جعفر بن ابى طالب عليه السلام ، وسمّاه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله ، ذا الجناحين ، بذلك الاعتبار والطيّار فى الجنة . والذاكر يعنى نفسه . ولا تمجها اى : لا يلقيها . وقوله : من مالت به الرميّة : كالمثل يضرب لمن تميل به عن الحقّ اغراضه الباطلة . والرميّة : الصيد يرمى واصل المثل انّ الرجل يقصد قصدا فيعرض له الصيد فيتبعه فيميل به عن قصده الأصلى . والصنيعة : الحسنة . وقوله : والناس بعد صنائع لنا : اذ كان كل فعل وشرف للعرب فهم مبدؤه . وقوله : وانّى يكون ذلك كذلك ، اى : وكيف يكونون اكفا لنا . والمكذب : ابو جهل . واسد اللَّه : حمزة بن عبد الطلب . وأسد الأحلاف : هو اسد ابن عبد العزّى . والأحلاف : هم عبد مناف وزهرة واسد ، وتيم ، والحرث بن فهر ، وسمّوا الاحلاف ، لتحالفهم على محاربة بنى قصى فى امر اراده بهم . وصبية النار قيل : هم صبية عقبة بن ابى معيط حيث قال له رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله : لك ولهم النار . وخير نساء العالمين فاطمة عليها السلام . وحمالة الحطب : امّ جميل بنت حرب عمة معاوية ، كانت تحمل حزم الشوك فتنثرها فى طريق النبىّ صلى اللَّه عليه وآله وقوله : وجاهليّتكم لا تدفع شرفنا وفضلنا فيها . وقوله : يجمع لنا ما شذّ عنّا اى : من هذا الامر ، وهو احتجاج بالكتاب العزيز على اوليته من غيره ، بأمر الخلافة ووجه الاحتجاج بالآية الاولى ، انه من اخصّ اولى الأرحام برسول اللَّه[1]وكل من كان كذلك فهو أولى به ، وبالقيام مقامه . والثّانية انّه كان اقرب الخلق الى اتباع الرسول عليه السلام ، وأول من آمن به وصدّقه : وافضل من أخذ عنه الحكمة وكلّ من كان كذلك فهو أولى بمقامه ومنصبه . والفلج : الفوز والظفر . وحجّة قريش على الانصار قوله صلى اللَّه عليه وآله : الأئمة من قريش . والفلج به اي : بالرسول عليه السلام ، وتقدير الحجة انّ غلبة قريش للانصار ان كان بالرسول عليه السلام وقربهم منه ، فنحن اولى بذلك لكوننا أقرب منه اليه ، وان كان بغير ذلك فدعوى الانصار فى الإمامة قائم اذ لم يكن فى الخبر ما يدلّ على بطلانها . وقوله : وتلك شكاة ظاهر عنك عارها : مثل يضرب لمن ينكر امرا لا يلزمه انكاره ، والبيت لابى ذؤيب[2]واوله : وعيّرها الواشون انّي أحبّها .
[1]الغدير 3 - 220 امير المؤمنين عليه السلام اول من آمن وصلى
[2]ابو ذؤيب الهذلي . . . شاعر مخضرم خرج مع عبد اللَّه بن ابى سرح لفتح إفريقيا على عهد عثمان بن عفان وتوفى في مصر .
