صفحه 438


الكمال نقصان ، فثبت انّه لو كان كلامه قديما لكان واجب الوجود لذاته فكان الها ثانيا وقد ثبت انّه واحد ، وخلا : سبق .
وارساها : اثبتها ، والأود : الاعوجاج . والتهافت : السقوط . والاسداد : جمع سد وهو كل ما حجز بين الشيئين . والكفو : المثل . وقوله : وليس فناء الدنيا ، الى قوله : واختراعها : تنبيه على فساد قول من زعم انّ العالم لا يفنى . ومفهومه انّ الانشاء اعجب واصعب ، وجه التنبيه قوله : وكيف ولو اجتمع الى قوله افناءها ، وكيف يكون الافناء اعجب من الانشاء والحال ما ذكرنا . ومراحها : ما يراح من مرابطها . وسائمها : ما ارسل منها للرعى . واسناخها : اصولها .
فان قلت : كيف تقرّ العقول بالضعف عن افناء البعوضة من امكان ذلك وسهولته قلت : انّ العبد اذا نظر الى نفسه بالنسبة الى قدرة الصانع جلَّت عظمته وجد نفسه عاجزة عن كلّ شيء ، الَّا بأذن منه ومعونة ، وانّه ليس له الَّا الاعداد لحدوث ما ينسب اليه من الآثار فأما نفس وجود الأثر فمن واجب الكل ، وايضا فانّه تعالى كما خلق للعبد قدرة على النفع والضرّ ، كذلك خلق للبعوضة قدرة على الامتناع والهرب من ضوره بالطيران بل على ان تؤذيه فلا يتمكن من دفعها عن نفسه فكيف يستسهل العاقل افناؤها من غير معونة من صانعها . وخاسئة ذليلة . وتكاَّد : الأمر شق عليه . وآداه : أثقله . والمثاور : المواثب . وباقى الاعتبارات له تعالى ظاهرة ، وقد مرّ فى اثناء الكلام بيانها ، وما ينبّه عليها ، وباللَّه التوفيق .
228 - ومن خطبة له عليه السّلام يختص بذكر الملاحم ألا بأبى وأمّى هم من عدّة ، أسماؤهم فى السّماء معروفة ، وفى الأرض مجهولة ، ألا فتوقّعوا ما يكون من إدبار أموركم ، وانقطاع وصلكم ، واستعمال صغاركم . ذاك حيث تكون ضربة السّيف على المؤمن أهون من الدّرهم من حلَّه ، ذاك حيث يكون المعطى أعظم أجرا من المعطى ، ذاك حيث تسكرون من غير شراب بل من النّعمة والنّعيم ، وتحلفون من غير اضطرار ، وتكذبون من غير إحراج ، وذلك إذا عضّكم البلاء