الكمال نقصان ، فثبت انّه لو كان كلامه قديما لكان واجب الوجود لذاته فكان الها ثانيا وقد ثبت انّه واحد ، وخلا : سبق .
وارساها : اثبتها ، والأود : الاعوجاج . والتهافت : السقوط . والاسداد : جمع سد وهو كل ما حجز بين الشيئين . والكفو : المثل . وقوله : وليس فناء الدنيا ، الى قوله : واختراعها : تنبيه على فساد قول من زعم انّ العالم لا يفنى . ومفهومه انّ الانشاء اعجب واصعب ، وجه التنبيه قوله : وكيف ولو اجتمع الى قوله افناءها ، وكيف يكون الافناء اعجب من الانشاء والحال ما ذكرنا . ومراحها : ما يراح من مرابطها . وسائمها : ما ارسل منها للرعى . واسناخها : اصولها .
فان قلت : كيف تقرّ العقول بالضعف عن افناء البعوضة من امكان ذلك وسهولته قلت : انّ العبد اذا نظر الى نفسه بالنسبة الى قدرة الصانع جلَّت عظمته وجد نفسه عاجزة عن كلّ شيء ، الَّا بأذن منه ومعونة ، وانّه ليس له الَّا الاعداد لحدوث ما ينسب اليه من الآثار فأما نفس وجود الأثر فمن واجب الكل ، وايضا فانّه تعالى كما خلق للعبد قدرة على النفع والضرّ ، كذلك خلق للبعوضة قدرة على الامتناع والهرب من ضوره بالطيران بل على ان تؤذيه فلا يتمكن من دفعها عن نفسه فكيف يستسهل العاقل افناؤها من غير معونة من صانعها . وخاسئة ذليلة . وتكاَّد : الأمر شق عليه . وآداه : أثقله . والمثاور : المواثب . وباقى الاعتبارات له تعالى ظاهرة ، وقد مرّ فى اثناء الكلام بيانها ، وما ينبّه عليها ، وباللَّه التوفيق .
228 - ومن خطبة له عليه السّلام يختص بذكر الملاحم ألا بأبى وأمّى هم من عدّة ، أسماؤهم فى السّماء معروفة ، وفى الأرض مجهولة ، ألا فتوقّعوا ما يكون من إدبار أموركم ، وانقطاع وصلكم ، واستعمال صغاركم . ذاك حيث تكون ضربة السّيف على المؤمن أهون من الدّرهم من حلَّه ، ذاك حيث يكون المعطى أعظم أجرا من المعطى ، ذاك حيث تسكرون من غير شراب بل من النّعمة والنّعيم ، وتحلفون من غير اضطرار ، وتكذبون من غير إحراج ، وذلك إذا عضّكم البلاء
كما يعضّ القتب غارب البعير ، ما أطول هذا العناء ، وأبعد هذا الرّجاء . أيّها النّاس ، ألقوا هذه الأزمّة الَّتى تحمل ظهورها الأثقال من أيديكم ، ولا تصدّعوا على سلطانكم فتذمّوا غبّ فعالكم ، ولا تقتحموا ما استقبلتم من فور نار الفتنة ، وأميطوا عن سننها ، وخلَّوا قصد السّبيل لها ، فقد - لعمرى - يهلك فى لهبها المؤمن ، ويسلم فيها غير المسلم . إنّما مثلى بينكم مثل السّراج فى الظَّلمة ليستضيء به من ولجها ، فاسمعوا أيّها النّاس وعوا ، وأحضروا آذان قلوبكم تفهموا .
