احتمل الخرق منهم والعىّ ، ونحّ عنك الضّيق والأنف يبسط اللَّه عليك بذلك أكناف رحمته ، ويوجب لك ثواب طاعته ، وأعط ما أعطيت هنيئا ، وامنع فى إجمال وإعذار ثمّ أمور من أمورك لا بدّ لك من مباشرتها : منها إجابة عمّالك بما يعيا عنه كتّابك ، ومنها إصدار حاجات النّاس يوم ورودها عليك بما تحرج به صدور أعوانك ، وأمض لكلّ يوم عمله ، فإنّ لكلّ يوم ما فيه ، واجعل لنفسك فيما بينك وبين اللَّه أفضل تلك المواقيت ، وأجزل تلك الأقسام وإن كانت كلَّها للَّه إذا صلحت فيها النّيّة ، وسلمت منها الرّعيّة .
وليكن فى خاصّة ما تخلص به للَّه دينك : إقامة فرائضه الَّتى هى له خاصّة فأعط اللَّه من بدنك فى ليلك ونهارك ، ووفّ ما تقرّبت به إلى اللَّه من ذلك كاملا غير مثلوم ولا منقوص بالغا من بدنك ما بلغ ، وإذا قمت فى صلاتك للنّاس فلا تكوننّ منفّرا ولا مضيّعا ، فإنّ فى النّاس من به العلَّة وله الحاجة . وقد سألت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم حين وجّهنى إلى اليمن كيف أصلَّى بهم فقال « صلّ بهم كصلاة أضعفهم ، وكن بالمؤمنين رحيما »[1].
وأمّا بعد ، فلا تطوّلنّ احتجابك عن رعيّتك ، فإنّ احتجاب الولاة عن الرّعيّة شعبة من الضّيق ، وقلَّة علم بالأمور ، والاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه فيصغر عندهم الكبير ، ويعظم الصّغير ، ويقبح الحسن ويحسن القبيح ، ويشاب الحقّ بالباطل ، وإنّما الوالى بشر لا يعرف ما توارى عنه النّاس به من الأمور ، وليست على الحقّ سمات تعرف بها ضروب الصّدق من الكذب ، وإنّما أنت أحد رجلين : إمّا امرو سخت نفسك بالبذل فى الحقّ ففيم احتجابك من واجب حقّ تعطيه أو فعل كريم تسديه ، أو مبتلى بالمنع فما أسرع كفّ النّاس عن مسألتك إذا أيسوا من بذلك مع أنّ أكثر حاجات النّاس إليك ممّا لا مئونة فيه عليك من شكاة مظلمة أو طلب إنصاف فى معاملة .
ثمّ إنّ للوالى خاصّة وبطانة فيهم استئثار ، وتطاول ، وقلَّة إنصاف فى معاملة فاحسم مادّة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال ولا تقطعنّ لأحد من حاشيتك وحامّتك قطيعة ولا يطمعنّ منك فى اعتقاد عقدة تضرّ بمن يليها من النّاس فى شرب أو عمل مشترك يحملون مئونته على غيرهم فيكون مهنأ ذلك لهم دونك وعيبه عليك فى الدّنيا والآخرة .
[1]الجامع الصغير 2 - 96 .
وألزم الحقّ من لزمه من القريب والبعيد ، وكن فى ذلك صابرا محتسبا ، واقعا ذلك من قرابتك وخاصّتك حيث وقع ، وابتغ عاقبته بما يثقل عليك منه ، فإنّ مغبّة ذلك محمودة .
وإن ظنّت الرّعيّة بك حيفا فأصحر لهم بعذرك ، واعدل عنك ظنونهم بإصحارك ، فانّ فى ذلك رياضة منك لنفسك ، ورفقا برعيّتك ، وإعذارا تبلغ به حاجتك من تقويمهم على الحقّ .
