بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 514


النّاصح وغشّ المستنصح . وإيّاك واتّكالك على المنى فإنّها بضائع النّوكى ، والعقل حفظ التّجارب . وخير ما جرّبت ما وعظك بادر الفرصة قبل أن تكون غصّة . ليس كلّ طالب يصيب ، ولا كلّ غائب يئوب ، ومن الفساد إضاعة الزّاد ، ومفسدة المعاد ، ولكلّ أمر عاقبة ، سوف يأتيك ما قدّر لك ، التّاجر مخاطر وربّ يسير أنمى من كثير ، ولا خير فى معين مهين ، ولا فى صديق ظنين ، ساهل الدّهر ما ذلّ لك قعوده ، ولا تخاطر بشىء رجاء أكثر منه ، وإيّاك أن تجمح بك مطيّة اللَّجاج احمل نفسك من أخيك - عند صرمه - على الصّلة ، وعند صدوده على اللَّطف والمقاربة ، وعند جموده على البذل ، وعند تباعده على الدّنوّ ، وعند شدّته على اللَّين وعند جرمه على العذر ، حتّى كأنّك له عبد ، وكأنّه ذو نعمة عليك ، وإيّاك أن تضع ذلك فى غير موضعه ، أو أن تفعله بغير أهله ، لا تتّخذنّ عدوّ صديقك صديقا فتعادى صديقك ، وامحض أخاك النّصيحة حسنة كانت أو قبيحة ، وتجرّع الغيظ فانّى لم أرجرعة أحلى منها عاقبة ولا ألذّ مغبّة ، ولن لمن غالظك ، فإنّه يوشك أن يلين لك ، وجد على عدوّك بالفضل فانّه أحلى الظَّفرين وإن أردت قطيعة أخيك فاستبق له من نفسك بقيّة يرجع إليها إن بدا له ذلك يوما ما ، ومن ظنّ بك خيرا فصدّق ظنّه ، ولا تضيعنّ حقّ أخيك اتّكالا على ما بينك وبينه ، فإنّه ليس لك بأخ من أضعت حقّه ، ولا يكن أهلك أشقى الخلق بك ، ولا ترغبنّ فيمن زهد عنك ، ولا يكوننّ أخوك على مقاطعتك أقوى منك على صلته ، ولا يكوننّ على الاساءة أقوى منك على الإحسان ، ولا يكبرنّ عليك ظلم من ظلمك ، فانّه يسعى فى مضرّته ونفعك ، وليس جزاء من سرّك أن تسوءه . واعلم ، يا بنىّ ، أنّ الرّزق رزقان : رزق تطلبه ، ورزق يطلبك ، فإن أنت لم تأته أتاك . ما أقبح الخضوع عند الحاجة والجفاء عند الغنى . إنّ لك من دنياك ما أصلحت به مثواك ، وإن جزعت على ما تفلَّت من يديك ، فاجزع على كلّ ما لم يصل إليك . استدلّ على ما لم يكن بما قد كان فإنّ الأمور أشباه ، ولا تكوننّ ممّن لا تنفعه العظة إلَّا إذا بالغت فى إيلامه ، فإنّ العاقل يتّعظ بالآداب ، والبهائم لا تتّعظ إلَّا بالضّرب . اطرح عنك واردات الهموم بعزائم الصّبر وحسن اليقين ، من ترك القصد جار ، والصّاحب مناسب ،