أقول : هم مبتدأ ، خبره مقدّم ، وهو : اشارة الى بعض اولياء اللَّه فيما يستقبل من زمانه عليه السلام ، ومعرفة اسمائهم فى السماء كناية عن علوّ درجاتهم عند اللَّه ، وفى الملأ الأعلى وجهلهم فى الارض : كناية عن خمول ذكرهم بين أهلها كما هو شأن اكثر الاولياء . وقوله : الا فتوقّعوا : انذار بما يكون بعده من الفتن بدولة بنى اميّة وغيرها المستلزمة لادبار امورهم الصالحة وانقطاع وصلهم ، وهى الانتظامات الحاصلة بسبب اتّفاق كلمتهم فى وجوده عليه السلام ، واستعمال اراذلهم فى تدبير امورهم . وقوله : ذاك الى قوله : البعير : اشارة الى اربع علامات لوقوع ما انذر به : احداها : تعذّر الدرهم الحلال على المؤمن وقلَّته الى الغاية المذكورة .
الثانية ان يكون المعطى اعظم اجرا من المعطى ، إمّا لانّ اكثر اموال المعطين حينئذ مشوبة بالحرام ، او تقصد فيها الرياء فيقلّ اجره ويكون المعطى فقيرا ذا عيال ، فإذا أخذ لسّد خلته كان اعظم اجرا ممن يعطيه .
الثالثة استعار وصف السكر : لغفلته فى نعمة الدنيا عمّا ينبغي ، ويلزم ذلك اليمين الباطلة من غير ضرورة بل غفلة عن عظمة اللَّه ، والكذب من غير إحراج ، اي : من غير ضرورة تضيق الاعذار بل تصير ملكة وخلقا .
الرابعة عضّ بلاء الفتن لهم . وقوله : ما اطول ، الى قوله : الرجاء : كلام منقطع عمّا قبله فكأنّه قال ذاك ، اذا عضّكم البلاء حتى تقولوا ما اطول التعب الَّذى نحن فيه ، وما ابعد الرجاء للخلاص منه ، هو بقيام المنتظر من الائمة عليهم السلام . ويحتمل ان يكون
متّصلا ويكون كلاما له مستأنفا فى معنى التوبيخ على الحرص فى الدنيا اى : ما اطول هذا العناء اللاحق لكم فى طلبها ، وما أبعد هذا الرجاء الذى ترجونه منها ويحتمل ان يريد بالعناء الطويل : عناءه فى جذبهم الى اللَّه ، وبالرجاء : رجاء لصلاحهم . واستعار لفظ الأزمة : للاراء الفاسدة المتبّعة وللأهواء القائدة الى المآثم . ولفظ الظهور : لأنفسهم . ولفظ الأثقال : للمآثم المثقلة للنفوس العاقلة عن النهوض الى حضائر القدس . والتصدّع التفرّق . وغبّ كلّ شيء عاقبته ، واقتحامهم : لما يستقبل من نار الفتنة بتصدّعهم عنه اذ افتراق الآراء سبب لظهور العدوّ عليهم ، وقيام الفتنة به والاماطة والميط : التنحى وتلك الاماطة بالعدول عن الآراء الفاسدة والتفرّق عنها .
وقوله : لعمرى ، الى قوله : المسلم : من كراماته عليه السلام ، فانّ الدائرة فى فتنة بنى اميّة عليهم اللعنة كانت على من لزم دينه واشتغل بعبادة ربّه وخاصة من اهل البيت وذريّة الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله ، وكانت الغلبة للمنافقين ومن تقرّب الى قلوبهم بالكذب على اللَّه وعلى رسوله . وولجها : دخلها ، وباللَّه التوفيق .
