بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 507


< شعر > وانّما أولادنا بيننا أكبادنا تمشى على الأرض[1]< / شعر > وكلَّي اي : قائما مقام كلَّى . وعبارة عني كان هو خليفته ، والقائم مقامه فى علمه وفضائله ، واكَّد قربه منه ، وتنزيله منزلة نفسه بذكر الغايتين . وكذلك استعار لفظ الحبل : لما يتمسّك به من دين اللَّه الموصل اليه ، وقلبه الذى يحييه نفسه العاقلة . واحياؤها بالعلم والحكمة ، والذى يميته هي نفسه الامارة بالسوء . واماتتها : كسرها عن ميولها المخالفة لآراء العقل بترك الدنيا والاعراض عنها ، وتطويعها بذلك . ويحتمل أن يريد به النفس العاقلة ايضا ، واماتتها : قطعها عن متابعة هواها وتقويته باليقين اي : من ضعف الجهل ، للنهوض الى افق علَّيّين ، وتقريره بالفناء : حمله على الاقرار به وذلك بأدامة ذكره وكثرة اخطاره بالبال . واراد بالإمساك عن طريق يخاف ضلالته التوقّف عند الشبهات . والغمرات : الشدائد . والاستخارة : الطلب الى اللَّه ان يخيّر له فيما يأتي . ويذره صفحا اى : معرضا . والعلم الذى لا يحق تعلمه اي : لا ينبغي ، كالعلوم التي لا تجدى نفعا فى الآخرة كالسحر والتكهّن ونحوهما . والوهن : الضعف من الكبر وكان عليه السلام جاوز الستّين ، وخصالا : مفعولا به . وبادرتها : سابقتها وسارعتها . وأفضى : أوصل . وضعف الرأى فى الكبر لضعف القوى النفسانية ، والارواح الحاملة لها وعجزها عن التصرّف فى طلب الآراء الصالحة ، وسبق غلبات الهوى ، لانّ الصبىّ اذا لم يؤخذ بالآداب فى حداثته ولم ترض قواه بمطاوعة عقله كان بصدد أن تميل به القوى الحيوانيّة الى مشتهياته ، وتنجذب فى قياد هواه وتصرفه عن الوجهة الحقيقية فيكون حينئذ كالصعب النفور من البهائم فى عسر تصريفه على حسب المنفعة .
وقوله : وأتاك من ذلك ، اى : من العلم التجربىّ ما كنا نأتيه ونطلبه . وعدت اى : صرت . ونخيلة : خلاصته ومختاره . واجمعت : صممت عزمى . وقوله : ثم اشفقت ، عطف على رأيت اي : كنت رأيت أن أقتصر بك على ذلك ، ولا اتجاوزه بك الى غيره من العلوم العقليّة ، ثم خفت ان يلتبس عليك ما اختلف الناس فيه ، من اهوائهم وآرائهم مثل ما التبس عليهم فكان أحكام ذلك اى ما اختلف الناس فيه ، من المسائل العقلية الإلهية التي تكثر التباس الحق فيها بالباطل ، وتكتنفها الشّبهات المغلطة التي هى منشأ


[1]التمثيل والمحاضرة - 460 .


