اقول : الفصل فصل الحال معه فى الحرب وغيرها ، لانّ معاوية كان يتلوّن أيام المهلة ليستعدّ له فلا يجيبه بجواب فاصل . ومجلبة : تجلَّى عن الوطن . وسلم مخزية : فيها ذلّ - وروى مجزية - بالجيم - اى : كافية . والنبذ : الالقاء وهو كناية عن القاء الوعيد بالحرب او عن إيقاعها .
9 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى معاوية فأراد قومنا قتل نبيّنا ، واجتياح أصلنا ، وهمّوا بنا الهموم ، وفعلوا بنا الأفاعيل ، ومنعونا العذب ، وأحلسونا الخوف ، واضطرّونا إلى جبل وعر ، وأوقدوا لنا نار الحرب ، فعزم اللَّه لنا على الذّبّ عن حوزته ، والرّمى من وراء حرمته : مؤمننا يبغى بذلك الأجر ، وكافرنا يحامى عن الأصل ، ومن أسلم من قريش خلو ممّا نحن فيه بحلف يمنعه ، أو عشيرة تقوم دونه ، فهو من القتل بمكان أمن . وكان رسول اللَّه ، صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، إذا احمرّ البأس ، وأحجم النّاس قدّم أهل بيته فوقى بهم أصحابه حرّ الأسنّة والسّيوف ، فقتل عبيدة بن الحارث يوم بدر ، وقتل حمزة يوم احد ، وقتل جعفر يوم مؤتة ، وأراد من لو شئت ذكرت اسمه مثل الَّذى أرادوا من الشّهادة ، ولكن آجالهم عجّلت ، ومنيّته أجّلت ، فيا عجبا للدّهر إذ صرت يقرن بى من لم يسع بقدمى ، ولم تكن له كسابقتى ، الَّتى لا يدلى أحد بمثلها إلَّا أن يدّعى مدّع ما لا أعرفه ، ولا أظنّ اللَّه يعرفه ، والحمد للَّه على كلّ حال . وأمّا ما سألت من دفع قتلة عثمان إليك فانّى نظرت فى هذا الأمر فلم أره يسعني دفعهم إليك ولا إلى غيرك ، ولعمرى لئن لم تنزع عن غيّك وشقاقك ، لتعرفنّهم عن قليل يطلبونك ، لا يكلَّفونك طلبهم فى برّ ولا بحر ، ولا جبل ولا سهل ، إلَّا أنّه طلب يسوءك وجدانه ، وزور لا يسرّك لقيانه ، والسّلام لأهله .
اقول : حاصل الفصل ذكر فضيلته عليه السلام وبلائه فى الاسلام ، ليتبيّن قياس غيره اليه ، ولذلك بنى عليه التعجب من مساواته بغيره .
وهمّوا بنا الهموم ، ارادوا بنا : الارادات . وأراد بالأفاعيل : الشرور . والعذب : طيب العيش ، وقيل : الماء فانّ قريشا منعتهم الطعام والشراب . والحلس : كساء رقيق يجعل تحت قتب البعير ، فاستعار وصف الاحلاس لاخافتهم . والجبل الوعر : من شعاب مكة ، وقد كانت قريش حين فشا الاسلام فى القبائل اجتمعت وتعاهدت على ان لا يناكحوا بنى هاشم وبنى عبد المطلب ، ولا يبايعوهم فانحاز هؤلاء الى ابى طالب فدخلوا معه شعبه ، وخرج من بنى هاشم ابو لهب وظاهر المشركين ، وقطعوا عنهم الميرة ، وحصروهم فى ذلك الشعب فى اوّل سنة سبع من النبوّة وبقوا كذلك ثلاث سنين لا يخرجون الَّا فى الموسم ، وعزم اللَّه ارادته الحازمة لهم واختياره ان يذبّ عن حوزة دينه وحرمته وحرمة دينه ، وكافرهم يومئذ كحمزة والعباس وابى طالب على قول ، فانّهم كانوا يمنعون عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله حميّة لأصلهم وبيتهم ومن كان يومئذ قد اسلم من قريش عدا بنى هاشم ، وعبد المطلب كانوا خالين من الخوف والجهاد ، فمنهم من كان له عهد به وحلف مع المشركين يمنعه ، ومنهم من كان له عشيرة يحفظه ، وعبيدة بن الحرث بن عبد المطلب . وبدر : اسم بئر . واحد : اسم جبل . ومؤته بالضّم : اسم ارض بأدنى البلقاء دون دمشق .