229 - ومن خطبة له عليه السّلام أوصيكم - أيّها النّاس - بتقوى اللَّه ، وكثرة حمده على آلائه إليكم ، ونعمائه عليكم ، وبلائه لديكم . فكم حصّكم بنعمة ، وتدارككم برحمة أعورتم له فستركم ، وتعرّضتم لأخذه فأمهلكم ، وأوصيكم بذكر الموت وإقلال الغفلة عنه ، وكيف غفلتكم عمّا ليس يغفلكم ، وطمعكم فيمن ليس يمهلكم فكفى واعظا بموتى عاينتموهم ، حملوا إلى قبورهم غير راكبين ، وأنزلوا فيها غير نازلين فكأنّهم لم يكونوا للدّنيا عمّارا ، وكأنّ الآخرة لم تزل لهم دارا ، أوحشوا ما كانوا يوطنون ، وأوطنوا ما كانوا يوحشون ، واشتغلوا بما فارقوا وأضاعوا ما إليه انتقلوا ، لا عن قبيح يستطيعون انتقالا ، ولا فى حسنة يستطيعون ازديادا أنسوا بالدّنيا فغرّتهم ووثقوا بها فصرعتهم . فسابقوا - رحمكم اللَّه - إلى منازلكم الَّتى أمرتم أن تعمروها ، والَّتى رغَّبتم فيها ، ودعيتم إليها ، واستتمّوا نعم اللَّه عليكم بالصّبر على طاعته ، والمجانبة لمعصيته ، فإنّ غدا من اليوم قريب ، ما أسرع السّاعات فى اليوم ، وأسرع
الأيام فى الشّهور ، وأسرع الشّهور فى السّنة ، وأسرع السّنين فى العمر أقول : استعار وصف الاعوار وهو : ابداء العورة لاظهارهم معاصى اللَّه ، ومكارهه التي ينبغي الاستحياء منها . وما فارقوا من احوال الدنيا وما اليه انتقلوا من الآخرة ، والمنازل التي امروا بعمارتها : منازل الأبرار التي عمارتها بطاعة اللَّه والفصل واضح وباللَّه التوفيق .
230 - ومن خطبة له عليه السّلام فمن الإيمان ما يكون ثابتا مستقرا فى القلوب ، ومنه ما يكون عوارى بين القلوب والصّدور إلى أجل معلوم ، فإذا كانت لكم براءة من أحد فقفوه حتّى يحضره الموت ، فعند ذلك يقع حدّ البراءة . والهجرة قائمة على حدّها الأوّل . ما كان للَّه فى أهل الأرض حاجة من مستسرّ الأمّة ومعلنها ، لا يقع اسم الهجرة على أحد إلَّا بمعرفة الحجّة فى الأرض ، فمن عرفها وأقرّبها فهو مهاجر ، ولا يقع اسم الاستضعاف على من بلغته الحجّة فسمعتها أذنه ووعاها قلبه . إنّ أمرنا صعب مستصعب ، لا يحمله إلَّا عبد مؤمن امتحن اللَّه قلبه للإيمان ، ولا يعى حديثنا إلَّا صدور أمينة ، وأحلام رزينة . أيّها النّاس ، سلونى قبل أن تفقدونى فلأنا بطرق السّماء أعلم منّى بطرق الأرض ، قبل أن تشغر برجلها فتنة تطأ فى خطامها ، وتذهب بأحلام قومها .
اقول : قسم عليه السلام الإيمان الى قسمين ، ووجه الحصر فيهما انّ الايمان لما كان عبارة عن التصديق بوجود الصانع وصفاته ، وصدق رسوله فيما جاء به ، فتلك الاعتقادات ان بلغت حدّ الملكات فى النفوس فهى الايمان الثابت المستّقر فى القلب ، وان لم تبلغ ذلك بل كانت حالات فى معرض التغيّر والانتقال فهى العوارىّ . واستعار لفظها باعتبار كونها فى معرض الزوال كالعارية التي هى فى معرض الاسترجاع ، وكونها بين القلوب والصدور : كناية عن عدم استقرارها فى جواهر النفوس . وقيل : اراد بالمستّقر :
الايمان باخلاص وتغيّره ما كان على وجه النّفاق ، اذ كان ذلك لعرض ثم يزول فاذا كانت لكم الى قوله براءة معناه : اذا اردتم التبرّى من احد من اهل الكتاب فقفوه الى حال الموت ولا تبادروا الى البراءة منه ، فانّ اعظم الكبائر الكفر وجائز من الكافر ان يسلم ، فاذا بلغ منتهى الحياة ولم يقلع جاز حينئذ البراءة منه .
وقيل : وهذه البراءة هى المطلقة إذ يجوز لنا ان نبرء من الفاسق فى حياته براءة مشروطة بالإصرار عليها .