ولا تدفعنّ صلحا دعاك إليه عدوّك وللَّه فيه رضى ، فانّ فى الصّلح دعة لجنودك وراحة من همومك ، وأمنا لبلادك ، ولكن الحذر كلّ الحذر من عدوّك بعد صلحه ، فانّ العدوّ ربّما قارب ليتغفّل ، فخذ بالحزم ، واتّهم فى ذلك حسن الظَّنّ . وإن عقدت بينك وبين عدوّك عقدة أو ألبسته منك ذمّة ، فحط عهدك بالوفاء ، وارع ذمّتك بالأمانة ، واجعل نفسك جنّة دون ما أعطيت ، فانّه ليس من فرائض اللَّه شيء النّاس أشدّ عليه اجتماعا مع تفرّق أهوائهم وتشتّت آرائهم من تعظيم الوفاء بالعهود وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين لما استوبلوا من عواقب الغدر ، فلا تغدرنّ بذمّتك ولا تخيسنّ بعهدك ولا تختلنّ عدوّك ، فانّه لا يجترئ على اللَّه إلَّا جاهل شقىّ . وقد جعل اللَّه عهده وذمّته أمنا أفضاه بين العباد برحمته ، وحريما يسكنون إلى منعته ، ويستفيضون إلى جواره ، فلا إدغال ولا مدالسة ولا خداع فيه ، ولا تعقد عقدا تجوّز فيه العلل ، ولا تعوّلنّ على لحن قول بعد التّأكيد والتّوثقة ، ولا يدعونّك ضيق أمر لزمك فيه عهد اللَّه إلى طلب انفساخه بغير الحقّ ، فإنّ صبرك على ضيق أمر ترجو انفراجه وفضل عاقبته خير من غدر تخاف تبعته ، وأن تحيط بك من اللَّه فيه طلبة ، فلا تستقيل فيها دنياك ولا آخرتك .
إيّاك والدّماء وسفكها بغير حلَّها ، فإنّه ليس شيء أدنى لنقمة ، ولا أعظم لتبعة ، ولا أحرى بزوال نعمة وانقطاع مدّة ، من سفك الدّماء بغير حقّها ، واللَّه سبحانه مبتدئ بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدّماء يوم القيامة ، فلا تقوّينّ سلطانك بسفك دم حرام ، فإنّ ذلك ممّا يضعفه ويوهنه بل يزيله وينقله ، ولا عذر لك عند اللَّه ولا عندى فى قتل العمد ، لأنّ فيه قود البدن ، وإن ابتليت بخطاء وأفرط عليك سوطك أو سيفك أو يدك بعقوبة ، فانّ فى الوكزة فما فوقها مقتلة ، فلا تطمحنّ بك نخوة سلطانك عن أن تؤدّى إلى أولياء المقتول حقّهم .
وإيّاك والاعجاب بنفسك ، والثّقة بما يعجبك منها ، وحبّ الأطراء ، فإنّ ذلك من أوثق فرص الشّيطان فى نفسه ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين . وإيّاك والمنّ على رعيّتك باحسانك ، أو التّزيّد فيما كان من فعلك أو أن تعدهم فتتبع موعودك بخلفك ، فإنّ المنّ يبطل الاحسان ، والتّزيّد يذهب بنور الحقّ ، والخلف يوجب المقت عند اللَّه والنّاس ، قال اللَّه تعالى : * ( ( كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ الله أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ ) ) *[1]. وإيّاك والعجلة بالأمور قبل أوانها ، أو التّسقّط فيها عند إمكانها ، أو اللَّجاجة فيها إذا تنكَّرت ، أو الوهن عنها إذا استوضحت . فضع كلّ أمر موضعه ، وأوقع كلّ عمل موقعه . وإيّاك والاستئثار بما النّاس فيه أسوة ، والتّغابى عمّا تعنى به ممّا قد وضح للعيون ، فإنّه مأخوذ منك لغيرك ، وعمّا قليل تنكشف عنك أغطية الأمور ، وينتصف منك للمظلوم ، املك حميّة أنفك ، وسورة حدّك ، وسطوة يدك ، وغرب لسانك ، واحترس من كلّ ذلك بكفّ البادرة ، وتأخير السّطوة ، حتّى يسكن غضبك فتملك الاختيار ، ولن تحكم ذلك من نفسك حتّى تكثر همومك بذكر المعاد إلى ربّك . والواجب عليك أن تتذكَّر ما مضى لمن تقدّمك من حكومة عادلة ، أو سنّة فاضلة ، أو أثر عن نبيّنا صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، أو فريضة فى كتاب اللَّه ، فتقتدى بما شاهدت ممّا عملنا به فيها ، وتجتهد لنفسك فى اتّباع ما عهدت إليك فى عهدى هذا ، واستوثقت به من الحجّة لنفسى عليك ، لكيلا تكون لك علَّة عند تسرّع نفسك إلى هواها . وأنا أسأل اللَّه بسعة رحمته ، وعظيم قدرته على إعطاء كلّ رغبة ، أن يوفّقنى وإيّاك لما فيه رضاه من الاقامة على العذر الواضح إليه وإلى خلقه ، مع حسن الثّناء فى العباد ، وجميل الأثر فى البلاد ، وتمام النّعمة ، وتضعيف الكرامة ، وأن يختم لى ولك بالسّعادة والشّهادة ، إنّا إليه راغبون . والسّلام على رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم الطَّيّبين الطَّاهرين ، وسلَّم تسليما كثيرا . الشّرط : العلامة ، وسمّى الشرطة بذلك ، لأعلامهم أنفسهم بعلامة يعرفون بها .
والتقديس : التطهير . والخرق العنف فى القول وهو : ضدّ الرفق . والضيق : سوء الخلق . وأكناف رحمته : جوانبها وامور مبتدأ قدّم خبره أى ثمّ هناك امور . وكنّى بحرج صدور
[1]سورة الصف - 3 .
اعوانه : عن عجزهم عن اصدار ما يرد عليهم . وأجزل : أعظم . والجزل : العظيم . وقوله وان كانت كلَّها للَّه ، الى قوله والرّعية : اشارة الى حسن التدبير فى الولاية عن الامام الحق بعباده . ومنفّرا أى : يطوّل الصلاة . والضمير فى منهم : للولاة . وقوله فيصغر ، الى قوله : القبيح : اشارة الى المفاسد اللازمة من الاحتجاب . والضمير فى عندهم : للرعيّة . وصغر الامر الكبير : كان يظلم القوىّ فيصغّر النّاس حرمته ، وكبر الضعيف كان يقع من بعض الضعفاء صغيرة فيعظمها الناس ، وكذلك قبح الحسن ، وحسن القبيح . والسمات : العلامات . وتلك الأحوال ، اشارة الى الاستيثار والتطوّل وقلة الانصاف[1]. والحسم : القطع واسباب تلك الاحوال هو : كما اشار اليه ونهاه عنه من اقطاع القطائع لحاشيته وخاصّته وهى قرابته . واعتقاد : العقد ، وكنى بها عمّا يقتنى من الضياع . والعقدة : الضيعة ، والمكان كثير الشجر والنخل . واعتقد الضيعة : اقتناها . ومن لزمه أى : الحق . ومحتسبا اى : متقرّبا به الى اللَّه تعالى . وقوله : واقعا ذلك ، اى : الزام الحق ، وحيث وقع اى : من سخط او رضى منهم ، وعاقبته : هو ثواب الآخرة والذكر الجميل[2]. ومغبّة ذلك : عاقبته المذكورة . وأصحر : اظهر . والدّعة : الراحة . ولما استوبلوا ، اى : لما وجدوه من الوبال فى عاقبة الغدر ، وهو وخمها وسوءها . وخاس بالعهد : نقضه . والختل : الخداع ، ونبّه على انّ الخداع بالمعاهدة والعذر بها جرأة على اللَّه يستلزم الشقاوة ، بقوله : فانّه الى قوله : شقّى ، وفيه : تنبيه على ضمير تقدير صغراه فانّك بذلك مجتر على اللَّه وتقدير