صفحه 508


فساد العقائد ، والهلاك بها فى الآخرة ، واحكام ذلك ببيان وجه البرهان فيه . واولجتك ادخلتك واراد خبط العشواء فحذف المضاف . ونبّهه بقوله : واعلم ، الى قوله : المعاد ، على جملة من صفات اللَّه تعالى وافعاله التي يتوهّم تضادّها ، والتناهى استنادها الى مبدأ واحد ، امّا الصفات فأشار الى انّها ليست بمتضادّة ، وإنّ مبدءها واحد ، وقد اشرنا فى الخطب السابقة الى كيفية وصفه تعالى بالاعتبارات المتعدّدة .
واما الأفعال فهو انّه تعالى ، لما خلق الدنيا لم يكن خلقها واستقرار وجودها الَّا على ما خلقها عليه من سائر ما يعدّ نعمة ، وابتلاء ، ثم لزوم الجزاء فى المعاد لنفوس المبتلين ، والمنعم عليهم بحسب طاعتهم ومعصيتهم فى النعماء ، والابتلاء وكذلك خلقه لها على ما شاء مما لا يعلم وجه الحكمة فيه الَّا هو ، اذ ثبت فى اصول الحكمة انّ المقصود من العناية الألهية بالذات انّما هو الخير . واما الشرور الواقعة فى الوجود فبالعرض من حيث انّه لا يمكن نزع الخير وتجريده عما يعدّ شرّا ، مثلا كون النار نارا منتفعا بها انما يكون بكونها محرقة ، وهو باعتبار احراق بيت الناسك مثلا شرّ ، وكون الماء منتفعا به انّما هو من حيث هو سيّال من شأنه ان يغرق وهو باعتبار اغراقه شرّ ، ولما كان الخير اغلب فى الوجود وكانت الشرور امورا لازمة لم يجز ترك الخير الكثير لأجلها ، لان تركه لوجود شرّ قليل ينافي الحكمة وذلك معنى قوله : والدنيا لم تكن تستقر الَّا على ما جعلها اللَّه عليه مما عدّده ، اى لم يكن يمكن خلقها الَّا على ما فيها من خير مقصود بالذات ، وشرّ لازم له .
ولزوم الجزاء على السّببية ، وعقاب النفوس فى المعاد عليها من الشرور اللازمة لما حصلت عليه من الهيئات البدنية ، والملكات الرديّة فى الدنيا ، وشفقتك : خوفك . واستعار وصف[1]الرائد للنبىّ صلى اللَّه عليه وآله ، ملاحظة : لشبهه فى استعلام اخبار السماء بالرائد فى استعلامه بالكلاء والماء ، ولم آلك نصيحة اي : لم أقصّر فى نصيحتك ، ونصيحة تمييز .
وقوله : واعلم يا بنى ، الى قوله : عن قبيح : اشارة الى الحجّة على وحدانيّة الصانع تعالى ، وعلى جملة من صفاته اما الحجّة على وحدانيّته فهى مقدم الشرطيّة فيه . قوله : لو كان لربّك شريك ، وتاليها قوله : لأتتك رسله الى قوله : وصفاته ، وينتج باستثناء


[1]في ش : لفظ الرائد .


صفحه 509


نقائض اقسام التالى نقيض المقدّم ، بيان الملازمة انّه لو كان له شريك لكان شريكه الصالح لشركته إلها ، مستجمعا لجميع شرائط الألهيّة والَّا لم يصلح لها ، لكن من لوازم الألهية امور : احدها ، الحكمة فى وجوب بعثة الرسل الى الخلق لما علمت من وجوب البعثة .
الثانية ، أن تكون آثار ملكه وسلطانه وصفات أفعاله ظاهرة مشاهدة .
الثالثة ، أن تعرف أفعاله وصفات ذاته ، لكن هذه اللوازم باطلة .
امّا الاوّل ، فلأنه لم يأتنا رسول ذو معجزة[1]يدلنا على الثاني ويخبرنا عنه . وأما الثاني ، والثالث ، فلأنّ آثار الملك ، والسلطان ، ومجرّد الأفعال انّما يدلّ على فاعل حكيم قادر ، اما على تعدّد الفاعلين فلا ، وكذلك صفات الألهية المكتسبة لنا من الأفعال ، كالعلم والقدرة والارادة وغيرها ، إنّما تدلّ على صانع موصوف بها ، فأمّا التعدّد فلا ، فاذن القول بانّ له شريكا قول باطل . وأما الصفات فظاهرة ، واشار بقوله عظم : الى قوله : او بصر ، الى نزاهة صفات الربوبيّة عن احاطة العقول والابصار بها . والشفّقة : الخوف ، وباقى الفصل واضح . وباللَّه التوفيق .
يا بنىّ ، إنّى قد أنبأتك عن الدّنيا وحالها ، وزوالها وانتقالها ، وأنبأتك عن الآخرة وما أعدّ لأهلها فيها ، وضربت لك فيهما الأمثال لتعتبر بها ، وتحذو عليها إنّما مثل من خبر الدّنيا ، كمثل قوم سفر نبابهم منزل جديب فأمّوا منزلا خصيبا ، وجنابا مريعا ، فاحتملوا وعثاء الطَّريق ، وفراق الصّديق ، وخشونة السّفر ، وجشوبة المطعم ، ليأتوا سعة دارهم ومنزل قرارهم ، فليس يجدون لشيء من ذلك ألما ، ولا يرون نفقة مغرما ، ولا شيء أحبّ إليهم ممّا قرّبهم من منزلهم ، وأدناهم من محلَّهم . ومثل من اغترّ بها كمثل قوم كانوا بمنزل خصيب فنبا بهم إلى منزل جديب ، فليس شيء أكره إليهم ولا أفظع عندهم من مفارقة ما كانوا فيه إلى ما يهجمون عليه ويصيرون إليه يا بنىّ ، اجعل نفسك ميزانا فيما بينك وبين غيرك ، فأحبب لغيرك ما تحبّ لنفسك ، واكره له ما تكره لها ، ولا تظلم كما لا تحبّ أن تظلم ، وأحسن كما تحبّ أن


