بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 547


المئونة عنهم فإنّه ذخر يعودون به عليك فى عمارة بلادك ، وتزيين ولا يتك ، مع استجلابك حسن ثنائهم ، وتبجّحك باستفاضة العدل فيهم معتمدا فضل قوّتهم بما ذخرت عندهم من إجمامك لهم والثّقة منهم بما عوّدتهم من عدلك عليهم فى رفقك بهم ، فربّما حدث من الأمور ما إذا عوّلت فيه عليهم من بعد احتملوه طيبة أنفسهم به ، فإنّ العمران محتمل ما حمّلته ، وإنّما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها ، وإنّما يعوز أهلها لإشراف أنفس الولاة على الجمع ، وسوء ظنّهم بالبقاء ، وقلَّة انتفاعهم بالعبر .
ثمّ انظر فى حال كتّابك ، فولّ على أمورك خيرهم ، واخصص رسائلك الَّتى تدخل فيها مكائدك وأسرارك بأجمعهم لوجوه صالح الأخلاق ممّن لا تبطره الكرامة فيجترئ بها عليك فى خلاف لك بحضرة ملأ ، ولا تقصر به الغفلة عن إيراد مكاتبات عمّالك عليك وإصدار جواباتها على الصّواب عنك فيما يأخذ لك ويعطى منك ، ولا يضعف عقدا اعتقده لك ، ولا يعجز عن إطلاق ما عقد عليك ، ولا يجهل مبلغ قدر نفسه فى الأمور ، فإنّ الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل ، ثمّ لا يكن اختيارك إيّاهم على فراستك واستنامتك وحسن الظَّنّ منك ، فإنّ الرّجال يتعرّفون لفراسات الولاة بتصنّعهم وحسن خدمتهم ، وليس وراء ذلك من النّصيجة والأمانة شيء ، ولكن اختبرهم بما ولَّوا للصّالحين قبلك : فاعمد لأحسنهم كان فى العامّة أثرا ، وأعرفهم بالأمانة وجها ، فإنّ ذلك دليل على نصيحتك للَّه ولمن وليت أمره ، واجعل لرأس كلّ أمر من أمورك رأسا منهم لا يقهره كبيرها ، ولا يتشتّت عليه كثيرها ، ومهما كان فى كتّابك من عيب فتغابيت عنه ألزمته . ثمّ استوص بالتّجّار وذوى الصّناعات وأوص بهم خيرا : المقيم منهم والمضطرب بماله ، والمترفّق ببدنه ، فإنّهم موادّ المنافع ، وأسباب المرافق وجلَّابها من المباعد والمطارح فى برّك وبحرك وسهلك وجبلك ، وحيث لا يلتئم النّاس لمواضعها ولا يجترؤن عليها ، فإنّهم سلم لا تخاف بائقته وصلح لا تخشى غائلته ، وتفقّد أمورهم بحضرتك وفى حواشى بلادك . واعلم - مع ذلك - أنّ فى كثير منهم ضيقا فاحشا ، وشحّا قبيحا واحتكارا للمنافع ، وتحكَّما فى البياعات ، وذلك باب مضرّة للعامّة وعيب على الولاة ، فامنع من الاحتكار فانّ رسول اللَّه ، صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، منع منه ، وليكن البيع بيعا سمحا : بموازين عدل ، وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع ،


