لفظان قصيران عند السمع سريعا الانقطاع ، كنى بهما عما كان سريعا من الفعل لمشابهته فى قصر الزمان لهما ، ونحوه قول ابن هانى المغربى[1].
< شعر > واسرع فى العين من لحظة واقصر فى السمع من لا ولا < / شعر > والموقف : هنا مصدر . والجريض : المغموم الذى يبتلع ريقه على غصة من الحزن .
والمخنّق بالتشديد : هو من العنق موضع الخنق بالكسر . والرمق : بقيّة النفس . واللأي : الشدّة وهو مصدر حذف عامله ، وما : مصدرية فى موضع الرفع فاعلا لفعل المصدر اى : فلأى لأيا نجاؤه اى : اشتد وعسر . وقوله بلأى تأكيدا اى : لأيا متصلا بلأى . والتركاض مبالغة فى الركض ، واستعاره : لجرى اذهانهم فى الضلال عن سبيل اللَّه . وكذلك لفظ التجوال والجماح . وابن امه يعنى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله ، لأنهما ابنا فاطمة بنت عمر بن عمران بن عائذ بن مخزوم[2]، ام عبد اللَّه ، وابى طالب . والمحلَّين : الذين احلَّوا ذمة اللَّه ونقضوا عهده . والوهن : الضعف .
37 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى معاوية فسبحان اللَّه ما أشدّ لزومك للأهواء المبتدعة ، والحيرة المتّبعة ، مع تضييع الحقائق ، واطَّراح الوثائق ، الَّتى هى للَّه طلبة ، وعلى عباده حجّة فأمّا إكثارك الحجاج فى عثمان وقتلته فانّك إنّما نصرت عثمان حيث كان النّصر لك ، وخذلته حيث كان النّصر له .
اقول : اراد بالحقائق : ما هو حق فى نفس الأمر ينبغي اتّباعه من العقائد ، كاعتقاد إمامته الحقّة واتبّاعه . وقوله : حيث كان النصر لك ، اى : الآن وانت منصور تنتصر له .
[1]ابو القاسم - ابو الحسن محمد بن هانئ الازدي الاندلسي المتوفى 362 . وجاء انه قتل على التشيع وولائه الخالص . وفيات الاعيان 4 - 421 . معجم الادباء 19 - 92
[2]جمهرة انساب العرب - 15 و 141 . الفصول الفخرية - 83 . وقد جاء الكتاب بصورة مفصلة فى الغارات 2 - 431 .
< فهرس الموضوعات > كتابه عليه السلام إلى أهل مصر لما ولى عليهم الأشتر < / فهرس الموضوعات > 38 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى أهل مصر ، لما ولَّى عليهم الأشتر رحمه اللَّه من عبد اللَّه علىّ أمير المؤمنين ، إلى القوم الَّذين غضبوا للَّه حين عصى فى أرضه ، وذهب بحقّه ، فضرب الجور سرادقه على البرّ والفاجر ، والمقيم والظَّاعن ، فلا معروف يستراح إليه ، ولا منكر يتناهى عنه . أمّا بعد ، فقد بعثت إليكم عبدا من عباد اللَّه لا ينام أيّام الخوف ، ولا ينكل عن الأعداء ساعات الرّوع ، أشدّ على الفجّار من حريق النّار ، وهو مالك بن الحارث أخو مذحج ، فاسمعوا له ، وأطيعوا أمره فيما طابق الحقّ ، فإنّه سيف من سيوف اللَّه لا كليل الظَّبة ، ولا نابى الضّريبة ، فإن أمركم أن تنفروا فانفروا ، وإن أمركم أن تقيموا فأقيموا ، فإنّه لا يقدم ولا يحجم ، ولا يؤخّر ولا يقدّم ، إلَّا عن أمرى . وقد آثرتكم به على نفسى لنصيحته لكم وشدّة شكيمته على عدوّكم .
اقول : السرادق : البيت من القطن وهو مستعار لما امتدّ من جور الظالمين وعمّ .
