اقول : ما لديه هو : أموال المسلمين وبلادهم ، وما لا تعذر بجهالته هو : وجوب طاعة اللَّه ، وطاعة رسوله ، وطاعة أئمه الحق من بعده . والمحجّة : الطريق الواضح . ومطلبة بتشديد الطاء وفتح اللام : مطلوبة جدا . واعلام : طاعة اللَّه والكتاب والسنة وأئمه الحق ، وهى : السبل النيّرة والطريق المضيئة ، وغايتها المطلوبة الحصول على السعادة الباقية الأخروية . والاكياس : العقلاء . والانكاس جمع نكس بكسر النون وهو : الدّنى من الرجال . ونكب : عدل . والتيه : الضلال . وسبيله : سبيل الطاعة المأمور بسلوكها . وقوله : وحيث ، الى قوله : ومحلة كفر فى حيث معنى الشرط وجوابه ، فقدوا المراد : اىّ موضع ومقام ، وصلت تلك امورك واعمالك اليه فقد وصلت فيه الى غاية خسر ، ومحلَّة كفر اىّ غاية مستلزمة للخسر فى الآخرة ، يقال : اجرى الى غاية كذا اذا قصدها وسعى اليها . وأولجته نفسه شرا ، اي : أدخلته نفسه الامّارة بالسوء فى شرّ الدنيا والآخرة ، وهو مخالفة طاعة اللَّه ورسوله وامام الحق . وروى أولجتك واقحمتك : ادخلتك . والغيّ : الجهل . واراد بالمهالك : الشبهات المردية . واوعرت : صعبت ومبدأ جميع ذلك هو النفس الامّارة بالسوء ، وباللَّه التوفيق .
31 - ومن وصيّة له عليه السّلام للحسن بن على عليهما السلام ، كتبها إليه بحاضرين[1]منصرفا من صفين من الوالد الفان ، المقرّ للزّمان ، المدبر العمر ، المستسلم للدّهر ، الذّامّ للدّنيا ، السّاكن مساكن الموتى ، والظَّاعن عنها غدا ، إلى المولود المؤمّل ما لا يدرك ، السّالك سبيل من قد هلك ، غرض الأسقام ، ورهينة الأيّام ، ورميّة المصائب ، وعبد الدّنيا ، وتاجر الغرور ، وغريم المنايا ، وأسير الموت ، وحليف الهموم ، وقرين الأحزان ، ونصب الآفات ، وصريع الشّهوات ، وخليفة الأموات . أمّا بعد ، فإنّ فيما تبيّنت من إدبار الدّنيا عنّى ، وجموح الدّهر علىّ ، وإقبال الآخرة إلىّ ، ما يزعني عن ذكر من سواى ، والاهتمام بما ورائى غير أنّى حيث تفرّد بى - دون
[1]اسم بلدة فى نواحى صفين . معجم البلدان 2 - 206 .
هموم النّاس - همّ نفسى ، فصدفنى رأيى ، وصرفنى عن هوائى ، وصرّح لى محض أمرى ، فأفضى بى إلى جدّ لا يكون فيه لعب ، وصدق لا يشوبه كذب ، ووجدتك بعضى ، بل وجدتك كلَّى ، حتّى كأنّ شيئا لو أصابك أصابنى ، وكأنّ الموت لو أتاك أتانى فعنانى من أمرك ما يعنيني من أمر نفسى ، فكتبت إليك كتابى هذا مستظهرا به إن أنا بقيت لك أو فنيت . فانّى أوصيك بتقوى اللَّه أي بنيّ ولزوم أمره ، وعمارة قلبك بذكره ، والاعتصام بحبله ، وأىّ سبب أوثق من سبب بينك وبين اللَّه إن أنت أخذت به أحى قلبك بالموعظة ، وأمته بالزّهادة ، وقوّه باليقين ، ونوّره بالحكمة ، وذلَّله بذكر الموت ، وقرّره بالفناء ، وبصّره فجائع الدّنيا ، وحذّره صولة الدهر ، وفحش تقلَّب اللَّيالى