وظاهر : زائل . والمخشوش : الذى جعل فى أنفه خشاش وهى خشبة تدخل فى أنف البعير ليقاد بها . والغضاضة : الذلَّة والمنقصة . وكون ما ذكره معاوية من ذلك فضيحة له باعتبار انّه لم يفرّق بين ما يمدح به ويذّم : ولأنه على تقدير ان يكون بيعته للأئمة قبله كرها ، وهو افضل الناس أو من فضلائهم لا ينعقد الاجماع بدونه فتكون خلافتهم مدخولة فيكون ذلك طعنا فيهم ، وفى ولاية من قبلهم وهو فضيحة . وقوله : الى غيرك قصدها اي : الى الذين ظلموا . وسنح : عرض وخطر . واعدى عليه اشد عدوانا . ومقاتله وجوه قتله ومعايبه التي قتل بها . وقد كان عليه السلام عرض نصرته له عليه ، فقال : لا اريد نصرتك ولكن اقعد عنى لتهمته ايّاه بالمشاركة فى أمره ، وقد كان قد استصرخ بمعاوية فما زال يعده ويتأخّر عنه الى ان قتل . وقوله : فربّ ملوم لا ذنب له مثل ، لاكثم بن صيفى[1]يضرب لمن ظهر للناس منه امرا نكروه عليه ، وهم لا يعرفون حجّته وعذره فيه . وكذلك قوله : وقد يستفيد الظنّة المتنضّح : يضرب مثلا لمن يبالغ فى النّصيحة حتى يتّهم أنّه غاش فضربه لنفسه في نصيحته لعثمان وصدر البيت :
< شعر > وكم سقت فى آثاركم من نصيحة . . .
< / شعر > والظنّة : التهمة . وقوله : اضحكت بعد استعبار : كناية عن أبلغ العجب اذ كان الضحك بعد البكاء انّما يكون من عجب بالغ . وألفيت : وجدت . والنكول : التأخّر جبنا . وقوله : فلبّث قليلا يلحق الهيجا حمل : مثل يضرب للوعيد بالحرب قاله حمل بن بدر[2]فى بعض وقائعه . والأرقال : ضرب من السير السريع . والجحفل : الجيش العظيم . والساطع : المرتفع . والقتام : الغبار . واستعار لفظ السرابيل ، وهى : القمصان إما للدروع او لعدّة الحرب الجارية مجرى الأكفان . وقد سبق ذكر اخيه وخاله وجدّه ، وباللَّه التوفيق .
[1]اكثم بن صيفى بن رياح بن الحارث بن مخاشن بن معاوية بن شريف بن جروة بن اسيد بن عمرو بن تميم التميمى . . . الحكيم المشهور عاش ثلاثمائة وثلاثين سنة . وعاش ابوه صيفى مائتين وسبعين سنة . الاصابة 1 - 110 ترجمة 485 . مجمع الامثال 1 - 299
[2]المعارف - 83 ، 607 ط 2 .
< فهرس الموضوعات > كتابه عليه السلام إلى أهل البصرة < / فهرس الموضوعات > 29 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى أهل البصرة وقد كان من انتشار حبلكم وشقاقكم ما لم تغبوا عنه ، فعفوت عن مجرمكم ، ورفعت السّيف عن مدبركم ، وقبلت من مقبلكم ، فإن خطت بكم الأمور المردية ، وسفه الآراء الجائرة إلى منابذتى وخلافى ، فها أنا ذا قد قرّبت جيادى ، ورحلت ركابى ، ولئن ألجاتموني إلى المسير إليكم لأوقعنّ بكم وقعة لا يكون يوم الجمل إليها إلَّا كلعقة لاعق ، مع أنّى عارف لذى الطَّاعة منكم فضله ، ولذي النّصيحة حقّه ، غير متجاوز متّهما إلى برىء ، ولا ناكثا إلى وفىّ .
اقول : كنّى بانتشار حبلهم عن تفرّقهم عنه ، ونكثهم لبيعته . وتغبوا عنه : لم يفطنوا له ، يقال : غيبت عن الشيء وغبيته اذا جهلته ولم يفطن له . والمردية : المهلكة . والمنابذة : المخالفة . وكنّى بتقريب جياده ورحيل ركابه عن استعداده للكرّة عليهم . وشبّه وقعة الجمل بالنسبة الى الوقعة الَّتى توعّدهم بها باللعقة فى الحقارة . وباللَّه التوفيق .
< فهرس الموضوعات > كتابه عليه السلام إلى معاوية < / فهرس الموضوعات > 30 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى معاوية فاتّق اللَّه فيما لديك ، وانظر فى حقّه عليك ، وارجع إلى معرفة ما لا تعذر بجهالته ، فانّ للطَّاعة أعلاما واضحة ، وسبلا نيّرة ، ومحجّة نهجة ، وغاية مطَّلبة ، يردها الأكياس ، ويخالفها الأنكاس ، من نكَّب عنها جار عن الحقّ وخبط فى التّيه ، وغيّر اللَّه نعمته ، وأحلّ به نقمته ، فنفسك نفسك ، فقد بيّن اللَّه لك سبيلك ، وحيث تناهت بك أمورك فقد أجريت إلى غاية خسر ، ومحلَّة كفر ، وإنّ نفسك قد أولجتك شرّا ، وأقحمتك غيّا ، وأوردتك المهالك ، وأوعرت عليك المسالك .
