بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 553


وإيّاك والاعجاب بنفسك ، والثّقة بما يعجبك منها ، وحبّ الأطراء ، فإنّ ذلك من أوثق فرص الشّيطان فى نفسه ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين . وإيّاك والمنّ على رعيّتك باحسانك ، أو التّزيّد فيما كان من فعلك أو أن تعدهم فتتبع موعودك بخلفك ، فإنّ المنّ يبطل الاحسان ، والتّزيّد يذهب بنور الحقّ ، والخلف يوجب المقت عند اللَّه والنّاس ، قال اللَّه تعالى : * ( ( كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ الله أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ ) ) *[1]. وإيّاك والعجلة بالأمور قبل أوانها ، أو التّسقّط فيها عند إمكانها ، أو اللَّجاجة فيها إذا تنكَّرت ، أو الوهن عنها إذا استوضحت . فضع كلّ أمر موضعه ، وأوقع كلّ عمل موقعه . وإيّاك والاستئثار بما النّاس فيه أسوة ، والتّغابى عمّا تعنى به ممّا قد وضح للعيون ، فإنّه مأخوذ منك لغيرك ، وعمّا قليل تنكشف عنك أغطية الأمور ، وينتصف منك للمظلوم ، املك حميّة أنفك ، وسورة حدّك ، وسطوة يدك ، وغرب لسانك ، واحترس من كلّ ذلك بكفّ البادرة ، وتأخير السّطوة ، حتّى يسكن غضبك فتملك الاختيار ، ولن تحكم ذلك من نفسك حتّى تكثر همومك بذكر المعاد إلى ربّك . والواجب عليك أن تتذكَّر ما مضى لمن تقدّمك من حكومة عادلة ، أو سنّة فاضلة ، أو أثر عن نبيّنا صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، أو فريضة فى كتاب اللَّه ، فتقتدى بما شاهدت ممّا عملنا به فيها ، وتجتهد لنفسك فى اتّباع ما عهدت إليك فى عهدى هذا ، واستوثقت به من الحجّة لنفسى عليك ، لكيلا تكون لك علَّة عند تسرّع نفسك إلى هواها . وأنا أسأل اللَّه بسعة رحمته ، وعظيم قدرته على إعطاء كلّ رغبة ، أن يوفّقنى وإيّاك لما فيه رضاه من الاقامة على العذر الواضح إليه وإلى خلقه ، مع حسن الثّناء فى العباد ، وجميل الأثر فى البلاد ، وتمام النّعمة ، وتضعيف الكرامة ، وأن يختم لى ولك بالسّعادة والشّهادة ، إنّا إليه راغبون . والسّلام على رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم الطَّيّبين الطَّاهرين ، وسلَّم تسليما كثيرا . الشّرط : العلامة ، وسمّى الشرطة بذلك ، لأعلامهم أنفسهم بعلامة يعرفون بها .
والتقديس : التطهير . والخرق العنف فى القول وهو : ضدّ الرفق . والضيق : سوء الخلق . وأكناف رحمته : جوانبها وامور مبتدأ قدّم خبره أى ثمّ هناك امور . وكنّى بحرج صدور


[1]سورة الصف - 3 .