والروع : الفزع . وينكل بالضم : يرجع . ومذحج كمسجد : ابو قبيلة من اليمن ، وهو : مذحج بن جابر بن مالك بن ثقلان بن سبأ . والظبة بالتخفيف : حدّ السيف . ونبا السيف عن الضربة اذا لم يقطعها ، وهو : كناية عن صرامته وقوة بأسه . والاحجام : التأخر .
والشكيمة الحديدة المعترضة فى فم الفرس ، وكنى بشدّتها : عن شدّة وطأته على العدوّ .
< فهرس الموضوعات > كتابه عليه السلام إلى عمرو بن العاص < / فهرس الموضوعات > 39 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى عمرو بن العاص فإنّك قد جعلت دينك تبعا لدنيا امرىء ظاهر غيّه ، مهتوك ستره . يشين الكريم بمجلسه ، ويسفّه الحليم بخلطته ، فاتّبعت أثره وطلبت فضله اتّباع الكلب للضّرغام : يلوذ إلى مخالبه ، وينتظر ما يلقى إليه من فضل فريسته ، فأذهبت دنياك وآخرتك ولو بالحقّ
أخذت أدركت ما طلبت ، فإن يمكَّنّى اللَّه منك ومن ابن أبى سفيان أجزكما بما قدّمتما ، وإن تعجزانى وتبقيا فما أمامكما شرّ لكما ، والسّلام .
اقول : كون دينه تبعا لدنيا معاوية لتبعه إيّاه بطعمة مصر ، وما اعطاه من مال . وكون مجلسه يسفه الحليم : لان دأبه ، وبنى اميّه ، شتم بنى هاشم ، والتعرّض بذكر اكابر الصحابة وذلك مما يسفه[1]الحليم عن الثبات على سماعه . والضرغام : الاسد ، ووجه التشبيه ظاهر . والذى امامها : ما يلقيانه من عذاب الآخرة ، وهو شرّ لقوله تعالى : * ( ( وكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ و ) ) *[2].
< فهرس الموضوعات > ومن كتابه له عليه السلام إلى بعض عماله < / فهرس الموضوعات > ( 40 - ومن كتاب له - عليه السلام - الى بعض عمّاله ) أمّا بعد فقد بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت ربّك وعصيت إمامك وأخزيت أمانتك . بلغني أنّك جرّدت الأرض فأخذت ما تحت قدميك وأكلت ما تحت يديك ، فارفع إليّ حسابك ، واعلم أنّ حساب اللَّه أعظم من حساب الناس .
اقول : أخزيت أمانتك : أهنتها . وجرّدت الارض : قشرتها وهو كناية عن أحده جمع المال .
< فهرس الموضوعات > من كتابه له عليه السلام إلى بعض عماله < / فهرس الموضوعات > 41 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى بعض عماله أمّا بعد ، فإنّى كنت أشركتك فى أمانتى ، وجعلتك شعارى وبطانتى ، ولم يكن فى أهلى رجل أوثق منك فى نفسى لمواساتى وموازرتى ، وأداء الأمانة إلىّ ، فلمّا رأيت الزّمان على ابن عمّك قد كلب ، والعدوّ قد حرب ، وأمانة النّاس قد خزيت ، وهذه الأمّة قد فنكت وشغرت ، قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ ، ففارقته مع المفارقين ، وخذلته مع الخاذلين ،
[1]في ش : يستفزّ .
[2]سورة طه - 127 .