ومن لو شئت ذكره ، يعنى نفسه . وواقعة بدر ، واحد ، ومؤته ، وغيرها من وقائع الرسول صلى اللَّه عليه وآله مع المشركين مشهورة فى التواريخ ، وقد نبهنا على خلاصتها فى الاصل[1].
ومن لم يسع بقدمه : كناية عمن لم يماثله فى الجهاد ، والسعى فى اقامة الدين .
والإدلاء بالشىء : التقرّب به . وقوله : ولا اظنّ اللَّه يعرفه ، كناية عمّا لا اصل له فانّ ما لا وجود له لا يعلمه اللَّه موجودا . وامّا عدم تسليم قتلة عثمان الى معاوية فلوجوه منها : انّه لم يكن ولىّ دمه . ومنها انّه لم يعيّن قتلته ويدّعى عليهم ويحاكمهم الى الامام الحق . ومنها انّه لما سئل عليه السلام تسليمهم ، قال : وهو على المنبر ليقم قتلة عثمان
[1]الشرح الكبير 4 - 367 .
فقام اكثر من عشرة الاف من المهاجرين ، والانصار وغيرهم ، ومعلوم انّ مثل هذا الجمع العظيم لا يتمكَّن عليه السلام ، من اخذهم وتسليمهم الى غيره ولو امكن ذلك مع انّ فيهم من شهد النبي صلى اللَّه عليه وآله له بالجنة كعمّار ، فربّما اقتضى الاجتهاد ان لا يقتل هذا الجمع العظيم من قواعد الدين برجل واحد احدث احداثا نقموها عليه وقتلوه لأجلها .
والزور الزائرون ، وافرد ضميره ، نظرا الى افراد اللفظ ، وقيل : هو مصدر . وباللَّه التوفيق .
10 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى معاوية وكيف أنت صانع إذا تكشّفت عنك جلابيب ما أنت فيه من دنيا قد تبهّجت بزينتها ، وخدعت بلذّتها ، دعتك فأجبتها ، وقادتك فاتّبعتها ، وأمرتك فأطعتها . وإنّه يوشك أن يقفك واقف على ما لا ينجيك منه مجنّ ، فاقعس عن هذا الأمر ، وخذ أهبة الحساب ، وشمّر لما قد نزل بك ، ولا تمكَّن الغواة من سمعك ، وإلَّا تفعل أعلمك ما أغفلت من نفسك ، فإنّك مترف قد أخذ الشّيطان منك مأخذه ، وبلغ فيك أمله ، وجرى منك مجرى الرّوح والدّم . ومتى كنتم يا معاوية ساسة الرّعيّة ، وولاة أمر الأمّة ، بغير قدم سابق ، ولا شرف باسق ، ونعوذ باللَّه من لزوم سوابق الشّقاء وأخذّرك أن تكون متماديا فى غرّة الأمنيّة ، مختلف العلانية والسّريرة . وقد دعوت إلى الحرب فدع النّاس جانبا واخرج إلىّ ، وأعف الفريقين من القتال ليعلم أيّنا المرين على قلبه ، والمغطَّى على بصره ، فأنا أبو حسن قاتل جدّك ، وخالك وأخيك شدخا يوم بدر ، وذلك السّيف معى ، وبذلك القلب ألقى عدوّى ما استبدلت دينا ، ولا استحدثت نبيا ، وإنّى لعلى المنهاج الَّذى تركتموه طائعين ، ودخلتم فيه مكرهين . وزعمت أنّك جئت ثائرا بعثمان ، ولقد علمت حيث وقع دم عثمان فاطلبه من هناك إن كنت طالبا ، فكأنّى قد رأيتك تضجّ من الحرب إذا عضّتك ضجيح الجمال بالأثقال ، وكأنّى بجماعتك تدعونى - جزعا من الضّرب المتتابع ، والقضاء الواقع ، ومصارع بعد مصارع - إلى كتاب اللَّه وهى كافرة جاحدة ، أو مبايعة حائدة .