صفحه 515


والصّديق من صدق غيبه ، والهوى شريك العناء ، ربّ قريب أبعد من بعيد ، وربّ بعيد أقرب من قريب ، والغريب من لم يكن له حبيب . من تعدّى الحقّ ضاق مذهبه ، ومن اقتصر على قدره كان أبقى له . وأوثق سبب أخذت به سبب بينك وبين اللَّه ، ومن لم يبالك فهو عدوّك ، قد يكون اليأس إدراكا إذا كان الطَّمع هلاكا . ليس كلّ عورة تظهر ، ولا كلّ فرصة تصاب ، وربّما أخطأ البصير قصده ، وأصاب الأعمى رشده . أخّر الشّرّ فإنّك إذا شئت تعجّلته ، وقطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل . من أمن الزّمان خانه ، ومن أعظمه أهانه ليس كلّ من رمى أصاب ، إذا تغيّر السّلطان تغيّر الزّمان ، سل عن الرّفيق قبل الطَّريق ، وعن الجار قبل الدّار . إيّاك أن تذكر من الكلام ما كان مضحكا ، وإن حكيت ذلك عن غيرك ، وإيّاك ومشاورة النّساء ، فانّ رأيهنّ إلى أفن وعزمهنّ إلى وهن ، واكفف عليهنّ من أبصارهنّ بحجابك إيّاهنّ ، فانّ شدّة الحجاب أبقى عليهنّ ، وليس خروجهنّ بأشدّ من إدخالك من لا يوثق به عليهنّ ، وإن استطعت أن لا يعرفن غيرك فافعل ، ولا تملَّك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها ، فانّ المرأة ريحانة وليست بقهرمانة ، ولا تعد بكرامتها نفسها ، ولا تطمعها فى أن تشفع لغيرها ، وإيّاك والتّغاير فى غير موضع غيرة ، فانّ ذلك يدعو الصّحيحة إلى السّقم ، والبريئة إلى الرّيب ، واجعل لكلّ إنسان من خدمك عملا تأخذه به ، فانّه أحرى أن لا يتواكلوا فى خدمتك ، وأكرم عشيرتك فانّهم جناحك الَّذى به تطير ، وأصلك الَّذى إليه تصير ، ويدك الَّتى بها تصول . استودع اللَّه دينك ودنياك ، وأسأله خير القضاء لك فى العاجلة والآجلة ، والدّنيا والآخرة ، إن شاء اللَّه .
اقول : اشار بالأمور التي خلق لها الى غاياته .
ومنزل قلعة : لا يصلح للاستيطان ، والدنيا دار بلغة : باعتبار انّ الواجب فى استعمالها قدر الضرورة التي يتبلَّغ بها الى الآخرة ، دون الاستكثار منها اذ كانت طريقا اليها . واستعار لفظ الطريد : باعتبار طلب الموت له كالطريدة من الصيد . والازر : القوة . وبهره : غلبه وأتعبه . والاخلاد الى الشيء : السكون اليه . والتكالب : التواثب . والمساوئ : العيوب . والضراوة : تعوّد الصيد والجرأة عليه . واشار بقوله : فإنما اهلها الى قوله : صغيرها الى اهل الدنيا : باعتبار قواهم الغضبيّة و