[1]نسخة ش : رسول معجزة .


صفحه 510


يحسن إليك ، واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك ، وارض من النّاس بما ترضاه لهم من نفسك ، ولا تقل ما لا تعلم ، وإن قلّ ما تعلم ولا تقل ما لا تحبّ أن يقال لك . واعلم أنّ الاعجاب ضدّ الصّواب ، وآفة الألباب ، فاسع فى كدحك ، ولا تكن خازنا لغيرك ، وإذا أنت هديت لقصدك فكن أخشع ما تكون لربّك . واعلم أنّ أمامك طريقا ذا مسافة بعيدة ، ومشقّة شديدة . وأنّه لا غنى لك فيه عن حسن الارتياد ، وقدّر بلاغك من الزّاد مع خفّة الظَّهر فلا تحملنّ على ظهرك فوق طاقتك فيكون ثقل ذلك وبالا عليك . وإذا وجدت من أهل الفاقة من يحمل لك زادك إلى يوم القيامة فيوافيك به غدا حيث تحتاج إليه فاغتنمه وحمّله إيّاه ، وأكثر من تزويده وأنت قادر عليه ، فلعلَّك تطلبه فلا تجده ، واغتنم من استقرضك فى حال غناك ليجعل قضاءه لك فى يوم عسرتك . واعلم أنّ أمامك عقبة كئودا ، المخفّ فيها أحسن حالا من المثقل والبطىء عليها أقبح حالا من المسرع ، وأنّ مهبطك بها لا محالة على جنّة أو على نار ، فارتد لنفسك قبل نزولك ، ووطَّىء المنزل قبل حلولك ، فليس بعد الموت مستعتب ، ولا إلى الدّنيا منصرف . واعلم أنّ الَّذى بيده خزائن السّموات والأرض قد أذن لك فى الدّعاء ، وتكفّل لك بالاجابة ، وأمرك أن تسأله ليعطيك ، وتسترحمه ليرحمك ، ولم يجعل بينك وبينه من يحجبه عنك ، ولم يلجئك إلى من يشفع لك إليه . ولم يمنعك إن أسأت من التّوبة ، ولم يعيّرك بالانابة ، ولم يعاجلك بالنّقمة ، ولم يفضحك حيث الفضيحة بك أولى ، ولم يشدّد عليك فى قبول الانابة ، ولم يناقشك بالجريمة ، ولم يؤيسك من الرّحمة ، بل جعل نزوعك عن الذّنب حسنة ، وحسب سيّئتك واحدة وحسب حسنتك عشرا ، وفتح لك باب المتاب ، وباب الاستعتاب ، فاذا ناديته سمع نداءك ، وإذا ناجيته علم نجواك ، فأفضيت إليه بحاجتك ، وأبثثته ذات نفسك ، وشكوت إليه همومك ، واستكشفته كروبك ، واستعنته على أمورك ، وسألته من خزائن رحمته مالا يقدر على إعطائه غيره : من زيادة الأعمار ، وصحّة الأبدان ، وسعة الأرزاق . ثمّ جعل فى يديك مفاتيح خزائنه بما أذن لك فيه من مسألته ، فمتى شئت استفتحت بالدّعاء أبواب نعمته ، واستمطرت شآبيب