اقول : استعار لفظ الجلابيب ، لأغطية الهيئات البدنيّة من محبّة الدنيا وباطلها .
والجلباب : الملحفة . وتبهّجت : تحسنت . ويوشك اى : يقرب . وما لا ينجو منه : الموت وما بعده من أهوال الآخرة التي هو غافل عنها فى الدنيا . والواقف له امّا اللَّه تعالى او يعنى نفسه على سبيل التهديد له بالقتل . واقعس اى : تاخّر . والاهبة : الاستعداد . وما نزل به امّا الحرب او الموت وما بعده : اقامه للمتوقّع مقام الواقع النازل . والمترف : من اطغته النعمة . والباسق : العالى . وسوابق الشقاء : ما سبق منه فى القضاء الالهى ، واللوح المحفوظ فى حق كل شقّى ولزم وجوده . والأمنية : ما تتمنّاه نفسه وترجوه من الخلافة ، واختلاف علانيته وسريرته : كناية عن نفاقه . والرين : التغطية . والمرين على قلبه : من غطَّت عليه الذنوب والهيئات الدنيويّة . وجدّه المقتول : هو جدّه لأمه عتبة بن ابى ربيعة ابو هند . وخالة الوليد بن عتبة ، واخوه حنظلة بن ابى سفيان ، وقتلهم عليه السلام يوم بدر جميعا . والثائر : الطالب بالدم . والكافرة الجاحدة من اصحاب معاوية : اشارة الى المنافقين منهم .
والمبايعة الحائدة الَّذين بايعوه وعدلوا عنه . وحاد عن الأمر : عدل عنه ، واطلاعه عليه السلام على مصارعهم ودعائهم الى كتاب اللَّه قبل وقوع ذلك من آياته ، وكرامته .
11 - ومن وصيّة له عليه السّلام وصى بها جيشا بعثه إلى العدو فإذا نزلتم بعدوّ أو نزل بكم فليكن معسكركم فى قبل الأشراف ، أو سفاح الجبال ، أو أثناء الأنهار ، كيما يكون لكم ردءا ودونكم مردّا ، ولتكن مقاتلتكم من وجه واحد أو اثنين ، واجعلوا لكم رقباء فى صياصى الجبال ، ومناكب الهضاب ، لئلَّا يأتيكم العدوّ من مكان مخافة أو أمن ، واعلموا أنّ مقدّمة القوم عيونهم ، وعيون المقدّمة طلائعهم ، وإيّاكم والتّفرّق فإذا نزلتم فانزلوا جميعا ، وإذا ارتحلتم فارتحلوا جميعا ، وإذا غشيكم اللَّيل فاجعلوا الرّماح كفّة ، ولا تذوقوا النّوم إلَّا غرارا أو مضمضة .
أقول : المعسكر بالفتح : موضع العسكر . والاشراف : جمع شرف بالفتح ، وهو المكان العالى . وقبلها بضم القاف قدّامها . وسفح الجبل أسفله حيث يسيل الماء .
واثناء الانهار : منعطفها . والردء : العون فى المقاتلة وفائدة القتال من وجه او اثنين انّ القتال من جهات متفرقة يوجب الضعف والتفرق . والرقيب : الحافظ . وصياصى الجبال : اطرافها العالية . والهضاب : الجبال المنبسطة على الأرض . وقوله : واعلموا ، الى قوله : طلائعهم : ارشاد الى وجوب التأهب عند رؤية المقدّمة او الطليعة وان قلّ عددهم . وكفة بالكسر اى : مستديرة . والغرار : النوم القليل ، واستعار له لفظ المضمضه ، وباللَّه التوفيق .
12 - ومن وصيّة له عليه السّلام لمعقل بن قيس الرياحىّ[1]حين أنفذه إلى الشام فى ثلاثة آلاف مقدّمة له اتّق اللَّه الَّذى لا بدّ لك من لقائه ، ولا منتهى لك دونه ، ولا تقاتلنّ إلَّا من قاتلك ، وسر البردين ، وغوّر بالنّاس ، ورفّه فى السّير ، ولا تسر أوّل اللَّيل ، فإنّ اللَّه جعله سكنا ، وقدّره مقاما لاظعنا ، فأرح فيه بدنك ، وروّح ظهرك ، فإذا وقفت حين ينبطح السّحر ، أو حين ينفجر الفجر ، فسر على بركة اللَّه ، فإذا لقيت العدوّ فقف من أصحابك وسطا ، ولا تدن من القوم دنوّ من يريد أن ينشب الحرب ، ولا تباعد منهم تباعد من يهاب البأس ، حتّى يأتيك أمرى ، ولا يحملنّكم شنآنهم على قتالهم قبل دعائهم والاعذار إليهم .