والأيّام ، واعرض عليه أخبار الماضين ، وذكَّره بما أصاب من كان قبلك من الأوّلين ، وسر فى ديارهم وآثارهم ، فانظر فيما فعلوا ، وعمّا انتقلوا ، وأين حلَّوا ونزلوا ، فإنّك تجدهم قد انتقلوا عن الأحبّة وحلَّوا ديار الغربة ، وكأنّك عن قليل قد صرت كأحدهم ، فأصلح مثواك ، ولا تبع آخرتك بدنياك ، ودع القول فيما لا تعرف ، والخطاب فيما لم تكلَّف وأمسك عن طريق إذا خفت ضلالته ، فإنّ الكفّ عند حيرة الضّلال خير من ركوب الأهوال ، وأمر بالمعروف تكن من أهله ، وأنكر المنكر بيدك ولسانك ، وباين من فعله بجهدك ، وجاهد فى اللَّه حقّ جهاده ، ولا تأخذك فى اللَّه لومة لائم ، وخض الغمرات للحقّ حيث كان ، وتفقّه فى الدّين ، وعوّد نفسك التّصبّر على المكروه ، ونعم الخلق التّصبّر ، وألجىء نفسك فى الأمور كلَّها إلى إلهك فإنّك تلجئها إلى كهف حريز ، ومانع عزيز ، وأخلص فى المسألة لربّك فإنّ بيده العطاء والحرمان ، وأكثر الاستخارة وتفهّم وصيّتى ، ولا تذهبنّ عنها صفحا ، فإنّ خير القول ما نفع ، واعلم أنّه لا خير فى علم لا ينفع ، ولا ينتفع بعلم لا يحقّ تعلَّمه .
أى بنىّ ، إنّى لمّا رأيتنى قد بلغت سنّا ، ورأيتنى أزداد وهنا ، بادرت بوصيّتى إليك ، وأوردت خصالا منها قبل أن يعجل بى أجلى دون أن أفضى إليك بما فى نفسى ، وأن أنقص فى رأيى كما نقصت فى جسمى ، أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى ، أو فتن الدّنيا ، فتكون كالصّعب النّفور ، وإنّما قلب الحدث كالأرض الخالية : ما ألقى فيها من شيء قبلته ، فبادرتك بالأدب قبل ان يقسو قبلك ويشتغل لبّك ، لتستقبل بجدّ رأيك
من الأمر ما قد كفاك أهل التّجارب بغيته وتجربته ، فتكون قد كفيت مئونة الطَّلب ، وعوفيت من علاج التّجربة ، فأتاك من ذلك ما قد كنّا نأتيه ، واستبان لك ما ربّما أظلم علينا منه . أى بنىّ ، إنّى - وإن لم أكن عمّرت عمر من كان قبلى - فقد نظرت فى أعمالهم ، وفكَّرت فى أخبارهم ، وسرت فى آثارهم ، حتّى عدت كأحدهم ، بل كأنّى بما انتهى إلىّ من امورهم قد عمّرت مع أوّلهم إلى آخرهم ، فعرفت صفو ذلك من كدره ، ونفعه من ضرره ، فاستخلصت لك من كلّ أمر نخيله وتوخّيت لك جميله ، وصرفت عنك مجهوله ، ورأيت - حيث عنانى من أمرك ما يعنى الوالد الشّفيق ، وأجمعت عليه من أدبك - أن يكون ذلك وأنت مقبل العمر ، ومقتبل الدّهر ذونيّة سليمة ونفس صافية ، وأن أبتدئك بتعليم كتاب اللَّه وتأويله ، وشرائع الاسلام وأحكامه ، وحلاله وحرامه ، لا أجاوز ذلك بك إلى غيره ، ثمّ أشفقت أن يلتبس عليك ما اختلف النّاس فيه من أهوائهم وآرائهم مثل الَّذى التبس عليهم ، فكان إحكام ذلك على ما كرهت من تنبيهك له أحبّ إلىّ من إسلامك إلى أمر لا آمن عليك فيه الهلكة ، ورجوت أن يوفّقك اللَّه لرشدك ، وأن يهديك لقصدك ، فعهدت إليك وصيّتى هذه .