صفحه 511


رحمته ، فلا يقنطنّك إبطاء إجابته ، فإنّ العطيّة على قدر النّيّة ، وربّما أخّرت عنك الاجابة ليكون ذلك أعظم لأجر السّائل ، وأجزل لعطاء الآمل ، وربّما سألت الشّىء فلا تؤتاه ، وأوتيت خيرا منه عاجلا أو آجلا ، أو صرف عنك لما هو خير لك ، فلربّ أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته . فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله ، وينفى عنك وباله ، والمال لا يبقى لك ، ولا تبقى له .
اقول : تحذو : تقتدى ، وجذبه عن الدنيا الى الآخرة بتمثيلين : فالأول ذكر حال من خبّر الدنيا وزوالها ، وخبّر الآخرة وبقاؤها ، ومثلهم بحال قوم سفر اى : مسافرين ، فارقوا منزلا جديبا الى منزل خصيب ، ووجه التمثيل ان النفوس البشريّة لما كانت الحكمة فى هبوطها الى هذا العالم ، ومقارنتها لهذه الهياكل المظلمة فى دار الغربة ومحل الوحشة من عالمها ، هو ان تحصل بواسطتها الكمالات العقليّة ثم ترجع بعد الكمال طاهرة عن علايقها وهيئاتها الرذيلة كانت كلّ نفس لزمت الصراط المستقيم ، وحفظت العهد المأخوذ عليها فى المدة المضروبة لها ناظرة بعين الاعتبار انّ الدنيا كالمنزل المجدب لخلوّه عن المطاعم الحقيقية ، فهو لذلك غير صالح للاستيطان ، وانّ الآخرة كالمنزل المخصب : المربع للفناء ذى الكلاء والماء ، من وصل اليه مستقيما على طريق الحق فاز بالمقاصد السنيّة واللذات الباقيّة فكانت فى الدنيا فى طريق السفر ، وقطع منازل سبيل اللَّه والاستعداد للوصول الى بهجة حضرته الشريفة ، محتملة وعثاء السفر اى : مشقّته . وجشوبة المطعم اى : غلظه قصدا الى سعة الدار لا تجد لذلك الما ، ولا احب اليها منه لكونه وسيلة الى مطلوبها الأعظم .
وأما التمثيل الثاني ، فذكر حال اهل الدنيا الذين قادتهم نفوسهم الامّارة بالسوء اليها فغفلوا عما ورائها ونسوا عهد ربّهم ، ومثلهم بحال قوم كانوا فى منزل خصيب فنبا بهم الى منزل جديب ، والمنزل الخصيب هنا الدنيا لانها محلّ سعادة اهلها ولذّاتهم ، والمنزل الجديب هو الآخرة اذ لم يكونوا قد استعدّوا لدرك السعادة فيها ، ووجه التمثيل هو فى ذلك من الشّر العظيم ، والحكم اللازم له هو ما ذكره من انّه ليس شيء اكره اليهم ، الى قوله اليه : ومضادة الاعجاب للصواب مضادة الرذيلة للفضيلة . وكونه آفة الألباب