صفحه 516


اتباعها . وبقوله : نعم معقلة ، الى قوله : ورآها الى اهلها : باعتبار اتبّاعهم لقواهم الشهويّة ، ثم قسم هؤلاء قسمين فاستعار لفظ المعقلة : للذين تمسّكوا منهم بظواهر الشريعة وتقيّدوا بها عن الاسترسال الظاهر فى الشهوات المحرمة فى الدين ، وان لم يعقلوا اسرار الشريعة فهم : كالنعم التي عقلها راعيها ، واشعار لفظ المهملة : للَّذين استرسلوا فى اتبّاع شهواتهم مطلقا وخرجوا عن طاعة امامهم . وقوله : عقولها قيل : اراد عقلها فاشبع الضمّة فقلبها واوا للمناسبة بين القرينتين . والمجهول والمجهل : المفازة التي لا اعلام بها . وواد وعث : لا يثبت به خفّ ولا حافر لكثرة سهولته . والمسيم : الراعى . واراد بالعمى : الجهل . ورويدا اى : أمهل . واستعار لفظ الظلام : لحجب الابدان وظلمات هيأتها الحاجبة لأبصار البصائر عن ادراك امور الآخرة ، وهو وعيد بالموت وما بعده . وكنّى بالاظعان عن المسافرين الى اللَّه ، وكأن المخفّفة من الثّقيلة وتفيد تقريب المستقبل من الامور يوشك من اسرع ان يلحق : ترغيب فى اسراع السير فى مراتب القربة الى اللَّه تعالى ، بذكر الغاية وهى اللحوق بمراتب السابقين ويحتمل ان يكون من تمام الوعيد بالموت وقربه ، اذ الناس فى حد الاسراع اليه على مطيّتى الليل ، والنهار ، ومن كان كذلك قربت لحوقه بمن سبقه . والوادع ، ذو الدّعة ولا يبلغ أمله لانّ الآمال لا تزال تتجدّد . ولا تعد اى : لا تتجاوز . وخفّض : سهل على نفسك . والاجمال فى الاكتساب : ان يكون على وجه جميل ، وهو الوجه الذي ينبغي . والحرب : سلب المال . ونهيه عن التعبّد للغير : يستلزم النهى عن سببه وهو الطَّمع . وقوله : فانك ، الى قوله عرضا : صغرى ضمير ، بيّن فيه علَّة الامر باكرام نفسه وتقدير كبراه ، وكلّ من كان كذلك فواجب عليه ان لا يبذل نفسه فى الدّنايا ويكرمها عنها . والوجيف : ضرب من السير فيه سرعة . واستعار لفظ المطايا للاطماع ووصف الوجيف لها : باعتبار هجومها بالانسان على الهلاك الاخروى . واستعار لها لفظ المناهل وهى : الشرائع وموارد الشرب . وقسمة المدرك له هو : ما قسمه اللَّه له من رزق وغيره ، فى كتابه المبين ، ولوحه المحفوظ . وقوله : وتلافيك اى : تداركك الى قوله الوكاء : ارشاد الى حفظ اللسان وضبطه عمّا لا ينبغي من القول . وقوله : وحفظ ما فى يدك الى قوله : غيرك : ارشاد الى الاقتصاد فى المال ، وترك الاسراف ، لما يستلزمه من الحاجة


صفحه 517


الى الغير . والحرفة : ضيق الرزق . واهجر قال الهجر ، وهو : الفحش فى المنطق . وقوله : المرء احفظ لسرّه : اخبار فى معنى الأمر . وفى قوله احفظ : تنبيه على الفرق بين حفظ الانسان لسر نفسه وبين ايداعه الغير ، وكذلك من تفكَّر ابصر . وقوله : اذ كان الرفق الى قوله : رفقا ، اى : اذا كان استعمال الرفق وهو اللين فى بعض المواضع ، كالخرق وهو العنف فى كونه مفسدا ومفوتا للغرض كون استعمال الخرق فى ذلك الموضع كاستعمال الرفق فى استلزامه المصلحة غالبا ، فكان اولى من الرفق فى ذلك الموضع ونحوه قول ابى الطيب[1]:
< شعر > ووضع الندى فى موضع السيف بالعلى مضرّ كوضع السيف فى موضع الندى < / شعر > وهو : اخبار فى معنى النهى عن وضع كلّ منهما فى موضع الآخر ، وربّما يفهم منه معنى آخر ، وهو : انّه اذ استعمل الرفق فى موضع الخرق لزم ذلك ان يستعمل الخرق فى غير موضعه وهو موضع الرفق ، وذلك مما لا ينبغي . وقوله : ربّما كان الى قوله دواء : تنبيه على ان فعل بعض الامور قد يعتقد مصلحة وهو مفسدة ، وفعل بعض بالعكس ، ونحوه قول المتنبىّ :
< شعر > وربّما صحتّ الأجساد بالعلل < / شعر > والنوكى : الحمقى وقوله : والعقل حفظ التجارب : رسم للعقل العملىّ ، ببعض كمالاته وصفاته . وانّما خصّ العلوم التجربية : لانها أصل عظيم فيما ينبغي ان يفعل ، والعقل قد يراد به قوّة النفس ، وقد يراد به المصدر ، وهو فعل تلك القوة وهو محتمل الارادة هاهنا . والفرصة : وقت امكان العمل للآخرة . والغصة : هو ما يلحق من ألم الندم بعد فوت الفرصة . والمهين : الضعيف . والظنين : المتّهم . وقوله : ساهل الدهر ، الى قوله : قعوده : كمساهلته الجريان معه بقدر مقتضاه من دون تشدّد وتسخط عليه ، ولفظ القعود : مستعار للوقت الذى تتيسر فيه الأمور ، وكذلك وصف الذلَّة باعتبار سهولة المطالب فيه ، وخصّ العقود : باعتبار انّه فى مظنّة النفار براكبه ، والزمان فى مظنّة التغير . وقوله : احمل ، الى قوله غير أهله : امره ان يلزم نفسه ويحملها فى حقّ صديقه الاهل للصنيعة ، على ان يقابل رذائله المعدودة بما يضادها من الفضائل . والصرم : القطيعة .


