قلوبهم يستمالون الى نصرة الدين بالعطاء ، وقيل : هو عمرو بن العاص حين اطعم مصر على حرب عليّ عليه السلام . والتأليب : الجمع والتحريض . والتأنيب : التعنيف واللوم .
ونيتم : فترتم ، والونى : الفتور والضعف والتّباطى عن الامر . وتزوى : تقبض وتجمع . وتقرّوا بالخسف : ترضوا بالدنية والنقصان . تبوؤا : ترجعوا ، وباء بكذا : رجع به . والارق : كثير السهر ، وهو كناية عن المتيّقظ فى الامور المهتمّ بها .
63 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى أبى موسى الأشعرىّ ، وهو عامله على الكوفة ، وقد بلغه عنه تثبيطه الناس عن الخروج إليه لمّا ندبهم لحرب أصحاب الجمل من عبد اللَّه علىّ أمير المؤمنين إلى عبد اللَّه بن قيس أمّا بعد ، فقد بلغنى عنك قول هو لك وعليك ، فإذا قدم رسولى عليك فارفع ذيلك ، واشدد مئزرك ، واخرج من جحرك ، واندب من معك . فإن حقّقت فانفذ ، وإن تفشّلت فابعد وايم اللَّه لتؤتينّ من حيث أنت ، ولا تترك حتّى يخلط زبدك بخاثرك ، وذائبك بجامدك ، وحتّى تعجل عن قعدتك ، وتحذر من أمامك كحذرك من خلفك ، وما هى بالهوينا الَّتى ترجو ، ولكنّها الدّاهية الكبرى يركب جملها ، ويذلّ صعبها ، ويسهل جبلها . فاعقل عقلك ، واملك أمرك وخذ نصيبك وحظَّك فإن كرهت ، فتنحّ إلى غير رحب ولا فى نجاة ، فبالحرىّ لتكفينّ وأنت نائم حتّى لا يقال : أين فلان واللَّه إنّه لحقّ مع محقّ ، وما يبالي ما صنع الملحدون .
اقول : ثبّطه عن الامر : أشغله عنه وأقعده . والقول الذى هو له وعليه وهو : تثبيطه الناس عن النهوض الى حرب البصرة بقوله : انّ ذلك فتنة ، وما كان يرويه عن الرسول صلى اللَّه عليه وآله من القعود عن الفتنة وهو له : باعتبار ظاهر الدين وعليه : باعتبار انّه تنفير عن طاعة الإمام الحق واجب الطاعة . وخروج عنها بالجهل ، وذلك عائد على فاعله بالمضرّة الاخروية والدنيويّة . ورفع ذيله وشدّ مئزره : كناية عن تشميره فى المسارعة الى امره . واستعار لفظ الحجر لبيته : ملاحظة لشبهه بالثعلب ونحوه . وآندب أىّ : أبعث . و
قوله : وان حققت اى : ما نحن فيه من هذا الأمر وصحّة وجوب المتابعة فيه فانفذ فى ذلك وامض فيه . وان تفشّلت اى : جبنت وضعفت عن معرفة ذلك فابعد عنا وعنه . وقوله : حتى يخلط ، الى قوله : بحامدك ، كالمثلين كنّى : بهما عن خلط احواله الصّافية بالتكدير كعزّته بذلَّته ، وسروره بغمّه ، وسهولة امره بصعوبته .
والقعدة : هيئة القعود ، وانما جعل الحذر من خلف اصلا فى التّشبيه : لانه المعتاد فى الحذر ، وهو كناية عن غاية الخوف .