واعلم ، يا بنىّ ، أنّ أحبّ ما أنت آخذ به إلىّ من وصيّتى ، تقوى اللَّه والاقتصار على ما فرضه اللَّه عليك ، والأخذ بما مضى عليه الأوّلون من آبائك والصّالحون من أهل بيتك ، فإنّهم لم يدعوا أن نظروا لأنفسهم كما أنت ناظر ، وفكَّروا كما أنت مفكَّر ، ثمّ ردّهم آخر ذلك إلى الأخذ بما عرفوا والامساك عمّا لم يكلَّفوا ، فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما علموا فليكن طلبك ذلك بتفهّم وتعلَّم ، لا بتورّط الشّبهات ، وغلوّ الخصومات وابدأ - قبل نظرك فى ذلك - بالاستعانة بالهك ، والرّغبة إليه فى توفيقك ، وترك كلّ شائبة أولجتك فى شبهة ، أو أسلمتك إلى ضلالة ، فإذا أيقنت أن قد صفا قلبك فخشع ، وتّمّ رأيك فاجتمع ، وكان همّك فى ذلك همّا واحدا ، فانظر فيما فسّرت لك ، وإن أنت لم يجتمع لك ما تحبّ من نفسك وفراغ نظرك وفكرك ، فاعلم أنّك إنّما تخبط العشواء ، وتتورّط الظَّلماء ، وليس طالب الدّين من خبط أو خلط والامساك عن ذلك أمثل .
فتفهّم ، يا بنىّ ، وصيّتى ، واعلم أنّ مالك الموت هو مالك الحياة ، وأنّ الخالق هو المميت ، وأنّ المفنى هو المعيد ، وأنّ المبتلى هو المعافى ، وأنّ الدّنيا لم تكن لتستقرّ إلَّا على ما جعلها اللَّه عليه من النّعماء ، والابتلاء والجزاء فى المعاد ، أو ما شاء ممّا لا نعلم . فإن أشكل عليك شيء من ذلك فاحمله على جهالتك به ، فإنّك أوّل ما خلقت خلقت جاهلا ثمّ علَّمت ، وما أكثر ما تجهل من الأمر ، ويتحيّر فيه رأيك ، ويضلّ فيه بصرك ، ثمّ تبصره بعد ذلك ، فاعتصم بالَّذى خلقك ورزقك وسوّاك ، وليكن له تعبّدك ، وإليه رغبتك ، ومنه شفقتك . واعلم ، يا بنىّ ، أنّ أحدا لم ينبئ عن اللَّه كما أنبأ عنه الرّسول ، صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، فارض به رائدا ، وإلى النّجاة قائدا ، فإنّى لم آلك نصيحة ، وإنّك لن تبلغ فى النّظر لنفسك - وإن اجتهدت - مبلغ نظرى لك . واعلم ، يا بنىّ ، أنّه لو كان لربّك شريك لأتتك رسله ، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه ، ولعرفت أفعاله وصفاته ، ولكنّه إله واحد كما وصف نفسه ، لا يضادّه فى ملكه أحد ، ولا يزول أبدا ، ولم يزل ، أوّل قبل الأشياء بلا أوّليّة ، وآخر بعد الأشياء بلا نهاية . عظم عن أن تثبت ربوبيّته باحاطة قلب أو بصر ، فإذا عرفت ذلك فافعل كما ينبغي لمثلك أن يفعله فى صغر خطره ، وقلَّة مقدرته ، وكثرة عجزه ، وعظيم حاجته إلى ربّه ، فى طلب طاعته ، والرّهبة من عقوبته ، والشّفقة من سخطه ، فإنّه لم يأمرك إلَّا بحسن ، ولم ينهك إلَّا عن قبيح .