كبراه ، وكلّ مجتر على اللَّه تلزمه الشقاوة الأخروية . وافضا : وسعه وبسطه . ويستفيضون : يندفعون الى جواره ولزومه . والادغال : الافساد . والمدالسة : مفاعلة من التدليس . والعلل : الاحداث المفسدة للعهود ونحوها . ولحن القول : كالتورية ، والتعرض فيه . كما ادّعاه طلحة فى بيعته لعليّ عليه السلام . ولا يستقبل ويتلقى الَّا الخير ، وروى يستقيل بالياء اى : لا يكون لك من تلك البيعة اقالة فى الدنيا والآخرة . وأحرى : أولى . والقود : قتل القاتل بالمقتول . وأفرط : سبق . والوكزة : مثل الضربة بجمع اليد على الذقن . ولا يطمحن اى : لا ترتفع . والفرصة : امكان الشيء من نفسه . والتزيد : اظهار
[1]في ش : الانتصاف
[2]من كلمة قوله ، الى آخر السطر غير موجود في نسخة ش .
الزيادة مع عدمها فى معرض الافتخار ، ونفر عن المنّ ، والتزيد ، والخلف : بضمائر ثلاثة وتقدير كبرياتها ، وكلّ ما كان كذلك فلا يجوز فعله ، ونبّه على صغرى الثالث ، وهى قوله : الخلف ، الى قوله : الناس ، ضمير صغراه قوله : فان اللَّه سبحانه . الى قوله تفعلون . وقولهم مالا يفعلون هو الخلف ، وتقدير كبراه وكلّ ما وعد اللَّه المقت على فعله ، اوجب فعله المقت عنده وعند الناس . والعجلة فى الامور قبل أوانها . واللجاجة فى طلبها اذا تنكَّرت اى : لم يعرف وجه تحصيلها . وتعسّرت : هو طرف الافراط فى طلبها ، والتساقط فيها والقعود عنها عند امكانها ، والوهن عنها عند وضوحها . وضع كل أمر موضعه . واسوة اى : سواء . التغابى : التغافل . ويعنى به اى : ما ينبغي العناية به من رد المظالم الواقعة منك او بسببك . واشار باغطية الامور : الى غطاء البدن ، وهيئته الحاجبة لحقائق الأمور : ان يدركها بعين بصيرته . وحميّة الانف : الغضب والأنفه . وسورة حدته : غضبه وبأسه . وغرب اللسان : حدّته . والبادرة : سرعة السطوة والعقوبة . والعلَّة : التعلَّل بما يشبه الغدر . واعلم انّ مقاصد هذا العهد واضحة بيّنة ولا مزيد على ما اودعه عليه السلام من الحكمة الخلقية والمدنية والسياسية ، وكمالات القوّة العملية التي ورثها الأنبياء والمرسلون أوصياءهم ، والحكماء السابقون من بعدهم ، وكفى بذلك شرفا وفضلا . وباللَّه التوفيق .
54 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى طلحة والزبير ، مع عمران بن الحصين الخزاعى ذكره أبو جعفر الاسكافى فى كتاب المقامات فى مناقب أمير المؤمنين عليه السلام أمّا بعد ، فقد علمتما وإن كتمتما أنّى لم أرد النّاس حتّى أرادونى ، ولم أبايعهم حتّى بايعونى ، وإنّكما ممّن أرادنى وبايعنى ، وإنّ العامّة لم تبايعنى لسلطان غالب ، ولا لعرض حاضر ، فإن كنتما بايعتمانى طائعين فارجعا وتوبا إلى اللَّه من قريب ، وإن كنتما بايعتمانى كارهين فقد جعلتما لى عليكما السّبيل بإظهار كما الطَّاعة ، وإسراركما المعصية . ولعمرى ما كنتما بأحقّ المهاجرين بالتّقيّة والكتمان ، وإنّ دفعكما هذا الأمر [ من ] قبل أن تدخلا فيه كان أوسع عليكما من خروجكما منه بعد إقراركما به .