صفحه 512


باعتبار انّه من الأمراض النفسانية المهلكة فى الآخرة كما سبق بيانه . والكدح : الكسب ، والسعى فيه اى : فيما ينبغي منه وهو كسب الفضائل . وخزنة لغيره : كناية عن رذيلة البخل : واستعار لفظ الطريق : لما يستقبله الانسان من احوال الدنيا ويعبر عنها الى الآخرة ، واحوالها مسافر الى اللَّه . واشار بطولها وشدّتها الى عسر النجاة والسلامة من خطرها ، اذ كان ذلك انّما يكون بلزوم القصد فيها والثبات على صراط اللَّه المستقيم ، فبالحرىّ ان يكون ذا مسافة بعيدة ومشقّة شديدة ، وانّه لاغناء فيه عن حسن الارتياد ، اى طلب ما يقوم مقام الكلأ والماء من الكمالات العقلية الموصلة الى الغاية الحقيقية .
والزاد : هو التقوى . وخفة الظهر اى : من الرذائل والآثام . والوبال : الهلاك . واشار بتجميل الفقراء الزاد الى ما يحصل له من ثواب الصدقة عليهم ، والمواساة لهم وكذلك ثواب القرض . واستعار لفظ العقبة الكؤود اى : شاقة المصعد للطريق الى الآخرة ، باعتبار ما فيها من الصعود والارتقاء فى درجات الكمال بالفضائل ، عن مهابط الرذائل ، ووصفها بالمشّقة باعتبار ما فيها من العسر وكثرة الموانع . والمخف اى : من ثقل الآثام . والمبطى اى : عن اقتناص الفضائل . وارتده اى : الطلب . واذنه تعالى فى الدعاء وتكفّله بالاجابة فى قوله تعالى : * ( ( وقالَ رَبُّكُمُ ) ) *[1].
والانابة : الرجوع . ونزع عن الذنب : خرج منه . وافضت : وصلت . والبثّ : النشر والكشف . وذات نفسك : حاجتك . والشآبيب جمع شؤبوب وهى : الدفعة من المطر . ويقنطك : يؤيسك . والفصل من الطف التأديب والاستدراج الى طاعة اللَّه ومحبّته وهو واضح ، وباللَّه التوفيق .
واعلم أنّك إنّما خلقت للآخرة لا للدّنيا ، وللفناء لا للبقاء ، وللموت لا للحياة وأنّك فى منزل قلعة ، ودار بلغة ، وطريق إلى الآخرة ، وأنّك طريد الموت الَّذى لا ينجوا منه هاربه ، ولا يفوته طالبه ، ولا بدّ أنّه مدركه فكن منه على حذر أن يدركك وأنت على حال سيّئة قد كنت تحدّث نفسك منها بالتّوبة فيحول بينك وبين ذلك ، فإذا أنت قد أهلكت نفسك .


[1]سورة غافر - 60 .


صفحه 513


يا بنىّ ، أكثر من ذكر الموت ، وذكر ما تهجم عليه ، وتفضى بعد الموت إليه ، حتّى يأتيك وقد أخذت منه حذرك ، وشددت له أزرك ، ولا يأتيك بغتة فيبهرك وإيّاك أن تغترّ بما ترى من إخلاد أهل الدّنيا إليها ، وتكالبهم عليها ، فقد نبّأ اللَّه عنها ، ونعت لك نفسها ، وتكشّفت لك عن مساويها ، فإنّما أهلها كلاب عاوية ، وسباع ضارية ، يهرّ بعضها بعضا ، ويأكل عزيزها ذليلها ، ويقهر كبيرها صغيرها ، نعم معقّلة ، وأخرى مهملة قد أضلَّت عقولها ، وركبت مجهولها ، سروح عاهة ، بواد وعث ليس لها راع يقيمها ، ولا مسيم يسيمها سلكت بهم الدّنيا طريق العمى ، وأخذت بأبصارهم عن منار الهدى ، فتاهوا فى حيرتها ، وغرقوا فى نعمتها ، واتّخذوها ربّا فلعبت بهم ولعبوا بها ونسوا ما وراءها رويدا يسفر الظَّلام كأن قد وردت الأظعان يوشك من أسرع أن يلحق . واعلم يا بنىّ أنّ من كانت مطيّته اللَّيل والنّهار فانّه يسار به وإن كان واقفا ، ويقطع المسافة وإن كان مقيما وادعا . واعلم يقينا أنّك لن تبلغ أملك ، ولن تعدو أجلك ، وأنّك فى سبيل من كان قبلك ، فخفّض فى الطَّلب ، وأجمل فى المكتسب ، فانّه ربّ طلب قد جرّ إلى حرب ، فليس كلّ طالب بمرزوق ، ولا كلّ مجمل بمحروم ، وأكرم نفسك عن كلّ دنيّة وإن ساقتك إلى الرّغائب ، فانّك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا ، ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك اللَّه حرّا ، وما خير خير لا ينال إلَّا بشرّ ، ويسر لا ينال إلَّا بعسر وإيّاك ان توجف بك مطايا الطَّمع ، فتوردك مناهل الهلكة ، وإن استطعت أن لا يكون بينك وبين اللَّه ذو نعمة فافعل ، فإنّك مدرك قسمك ، وآخذ سهمك وإنّ اليسير من اللَّه - سبحانه - أعظم وأكرم من الكثير من خلقه وإن كان كلّ منه . وتلافيك ما فرط من صمتك أيسر من إدراكك ما فات من منطقك ، وحفظ ما فى الوعاء بشدّ الوكاء ، وحفظ ما فى يديك أحبّ إلىّ من طلب ما فى يد غيرك . ومرارة اليأس خير من الطَّلب إلى النّاس ، والحرفة مع العفّة خير من الغنى مع الفجور ، والمرء أحفظ لسرّه . وربّ ساع فيما يضرّه من أكثر أهجر ، ومن تفكَّر أبصر قارن أهل الخير تكن منهم ، وباين أهل الشّرّ تبن عنهم بئس الطَّعام الحرام ، وظلم الضّعيف أفحش الظلم . إذا كان الرّفق خرقا كان الخرق رفقا . ربّما كان الدّواء داء والدّاء دواء ، وربّما نصح غير