أقول : أطلق لفظ الفانى عليه مجازا اطلاقا لاسم الغاية على ذى الغاية ، واستعار له لفظ الرهينة باعتبار أن الانسان مربوط الوجود بالأيام كالرهن لما عليه . والرمية : الغرض والهدف . ولفظ التاجر : باعتبار بذله لنفسه فى تحصيل الدنيا واضافه الى الغرور : اضافة المسبّب الى السبب ، اذ الغفلة هى مبدأ ذلك . ولفظ الغريم : باعتبار طلب الموت له كالمتقاضى . والنصب : المنصوب . واستعار لفظ الجموح للدهر : باعتبار اختلاف تصرفاته ، وعدم جريانه على قانون يحفظ كالجموح من الخيل . ويزعني : يمنعني . ومحض أمره : خالصه ، اي : انكشف له انّه راحل الى الآخرة ، وانه لا بدّ من لزوم الأمر الذى ينبغي له . ووجدتك بعضى ، اي : بمنزلة بعضى كقوله :
< شعر > وانّما أولادنا بيننا أكبادنا تمشى على الأرض[1]< / شعر > وكلَّي اي : قائما مقام كلَّى . وعبارة عني كان هو خليفته ، والقائم مقامه فى علمه وفضائله ، واكَّد قربه منه ، وتنزيله منزلة نفسه بذكر الغايتين . وكذلك استعار لفظ الحبل : لما يتمسّك به من دين اللَّه الموصل اليه ، وقلبه الذى يحييه نفسه العاقلة . واحياؤها بالعلم والحكمة ، والذى يميته هي نفسه الامارة بالسوء . واماتتها : كسرها عن ميولها المخالفة لآراء العقل بترك الدنيا والاعراض عنها ، وتطويعها بذلك . ويحتمل أن يريد به النفس العاقلة ايضا ، واماتتها : قطعها عن متابعة هواها وتقويته باليقين اي : من ضعف الجهل ، للنهوض الى افق علَّيّين ، وتقريره بالفناء : حمله على الاقرار به وذلك بأدامة ذكره وكثرة اخطاره بالبال . واراد بالإمساك عن طريق يخاف ضلالته التوقّف عند الشبهات . والغمرات : الشدائد . والاستخارة : الطلب الى اللَّه ان يخيّر له فيما يأتي . ويذره صفحا اى : معرضا . والعلم الذى لا يحق تعلمه اي : لا ينبغي ، كالعلوم التي لا تجدى نفعا فى الآخرة كالسحر والتكهّن ونحوهما . والوهن : الضعف من الكبر وكان عليه السلام جاوز الستّين ، وخصالا : مفعولا به . وبادرتها : سابقتها وسارعتها . وأفضى : أوصل . وضعف الرأى فى الكبر لضعف القوى النفسانية ، والارواح الحاملة لها وعجزها عن التصرّف فى طلب الآراء الصالحة ، وسبق غلبات الهوى ، لانّ الصبىّ اذا لم يؤخذ بالآداب فى حداثته ولم ترض قواه بمطاوعة عقله كان بصدد أن تميل به القوى الحيوانيّة الى مشتهياته ، وتنجذب فى قياد هواه وتصرفه عن الوجهة الحقيقية فيكون حينئذ كالصعب النفور من البهائم فى عسر تصريفه على حسب المنفعة .
وقوله : وأتاك من ذلك ، اى : من العلم التجربىّ ما كنا نأتيه ونطلبه . وعدت اى : صرت . ونخيلة : خلاصته ومختاره . واجمعت : صممت عزمى . وقوله : ثم اشفقت ، عطف على رأيت اي : كنت رأيت أن أقتصر بك على ذلك ، ولا اتجاوزه بك الى غيره من العلوم العقليّة ، ثم خفت ان يلتبس عليك ما اختلف الناس فيه ، من اهوائهم وآرائهم مثل ما التبس عليهم فكان أحكام ذلك اى ما اختلف الناس فيه ، من المسائل العقلية الإلهية التي تكثر التباس الحق فيها بالباطل ، وتكتنفها الشّبهات المغلطة التي هى منشأ
[1]التمثيل والمحاضرة - 460 .
فساد العقائد ، والهلاك بها فى الآخرة ، واحكام ذلك ببيان وجه البرهان فيه . واولجتك ادخلتك واراد خبط العشواء فحذف المضاف . ونبّهه بقوله : واعلم ، الى قوله : المعاد ، على جملة من صفات اللَّه تعالى وافعاله التي يتوهّم تضادّها ، والتناهى استنادها الى مبدأ واحد ، امّا الصفات فأشار الى انّها ليست بمتضادّة ، وإنّ مبدءها واحد ، وقد اشرنا فى الخطب السابقة الى كيفية وصفه تعالى بالاعتبارات المتعدّدة .