اقول : ما لديه هو : أموال المسلمين وبلادهم ، وما لا تعذر بجهالته هو : وجوب طاعة اللَّه ، وطاعة رسوله ، وطاعة أئمه الحق من بعده . والمحجّة : الطريق الواضح . ومطلبة بتشديد الطاء وفتح اللام : مطلوبة جدا . واعلام : طاعة اللَّه والكتاب والسنة وأئمه الحق ، وهى : السبل النيّرة والطريق المضيئة ، وغايتها المطلوبة الحصول على السعادة الباقية الأخروية . والاكياس : العقلاء . والانكاس جمع نكس بكسر النون وهو : الدّنى من الرجال . ونكب : عدل . والتيه : الضلال . وسبيله : سبيل الطاعة المأمور بسلوكها . وقوله : وحيث ، الى قوله : ومحلة كفر فى حيث معنى الشرط وجوابه ، فقدوا المراد : اىّ موضع ومقام ، وصلت تلك امورك واعمالك اليه فقد وصلت فيه الى غاية خسر ، ومحلَّة كفر اىّ غاية مستلزمة للخسر فى الآخرة ، يقال : اجرى الى غاية كذا اذا قصدها وسعى اليها . وأولجته نفسه شرا ، اي : أدخلته نفسه الامّارة بالسوء فى شرّ الدنيا والآخرة ، وهو مخالفة طاعة اللَّه ورسوله وامام الحق . وروى أولجتك واقحمتك : ادخلتك . والغيّ : الجهل . واراد بالمهالك : الشبهات المردية . واوعرت : صعبت ومبدأ جميع ذلك هو النفس الامّارة بالسوء ، وباللَّه التوفيق .
31 - ومن وصيّة له عليه السّلام للحسن بن على عليهما السلام ، كتبها إليه بحاضرين[1]منصرفا من صفين من الوالد الفان ، المقرّ للزّمان ، المدبر العمر ، المستسلم للدّهر ، الذّامّ للدّنيا ، السّاكن مساكن الموتى ، والظَّاعن عنها غدا ، إلى المولود المؤمّل ما لا يدرك ، السّالك سبيل من قد هلك ، غرض الأسقام ، ورهينة الأيّام ، ورميّة المصائب ، وعبد الدّنيا ، وتاجر الغرور ، وغريم المنايا ، وأسير الموت ، وحليف الهموم ، وقرين الأحزان ، ونصب الآفات ، وصريع الشّهوات ، وخليفة الأموات . أمّا بعد ، فإنّ فيما تبيّنت من إدبار الدّنيا عنّى ، وجموح الدّهر علىّ ، وإقبال الآخرة إلىّ ، ما يزعني عن ذكر من سواى ، والاهتمام بما ورائى غير أنّى حيث تفرّد بى - دون
[1]اسم بلدة فى نواحى صفين . معجم البلدان 2 - 206 .