صفحه 554


اعوانه : عن عجزهم عن اصدار ما يرد عليهم . وأجزل : أعظم . والجزل : العظيم . وقوله وان كانت كلَّها للَّه ، الى قوله والرّعية : اشارة الى حسن التدبير فى الولاية عن الامام الحق بعباده . ومنفّرا أى : يطوّل الصلاة . والضمير فى منهم : للولاة . وقوله فيصغر ، الى قوله : القبيح : اشارة الى المفاسد اللازمة من الاحتجاب . والضمير فى عندهم : للرعيّة . وصغر الامر الكبير : كان يظلم القوىّ فيصغّر النّاس حرمته ، وكبر الضعيف كان يقع من بعض الضعفاء صغيرة فيعظمها الناس ، وكذلك قبح الحسن ، وحسن القبيح . والسمات : العلامات . وتلك الأحوال ، اشارة الى الاستيثار والتطوّل وقلة الانصاف[1]. والحسم : القطع واسباب تلك الاحوال هو : كما اشار اليه ونهاه عنه من اقطاع القطائع لحاشيته وخاصّته وهى قرابته . واعتقاد : العقد ، وكنى بها عمّا يقتنى من الضياع . والعقدة : الضيعة ، والمكان كثير الشجر والنخل . واعتقد الضيعة : اقتناها . ومن لزمه أى : الحق . ومحتسبا اى : متقرّبا به الى اللَّه تعالى . وقوله : واقعا ذلك ، اى : الزام الحق ، وحيث وقع اى : من سخط او رضى منهم ، وعاقبته : هو ثواب الآخرة والذكر الجميل[2]. ومغبّة ذلك : عاقبته المذكورة . وأصحر : اظهر . والدّعة : الراحة . ولما استوبلوا ، اى : لما وجدوه من الوبال فى عاقبة الغدر ، وهو وخمها وسوءها . وخاس بالعهد : نقضه . والختل : الخداع ، ونبّه على انّ الخداع بالمعاهدة والعذر بها جرأة على اللَّه يستلزم الشقاوة ، بقوله : فانّه الى قوله : شقّى ، وفيه : تنبيه على ضمير تقدير صغراه فانّك بذلك مجتر على اللَّه وتقدير كبراه ، وكلّ مجتر على اللَّه تلزمه الشقاوة الأخروية . وافضا : وسعه وبسطه . ويستفيضون : يندفعون الى جواره ولزومه . والادغال : الافساد . والمدالسة : مفاعلة من التدليس . والعلل : الاحداث المفسدة للعهود ونحوها . ولحن القول : كالتورية ، والتعرض فيه . كما ادّعاه طلحة فى بيعته لعليّ عليه السلام . ولا يستقبل ويتلقى الَّا الخير ، وروى يستقيل بالياء اى : لا يكون لك من تلك البيعة اقالة فى الدنيا والآخرة . وأحرى : أولى . والقود : قتل القاتل بالمقتول . وأفرط : سبق . والوكزة : مثل الضربة بجمع اليد على الذقن . ولا يطمحن اى : لا ترتفع . والفرصة : امكان الشيء من نفسه . والتزيد : اظهار


[1]في ش : الانتصاف
[2]من كلمة قوله ، الى آخر السطر غير موجود في نسخة ش .


صفحه 555


الزيادة مع عدمها فى معرض الافتخار ، ونفر عن المنّ ، والتزيد ، والخلف : بضمائر ثلاثة وتقدير كبرياتها ، وكلّ ما كان كذلك فلا يجوز فعله ، ونبّه على صغرى الثالث ، وهى قوله : الخلف ، الى قوله : الناس ، ضمير صغراه قوله : فان اللَّه سبحانه . الى قوله تفعلون . وقولهم مالا يفعلون هو الخلف ، وتقدير كبراه وكلّ ما وعد اللَّه المقت على فعله ، اوجب فعله المقت عنده وعند الناس . والعجلة فى الامور قبل أوانها . واللجاجة فى طلبها اذا تنكَّرت اى : لم يعرف وجه تحصيلها . وتعسّرت : هو طرف الافراط فى طلبها ، والتساقط فيها والقعود عنها عند امكانها ، والوهن عنها عند وضوحها . وضع كل أمر موضعه . واسوة اى : سواء . التغابى : التغافل . ويعنى به اى : ما ينبغي العناية به من رد المظالم الواقعة منك او بسببك . واشار باغطية الامور : الى غطاء البدن ، وهيئته الحاجبة لحقائق الأمور : ان يدركها بعين بصيرته . وحميّة الانف : الغضب والأنفه . وسورة حدته : غضبه وبأسه . وغرب اللسان : حدّته . والبادرة : سرعة السطوة والعقوبة . والعلَّة : التعلَّل بما يشبه الغدر . واعلم انّ مقاصد هذا العهد واضحة بيّنة ولا مزيد على ما اودعه عليه السلام من الحكمة الخلقية والمدنية والسياسية ، وكمالات القوّة العملية التي ورثها الأنبياء والمرسلون أوصياءهم ، والحكماء السابقون من بعدهم ، وكفى بذلك شرفا وفضلا . وباللَّه التوفيق .
54 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى طلحة والزبير ، مع عمران بن الحصين الخزاعى ذكره أبو جعفر الاسكافى فى كتاب المقامات فى مناقب أمير المؤمنين عليه السلام أمّا بعد ، فقد علمتما وإن كتمتما أنّى لم أرد النّاس حتّى أرادونى ، ولم أبايعهم حتّى بايعونى ، وإنّكما ممّن أرادنى وبايعنى ، وإنّ العامّة لم تبايعنى لسلطان غالب ، ولا لعرض حاضر ، فإن كنتما بايعتمانى طائعين فارجعا وتوبا إلى اللَّه من قريب ، وإن كنتما بايعتمانى كارهين فقد جعلتما لى عليكما السّبيل بإظهار كما الطَّاعة ، وإسراركما المعصية . ولعمرى ما كنتما بأحقّ المهاجرين بالتّقيّة والكتمان ، وإنّ دفعكما هذا الأمر [ من ] قبل أن تدخلا فيه كان أوسع عليكما من خروجكما منه بعد إقراركما به .