وقيل : أراد حتى تخاف من الدنيا كخوفك من الآخرة . وقوله : وما هى بالهوينا ، اى : وما القصّة المعهودة بالهيّنة السهلة . وقوله : يركب جملها ، الى قوله جبلها اى : يركب الجمل فيها ويذلّ الصعب الداخل فيها . واستعار لفظ الجبل : للثابت من الرجال ، الرابط : الجأش . ويسهل اى : يلين فيها ويذلّ ، كلّ ذلك ، كناية عن شدّتها . وعقلك مصدر يقال : فلان عقل عقله اذا رجع نفسه كأنه شعر بشعوره بالشىء ، فنصبه اى : اعقل عقلك بهذه الحال العظيمة . وقيل : هو مفعول به . واعقله مأخوذ من العقال اى : اضبط عقلك واحبسه على معرفة الحق لا تفرّقه فيما لا ينبغي . ونصيبه من حظه اى : من طاعة اللَّه . وقوله : بالحرى لتكفّين ، اى : فبالأجدر والاولى ان تكفى مؤنة هذا الامر ، وانت نائم عن طاعة اللَّه حتى لا يسأل عنك ولا تلتفت اليك . والضمير فى انّه : للامر المدعو اليه . وألحد فى الدّين : مال عن الاستقامة فيه . وباللَّه التوفيق .
64 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى معاوية ، جوابا[1]أمّا بعد ، فإنّا كنّا نحن وأنتم على ما ذكرت من الألفة والجماعة ففرّق بيننا وبينكم أمس أنّا آمنّا وكفرتم ، واليوم أنّا استقمنا وفتنتم ، وما أسلم مسلمكم إلَّا كرها ، وبعد أن كان أنف الإسلام كلَّه لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم حزبا . وذكرت أنّى قتلت طلحة والزّبير ، وشرّدت بعائشة ونزلت ، المصرين وذلك أمر غبت عنه فلا عليك ، ولا العذر فيه إليك .
[1]راجع رسالة معاوية . . . جمهرة رسائل العرب 1 - 366 .
وذكرت أنّك زائرى فى المهاجرين والأنصار ، وقد انقطعت الهجرة يوم أسر أخوك ، فإن كان فيك عجل فاسترفه ، فإنّى إن أزرك فذلك جدير أن يكون اللَّه إنّما بعثنى للنّقمة منك وإن تزرنى فكما قال أخو بنى أسد :
< شعر > مستقبلين رياح الصّيف تضربهم بحاصب بين اغوار وجلمود < / شعر > وعندى السّيف الَّذى أعضضته بجدّك وخالك وأخيك فى مقام واحد وإنّك - واللَّه - ما علمت الأغلف القلب ، المقارب العقل ، والأولى أن يقال لك : إنّك رقيت سلَّما أطلعك مطلع سوء عليك لالك ، لأنّك نشدت غير ضالَّتك ، ورعيت غير سائمتك ، وطلبت أمرا لست من أهله ولا فى معدنه ، فما أبعد قولك من فعلك وقريب ما أشبهت من أعمام وأخوال حملتهم الشّقاوة وتمنّى الباطل على الجحود بمحمّد ، صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، فصرعوا مصارعهم حيث علمت لم يدفعوا عظيما ، ولم يمنعوا حريما بوقع سيوف ما خلا منها الوغى ، ولم تماشها الهوينا . وقد أكثرت فى قتلة عثمان فادخل فيما دخل فيه النّاس ، ثمّ حاكم القوم إلىّ أحملك وإيّاهم على كتاب اللَّه تعالى ، وأمّا تلك الَّتى تريد ، فإنّها خدعة الصّبىّ عن اللَّبن فى أوّل الفصال ، والسّلام لأهله .
اقول : امس : كناية عن بدأ الاسلام . وفتنتم ، اى : ابتليتم بالبغى . وممّن اسلم كرها : ابو سفيان كما نبّهنا عليه فى الاصل[1]. واستعار لفظ الانف : لأشراف المسلمين ، باعتبار شرفهم وتقدّمهم كالانف . والتشريد : الإبعاد . والمصرين : البصرة والكوفة ، وقوله ولقد انقطعت الهجرة يوم أسراخوك اشارة : الى انهم لم يكونوا من المهاجرين ، اذ كان هو وابوه وجماعتهم ممن أخذ يوم الفتح ، ومنّ عليهم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله ، فأطلقهم وسمّاهم بالطَّلقاء ، بعد ان اسلموا يومئذ كما سبق بيانه .