وخنته مع الخائنين فلا ابن عمّك آسيت ، ولا الأمانة أدّيت ، وكأنّك لم تكن اللَّه تريد بجهادك وكأنّك لم تكن على بيّنة من ربّك ، وكأنّك انّما كنت تكيد هذه الأمّة عن دنياهم ، وتنوى غرّتهم عن فيئهم ، فلمّا أمكنتك الشّدّة فى خيانة الأمّة أسرعت الكرّة ، وعاجلت الوثبة ، واختطفت ما قدرت عليه من أموالهم المصونة لأراملهم وأيتامهم اختطاف الذّئب الأزلّ دامية المعزى الكسيرة ، فحملته إلى الحجاز رحيب الصّدر بحمله غير متأثّم من أخذه كأنّك - لا أبا لغيرك - حدرت إلى أهلك تراثك من أبيك وأمّك فسبحان اللَّه أما تؤمن بالمعاد أو ما تخاف من نقاش الحساب أيّها المعدود - كان - عندنا من ذوى الألباب كيف تسيغ شرابا وطعاما وأنت تعلم أنّك تأكل حراما وتشرب حراما وتبتاع الإماء وتنكح النّساء من مال اليتامى والمساكين والمؤمنين والمجاهدين الَّذين أفاء اللَّه عليهم هذه الاموال وأحرز بهم هذه البلاد فاتّق اللَّه واردد إلى هؤلاء القوم أموالهم ، فانّك إن لم تفعل ثمّ أمكننى اللَّه منك لأعذرنّ إلى اللَّه فيك ، ولأضربنّك بسيفى الَّذى ما ضربت به أحدا إلَّا دخل النّار واللَّه لو أنّ الحسن والحسين فعلا مثل الَّذى فعلت ما كانت لهما عندى هوادة ، ولا ظفرا منّى بارادة ، حتّى آخذ الحقّ منهما ، وأزيح الباطل عن مظلمتهما ، وأقسم باللَّه ربّ العالمين : ما يسرّنى أنّ ما أخذت من أموالهم حلال لى أتركه ميراثا لمن بعدى ، فضحّ رويدا فكأنّك قد بلغت المدى ، ودفنت تحت الثّرى ، وعرضت عليك أعمالك بالمحلّ الَّذى ينادى الظَّالم فيه بالحسرة ، ويتمنّى المضيّع الرّجعة ، ولات حين مناص .
أقول : المرويّ انّ الكتاب الى عبد اللَّه بن العباس كما هو فى بعض النسخ ، حين كان واليا له على البصرة . وامانته : هى ولاية أمور المسلمين . والشعار : ما يلي الجسد من الثياب ، واستعار له لفظه باعتبار قربه منه . وبطانته خاصّته . والموازرة : المعاونة .
وكلب الزمان : شدّته . وحرب العدوّ : اشتد غضبه . وخزيت الامانة : هانت وذلَّت .
والفتك : القتل على غرة . وشغرت : تفرقت . وقوله : قلبت ، الى قوله : ظهر المجن : مثل يضرب لمن يكون مع اخيه فيتغيّر عنه ويقاتله . واصله ان الترس انما يقاتل به الرجل ويعطى ظهره فى الحرب ، فكنّى به عن : تغيّره عليه وخروجه عن امر ، ولم يكن على بيّنة
من ربّه اى : على ثقة من وعده ووعيده ويقين من ذلك . وغرّتهم غفلتهم . والشدة : الحملة . والازل خفيف الوركين ، ووجه التشبيه سرعة الاخذ ، ورحب الصدر كناية عن الفرح والسرور به ، ونقاش الحساب استقصاؤه وادخل حسابه له فى الفضلاء فى خبر كان : تنبيها على انّه لم يبق عنده كذلك . وآفاه : جعله فيا ، والفىء : الغنيمة . والهوادة : المصالحة والمصانعة . وقوله فضح رويدا : كلمة يؤمر بها للتؤدة ، واصلها الرجل يطعم ابله ضحى ويثيرها مسرعا للسير ، فلا يشبعها فيقال : ضح رويدا اى : مهلا . والمدى : الغاية وهى الموت وما بعده . المناص : المهرب والمخلص ، والنوص : التخلص . وشبّهوا لات بليس ، واضمروا فيها اسم الفاعل ، وقد جاءت مرفوعة على أنها اسمها ، ولا يستعمل لات إلَّا مع حين ، وقيل : التاء زائدة كهى فى ثمت ، وربت . ومعانى الكتاب ظاهرة ، وباللَّه التوفيق .