واما الأفعال فهو انّه تعالى ، لما خلق الدنيا لم يكن خلقها واستقرار وجودها الَّا على ما خلقها عليه من سائر ما يعدّ نعمة ، وابتلاء ، ثم لزوم الجزاء فى المعاد لنفوس المبتلين ، والمنعم عليهم بحسب طاعتهم ومعصيتهم فى النعماء ، والابتلاء وكذلك خلقه لها على ما شاء مما لا يعلم وجه الحكمة فيه الَّا هو ، اذ ثبت فى اصول الحكمة انّ المقصود من العناية الألهية بالذات انّما هو الخير . واما الشرور الواقعة فى الوجود فبالعرض من حيث انّه لا يمكن نزع الخير وتجريده عما يعدّ شرّا ، مثلا كون النار نارا منتفعا بها انما يكون بكونها محرقة ، وهو باعتبار احراق بيت الناسك مثلا شرّ ، وكون الماء منتفعا به انّما هو من حيث هو سيّال من شأنه ان يغرق وهو باعتبار اغراقه شرّ ، ولما كان الخير اغلب فى الوجود وكانت الشرور امورا لازمة لم يجز ترك الخير الكثير لأجلها ، لان تركه لوجود شرّ قليل ينافي الحكمة وذلك معنى قوله : والدنيا لم تكن تستقر الَّا على ما جعلها اللَّه عليه مما عدّده ، اى لم يكن يمكن خلقها الَّا على ما فيها من خير مقصود بالذات ، وشرّ لازم له .
ولزوم الجزاء على السّببية ، وعقاب النفوس فى المعاد عليها من الشرور اللازمة لما حصلت عليه من الهيئات البدنية ، والملكات الرديّة فى الدنيا ، وشفقتك : خوفك . واستعار وصف[1]الرائد للنبىّ صلى اللَّه عليه وآله ، ملاحظة : لشبهه فى استعلام اخبار السماء بالرائد فى استعلامه بالكلاء والماء ، ولم آلك نصيحة اي : لم أقصّر فى نصيحتك ، ونصيحة تمييز .
وقوله : واعلم يا بنى ، الى قوله : عن قبيح : اشارة الى الحجّة على وحدانيّة الصانع تعالى ، وعلى جملة من صفاته اما الحجّة على وحدانيّته فهى مقدم الشرطيّة فيه . قوله : لو كان لربّك شريك ، وتاليها قوله : لأتتك رسله الى قوله : وصفاته ، وينتج باستثناء
[1]في ش : لفظ الرائد .
نقائض اقسام التالى نقيض المقدّم ، بيان الملازمة انّه لو كان له شريك لكان شريكه الصالح لشركته إلها ، مستجمعا لجميع شرائط الألهيّة والَّا لم يصلح لها ، لكن من لوازم الألهية امور : احدها ، الحكمة فى وجوب بعثة الرسل الى الخلق لما علمت من وجوب البعثة .
الثانية ، أن تكون آثار ملكه وسلطانه وصفات أفعاله ظاهرة مشاهدة .
الثالثة ، أن تعرف أفعاله وصفات ذاته ، لكن هذه اللوازم باطلة .
امّا الاوّل ، فلأنه لم يأتنا رسول ذو معجزة[1]يدلنا على الثاني ويخبرنا عنه . وأما الثاني ، والثالث ، فلأنّ آثار الملك ، والسلطان ، ومجرّد الأفعال انّما يدلّ على فاعل حكيم قادر ، اما على تعدّد الفاعلين فلا ، وكذلك صفات الألهية المكتسبة لنا من الأفعال ، كالعلم والقدرة والارادة وغيرها ، إنّما تدلّ على صانع موصوف بها ، فأمّا التعدّد فلا ، فاذن القول بانّ له شريكا قول باطل . وأما الصفات فظاهرة ، واشار بقوله عظم : الى قوله : او بصر ، الى نزاهة صفات الربوبيّة عن احاطة العقول والابصار بها . والشفّقة : الخوف ، وباقى الفصل واضح . وباللَّه التوفيق .