صفحه 556


وقد زعمتما أنّى قتلت عثمان ، فبينى وبينكما من تخلَّف عنّى وعنكما من أهل المدينة ، ثمّ يلزم كلّ امرىء بقدر ما احتمل . فارجعا أيّها الشّيخان عن رأيكما ، فإنّ الآن أعظم أمركما العار ، من قبل أن يجتمع العار والنّار .
اقول : خزاعة : قبيلة من الازد . والاسكافى : منسوب الى اسكاف[1]رستاق كبير كان بين النهروان والبصرة . وكتاب المقامات : الذى صنّفه الشيخ المذكور فى مناقب أمير المؤمنين عليه السلام[2]. وقوله : ثم يلزم كلّ امرئ أى : من اللَّائمة والعار بقدر ما احتمل من الاثم والغدر . والعرب تعيّر بالغدر ونقض العهد كثيرا . والمعنى ظاهر ، وباللَّه التوفيق .
55 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى معاوية أمّا بعد ، فإنّ اللَّه سبحانه جعل الدّنيا لما بعدها ، وابتلى فيها أهلها ، ليعلم أيّهم أحسن عملا ، ولسنا للدّنيا خلقنا ، ولا بالسّعى فيها أمرنا ، وإنّما وضعنا فيها لنبتلى بها ، وقد ابتلانى اللَّه بك وابتلاك بى : فجعل أحدنا حجّة على الآخر ، فعدوت على طلب الدّنيا بتأويل القرآن ، فطلبتنى بما لم تجن يدي ولا لسانى ، وعصبته أنت وأهل الشّام بى ، وألَّب عالمكم جاهلكم وقائمكم قاعدكم ، فاتّق اللَّه فى نفسك ، ونازع الشّيطان قيادك ، واصرف إلى الآخرة وجهك فهى طريقنا وطريقك ، واحذر أن يصيبك اللَّه منه بعاجل قارعة تمسّ الأصل ، وتقطع الدّابر ، فإنّى أولى لك باللَّه أليّة غير فاجرة : لئن جمعتنى وإيّاك جوامع الأقدار لا أزال بباحتك * ( ( حَتَّى يَحْكُمَ الله بَيْنَنا وهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ) ) *[3].
اقول : اراد بالسعى فيها : السّعى المذموم فى طلبها لنفسها ، وقد سبق معنى ابتلاء


[1]معجم البلدان 1 - 181
[2]فهرست ابن النديم - 213
[3]سورة الاعراف - 87 .


صفحه 557


لعباده . ووجه كونه عليه السلام ، حجّة على معاوية : دعائه اياه الى طاعة اللَّه ، وذلك حجّة اللَّه عليه ان يقول يوم القيامة انى كنت من الغافلين . ووجه كون معاوية حجّة عليه : عصيانه للَّه ومحاربته ايّاه ، حتى لو قصّر فى مقاومته كان ملوما ، فكان معاوية حجّة اللَّه على تقصيره فى طاعته : وعدوت : يحتمل ان يكون من العدو فهو الجرى ، او من العدوان ، وتأويل القرآن كقوله تعالى : * ( ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى ) ) *[1]وتأويله لذلك : بإدخال نفسه فيه وطلب القصاص لعثمان ، وانما دخل بالتأويل : لان الخطاب خاص ممن قتل ، وقتل منه ، ومعاوية بمعزل عن ذلك ، اذا لم يكن ولىّ دمه فتأول الآية بالعموم : ليدخل فيها . وما لم تجن يدي ، اى : من القتل والمشاركة فيه . وعصبته : علقته . والتأليب : التحريض . والقارعة : الدّاهية . والدابر ألمتأخّر : من النسل . والاليّة : اليمين . وباحة الدار : ساحتها . وفى وعيده بعدم انفكاكه عنه الى الغاية المذكورة بلاغ فى التخويف والانذار .
56 - ومن وصيّة له عليه السّلام وصّى بها شريح بن هانى[2]، لما جعله على مقدّمته إلى الشام اتّق اللَّه فى كلّ صباح ومساء ، وخف على نفسك الدّنيا الغرور ، ولا تأمنها على حال ، واعلم أنّك إن لم تردع نفسك عن كثير ممّا تحبّ مخافة مكروهه سمت بك الأهواء إلى كثير من الضّرر . فكن لنفسك مانعا رادعا ، ولنزوتك عند الحفيظة واقما قامعا .
اقول : لا تأمنها على حال اى : تركن اليها البتّة ، لانّها غرور ونفسه التي أمر بكفّها : الامارة بالسوء . والنزوة : الوثبة . والحفيظة : الغضب . والرادع : الذى يردّ الشيء أقبح الرد . والوقم : القهر والاذلال . وكذلك القمع .