42 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى عمر بن أبى سلمة المخزومى ، وكان عامله على البحرين فعزله ، واستعمل نعمان بن عجلان الزرقّى مكانه أمّا بعد ، فإنّى قد ولَّيت نعمان بن عجلان الزّرقىّ على البحرين ، ونزعت يدك بلا ذمّ [ لك ] ولا تثريب عليك ، فلقد أحسنت الولاية ، وأدّيت الأمانة فأقبل غير ظنين ، ولا ملوم ، ولا متّهم ، ولا مأثوم . فلقد أردت المسير إلى ظلمة أهل الشّام ، وأحببت أن تشهد معى ، فإنّك ممّن أستظهر به على جهاد العدوّ ، وإقامة عمود الدّين ، إن شاء اللَّه .
اقول : هذا كان ربيبا لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله ، وامه امّ سلمة ، وابوه ابو سلمة ابن عبد الاسد من بنى مخزوم . والنعمان بن عجلان ، من سادات الانصار من بنى زريق .
والتثريب : التعنيف . والظنين : المتّهم .
< فهرس الموضوعات > كتابه عليه السلام إلى مصقلة بن هبيرة الشيباني < / فهرس الموضوعات > 43 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى مصقلة بن هبيرة الشيبانى ، وهو عامله على أردشير خرّة بلغنى عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت إلهك ، وأغضبت إمامك : أنّك تقسم فيء المسلمين الَّذى حازته رماحهم وخيولهم ، وأريقت عليه دماؤهم ، فيمن اعتامك من أعراب قومك . فو الَّذى فلق الحبّة ، وبرأ النّسمة ، لئن كان ذلك حقّا لتجدنّ بك علىّ هوانا ، ولتخفّنّ عندى ميزانا ، فلا تستهن بحقّ ربّك ، ولا تصلح دنياك بمحق دينك ، فتكون من الأخسرين أعمالا . ألا وإنّ حقّ من قبلك وقبلنا من المسلمين فى قسمة هذا الفىء سواء : يردون عندى عليه ، ويصدرون عنه . والسّلام .
اقول : اعتامك : اختارك للطلب . وخفّة ميزانه : صغر منزلته عنده . وميزانا : تمييز .
< فهرس الموضوعات > كتابه عليه السلام إلى زياد بن أبيه ، حين بلغه أن معاوية يخدعه باستلحاقه < / فهرس الموضوعات > 44 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى زياد بن ابيه ، وقد بلغه أن معاوية كتب إليه يريد خديعته باستلحاقه وقد عرفت معاوية كتب إليك يستزلّ لبّك ، ويستفلّ غربك ، فاحذره ، فانّما هو الشّيطان : يأتي المؤمن من بين يديه ومن خلفه ، وعن يمينه وعن شماله ، ليقتحم غفلته ، ويستلب غرّته . وقد كان من أبى سفيان فى زمن عمر بن الخطَّاب فلتة من حديث النّفس ، ونزغة من نزغات الشّيطان : لا يثبت بها نسب ، ولا يستحقّ بها إرث ، والمتعلَّق بها كالواغل المدفّع ، والنّوط المذبذب . فلمّا قرأ زياد الكتاب قال : شهد بها ورب الكعبه ، ولم تزل فى نفسه حتى ادّعاه
معاويه .
قال السيد - رحمه اللَّه - : قوله - عليه السلام - « الواغل » : هو الذى يهجم على الشّرب يشرب معهم ، وليس منهم ، فلا يزال مدفّعا محاجزا . و « النوط المذبذب » : هو ما يناط برحل الراكب من قعب أو قدح أو ما أشبه ذلك ، فهو أبدا يتقلقل اذا حثّ ظهره واستعجل سيره .
اقول : زياد هذا هو دعىّ ابى سفيان ، وولَّاه على عليه السلام فارس ، فضبطها وحماها فكتب اليه معاوية يخدعه باستلحاقه اخا له فعلم عليه السلام بذلك فكتب اليه الكتاب .