[1]ابو الطيب احمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد المتنبى الجعدى الكندى 303 - 354 .


صفحه 518


والجمود : ضدّ البذل . وامحض اى : اخلص . وحسنة او قبيحة اى : فى نظر المنصوح . والمغبة : العاقبة . والمغالظة : المخاشئة . وما بينك وبينه ، اى : من المودة . وقوله : فانه ليس لك الى قوله : حقه ، صغرى ضمير نفرّ به عن اضاعة حق الأخ ، اي : انّك اذا اضعت حقّه لا بدّ ان يفارقك ، ونفعه على تقدير كونه مطلوبا حصوله على ثواب الصّابرين فى الآخرة . والرزق المطلوب : ما كان مبدؤه الحرص فى الدنيا ، والرزق الطالب للانسان هو المقدّر له ، وفيه تنبيه على الاجمال فى طلب الرزق . والجفاوة : قسوة القلب . ومثواه : موضع اقامته من الآخرة .
وعزائم الصبر : ما جزمت منه . وحسن اليقين اى : باللَّه تعالى ، وهو ان يعلم يقينا انّ كل صادر فى الوجود فعلى وفق الحكمة الالهية ، ولازم لها . وجار : دخل فى رذيلة الجور وهو الانحراف عن فضيلة العدل ، وروى بالحاء . ولفظ المناسب : مستعار للصاحب باعتبار منفعته وقربه كالنسيب والصديق اى : الخالص فى صداقته . وشريك العمى اى : فى كونهما لا يهتدى معهما الى ما ينبغي من المصلحة . وضيق المذهب : المتعدّى باعتبار انّ الغالب على الخلق اتباع اكثر الحق ، والمتعدّى عنه : مأخوذ بالأقوال الذامة والافعال الرادعة مضيق عليه بها مذهبه ، وحيث سلك من الباطل . ومن لا يبالك اى : لا يهتمّ بأمرك عند حاجتك اليه ، واستعار له لفظ العدوّ : باعتبار عدم المبالاة كالعدوّ . وقوله : وقد يكون ، الى قوله : هلاكا أي : اذا كان الطمع فى امر يؤدّى الى الهلاك كان اليأس منه ادراكا للنجاة . وقوله : ليس كل عورة ، الى قوله : رشده : تنبيه على انّ من الامور الممكنة ، والغرض ما يفعل الطالب البصير بالامور عن وجه طلبه ، فلا يصيبه ويهتدى له الأعمى الجاهل بما ينبغي . والعورة : كالفرصة واعور : الفارس اذا بدامنه موضع للضرب . وقوله : ومن اعظمه اهانة : فاعظامه من حيث انّه مشتمل على خيرات الدنيا ولذاتها بالصّحة والشباب والأمن ونحو ذلك ، وبذلك الاعتبار ، يكرم ويستعظم ، وامّا لزوم اهانة من يستعظمه ، فلاستلزام اعظامه الركون اليه ، والاشتغال بما فيه من اللَّذات . ثم انّ الزمان بعد ذلك يكر ( يدور ) عليه بمقتضى طباعه فيزيل ما كان فيه من لذّة وخير ، ويبدّله بالعزة هوانا وباللَّذة الما . وقوله : اذا تغيّر السلطان اى : فى نيّته وفعله تغير الزمان ، وذلك ان الزمان انما يحمد او يذمّ بحسب ما يقع فيه من خير وشرّ .