هموم النّاس - همّ نفسى ، فصدفنى رأيى ، وصرفنى عن هوائى ، وصرّح لى محض أمرى ، فأفضى بى إلى جدّ لا يكون فيه لعب ، وصدق لا يشوبه كذب ، ووجدتك بعضى ، بل وجدتك كلَّى ، حتّى كأنّ شيئا لو أصابك أصابنى ، وكأنّ الموت لو أتاك أتانى فعنانى من أمرك ما يعنيني من أمر نفسى ، فكتبت إليك كتابى هذا مستظهرا به إن أنا بقيت لك أو فنيت . فانّى أوصيك بتقوى اللَّه أي بنيّ ولزوم أمره ، وعمارة قلبك بذكره ، والاعتصام بحبله ، وأىّ سبب أوثق من سبب بينك وبين اللَّه إن أنت أخذت به أحى قلبك بالموعظة ، وأمته بالزّهادة ، وقوّه باليقين ، ونوّره بالحكمة ، وذلَّله بذكر الموت ، وقرّره بالفناء ، وبصّره فجائع الدّنيا ، وحذّره صولة الدهر ، وفحش تقلَّب اللَّيالى والأيّام ، واعرض عليه أخبار الماضين ، وذكَّره بما أصاب من كان قبلك من الأوّلين ، وسر فى ديارهم وآثارهم ، فانظر فيما فعلوا ، وعمّا انتقلوا ، وأين حلَّوا ونزلوا ، فإنّك تجدهم قد انتقلوا عن الأحبّة وحلَّوا ديار الغربة ، وكأنّك عن قليل قد صرت كأحدهم ، فأصلح مثواك ، ولا تبع آخرتك بدنياك ، ودع القول فيما لا تعرف ، والخطاب فيما لم تكلَّف وأمسك عن طريق إذا خفت ضلالته ، فإنّ الكفّ عند حيرة الضّلال خير من ركوب الأهوال ، وأمر بالمعروف تكن من أهله ، وأنكر المنكر بيدك ولسانك ، وباين من فعله بجهدك ، وجاهد فى اللَّه حقّ جهاده ، ولا تأخذك فى اللَّه لومة لائم ، وخض الغمرات للحقّ حيث كان ، وتفقّه فى الدّين ، وعوّد نفسك التّصبّر على المكروه ، ونعم الخلق التّصبّر ، وألجىء نفسك فى الأمور كلَّها إلى إلهك فإنّك تلجئها إلى كهف حريز ، ومانع عزيز ، وأخلص فى المسألة لربّك فإنّ بيده العطاء والحرمان ، وأكثر الاستخارة وتفهّم وصيّتى ، ولا تذهبنّ عنها صفحا ، فإنّ خير القول ما نفع ، واعلم أنّه لا خير فى علم لا ينفع ، ولا ينتفع بعلم لا يحقّ تعلَّمه .
أى بنىّ ، إنّى لمّا رأيتنى قد بلغت سنّا ، ورأيتنى أزداد وهنا ، بادرت بوصيّتى إليك ، وأوردت خصالا منها قبل أن يعجل بى أجلى دون أن أفضى إليك بما فى نفسى ، وأن أنقص فى رأيى كما نقصت فى جسمى ، أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى ، أو فتن الدّنيا ، فتكون كالصّعب النّفور ، وإنّما قلب الحدث كالأرض الخالية : ما ألقى فيها من شيء قبلته ، فبادرتك بالأدب قبل ان يقسو قبلك ويشتغل لبّك ، لتستقبل بجدّ رأيك
من الأمر ما قد كفاك أهل التّجارب بغيته وتجربته ، فتكون قد كفيت مئونة الطَّلب ، وعوفيت من علاج التّجربة ، فأتاك من ذلك ما قد كنّا نأتيه ، واستبان لك ما ربّما أظلم علينا منه . أى بنىّ ، إنّى - وإن لم أكن عمّرت عمر من كان قبلى - فقد نظرت فى أعمالهم ، وفكَّرت فى أخبارهم ، وسرت فى آثارهم ، حتّى عدت كأحدهم ، بل كأنّى بما انتهى إلىّ من امورهم قد عمّرت مع أوّلهم إلى آخرهم ، فعرفت صفو ذلك من كدره ، ونفعه من ضرره ، فاستخلصت لك من كلّ أمر نخيله وتوخّيت لك جميله ، وصرفت عنك مجهوله ، ورأيت - حيث عنانى من أمرك ما يعنى الوالد الشّفيق ، وأجمعت عليه من أدبك - أن يكون ذلك وأنت مقبل العمر ، ومقتبل الدّهر ذونيّة سليمة ونفس صافية ، وأن أبتدئك بتعليم كتاب اللَّه وتأويله ، وشرائع الاسلام وأحكامه ، وحلاله وحرامه ، لا أجاوز ذلك بك إلى غيره ، ثمّ أشفقت أن يلتبس عليك ما اختلف النّاس فيه من أهوائهم وآرائهم مثل الَّذى التبس عليهم ، فكان إحكام ذلك على ما كرهت من تنبيهك له أحبّ إلىّ من إسلامك إلى أمر لا آمن عليك فيه الهلكة ، ورجوت أن يوفّقك اللَّه لرشدك ، وأن يهديك لقصدك ، فعهدت إليك وصيّتى هذه .