[1]سورة البقرة - 178
[2]شريح بن هاني بن يزيد الحارثي الهمداني قتل في سجستان سنة 78 ه .


صفحه 558


< فهرس الموضوعات > كتابه عليه السلام إلى أهل الكوفة < / فهرس الموضوعات > 57 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى أهل الكوفة ، عند مسيره من المدينة إلى البصرة أمّا بعد ، فإنّى خرجت من حيّ هذا ، إمّا ظالما ، وإمّا مظلوما ، وإمّا باغيا وإمّا مبغيّا عليه ، وإنّى أذكَّر اللَّه من بلغه كتابى هذا ، لمّا نفر إلىّ ، فإن كنت محسنا أعاننى ، وإن كنت مسيئا استعتبني .
اقول : الحىّ : القبيلة ، وقوله : إمّا ظالما ، الى قوله عليه : من باب تجاهل العارف ، او لأن اهل الكوفة لم يكن بعد ظهرت لهم القضّية ليعرفوا الظالم من المظلوم ومن بلغه : مفعول اول لا ذكر اخّر لطوله . ولمّا مشددة : بمعنى الَّا ، ومخفّفه هى « ما » زائدة دخل عليها لام التأكيد ، اى : لينفرنّ الى . وباللَّه التوفيق .
< فهرس الموضوعات > كتابه عليه السلام إلى أهل الأمصار يذكر فيه ما جرى بينه وبين أهل صفين < / فهرس الموضوعات > 58 - ومن كتاب له عليه السّلام كتبه إلى أهل الأمصار ، يقتصّ فيه ما جرى بينه وبين أهل صفين وكان بدء أمرنا أنّا التقينا والقوم من أهل الشّام ، والظَّاهر أنّ ربّنا واحد ، ونبيّنا واحد ، ودعوتنا فى الاسلام واحدة ، ولا نستزيدهم فى الايمان باللَّه والتّصديق برسوله ولا يستزيدوننا : الأمر واحد إلَّا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ، ونحن منه براء فقلنا : تعالوا نداو مالا يدرك اليوم باطفاء النّائرة ، وتسكين العامّة ، حتّى يشتدّ الأمر ويستجمع فنقوى على وضع الحقّ مواضعه ، فقالوا : بل نداويه بالمكابرة فأبوا حتّى جنحت الحرب وركدت ، ووقدت نيرانها وحمست . فلمّا ضرّستنا وإيّاهم ، ووضعت مخالبها فينا وفيهم ، أجابوا عند ذلك إلى الَّذى دعوناهم إليه ، فأجبناهم إلى ما دعوا ، وسارعناهم إلى ما طلبوا ، حتّى استبانت عليهم الحجّة ، وانقطعت منهم المعذرة . فمن تمّ على ذلك منهم فهو الَّذى أنقذه اللَّه من الهلكة ، ومن لجّ وتمادى فهو الرّاكس الَّذى ران اللَّه على قلبه ، وصارت دائرة السّوء على رأسه .