صفحه 519


وظاهر ان تغيّر السلطان من احدهما الى الآخر يستلزم وقوع ما تغير اليه فى وقت وقوعه ، وبحسب ذلك يكون تغيّر الزمان ونسبته الى الخير او الشر الواقع بعد ان لم يكن ، والسابق الى الفهم من التغير هو التغير من الخير الى الشرّ . والافن بالسكون : النقص والضّعف ، وما جاوز نفسها : هو ما عدا ما يحلّ لها تملكه فى عرف الشريعة ، واستعار لها لفظ الريحانة : باعتبار انّ الغرض بها اللذّة والاستمتاع ، وكرامة نفسها بما يجب من كسوة ونحوها . والصحيحة : البريئة من الفساد . وغيرة الرجل على البريئة واشعارها بتهمتها بالفساد ربّما يؤدى الى فسادها ، لأنها ربما تستقبح ذلك فى اول الأمر ويعظم عليها ذكره فاذا تكررت المواجهة به هان عليها ، وصار فى قوة اغرائها به . والريب : الشك . واحرى : اولى ويتواكلوا اى : تكل كل منهم الأمر الى صاحبه . واليه تصير اى : ترجع . واكثر المقاصد فى هذه الوصية واضحة غنيّة عن الشرح والاستقصاء فيها مذكور فى الاصل ، وباللَّه التوفيق .
32 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى معاوية وأرديت جيلا من النّاس كثيرا : خدعتهم بغيّك ، وألقيتهم فى موج بحرك ، تغشاهم الظَّلمات ، وتتلاطم بهم الشّبهات ، فجازوا عن وجهتهم ، ونكصوا على أعقابهم ، وتولَّوا على أدبارهم ، وعوّلوا على أحسابهم ، إلَّا من فاء من أهل البصائر ، فانّهم فارقوك بعد معرفتك ، وهربوا إلى اللَّه من موازرتك ، إذ حملتهم على الصّعب ، وعدلت بهم عن القصد ، فاتّق اللَّه يا معاوية فى نفسك ، وجاذب الشّيطان قيادك ، فانّ الدّنيا منقطعة عنك ، والآخرة قريبة منك ، والسّلام .
اقول : أرديت : أهلكت . والجيل : الصنف . والغىّ : الضلال . واستعار لفظ الموج : للشبهات التي ألقاها معاوية الى الناس كشبهة قتل عثمان وشبهة التحكيم . ولفظ الظلمات لتلك الشبهة : باعتبار عدم اهتداء الخلق فيها الى تخليص الحق . وحاروا :


صفحه 520


عدلوا . ونكصوا : رجعوا . وعوّلوا : اعتمدوا أحسابهم ما يفخرون به من مال واصل . وفاء : رجع ، ومعرفتك اى معرفتهم : بك . والموازرة : المعاونة . واستعار لفظ الصعب من الإبل ونحوه : لما حملهم عليه من مخالفة الحق ، والبغى على الامام العادل .
33 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى قثم بن العباس[1]، وهو عامله على مكة أمّا بعد ، فإنّ عينى بالمغرب ، كتب إلىّ يعلمني أنّه وجّه إلى الموسم أناس من أهل الشّام ، العمى القلوب ، الصّمّ الأسماع ، الكمه الأبصار ، الَّذين يلتمسون الحقّ بالباطل ، ويطيعون المخلوق فى معصية الخالق ، ويحتلبون الدّنيا درّها بالدّين ، ويشترون عاجلها بآجل الأبرار المتّقين ، ولن يفوز بالخير إلَّا عامله ، ولا يجزى جزاء الشّرّ إلَّا فاعله ، فأقم على ما فى يديك قيام الحازم الصّليب ، والنّاصح اللَّبيب ، التّابع لسلطانه المطيع لامامه ، وإيّاك وما يعتذر منه ، ولا تكن عند النّعماء بطرا ، ولا عند البأساء فشلا .
اقول : العين : الجاسوس . واراد بالمغرب : الشام ، لأنها من الحدود المغربيّة . والموجّه للقوم : هو معاوية . والموسم : موسم الحج . وقوله العمى ، الى قوله : الأبصار ، اشارة : الى شدّة غفلتهم عن اللَّه تعالى ، وعن امور الآخرة . والحق : هو ما يطلبونه من دم عثمان ، والباطل : وجه طلبهم له . وشبهتهم فيه . ودرّها : بدل من الدنيا . والفشل : الضعف والجبن . ومقاصد الكتاب واستعاراته ظاهرة .