صفحه 548


فمن قارف حكرة بعد نهيك إيّاه فنكَّل به ، وعاقبه فى غير إسراف .
ثمّ اللَّه اللَّه فى الطَّبقة السّفلى من الَّذين لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين وأهل البؤسى والزّمنى فإنّ فى هذه الطَّبقة قانعا ومعترّا ، واحفظ للَّه ما استحفظك من حقّه فيهم ، واجعل لهم قسما من بيت مالك ، وقسما من غلَّات صوافى الإسلام فى كلّ بلد فإنّ للأقصى ، منهم مثل الَّذى للأدنى ، وكلّ قد استرعيت حقّه ، فلا يشغلنّك عنهم بطر فإنّك لا تعذر بتضييعك التّافه لإحكامك الكثير المهمّ ، فلا تشخص همّك عنهم ولا تصعّر خدّك لهم ، وتفقّد أمور من لا يصل إليك منهم ممّن تقتحمه العيون وتحقره الرّجال ، ففرّغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتّواضع ، فليرفع إليك أمورهم ، ثمّ اعمل فيهم بالإعذار إلى اللَّه يوم تلقاه ، فإنّ هؤلاء من بين الرّعيّة أحوج إلى الإنصاف من غيرهم ، وكلّ فأعذر إلى اللَّه فى تأدية حقّه إليه ، وتعهّد أهل اليتم وذوى الرّقّة فى السّن ممّن لا حيلة له ، ولا ينصب للمسألة نفسه ، وذلك على الولاة ثقيل والحقّ كلَّه ثقيل ، وقد يخفّفه اللَّه على أقوام طلبوا العاقبة فصبّروا أنفسهم ، ووثقوا بصدق موعود اللَّه لهم .
اقول : قسّم الناس الى طبقات سبع ، لا يصلح بعضها الَّا بالبعض كما بيّنه . واهل الذمة : تفسير لاهل الجزية والخراج معا ، لانّ للامام أن يقبل ارض الخراج من سائر المسلمين وأهل الذمة . وأراد بالسهم الذي سمّاه اللَّه لكل منهم : استحقاقه فى كتابه إجمالا من الصدقات : كالفقراء والمساكين وعمّال الخراج . والصدقة وحدّه : الذى وضع اللَّه عليه عهدا منه هو مرتبته ومنزلته من الناس ، مثل الجندىّ له مرتبة ومقام من العمل محدود ، أخذ عليه عهد من اللَّه فى النصيحة والقيام بطاعة اللَّه فيه وفريضة لزومه للعمل بذلك ، وكذلك سائر الطبقات .
والمعاقد جمع معقد : مصدر كعقود البياعات والانكحة ونحوها ، وأحكامها تعود الى القضاة . وجمع المنافع تعود الى العمّال .
والضمير فى يؤتمنون : يعود الى الصنفين . والمرافق : المنافع ، والرفق : المنفعة . والرفد : المعونة ويحقّ يجب . ونقاء الجيب : كناية عن الامانة . ويستريح الى العذر اي : بقبوله .
وينبو على الأقوياء اي : يعلو عليهم ، ولا يميل ميلهم على من دونهم . لا يثيره العنف اي : لا يكون له عنف فيثيره ، وقيل : لا يثيره عنف الغير . ولا ينزعج منه ولا يقعد به الضعف


صفحه 549


اي : لا يكون ضعيفا يقعد ضعفه عمّا ينبغي . والحسب : ما يعدّ من المآثر والمكارم .
والحسب الكفاية . والنجدة : فضيلة تحت الشجاعة . والعرف : المعروف . وتفاقم الأمر : اشتدّ وصعب . ولطيف امورهم : صغيرها . وجسيمها : عظيمها اى : لا تدع تفقد حاجاتهم الجزئية اعتمادا على قضائك لحاجتهم الكليّة فى العطاء العام ونحوه ، ومعونته : رزقه . وجدته : غناه . والخلوف : المتخلَّفون عنهم . وحيطتهم : شفقتهم . والناكل الراجع : الفار . ويضلعك : يثقلك . وضاق الامر : اذا لم يقدر عليه . وتمحكه الخصوم : تغلبه على الحق بالمحك ، وهو : اللجاج واللداد . والحصر الوقوف من العمى . والتبرّم التضجر . ويكشف الأمور : ايضاحها . ويزدهيه الاطراء فيه : كثرة المدح . الزهو : الكبر .
يزيح حيلته : يزيل عذره وما يكون علَّته فى عجزه عن القيام بالقضاء . والاغتيال : الأخذ على غرّة ، ويدخل فيه الغيبة ونحوه . والاشرار : الولاة قبله ، وقيل : محمد بن ابى بكر .
ولا تولهم محاباة أي : معاطاة . واثرة اى : استبدادا كمن تأخذ من شخص شيئا وتوليه امرا ، ويستبدّ بذلك دون مشاورة فيه . وجماع من شعب الجور ، والخيانة اى : جماعة منها ، اما انهما من شعب الجور : فللخروج بهما عن فضيلة العدل المأمور به شرعا وهو التحرّى فى طلب الوالى الأصلح للعباد والبلاد والأقوم بطاعة اللَّه فيهما . واما انهما من شعب الخيانة : فلأن من الدين التحرّي فى طلب الوالى الأصلح ، وهو امانة فعدم التحرّى فى ذلك خروج عنها الى رذيلة الخيانة . والتوخّى : طلب القصد . والثلم : الكسر وكنّى به عن الخيانة . وحدوه لهم أي : حثّه . والضمير فى قوله صلاحهم : يعود الى اهل الخراج . والشرب : النصيب من الماء . والبالَّة اليسير من الماء تبلّ به الأرض . واحالة الارض : تغيّرها عمّا كانت عليه من الاستواء فلم ينجب زرعها ولم يثمر نخلها . واجحف بها : ذهب . تبجحك اى : اظهار سرورك وفخرك . ومعتمدا اى : قاصدا . والاجمام : الراحة . والرفق : ضدّ العنف . والاعواز : الفقر . وسوء ظنهم بالبقاء اى : بقاء العمل فى أيديهم . وقوله : ولا يضعف الى قوله الامور اى : يكون ممن اذ اعقد لك عقدة امر أحكمها ، واذا عقد عليك غيرك امرا قام بحلَّه . ولا يدخل فى امر الأبعد معرفته به . واستنام الى الامر : سكن اليه ، واعتمد عليه . وقوله : ليس وراء ذلك اى : تصنّعهم لفراسة الولاة .
واعمد اى : اقصد . وتغابيت : تغافلت . والزمته اى : عند اللَّه وفى الآخرة . ولما أوصى