صفحه 559


اقول : يروى بدء امرنا اى : مبتدأه . والثائرة : العداوة . وقوله : فقلنا ، الى قوله مواضعه : كناية عن دعائه لهم الى حقن الدماء بترك الحرب . وقوله : فقالوا الى قوله المكابرة : كناية عن إبائهم ومخالفتهم له . وجنحت : مالت . وركدت : ثبتت . وحمست : اشتدّت . وروى بالشين المعجمة اى : التهبت غضبا . واجابتهم الى ما دعاهم اليه طلبهم للصلح ، وحقن الدماء : صبيحة ليلة الهرير كما سبق ، واجابته لهم فى رضاه : بالتّحكيم وظهور الحجّة عليهم ، برجوعهم الى عين ما كان يدعوهم اليه من حقن الدماء ، وفى ذلك انقطاع عذرهم : فى المطالبة بدم عثمان ، اذ كان سكوتهم عن دم صحابىّ لا حق لهم فيه ، اسهل من سفك دماء سبعين الفا من المهاجرين والانصار والتابعين بإحسان . ومن تمّ على ذلك اى : على الصلح والرضا به ، فهو الذى انقذه اللَّه اى : اخلصه من الهلكة . ومن لجّ اى : فى انكار الصلح ، وتحكيم كتاب اللَّه وتمادى فى ذلك اى : اقام عليه ، وهم الخوارج ، واستعار لهم لفظ الراكس ، وهو : المردود مقلوبا باعتبار انتكاس عقولهم ، فى ظلمة الجهل ، والشبه الباطلة ، بعد استنارتها وظهورها بنور الايمان او انتكاسهم فى العقوبة ، والقتل فى الدنيا ، والعذاب فى الآخرة كقوله تعالى : * ( ( والله أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا ) ) *[1]اى ردّهم الى عقوبة كفرهم .
59 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى الأسود بن قطيبة صاحب جند حلوان أمّا بعد ، فإنّ الوالى إذا اختلف هواه منعه ذلك كثيرا من العدل ، فليكن أمر النّاس عندك فى الحقّ سواء ، فإنّه ليس فى الجور عوض من العدل ، فاجتنب ما تنكر أمثاله ، وابتذل نفسك فيما افترض اللَّه عليك راجيا ثوابه ، ومتخوّفا عقابه . واعلم أنّ الدّنيا دار بليّة لم يفرغ صاحبها فيها قطَّ ساعة إلَّا كانت فرغته عليه حسرة يوم القيامة ، وأنّه لن يغنيك عن الحقّ شيء أبدا ، ومن الحقّ عليك حفظ نفسك ، والاحتساب على الرّعيّة بجهدك ، فإنّ الَّذى يصل إليك من ذلك أفضل من الَّذى يصل بك ، والسّلام .


[1]سورة النساء - 88 .


صفحه 560


اقول : ما تنكر امثاله : من غيرك ، ولم يفرغ اى : من العمل فى طاعة اللَّه وحفظ نفسك اى : فى الآخرة . والاحتساب على الرعية اى : بالأخذ على أيديهم فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . وقوله : فان الَّذى الى آخره : صغرى ضمير نبّه به على وجوب الاحتساب ، والمعنى ، الذى يصل اليك من ثواب العمل بذلك : افضل ممّا يصل الى الرعيّة من عدلك ، واحسانك اليهم .
60 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى العمال الذين يطأ الجيش عملهم من عبد اللَّه علىّ أمير المؤمنين إلى من مرّ به الجيش من جباة الخراج وعمّال البلاد . أمّا بعد ، فإنّى قد سيّرت جنودا هى مارّة بكم إن شاء اللَّه ، وقد أوصيتهم بما يجب للَّه عليهم من كفّ الأذى وصرف الشّذى ، وأنا أبرأ إليكم وإلى ذمّتكم من معرّة الجيش إلَّا من جوعة المضطرّ لا يجد عنها مذهبا إلى شبعه فنكَّلوا من تناول منهم شيئا ظلما عن ظلمهم ، وكفّوا أيدى سفهائكم عن مضادّتهم والتّعرّض لهم فيما استثنيناه منهم ، وأنا بين أظهر الجيش ، فارفعوا إلىّ مظالمكم وما عراكم ممّا يغلبكم من أمرهم ، ولا تطيقون دفعه إلَّا باللَّه وبى ، فأنا أغيّره بمعونة اللَّه تعالى ، إن شاء اللَّه .
أقول : الشذى : الشر[1]. ومعرّة الجيش : مضرّته . ونكَّلوا : جبّنوا وخوّفوا ، وما استثناه منهم هو جوعة المضطَّر . وكونه بين اظهر الجيش : كناية عن كونه مرجعا لهم . وعراكم : غشيكم .


[1]في ش : الشرة .