[1]قثم بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم اخو عبد الله بن العباس . . . أمه ام الفضل . وكان يشبه رسول الله ( ص ) . الاصابة 3 - 226 . الاستيعاب 3 - 275 - هامش الاصابة - وفيه مات بسمرقند .


صفحه 521


< فهرس الموضوعات > كتابه عليه السلام إلى محمد بن أبي بكر ، لما بلغه موجدته من عزله بالأشتر < / فهرس الموضوعات > 34 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى محمد بن أبى بكر ، لما بلغه توجده من عزله بالأشتر عن مصر ثم توفى الأشتر فى توجهه إلى مصر قبل وصوله إليها أمّا بعد ، فقد بلغنى موجدتك من تسريح الأشتر إلى عملك ، وإنّى لم أفعل ذلك استبطاء لك فى الجهد ، ولا ازديادا لك فى الجدّ ، ولو نزعت ما تحت يدك من سلطانك لولَّيتك ما هو أيسر عليك مئونة ، وأعجب إليك ولاية . إنّ الرّجل الَّذى كنت ولَّيته أمر مصر كان رجلا لنا ناصحا وعلى عدوّنا شديدا ناقما فرحمه اللَّه فلقد استكمل أيّامه ، ولاقى حمامه ، ونحن عنه راضون ، أولاه اللَّه رضوانه ، وضاعف الثّواب له ، فأصحر لعدوّك ، وامض على بصيرتك ، وشمّر لحرب من حاربك ، وادع إلى سبيل ربّك ، وأكثر الاستعانة باللَّه يكفك ما أهمّك ، ويعنك على ما نزل بك ، والسّلام .
اقول : الموجدة : ما يجده الانسان . والجهد : الاجتهاد . وأعجب : أحب . واصحر اى : اظهروا برز . وبصيرته : علمه وتيقنه انّه على الحق وانّ خصمه على الباطل . والتشمير كناية عن الاستعداد .
< فهرس الموضوعات > كتابه عليه السلام إلى عبد الله بن العباس بعد مقتل محمد بن أبي بكر < / فهرس الموضوعات > 35 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى عبد اللَّه بن العباس ، بعد مقتل محمد بن أبى بكر أمّا بعد ، فإنّ مصر قد افتتحت ومحمّد بن أبى بكر رحمه اللَّه قد استشهد ، فعند اللَّه نحتسبه ولدا ناصحا ، وعاملا كادحا ، وسيفا قاطعا ، وركنا دافعا ، وقد كنت حثثت النّاس على لحاقه ، وأمرتهم بغياثه قبل الوقعة ، ودعوتهم سرّا وجهرا ، وعودا وبدءا : فمنهم الآتى كارها ، ومنهم المعتلّ كاذبا ، ومنهم القاعد خاذلا . أسأل اللَّه أن يجعل لي منهم فرجا عاجلا ، فو اللَّه لو لا طمعى عند لقائى عدوّى فى الشّهادة ، وتوطينى نفسى على المنيّة ، لأحببت أن لا أبقى مع هؤلاء يوما واحدا ، ولا التقى بهم أبدا .