وقد زعمتما أنّى قتلت عثمان ، فبينى وبينكما من تخلَّف عنّى وعنكما من أهل المدينة ، ثمّ يلزم كلّ امرىء بقدر ما احتمل . فارجعا أيّها الشّيخان عن رأيكما ، فإنّ الآن أعظم أمركما العار ، من قبل أن يجتمع العار والنّار .
اقول : خزاعة : قبيلة من الازد . والاسكافى : منسوب الى اسكاف[1]رستاق كبير كان بين النهروان والبصرة . وكتاب المقامات : الذى صنّفه الشيخ المذكور فى مناقب أمير المؤمنين عليه السلام[2]. وقوله : ثم يلزم كلّ امرئ أى : من اللَّائمة والعار بقدر ما احتمل من الاثم والغدر . والعرب تعيّر بالغدر ونقض العهد كثيرا . والمعنى ظاهر ، وباللَّه التوفيق .
55 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى معاوية أمّا بعد ، فإنّ اللَّه سبحانه جعل الدّنيا لما بعدها ، وابتلى فيها أهلها ، ليعلم أيّهم أحسن عملا ، ولسنا للدّنيا خلقنا ، ولا بالسّعى فيها أمرنا ، وإنّما وضعنا فيها لنبتلى بها ، وقد ابتلانى اللَّه بك وابتلاك بى : فجعل أحدنا حجّة على الآخر ، فعدوت على طلب الدّنيا بتأويل القرآن ، فطلبتنى بما لم تجن يدي ولا لسانى ، وعصبته أنت وأهل الشّام بى ، وألَّب عالمكم جاهلكم وقائمكم قاعدكم ، فاتّق اللَّه فى نفسك ، ونازع الشّيطان قيادك ، واصرف إلى الآخرة وجهك فهى طريقنا وطريقك ، واحذر أن يصيبك اللَّه منه بعاجل قارعة تمسّ الأصل ، وتقطع الدّابر ، فإنّى أولى لك باللَّه أليّة غير فاجرة : لئن جمعتنى وإيّاك جوامع الأقدار لا أزال بباحتك * ( ( حَتَّى يَحْكُمَ الله بَيْنَنا وهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ) ) *[3].
اقول : اراد بالسعى فيها : السّعى المذموم فى طلبها لنفسها ، وقد سبق معنى ابتلاء
[1]معجم البلدان 1 - 181
[2]فهرست ابن النديم - 213
[3]سورة الاعراف - 87 .
لعباده . ووجه كونه عليه السلام ، حجّة على معاوية : دعائه اياه الى طاعة اللَّه ، وذلك حجّة اللَّه عليه ان يقول يوم القيامة انى كنت من الغافلين . ووجه كون معاوية حجّة عليه : عصيانه للَّه ومحاربته ايّاه ، حتى لو قصّر فى مقاومته كان ملوما ، فكان معاوية حجّة اللَّه على تقصيره فى طاعته : وعدوت : يحتمل ان يكون من العدو فهو الجرى ، او من العدوان ، وتأويل القرآن كقوله تعالى : * ( ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى ) ) *[1]وتأويله لذلك : بإدخال نفسه فيه وطلب القصاص لعثمان ، وانما دخل بالتأويل : لان الخطاب خاص ممن قتل ، وقتل منه ، ومعاوية بمعزل عن ذلك ، اذا لم يكن ولىّ دمه فتأول الآية بالعموم : ليدخل فيها . وما لم تجن يدي ، اى : من القتل والمشاركة فيه . وعصبته : علقته . والتأليب : التحريض . والقارعة : الدّاهية . والدابر ألمتأخّر : من النسل . والاليّة : اليمين . وباحة الدار : ساحتها . وفى وعيده بعدم انفكاكه عنه الى الغاية المذكورة بلاغ فى التخويف والانذار .