أقول : البردين : الغداة والعشى . والتغوير : القيلولة . وقوله : فاذا وقفت : اشارة الى ما جرت العادة به من وقوف صاحب الجيش وقت السحر لاستعداد اصحابه للسير . وينبطح : ينبسط ويتّسع . وفائدة وقوفه فى الوسط استواءه الى الطرفين فى وصول اوامره اليهما . والشنئان : البغض والعداوة .
[1]التميمى من رجال الكوفة وابطالها وله رياسة وقدم وكان من شيعة على عليه السلام . اعيان الشيعة 48 - 86 تنقيح المقال 3 - 229 . جمهرة انساب العرب - 199 و 228 . الغدير 8 - 121 وج 9 - 47 و 368 . وقعة صفين - 132 و 381 .
< فهرس الموضوعات > ووصية له عليه السلام لعسكره كتابه عليه السلام إلى أميرين من أمراء جيشه < / فهرس الموضوعات > 13 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى أميرين من أمراء جيشه وقد أمّرت عليكما وعلى من فى حيّزكما مالك بن الحارث الأشتر ، فاسمعا له وأطيعا ، واجعلاه درعا ومجنّا ، فإنّه ممّن لا يخاف وهنه ، ولا سقطته ، ولا بطؤه عمّا الإسراع إليه احزم ، ولا إسراعه إلى ما البطء عنه أمثل .
أقول : الأميران هما : زياد بن النضر[1]وشريح بن هانى[2]واستعار له لفظ الدرع والمجن باعتبار قوّته وضعته لقومه فى الحرب . والوهن : الضعف . والسقطة : الزلَّة فى الرأى ونحوه . امثل : أشبه وأولى .
< فهرس الموضوعات > من وصيّة له عليه السّلام لعسكره قبل لقاء العدو بصفين < / فهرس الموضوعات > 14 - ومن وصيّة له عليه السّلام لعسكره قبل لقاء العدو بصفين لا تقاتلوهم حتّى يبدؤكم ، فإنّكم - بحمد اللَّه - على حجّة ، وترككم إيّاهم حتّى يبدؤكم حجّة أخرى لكم عليهم ، فإذا كانت الهزيمة باذن اللَّه فلا تقتلوا مدبرا ، ولا تصيبوا معورا ، ولا تجهزوا على جريح ، ولا تهجوا النّساء بأذى ، وإن شتمن أعراضكم ، وسببن أمراءكم ، فإنّهنّ ضعيفات القوى والأنفس والعقول ، إن كنّا لنؤمر بالكفّ عنهنّ وإنّهنّ لمشركات ، وإن كان الرّجل ليتناول المرأة فى الجاهليّة بالفهر أو الهراوة ، فيعيّر بها وعقبه من بعده .
[1]ابو الاوبر زياد بن النضر الحارثي . . . ويقال ان كنيته : ابو عائشة . الاصابة 1 - 581 ترجمة 2992
[2]ابو المقدام شريح بن هانئ بن يزيد بن نهيك الحارثي المقتول سنة 78 . من اصحاب على عليه السلام وامرائه في وقعة الجمل . الاصابة 2 - 166 ترجمة 3972 .
اقول : المدبر : المولى هاربا . والمعور : الذى امكن من نفسه . واعور الفارس : ظهر فيه موضع خلل للضرب فيه . واجهز على الجريح قتله . وقد فرّق عليه السلام ، بين هؤلاء البغاة ، وبين الكفّار بما ذكر من الامور الأربعة وان اوجب قتالهم وقتلهم . وهجت الشيء واهجته : اثرته . والفهر : حجر مستطيل املس يسحق به الطيب ونحوه . والهراوة : كالدبوس من الخشب . والعقب : الولد من الذّكر والأنثى .