وقوله : والهجرة قائمة على حدّها الاوّل ، اى : لما كانت حقيقة الهجرة لغة ترك منزل الى آخر لم يكن تخصيصها بهجرة الرسول صلى اللَّه عليه وآله من مكة الى المدينة ، ومن تبعه مخرجا لها عن اخذها اللغوّى ، واذا كان كذلك كان مراده من بقائها على حدّها الاوّل ، صدقها على من هاجر اليه والى الائمة من اهل بيته فى طلب دين اللَّه لصدقها على من هاجر الى الرسول عليه السلام . وفى معناها ترك الباطل الى الحق كقوله تعالى : * ( ( ومَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ الله ) ) * الآية[1]. وقوله صلى اللَّه عليه وآله : المهاجر من هاجر ما حرّم اللَّه عليه .
ولانّ المقصود من الهجرة ليس الَّا اقتباس الدين ، وتعرّف كيفية سبيل اللَّه وهذا المقصود حاصل من يقوم مقام الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله ، بحيث لا فرق بين النبوّة والامامة ، ولا مدخل لاحد هذين الوصفين فى تخصيص مسمّى الهجرة بمن قصد الرسول ، دون من قصد الائمة عليهم السلام ، فان قلت : فقد قال صلى اللَّه عليه وآله : لا هجرة بعد الفتح[2]حتى شفع عمه العباس فى نعيم بن مسعود الأشجعى أن يستثنيه فاستثناه .
قلت : يحمل ذلك على انّه لا هجرة من مكة بعد فتحها الى المدينة توفيقا بين الدليلين ، وسلب الخاص لا يستلزم سلب العام . ومقصوده عليه السلام من هذه الكلمة ، الدعوة الى الدين واقتباسه منه ، ومن اهل بيته عليهم السلام .
وقوله : ما كان للَّه ، الى قوله : ومعانيها ، فما : بمعنى المدّة اى : والهجرة قائمة على حدّها الاوّل مهما كان للَّه فى اهل الأرض ممن أسرّدينه او أظهره حاجة . واستعار لفظ الحاجة : لطلبه تعالى العبادة بالأوامر والنّواهى . ويحتمل ان يكون ما : نافية والكلمة وما قبلها وما بعدها ، وهو قوله : ولا يقع اسم الهجرة ، الى قوله : قبله كلمات ملتقطة متقطَّعة .
والحجة فى الارض : هو امام الوقت ، ومقتضى الكلام انّ اطلاق اسم الهجرة على طالب الدين مشروطة
[1]سورة النساء - 100 .
[2]صحيح مسلم 3 - 1487 . الجامع الصغير 2 - 752 .
بمعرفة عين الامام وقصده . ويحتمل . ان يكون الشرط معرفته بالاخبار دون المشاهدة ، ويكون اطلاق اسم الهجرة على طالب الدين كأطلاقه على من ترك الحرام فى قوله عليه السلام : ( المهاجر من هاجر ما حرّم اللَّه عليه ) . وقوله : ولا يصدق الى قوله : قلبه بالحجّة : قول الامام وله مفهومان .