56 - ومن وصيّة له عليه السّلام وصّى بها شريح بن هانى[2]، لما جعله على مقدّمته إلى الشام اتّق اللَّه فى كلّ صباح ومساء ، وخف على نفسك الدّنيا الغرور ، ولا تأمنها على حال ، واعلم أنّك إن لم تردع نفسك عن كثير ممّا تحبّ مخافة مكروهه سمت بك الأهواء إلى كثير من الضّرر . فكن لنفسك مانعا رادعا ، ولنزوتك عند الحفيظة واقما قامعا .
اقول : لا تأمنها على حال اى : تركن اليها البتّة ، لانّها غرور ونفسه التي أمر بكفّها : الامارة بالسوء . والنزوة : الوثبة . والحفيظة : الغضب . والرادع : الذى يردّ الشيء أقبح الرد . والوقم : القهر والاذلال . وكذلك القمع .
[1]سورة البقرة - 178
[2]شريح بن هاني بن يزيد الحارثي الهمداني قتل في سجستان سنة 78 ه .
< فهرس الموضوعات > كتابه عليه السلام إلى أهل الكوفة < / فهرس الموضوعات > 57 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى أهل الكوفة ، عند مسيره من المدينة إلى البصرة أمّا بعد ، فإنّى خرجت من حيّ هذا ، إمّا ظالما ، وإمّا مظلوما ، وإمّا باغيا وإمّا مبغيّا عليه ، وإنّى أذكَّر اللَّه من بلغه كتابى هذا ، لمّا نفر إلىّ ، فإن كنت محسنا أعاننى ، وإن كنت مسيئا استعتبني .
اقول : الحىّ : القبيلة ، وقوله : إمّا ظالما ، الى قوله عليه : من باب تجاهل العارف ، او لأن اهل الكوفة لم يكن بعد ظهرت لهم القضّية ليعرفوا الظالم من المظلوم ومن بلغه : مفعول اول لا ذكر اخّر لطوله . ولمّا مشددة : بمعنى الَّا ، ومخفّفه هى « ما » زائدة دخل عليها لام التأكيد ، اى : لينفرنّ الى . وباللَّه التوفيق .
< فهرس الموضوعات > كتابه عليه السلام إلى أهل الأمصار يذكر فيه ما جرى بينه وبين أهل صفين < / فهرس الموضوعات > 58 - ومن كتاب له عليه السّلام كتبه إلى أهل الأمصار ، يقتصّ فيه ما جرى بينه وبين أهل صفين وكان بدء أمرنا أنّا التقينا والقوم من أهل الشّام ، والظَّاهر أنّ ربّنا واحد ، ونبيّنا واحد ، ودعوتنا فى الاسلام واحدة ، ولا نستزيدهم فى الايمان باللَّه والتّصديق برسوله ولا يستزيدوننا : الأمر واحد إلَّا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ، ونحن منه براء فقلنا : تعالوا نداو مالا يدرك اليوم باطفاء النّائرة ، وتسكين العامّة ، حتّى يشتدّ الأمر ويستجمع فنقوى على وضع الحقّ مواضعه ، فقالوا : بل نداويه بالمكابرة فأبوا حتّى جنحت الحرب وركدت ، ووقدت نيرانها وحمست . فلمّا ضرّستنا وإيّاهم ، ووضعت مخالبها فينا وفيهم ، أجابوا عند ذلك إلى الَّذى دعوناهم إليه ، فأجبناهم إلى ما دعوا ، وسارعناهم إلى ما طلبوا ، حتّى استبانت عليهم الحجّة ، وانقطعت منهم المعذرة . فمن تمّ على ذلك منهم فهو الَّذى أنقذه اللَّه من الهلكة ، ومن لجّ وتمادى فهو الرّاكس الَّذى ران اللَّه على قلبه ، وصارت دائرة السّوء على رأسه .