< فهرس الموضوعات > دعائه عليه السلام إذا لقي العدو محاربا < / فهرس الموضوعات > 15 - وكان يقول عليه السلام إذا لقى العدو محاربا :
اللَّهمّ إليك أفضت القلوب ، ومدّت الأعناق ، وشخصت الأبصار ، ونقلت الأقدام ، وأنضيت الأبدان . اللَّهمّ قد صرّح مكتوم الشّنآن ، وجاشت مراجل الأضغان . اللَّهمّ إنّا نشكو إليك غيبة نبيّنا ، وكثرة عدوّنا ، وتشتّت أهوائنا * ( ( رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ ) ) *[1].
اقول : افضت : وصلت اليك خارجة عن كل شيء . وانضيت : اهزلت فى طاعتك والسفر الى جهاد عدوّك . والنضو الجمل ، انهكه السير واضعفه . وصرح : ظهر . الشنآن : العداوة . واستعار لفظ المراجل : للصدور ، والقلوب التي هى مظنة الاضغان والاحقاد باعتبار ثورانها .
< فهرس الموضوعات > قوله عليه السلام لأصحابه عند الحرب < / فهرس الموضوعات > 16 - وكان عليه السلام يقول لأصحابه عند الحرب لا تشتدّنّ عليكم فرّة بعدها كرّة ، ولا جولة بعدها حملة ، وأعطوا السّيوف حقوقها ، ووطَّئوا للجنوب مصارعها ، واذمروا أنفسكم على الطَّعن الدّعسىّ ، والضّرب الطَّلحفىّ ،
[1]سورة الاعراف - 89 .
وأميتوا الأصوات فإنّه أطرد للفشل ، فو الَّذى فلق الحبّة ، وبرأ النّسمة ، ما أسلموا ، ولكن استسلموا ، وأسرّوا الكفر ، فلمّا وجدوا أعوانا عليه أظهروه اقول : الفصل من كلام له عليه السلام بصفين . وقوله : لا تشتّدنّ ، الى قوله حملة ، اى : اذا اتّفق لكم ان فررتم مرة ثم عقبتموها بكرّة فلا تشتّدنّ عليكم الفرّة فتستحيوا منها ، فان الكرّة كالماحية لها ، وفيه تنبيه على الامر بالكرّة بعد الفرة . وكذلك قوله : ولا جولة : وهى الدورة بعدها حملة . واذمروا اى : حثوّا . والدّعسىّ : ذو الاثر والنكاية فى العلم .
والدّعس : الاثر . والطَّلحفىّ بكسر الطاء وفتح اللام الشّديد . والنسمة : الانسان .
17 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى معاوية ، جوابا عن كتاب منه إليه[1]فأمّا طلبك إلىّ الشّام ، فإنّى لم أكن لأعطيك اليوم ما منعتك أمس ، وأمّا قولك « إنّ الحرب قد أكلت العرب إلَّا حشاشات أنفس بقيت » ألا ومن أكله الحقّ فإلى الجنّة ، ومن أكله الباطل فإلى النّار . وأمّا استواؤنا فى الحرب والرّجال فلست بأمضى على الشّكّ منّى على اليقين ، وليس أهل الشّام بأحرص على الدّنيا من أهل العراق على الآخرة . وأمّا قولك « إنّا بنو عبد مناف » فكذلك نحن ، ولكن ليس أميّة كهاشم ، ولا حرب كعبد المطَّلب ، ولا أبو سفيان كأبى طالب ، ولا المهاجر كالطَّليق ، ولا الصّريح كاللَّصيق ، ولا المحقّ كالمبطل ، ولا المؤمن كالمدغل ، ولبئس الخلف خلفا يتبع سلفا هوى فى نار جهنّم . وفى أيدينا بعد فضل النّبوّة الَّتى أذللنا بها العزيز ، ونعشنا بها الذّليل . ولمّا أدخل اللَّه العرب فى دينه أفواجا ، وأسلمت له هذه الأمّة طوعا وكرها كنتم ممّن دخل فى الدّين إمّا رغبة وإمّا رهبة على حين فاز أهل السّبق بسبقهم ، وذهب المهاجرون الأوّلون بفضلهم فلا تجعلنّ للشّيطان فيك نصيبا ، ولا على نفسك سبيلا .
[1]جمهرة رسائل العرب 1 - 416 .