صفحه 550


بالتجار وذوى الصناعات ، نبّه على ذلك بضميرين صغرى الاول قوله : فإنهم مواد المنافع الى قوله : يجترؤن عليها ، وذلك : اشارة الى وجود المنفعة منهم . وصغرى الثاني قوله : فانهم سلم الى غائلته . واشار بذلك : الى عدم المضرّة منهم . والمترفّق ببدنه : طلب المنفعة بصنيعته ، والمطارح جمع مطرح وهى : الارض البعيدة . ولا يلتئم الناس لمواضعها وذلك : كالجبال والبحار . والضمير فى مواضعها : للمرافق . والبائقة : الداهية .
والغائلة : الشرّ . والضيق : البخل . والاحتكار : حبس المنافع عن الناس عند الحاجة اليها ، وورد النهى الشرعى عن ذلك فى الاجناس التي يعمّ نفعها ويكثر الحاجة اليها ، وهى الحنطة والشعير والتمر والزبيب والسمن والملح ، والتحكَّم فى البياعات : ان يبيع على حكمه بمجرّد الهوى من غير رجوع الى شريعة أو عرف . وقارف كذا أى : اكتسبه وفعله .
والحكره بالضّم : الاسم . البؤس : الشدة . والقانع : السائل يقنع بما يعطى . والمعترّ : الذى يتعرّض للعطاء من غير سؤال . والصوافى : جمع صافية وهى أرض الغنيمة . والأقصى والادنى اى : الأبعد عنك والأدنى منك . والبطر : تجاوز الحدّ فى الفرح والنشاط . واراد لا يكن لك بطر بما انت فيه من الأمرة فيشتغل عنهم . والتافه : الشيء القليل . ويشخص همّك ترفعه . وتصعير الخد : أمالته[1]. وتقتحمه العيون : تزدريه . واعذر الرجل : اذا عذر . وذوى الرّقة فى السّن : العاجزون الذين رقّت حالهم عن تحصيل المعاش . ولا ينصب للمسألة نفسه اىّ : حياء وتعفّفا .
الفصل الثالث فى اوامر ونواهى مصلحية وآداب خلقية وسياسيّة بعضها خاصة بنفسه واحوال عباده وبخاصته وعماله الى غير ذلك ، وهو قوله : واجعل لذوى الحاجات منك قسما تفرّغ لهم فيه شخصك ، وتجلس لهم مجلسا عامّا فتتواضع فيه للَّه الَّذى خلقك ، وتقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك حتّى يكلَّمك متكلَّمهم غير متتعتع ، فإنّى سمعت رسول اللَّه ، صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، يقول فى غير موطن : ( لن تقدّس أمّة لا يؤخذ للضّعيف فيها حقّه من القوىّ غير متتعتع )[2]ثمّ


[1]فى نسخة ش : امالته كبرا .
[2]النهاية فى الحديث 1 - 190 .