احدهما انّ من بلغته الأحكام من الامام فوعاها ، وفهمها ، وامكنه العمل بها لم يصدق عليه اسم المستضعف كما صدق على من ذكر اللَّه تعالى بقوله : * ( ( إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والْوِلْدانِ ) ) * الآية[1]. حتى يكون معذورا فى ترك التفهّم الاخبار والعمل بها ، بل يؤاخذ على ترك العمل ويعاقب وان لم يكلف النهوض والمهاجرة اليه فى طلب الدين كما قال تعالى : * ( ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله واسِعَةً ) ) * الآية[2]. وقوله : انّ امرنا صعب مستصعب : فأمرهم شأنهم ومالهم من الكمال الخارج عن كمال غيرهم كالقدرة على ما يخرج عن وسع غيرهم ، والحديث من الأمور الغيبية كالوقائع المستقبلة لزمانه التي وقعت وفق اخباره فأن هذا الشأن صعب فى نفسه لا يقدر عليه الَّا الانبياء ، واوصياء الانبياء ، ومستصعب الفهم على الخلق معجوز عن حمل ما يلقى منه من الاشارات ، ولا يحتمله الَّا نفس عبد امتحن اللَّه قلبه للايمان فعرف كمالهم ، وكيفية صدور هذه الغرائب عنهم ولم يستنكر ذلك ويتعجّب منه ويتلقّاه بالتكذيب ، كما فعل ذلك جماعة من جهّال اصحابه بل يتلقّى ما يصدر عنهم بالإيمان به ، واولئك هم اصحاب الصدور الأمينة ، والاحلام الرّزينة . واجمع الناس على انّه لم يقل احد من الصحابة : سلونى غير على عليه السلام[3]. واراد بطرق السماء : وجوه الهداية الى معرفة منازل سكَّان السموات من الملأ الأعلى ، ومراتبهم من حضرة الربوبية وعلمه بما هناك اتمّ من علمه بطرق الأرض بمقدار اتصاله بالملأ الأعلى ، وانقطاعه عن الدنيا ، وهذا اعمّ من قول من قال اراد انّه اعلم بالدين وقوانينه منه بالدنيا وأحوالها . والفتنة : فتنة بنى اميّة . وكنى بشغر رجلها : عن خلو تلك الفتنة من مدبّر يديرها ، ويحفظ نظام الدين يومئذ . واستعار وصف الناقة المرسل خطامها فهى : تخبط فيه ، وكنى به عن وقوع تلك الفتنة على غير نظام بل يقتل
[1]سورة النساء - 98 .
[2]سورة النساء - 97
[3]الغدير 2 - 44 وج 6 - 148 ، 193 ، 194 وج 7 - 107 وج 10 - 351 .
فيها المؤمن البرىء ، ويتمتع فيها المنافق الشقىّ . ويذهب بأحلام قومها اى : يستخف ذوى العقول فيخوضون فيها ، ويسرعون اليها لغفلتهم فيها عن وجه الحق . وباللَّه التوفيق .
231 - ومن خطبة له عليه السّلام أحمده شكرا لإنعامه ، وأستعينه على وظائف حقوقه . عزيز الجند ، عظيم المجد . وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله دعا إلى طاعته ، وقاهر أعداءه جهادا على دينه . لا يثنيه عن ذلك اجتماع على تكذيبه ، والتماس لإطفاء نوره . فاعتصموا بتقوى اللَّه فإنّ لها حبلا وثيقا عروته ، ومعقلا منيعا ذروته ، وبادروا الموت وغمراته . وامهدوا له قبل حلوله ، وأعدّوا له قبل نزوله : فإنّ الغاية القيامة وكفى بذلك واعظا لمن عقل ، ومعتبرا لمن جهل . وقبل بلوغ الغاية ما تعلمون من ضيق الأرماس ، وشدّة الإبلاس ، وهول المطَّلع ، وروعات الفزع ، واختلاف الأضلاع ، واستكاك الأسماع ، وظلمة اللَّحد ، وخيفة الوعد ، وغمّ الضّريح ، وردم الصّفيح . فاللَّه اللَّه عباد اللَّه فإنّ الدّنيا ماضية بكم على سنن ، وأنتم والسّاعة فى قرن ، وكأنّها قد جاءت بأشراطها ، وأزفت بأفراطها ، ووقفت بكم على صراطها . وكأنّها قد أشرفت بزلازلها ، وأناخت بكلا كلها ، وانصرمت الدّنيا بأهلها ، وأخرجتهم من حضنها ، فكانت كيوم مضى ، أو شهر انقضى ، وصار جديدها رثّا ، وسمينها غثّا ، فى موقف ضنك المقام ، وأمور مشتبهة عظام ، ونار شديد كلبها ، عال لجبها ، ساطع لهبها ، متغيّظ زفيرها ، متأجّج سعيرها ، بعيد خمودها ، ذاك وقودها ، مخيف وعيدها ، غم قرارها ، مظلمة أقطارها ، حامية قدورها ، فظيعة أمورها * ( ( وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً ) ) *[1]قد أمن العذاب ، وانقطع العتاب ، وزحزحوا عن النّار ، واطمأنّت بهم الدّار ، ورضوا المثوى والقرار ، الَّذين كانت أعمالهم فى الدّنيا زاكية ، وأعينهم باكية ، وكان ليلهم فى دنياهم نهارا تخشّعا واستغفارا ، وكان نهارهم ليلا توحّشا وانقطاعا ، فجعل اللَّه لهم الجنّة مآبا ، والجزاء ثوابا ، وكانوا أحقّ بها وأهلها ، فى ملك دائم ، ونعيم قائم . فارعوا - عباد اللَّه - ما برعايته يفوز فائزكم ، وبإضاعته يخسر مبطلكم وبادروا آجالكم
[1]سورة الزمر - 71 .