يا بنىّ ، إنّى قد أنبأتك عن الدّنيا وحالها ، وزوالها وانتقالها ، وأنبأتك عن الآخرة وما أعدّ لأهلها فيها ، وضربت لك فيهما الأمثال لتعتبر بها ، وتحذو عليها إنّما مثل من خبر الدّنيا ، كمثل قوم سفر نبابهم منزل جديب فأمّوا منزلا خصيبا ، وجنابا مريعا ، فاحتملوا وعثاء الطَّريق ، وفراق الصّديق ، وخشونة السّفر ، وجشوبة المطعم ، ليأتوا سعة دارهم ومنزل قرارهم ، فليس يجدون لشيء من ذلك ألما ، ولا يرون نفقة مغرما ، ولا شيء أحبّ إليهم ممّا قرّبهم من منزلهم ، وأدناهم من محلَّهم . ومثل من اغترّ بها كمثل قوم كانوا بمنزل خصيب فنبا بهم إلى منزل جديب ، فليس شيء أكره إليهم ولا أفظع عندهم من مفارقة ما كانوا فيه إلى ما يهجمون عليه ويصيرون إليه يا بنىّ ، اجعل نفسك ميزانا فيما بينك وبين غيرك ، فأحبب لغيرك ما تحبّ لنفسك ، واكره له ما تكره لها ، ولا تظلم كما لا تحبّ أن تظلم ، وأحسن كما تحبّ أن
[1]نسخة ش : رسول معجزة .
يحسن إليك ، واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك ، وارض من النّاس بما ترضاه لهم من نفسك ، ولا تقل ما لا تعلم ، وإن قلّ ما تعلم ولا تقل ما لا تحبّ أن يقال لك . واعلم أنّ الاعجاب ضدّ الصّواب ، وآفة الألباب ، فاسع فى كدحك ، ولا تكن خازنا لغيرك ، وإذا أنت هديت لقصدك فكن أخشع ما تكون لربّك . واعلم أنّ أمامك طريقا ذا مسافة بعيدة ، ومشقّة شديدة . وأنّه لا غنى لك فيه عن حسن الارتياد ، وقدّر بلاغك من الزّاد مع خفّة الظَّهر فلا تحملنّ على ظهرك فوق طاقتك فيكون ثقل ذلك وبالا عليك . وإذا وجدت من أهل الفاقة من يحمل لك زادك إلى يوم القيامة فيوافيك به غدا حيث تحتاج إليه فاغتنمه وحمّله إيّاه ، وأكثر من تزويده وأنت قادر عليه ، فلعلَّك تطلبه فلا تجده ، واغتنم من استقرضك فى حال غناك ليجعل قضاءه لك فى يوم عسرتك . واعلم أنّ أمامك عقبة كئودا ، المخفّ فيها أحسن حالا من المثقل والبطىء عليها أقبح حالا من المسرع ، وأنّ مهبطك بها لا محالة على جنّة أو على نار ، فارتد لنفسك قبل نزولك ، ووطَّىء المنزل قبل حلولك ، فليس بعد الموت مستعتب ، ولا إلى الدّنيا منصرف . واعلم أنّ الَّذى بيده خزائن السّموات والأرض قد أذن لك فى الدّعاء ، وتكفّل لك بالاجابة ، وأمرك أن تسأله ليعطيك ، وتسترحمه ليرحمك ، ولم يجعل بينك وبينه من يحجبه عنك ، ولم يلجئك إلى من يشفع لك إليه . ولم يمنعك إن أسأت من التّوبة ، ولم يعيّرك بالانابة ، ولم يعاجلك بالنّقمة ، ولم يفضحك حيث الفضيحة بك أولى ، ولم يشدّد عليك فى قبول الانابة ، ولم يناقشك بالجريمة ، ولم يؤيسك من الرّحمة ، بل جعل نزوعك عن الذّنب حسنة ، وحسب سيّئتك واحدة وحسب حسنتك عشرا ، وفتح لك باب المتاب ، وباب الاستعتاب ، فاذا ناديته سمع نداءك ، وإذا ناجيته علم نجواك ، فأفضيت إليه بحاجتك ، وأبثثته ذات نفسك ، وشكوت إليه همومك ، واستكشفته كروبك ، واستعنته على أمورك ، وسألته من خزائن رحمته مالا يقدر على إعطائه غيره : من زيادة الأعمار ، وصحّة الأبدان ، وسعة الأرزاق . ثمّ جعل فى يديك مفاتيح خزائنه بما أذن لك فيه من مسألته ، فمتى شئت استفتحت بالدّعاء أبواب نعمته ، واستمطرت شآبيب