واعلم ، يا بنىّ ، أنّ أحبّ ما أنت آخذ به إلىّ من وصيّتى ، تقوى اللَّه والاقتصار على ما فرضه اللَّه عليك ، والأخذ بما مضى عليه الأوّلون من آبائك والصّالحون من أهل بيتك ، فإنّهم لم يدعوا أن نظروا لأنفسهم كما أنت ناظر ، وفكَّروا كما أنت مفكَّر ، ثمّ ردّهم آخر ذلك إلى الأخذ بما عرفوا والامساك عمّا لم يكلَّفوا ، فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما علموا فليكن طلبك ذلك بتفهّم وتعلَّم ، لا بتورّط الشّبهات ، وغلوّ الخصومات وابدأ - قبل نظرك فى ذلك - بالاستعانة بالهك ، والرّغبة إليه فى توفيقك ، وترك كلّ شائبة أولجتك فى شبهة ، أو أسلمتك إلى ضلالة ، فإذا أيقنت أن قد صفا قلبك فخشع ، وتّمّ رأيك فاجتمع ، وكان همّك فى ذلك همّا واحدا ، فانظر فيما فسّرت لك ، وإن أنت لم يجتمع لك ما تحبّ من نفسك وفراغ نظرك وفكرك ، فاعلم أنّك إنّما تخبط العشواء ، وتتورّط الظَّلماء ، وليس طالب الدّين من خبط أو خلط والامساك عن ذلك أمثل .
فتفهّم ، يا بنىّ ، وصيّتى ، واعلم أنّ مالك الموت هو مالك الحياة ، وأنّ الخالق هو المميت ، وأنّ المفنى هو المعيد ، وأنّ المبتلى هو المعافى ، وأنّ الدّنيا لم تكن لتستقرّ إلَّا على ما جعلها اللَّه عليه من النّعماء ، والابتلاء والجزاء فى المعاد ، أو ما شاء ممّا لا نعلم . فإن أشكل عليك شيء من ذلك فاحمله على جهالتك به ، فإنّك أوّل ما خلقت خلقت جاهلا ثمّ علَّمت ، وما أكثر ما تجهل من الأمر ، ويتحيّر فيه رأيك ، ويضلّ فيه بصرك ، ثمّ تبصره بعد ذلك ، فاعتصم بالَّذى خلقك ورزقك وسوّاك ، وليكن له تعبّدك ، وإليه رغبتك ، ومنه شفقتك . واعلم ، يا بنىّ ، أنّ أحدا لم ينبئ عن اللَّه كما أنبأ عنه الرّسول ، صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، فارض به رائدا ، وإلى النّجاة قائدا ، فإنّى لم آلك نصيحة ، وإنّك لن تبلغ فى النّظر لنفسك - وإن اجتهدت - مبلغ نظرى لك . واعلم ، يا بنىّ ، أنّه لو كان لربّك شريك لأتتك رسله ، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه ، ولعرفت أفعاله وصفاته ، ولكنّه إله واحد كما وصف نفسه ، لا يضادّه فى ملكه أحد ، ولا يزول أبدا ، ولم يزل ، أوّل قبل الأشياء بلا أوّليّة ، وآخر بعد الأشياء بلا نهاية . عظم عن أن تثبت ربوبيّته باحاطة قلب أو بصر ، فإذا عرفت ذلك فافعل كما ينبغي لمثلك أن يفعله فى صغر خطره ، وقلَّة مقدرته ، وكثرة عجزه ، وعظيم حاجته إلى ربّه ، فى طلب طاعته ، والرّهبة من عقوبته ، والشّفقة من سخطه ، فإنّه لم يأمرك إلَّا بحسن ، ولم ينهك إلَّا عن قبيح .