وغرب السيف : حدّه . والاستفلال : طلب الفل ، ، وهو الثلم وهو كناية عن كسر قوته فى نصح على عليه السلام ، واتيانه من الجهات الأربع : كناية عن تمام حيلته فى الخدعة . قال سفيان الثورى رحمه اللَّه : ما من صباح إلا ويقعد الشيطان على أربعة مراصد ، من بين يدي ، فيقول : لا تخف فانّ اللَّه غفور رحيم . فاقرأ * ( وإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى ) *[1]. ومن خلفى فيخوّفنى الضيعة على مخلَّفي فأقرء : * ( وما مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى الله رِزْقُها ) *[2]. ومن قبل يميني فيأتينى من جهة الثناء فاقرأ : * ( والْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) *[3]. ومن قبل شمالى فياتينى من قبل الشهوات فاقرأ : * ( وحِيلَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ ) *[4].
واما الفلتة من ابى سفيان فى ادعائه اياه فهو : ما روى انّه تكلم يوما بحضرة عمر فأعجب الحاضرين كلامه ، فقال عمرو بن العاص : للَّه ابوه لو كان قرشيا لساق العرب بعصاه ، فقال ابو سفيان : واللَّه انّه لقرشىّ ولو عرفته لعرفت انّه من خير اهلك ، فقال : ومن ابوه فقال : انا واللَّه وضعته فى رحم امه ، فقال : هلا تستلحقه قال : اخاف هذا العبر الجالس ان يخرق علىّ اهابى يعنى عمر . وحديث النفس الوسوسة وكونها نزعة من نزعات الشيطان : باعتبار انّها على غير وجه شرعىّ وفيها اقرار بالزنا . وشبه المتوغَّل فى
[1]سورة طه - 82
[2]سورة هود - 6
[3]سورة القصص - 83
[4]سورة سبأ - 54 .
هذا النسب اى : الداخل فيه بامعان بالواغل ، ووجه الشبه كونه لا يزال مدفعا عنه ، كما يدفع الواغل عن الشراب وكذلك تشبيهه بالنوط المذبذب ، باعتبار انّه لا يستقرّ بنسبه .
والتذبذب التحرّك والتردد .
45 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى عثمان بن حنيف الأنصارى ، وهو عامله على البصرة وقد بلغه أنه دعي إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها أمّا بعد يا ابن حنيف : فقد بلغنى أنّ رجلا من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة فأسرعت إليها تستطاب لك الألوان ، وتنقل إليك الجفان وما ظننت أنّك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفوّ ، وغنيّهم مدعو ، فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم ، فما اشتبه عليك علمه فالفظه ، وما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه . ألا وإنّ لكلّ مأموم اماما يقتدى به ويستضيء بنور علمه ، ألا وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ، ومن طعمه بقرصيه ، ألا وإنّكم لا تقدرون على ذلك ، ولكن أعينونى بورع واجتهاد ، وعفّة وسداد . فو اللَّه ما كنزت من دنياكم تبرا ولا ادّخرت من غنائمها وفرا ، ولا أعددت لبالى ثوبى طمرا . بلى كانت فى أيدينا فدك من كلّ ما أظلَّته السّماء ، فشحّت عليها نفوس قوم ، وسخت عنها نفوس قوم آخرين . ونعم الحكم اللَّه وما أصنع بفدك وغير فدك والنّفس مظانّها فى غد جدث تنقطع فى ظلمته آثارها وتغيب أخبارها ، وحفرة لو زيد فى فسحتها ، وأوسعت يدا حافرها لأضغطها الحجر والمدر ، وسدّ فرجها التّراب المتراكم ، وإنّما هى نفسى أروضها بالتّقوى لتأتى آمنة يوم الخوف الأكبر ، وتثبت على جوانب المزلق ، ولو شئت لاهتديت الطَّريق إلى مصفّى هذا العسل ولباب هذا القمح ، ونسائج هذا القزّ ، ولكن هيهات أن يغلبني هو اى ، ويقودني جشعى إلى تخيّر الأطعمة ، ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له فى القرص ، ولا عهد له بالشّبع أو أبيت مبطانا وحولى بطون غرثى ، وأكباد حرّى أو أكون كما قال القائل :