صفحه 551


احتمل الخرق منهم والعىّ ، ونحّ عنك الضّيق والأنف يبسط اللَّه عليك بذلك أكناف رحمته ، ويوجب لك ثواب طاعته ، وأعط ما أعطيت هنيئا ، وامنع فى إجمال وإعذار ثمّ أمور من أمورك لا بدّ لك من مباشرتها : منها إجابة عمّالك بما يعيا عنه كتّابك ، ومنها إصدار حاجات النّاس يوم ورودها عليك بما تحرج به صدور أعوانك ، وأمض لكلّ يوم عمله ، فإنّ لكلّ يوم ما فيه ، واجعل لنفسك فيما بينك وبين اللَّه أفضل تلك المواقيت ، وأجزل تلك الأقسام وإن كانت كلَّها للَّه إذا صلحت فيها النّيّة ، وسلمت منها الرّعيّة .
وليكن فى خاصّة ما تخلص به للَّه دينك : إقامة فرائضه الَّتى هى له خاصّة فأعط اللَّه من بدنك فى ليلك ونهارك ، ووفّ ما تقرّبت به إلى اللَّه من ذلك كاملا غير مثلوم ولا منقوص بالغا من بدنك ما بلغ ، وإذا قمت فى صلاتك للنّاس فلا تكوننّ منفّرا ولا مضيّعا ، فإنّ فى النّاس من به العلَّة وله الحاجة . وقد سألت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم حين وجّهنى إلى اليمن كيف أصلَّى بهم فقال « صلّ بهم كصلاة أضعفهم ، وكن بالمؤمنين رحيما »[1].
وأمّا بعد ، فلا تطوّلنّ احتجابك عن رعيّتك ، فإنّ احتجاب الولاة عن الرّعيّة شعبة من الضّيق ، وقلَّة علم بالأمور ، والاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه فيصغر عندهم الكبير ، ويعظم الصّغير ، ويقبح الحسن ويحسن القبيح ، ويشاب الحقّ بالباطل ، وإنّما الوالى بشر لا يعرف ما توارى عنه النّاس به من الأمور ، وليست على الحقّ سمات تعرف بها ضروب الصّدق من الكذب ، وإنّما أنت أحد رجلين : إمّا امرو سخت نفسك بالبذل فى الحقّ ففيم احتجابك من واجب حقّ تعطيه أو فعل كريم تسديه ، أو مبتلى بالمنع فما أسرع كفّ النّاس عن مسألتك إذا أيسوا من بذلك مع أنّ أكثر حاجات النّاس إليك ممّا لا مئونة فيه عليك من شكاة مظلمة أو طلب إنصاف فى معاملة .
ثمّ إنّ للوالى خاصّة وبطانة فيهم استئثار ، وتطاول ، وقلَّة إنصاف فى معاملة فاحسم مادّة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال ولا تقطعنّ لأحد من حاشيتك وحامّتك قطيعة ولا يطمعنّ منك فى اعتقاد عقدة تضرّ بمن يليها من النّاس فى شرب أو عمل مشترك يحملون مئونته على غيرهم فيكون مهنأ ذلك لهم دونك وعيبه عليك فى الدّنيا والآخرة .


[1]الجامع الصغير 2 - 96 .