أقول : أطلق لفظ الفانى عليه مجازا اطلاقا لاسم الغاية على ذى الغاية ، واستعار له لفظ الرهينة باعتبار أن الانسان مربوط الوجود بالأيام كالرهن لما عليه . والرمية : الغرض والهدف . ولفظ التاجر : باعتبار بذله لنفسه فى تحصيل الدنيا واضافه الى الغرور : اضافة المسبّب الى السبب ، اذ الغفلة هى مبدأ ذلك . ولفظ الغريم : باعتبار طلب الموت له كالمتقاضى . والنصب : المنصوب . واستعار لفظ الجموح للدهر : باعتبار اختلاف تصرفاته ، وعدم جريانه على قانون يحفظ كالجموح من الخيل . ويزعني : يمنعني . ومحض أمره : خالصه ، اي : انكشف له انّه راحل الى الآخرة ، وانه لا بدّ من لزوم الأمر الذى ينبغي له . ووجدتك بعضى ، اي : بمنزلة بعضى كقوله :
< شعر > وانّما أولادنا بيننا أكبادنا تمشى على الأرض[1]< / شعر > وكلَّي اي : قائما مقام كلَّى . وعبارة عني كان هو خليفته ، والقائم مقامه فى علمه وفضائله ، واكَّد قربه منه ، وتنزيله منزلة نفسه بذكر الغايتين . وكذلك استعار لفظ الحبل : لما يتمسّك به من دين اللَّه الموصل اليه ، وقلبه الذى يحييه نفسه العاقلة . واحياؤها بالعلم والحكمة ، والذى يميته هي نفسه الامارة بالسوء . واماتتها : كسرها عن ميولها المخالفة لآراء العقل بترك الدنيا والاعراض عنها ، وتطويعها بذلك . ويحتمل أن يريد به النفس العاقلة ايضا ، واماتتها : قطعها عن متابعة هواها وتقويته باليقين اي : من ضعف الجهل ، للنهوض الى افق علَّيّين ، وتقريره بالفناء : حمله على الاقرار به وذلك بأدامة ذكره وكثرة اخطاره بالبال . واراد بالإمساك عن طريق يخاف ضلالته التوقّف عند الشبهات . والغمرات : الشدائد . والاستخارة : الطلب الى اللَّه ان يخيّر له فيما يأتي . ويذره صفحا اى : معرضا . والعلم الذى لا يحق تعلمه اي : لا ينبغي ، كالعلوم التي لا تجدى نفعا فى الآخرة كالسحر والتكهّن ونحوهما . والوهن : الضعف من الكبر وكان عليه السلام جاوز الستّين ، وخصالا : مفعولا به . وبادرتها : سابقتها وسارعتها . وأفضى : أوصل . وضعف الرأى فى الكبر لضعف القوى النفسانية ، والارواح الحاملة لها وعجزها عن التصرّف فى طلب الآراء الصالحة ، وسبق غلبات الهوى ، لانّ الصبىّ اذا لم يؤخذ بالآداب فى حداثته ولم ترض قواه بمطاوعة عقله كان بصدد أن تميل به القوى الحيوانيّة الى مشتهياته ، وتنجذب فى قياد هواه وتصرفه عن الوجهة الحقيقية فيكون حينئذ كالصعب النفور من البهائم فى عسر تصريفه على حسب المنفعة .
وقوله : وأتاك من ذلك ، اى : من العلم التجربىّ ما كنا نأتيه ونطلبه . وعدت اى : صرت . ونخيلة : خلاصته ومختاره . واجمعت : صممت عزمى . وقوله : ثم اشفقت ، عطف على رأيت اي : كنت رأيت أن أقتصر بك على ذلك ، ولا اتجاوزه بك الى غيره من العلوم العقليّة ، ثم خفت ان يلتبس عليك ما اختلف الناس فيه ، من اهوائهم وآرائهم مثل ما التبس عليهم فكان أحكام ذلك اى ما اختلف الناس فيه ، من المسائل العقلية الإلهية التي تكثر التباس الحق فيها بالباطل ، وتكتنفها الشّبهات المغلطة التي هى منشأ
[1]التمثيل والمحاضرة - 460 .