بأعمالكم فإنّكم مرتهنون بما أسلفتم ، ومدينون بما قدّمتم ، وكأن قد نزل بكم المخوف فلا رجعة تنالون ، ولا عثرة تقالون . استعملنا اللَّه وإيّاكم بطاعته وطاعة رسوله ، وعفا عنّا وعنكم بفضل رحمته ، الزموا الأرض ، واصبروا على البلاء ، ولا تحرّكوا بأيديكم وسيوفكم فى هوى ألسنتكم ، ولا تستعجلوا بما لم يعجّله اللَّه لكم ، فإنّه من مات منكم على فراشه وهو على معرفة حقّ ربّه وحقّ رسوله وأهل بيته مات شهيدا ووقع أجره على اللَّه ، واستوجب ثواب ما نوى من صالح عمله ، وقامت النّيّة مقام إصلاته لسيفه ، وإنّ لكلّ شيء مدّة وأجلا .
اقول : استعار لفظ الحبل والعروة : لما يتمسك به من التقوى ، ويعتصم به من النار .
والمعقل : الملجأ كالجبل . وامهدوا له : اجعلوا له مهادا من التقوى . والارماس : القبور .
والإبلاس : الانكسار والحزن . والمطلع : موضع الاطَّلاع وهو منازل الآخرة . ومحفل القيامة واختلاف الاضلاع : كناية عن ضغطة القبر المستلزمة لذلك . والصفيح : حجارة يردم بها القبر ويسدّه . والسنن : القصد ، واراد على سنن واحد وهو طريق الآخرة . وفى قرن اى : مقترنين . والقرن : الحبل يقرن به البعيران . واشراط الساعة : علاماتها . وازفت : دنت . افراطها : مقدّماتها . واستعار لفظ الكلاكل وهى : الصدور لاثقالها ، ولفظ الحصن : لحصونهم فيها ، واشتمالها على منافعهم فهى : كالامّ الحاضنة لهم . والرثّ : الخلق . والغث : الهزيل . والضنك : الضيق . والكلب : الشّر . واللجب : الصوت . والساطع : المرتفع . وذاك : مشتعل ، والزمرة : الجماعة . ومبادرة الآجال بالأعمال : مسابقتها بها ، استعدادا لتسهيل الموت . ومدينون : مجزؤن .
وقوله : الزموا الأرض الى آخره قيل : هو خطاب خاصّ لمن يكون بعده من اصحابه ، ولزوم الارض : كناية عن الصبر على المكاره ، والثبات فى زمن الفتنة ، وعدم النهوض والجهاد ما لم يقم لهم قائم بحق . والباء فى بأيديكم : على المكاره . وهوى ألسنتكم : اراد بهم السّب والشتم . ولا تحرّكوا ايديكم وسيوفكم وألسنتكم بهواها ولا تعجلوا بما لم يعجّله اللَّه لكم من الجهاد قبل ظهور امام عادل . وقوله : فانّه من مات الى قوله بسيفه : بيانا لحكمهم فى زمن عدم قيام الامام العادل بعده لطلب الأمر . وتنبيه على ثمرة الصبر . وهو :