صفحه 552


وألزم الحقّ من لزمه من القريب والبعيد ، وكن فى ذلك صابرا محتسبا ، واقعا ذلك من قرابتك وخاصّتك حيث وقع ، وابتغ عاقبته بما يثقل عليك منه ، فإنّ مغبّة ذلك محمودة .
وإن ظنّت الرّعيّة بك حيفا فأصحر لهم بعذرك ، واعدل عنك ظنونهم بإصحارك ، فانّ فى ذلك رياضة منك لنفسك ، ورفقا برعيّتك ، وإعذارا تبلغ به حاجتك من تقويمهم على الحقّ .
ولا تدفعنّ صلحا دعاك إليه عدوّك وللَّه فيه رضى ، فانّ فى الصّلح دعة لجنودك وراحة من همومك ، وأمنا لبلادك ، ولكن الحذر كلّ الحذر من عدوّك بعد صلحه ، فانّ العدوّ ربّما قارب ليتغفّل ، فخذ بالحزم ، واتّهم فى ذلك حسن الظَّنّ . وإن عقدت بينك وبين عدوّك عقدة أو ألبسته منك ذمّة ، فحط عهدك بالوفاء ، وارع ذمّتك بالأمانة ، واجعل نفسك جنّة دون ما أعطيت ، فانّه ليس من فرائض اللَّه شيء النّاس أشدّ عليه اجتماعا مع تفرّق أهوائهم وتشتّت آرائهم من تعظيم الوفاء بالعهود وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين لما استوبلوا من عواقب الغدر ، فلا تغدرنّ بذمّتك ولا تخيسنّ بعهدك ولا تختلنّ عدوّك ، فانّه لا يجترئ على اللَّه إلَّا جاهل شقىّ . وقد جعل اللَّه عهده وذمّته أمنا أفضاه بين العباد برحمته ، وحريما يسكنون إلى منعته ، ويستفيضون إلى جواره ، فلا إدغال ولا مدالسة ولا خداع فيه ، ولا تعقد عقدا تجوّز فيه العلل ، ولا تعوّلنّ على لحن قول بعد التّأكيد والتّوثقة ، ولا يدعونّك ضيق أمر لزمك فيه عهد اللَّه إلى طلب انفساخه بغير الحقّ ، فإنّ صبرك على ضيق أمر ترجو انفراجه وفضل عاقبته خير من غدر تخاف تبعته ، وأن تحيط بك من اللَّه فيه طلبة ، فلا تستقيل فيها دنياك ولا آخرتك .
إيّاك والدّماء وسفكها بغير حلَّها ، فإنّه ليس شيء أدنى لنقمة ، ولا أعظم لتبعة ، ولا أحرى بزوال نعمة وانقطاع مدّة ، من سفك الدّماء بغير حقّها ، واللَّه سبحانه مبتدئ بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدّماء يوم القيامة ، فلا تقوّينّ سلطانك بسفك دم حرام ، فإنّ ذلك ممّا يضعفه ويوهنه بل يزيله وينقله ، ولا عذر لك عند اللَّه ولا عندى فى قتل العمد ، لأنّ فيه قود البدن ، وإن ابتليت بخطاء وأفرط عليك سوطك أو سيفك أو يدك بعقوبة ، فانّ فى الوكزة فما فوقها مقتلة ، فلا تطمحنّ بك نخوة سلطانك عن أن تؤدّى إلى أولياء المقتول حقّهم .


صفحه 553


وإيّاك والاعجاب بنفسك ، والثّقة بما يعجبك منها ، وحبّ الأطراء ، فإنّ ذلك من أوثق فرص الشّيطان فى نفسه ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين . وإيّاك والمنّ على رعيّتك باحسانك ، أو التّزيّد فيما كان من فعلك أو أن تعدهم فتتبع موعودك بخلفك ، فإنّ المنّ يبطل الاحسان ، والتّزيّد يذهب بنور الحقّ ، والخلف يوجب المقت عند اللَّه والنّاس ، قال اللَّه تعالى : * ( ( كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ الله أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ ) ) *[1]. وإيّاك والعجلة بالأمور قبل أوانها ، أو التّسقّط فيها عند إمكانها ، أو اللَّجاجة فيها إذا تنكَّرت ، أو الوهن عنها إذا استوضحت . فضع كلّ أمر موضعه ، وأوقع كلّ عمل موقعه . وإيّاك والاستئثار بما النّاس فيه أسوة ، والتّغابى عمّا تعنى به ممّا قد وضح للعيون ، فإنّه مأخوذ منك لغيرك ، وعمّا قليل تنكشف عنك أغطية الأمور ، وينتصف منك للمظلوم ، املك حميّة أنفك ، وسورة حدّك ، وسطوة يدك ، وغرب لسانك ، واحترس من كلّ ذلك بكفّ البادرة ، وتأخير السّطوة ، حتّى يسكن غضبك فتملك الاختيار ، ولن تحكم ذلك من نفسك حتّى تكثر همومك بذكر المعاد إلى ربّك . والواجب عليك أن تتذكَّر ما مضى لمن تقدّمك من حكومة عادلة ، أو سنّة فاضلة ، أو أثر عن نبيّنا صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، أو فريضة فى كتاب اللَّه ، فتقتدى بما شاهدت ممّا عملنا به فيها ، وتجتهد لنفسك فى اتّباع ما عهدت إليك فى عهدى هذا ، واستوثقت به من الحجّة لنفسى عليك ، لكيلا تكون لك علَّة عند تسرّع نفسك إلى هواها . وأنا أسأل اللَّه بسعة رحمته ، وعظيم قدرته على إعطاء كلّ رغبة ، أن يوفّقنى وإيّاك لما فيه رضاه من الاقامة على العذر الواضح إليه وإلى خلقه ، مع حسن الثّناء فى العباد ، وجميل الأثر فى البلاد ، وتمام النّعمة ، وتضعيف الكرامة ، وأن يختم لى ولك بالسّعادة والشّهادة ، إنّا إليه راغبون . والسّلام على رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم الطَّيّبين الطَّاهرين ، وسلَّم تسليما كثيرا . الشّرط : العلامة ، وسمّى الشرطة بذلك ، لأعلامهم أنفسهم بعلامة يعرفون بها .
والتقديس : التطهير . والخرق العنف فى القول وهو : ضدّ الرفق . والضيق : سوء الخلق . وأكناف رحمته : جوانبها وامور مبتدأ قدّم خبره أى ثمّ هناك امور . وكنّى بحرج صدور