صفحه 514


النّاصح وغشّ المستنصح . وإيّاك واتّكالك على المنى فإنّها بضائع النّوكى ، والعقل حفظ التّجارب . وخير ما جرّبت ما وعظك بادر الفرصة قبل أن تكون غصّة . ليس كلّ طالب يصيب ، ولا كلّ غائب يئوب ، ومن الفساد إضاعة الزّاد ، ومفسدة المعاد ، ولكلّ أمر عاقبة ، سوف يأتيك ما قدّر لك ، التّاجر مخاطر وربّ يسير أنمى من كثير ، ولا خير فى معين مهين ، ولا فى صديق ظنين ، ساهل الدّهر ما ذلّ لك قعوده ، ولا تخاطر بشىء رجاء أكثر منه ، وإيّاك أن تجمح بك مطيّة اللَّجاج احمل نفسك من أخيك - عند صرمه - على الصّلة ، وعند صدوده على اللَّطف والمقاربة ، وعند جموده على البذل ، وعند تباعده على الدّنوّ ، وعند شدّته على اللَّين وعند جرمه على العذر ، حتّى كأنّك له عبد ، وكأنّه ذو نعمة عليك ، وإيّاك أن تضع ذلك فى غير موضعه ، أو أن تفعله بغير أهله ، لا تتّخذنّ عدوّ صديقك صديقا فتعادى صديقك ، وامحض أخاك النّصيحة حسنة كانت أو قبيحة ، وتجرّع الغيظ فانّى لم أرجرعة أحلى منها عاقبة ولا ألذّ مغبّة ، ولن لمن غالظك ، فإنّه يوشك أن يلين لك ، وجد على عدوّك بالفضل فانّه أحلى الظَّفرين وإن أردت قطيعة أخيك فاستبق له من نفسك بقيّة يرجع إليها إن بدا له ذلك يوما ما ، ومن ظنّ بك خيرا فصدّق ظنّه ، ولا تضيعنّ حقّ أخيك اتّكالا على ما بينك وبينه ، فإنّه ليس لك بأخ من أضعت حقّه ، ولا يكن أهلك أشقى الخلق بك ، ولا ترغبنّ فيمن زهد عنك ، ولا يكوننّ أخوك على مقاطعتك أقوى منك على صلته ، ولا يكوننّ على الاساءة أقوى منك على الإحسان ، ولا يكبرنّ عليك ظلم من ظلمك ، فانّه يسعى فى مضرّته ونفعك ، وليس جزاء من سرّك أن تسوءه . واعلم ، يا بنىّ ، أنّ الرّزق رزقان : رزق تطلبه ، ورزق يطلبك ، فإن أنت لم تأته أتاك . ما أقبح الخضوع عند الحاجة والجفاء عند الغنى . إنّ لك من دنياك ما أصلحت به مثواك ، وإن جزعت على ما تفلَّت من يديك ، فاجزع على كلّ ما لم يصل إليك . استدلّ على ما لم يكن بما قد كان فإنّ الأمور أشباه ، ولا تكوننّ ممّن لا تنفعه العظة إلَّا إذا بالغت فى إيلامه ، فإنّ العاقل يتّعظ بالآداب ، والبهائم لا تتّعظ إلَّا بالضّرب . اطرح عنك واردات الهموم بعزائم الصّبر وحسن اليقين ، من ترك القصد جار ، والصّاحب مناسب ،