[1]سورة الصف - 3 .


صفحه 554


اعوانه : عن عجزهم عن اصدار ما يرد عليهم . وأجزل : أعظم . والجزل : العظيم . وقوله وان كانت كلَّها للَّه ، الى قوله والرّعية : اشارة الى حسن التدبير فى الولاية عن الامام الحق بعباده . ومنفّرا أى : يطوّل الصلاة . والضمير فى منهم : للولاة . وقوله فيصغر ، الى قوله : القبيح : اشارة الى المفاسد اللازمة من الاحتجاب . والضمير فى عندهم : للرعيّة . وصغر الامر الكبير : كان يظلم القوىّ فيصغّر النّاس حرمته ، وكبر الضعيف كان يقع من بعض الضعفاء صغيرة فيعظمها الناس ، وكذلك قبح الحسن ، وحسن القبيح . والسمات : العلامات . وتلك الأحوال ، اشارة الى الاستيثار والتطوّل وقلة الانصاف[1]. والحسم : القطع واسباب تلك الاحوال هو : كما اشار اليه ونهاه عنه من اقطاع القطائع لحاشيته وخاصّته وهى قرابته . واعتقاد : العقد ، وكنى بها عمّا يقتنى من الضياع . والعقدة : الضيعة ، والمكان كثير الشجر والنخل . واعتقد الضيعة : اقتناها . ومن لزمه أى : الحق . ومحتسبا اى : متقرّبا به الى اللَّه تعالى . وقوله : واقعا ذلك ، اى : الزام الحق ، وحيث وقع اى : من سخط او رضى منهم ، وعاقبته : هو ثواب الآخرة والذكر الجميل[2]. ومغبّة ذلك : عاقبته المذكورة . وأصحر : اظهر . والدّعة : الراحة . ولما استوبلوا ، اى : لما وجدوه من الوبال فى عاقبة الغدر ، وهو وخمها وسوءها . وخاس بالعهد : نقضه . والختل : الخداع ، ونبّه على انّ الخداع بالمعاهدة والعذر بها جرأة على اللَّه يستلزم الشقاوة ، بقوله : فانّه الى قوله : شقّى ، وفيه : تنبيه على ضمير تقدير صغراه فانّك بذلك مجتر على اللَّه وتقدير كبراه ، وكلّ مجتر على اللَّه تلزمه الشقاوة الأخروية . وافضا : وسعه وبسطه . ويستفيضون : يندفعون الى جواره ولزومه . والادغال : الافساد . والمدالسة : مفاعلة من التدليس . والعلل : الاحداث المفسدة للعهود ونحوها . ولحن القول : كالتورية ، والتعرض فيه . كما ادّعاه طلحة فى بيعته لعليّ عليه السلام . ولا يستقبل ويتلقى الَّا الخير ، وروى يستقيل بالياء اى : لا يكون لك من تلك البيعة اقالة فى الدنيا والآخرة . وأحرى : أولى . والقود : قتل القاتل بالمقتول . وأفرط : سبق . والوكزة : مثل الضربة بجمع اليد على الذقن . ولا يطمحن اى : لا ترتفع . والفرصة : امكان الشيء من نفسه . والتزيد : اظهار


[1]في ش : الانتصاف
[2]من كلمة قوله ، الى آخر السطر غير موجود في نسخة ش .