وقال صلى اللَّه عليه وآله يومئذ : لا هجرة بعد الفتح . وروى اسراخوك واخوه المأسور هو : عمرو بن ابى سفيان يوم بدر . ووجه التمثيل بالبيت انّه لا حظ مشابهة استقبال معاوية له باستقبالهم رياح الصيف فى شدّة حرّها ، وحملها للحصاة فى وجوه مستقبلها ، ومشابهة نفسه وجمعه برياح الصيف الموصوفة باعتبار شدّة بأسهم وسطوتهم . واستعار بحسب
[1]الشرح الكبير 5 - 209 .
تلك المشابهة لفظ الرياح المذكورة وأوصافها لهم . والحاصب : الريح الشديدة ترمى بالحصباء . والاغوار : المنخفضة من الارض جمع غور والجلمود : الحجارة . واغصصت السيف بفلان اى : جعلته يغصّ به وهو من المغلوب لان المضروب هو الذى يغصّ بالسّيف . وقد ذكرنا انه عليه السلام قتل جدّه لامه ، وخاله ، واخاه حنظلة يوم بدر . وروى اعضضته بالضاد المعجمة : استعارة . وما : بمعنى الذى . ولفظ الأغلف : مستعار لقلبه باعتبار كونه مغشّى بالشبهات والهيئات البدنيّة الحاجبة له عن ادراك الحقّ . وفلان مقارب العقل ، اى : قليله وناقصه . وقوله : نشدت الى قوله : سائمتك مثلان : كنّى بهما عن طلبه لما ليس له بحق . وقوله : هو طلبه : لما ليس له نحلة عثمان ، وفعله وحركاته فى طلب الملك ، وما : مصدريّة محلها الرفع بالابتداء ، وقريب خبره مقدما . قيل : فمن اهل الشقاوة ، من جهة عمومته حمّالة الحطب . ومن جهة خؤولته الوليد بن عتبة . ويدخل فى ذلك : عمومة ابويه كشيبة عمّ هند . والباطل : الذي كانوا يتمنّونه كالنصرة على محمّد عليه السلام ، واقامة امر الشرك . وحيث علمت كبدر وحنين ، وغيرها من المواطن .
والوغى : الحرب . وقوله : ولم تماشها الهوينا ، اى : لم يلحق ضربها هون ولا سهولة . وما دخل فيه الناس : هو بيعته عليه السلام وطاعته . واما تلك التي تريدها : فهى خدعته بتغليبه ، وبغيه لغاية ان يرضى باقراره على الشام . وباللَّه التوفيق .
65 - ومن كتاب له عليه السّلام إليه أيضا أمّا بعد ، فقد آن لك أن تنتفع باللَّمح الباصر من عيان الأمور ، فقد سلكت مدارج أسلافك بادّعائك الأباطيل ، وإقحامك غرور المين والأكاذيب ، وبانتحالك ما قد علا عنك ، وابتزازك لما اختزن دونك ، فرارا من الحقّ ، وجحودا لما هو ألزم لك من لحمك ودمك : ممّا قد وعاه سمعك ، وملئ به صدرك ، فما ذا بعد الحقّ إلَّا الضّلال المبين ، وبعد البيان إلَّا اللَّبس فاحذر الشّبهة واشتمالها على لبستها ، فإنّ الفتنة طالما أغدفت جلابيبها ، وأعشت الأبصار ظلمتها .
وقد أتانى كتاب منك ذو أفانين من القول ضعفت قواها عن السّلم ، وأساطير لم يحكها منك علم ولا حلم ، أصبحت منها كالخائض فى الدّهاس ، والخابط فى الدّيماس ، وترقّيت إلى مرقبة بعيدة المرام نازحة الأعلام ، تقصر دونها الأنوق ويحاذى بها العيّوق . وحاش للَّه أن تلى للمسلمين بعدى صدرا أو وردا أو أجرى لك على أحد منهم عقدا أو عهدا فمن الآن فتدارك نفسك وانظر لها ، فإنّك إن فرّطت حتّى ينهد إليك عباد اللَّه أرتجت عليك الامور ، ومنعت أمرا هو منك اليوم مقبول ، والسّلام .
أقول : استعار لفظ اللمح : الباصر ، لادراك عقله بسرعة ، من عيان الأمور : متعلَّق بتنتفع . والمدارج : المسالك والمذاهب . والاقتحام : الدخول فى الشيء بشدّة . وانتحل الشيء : ادّعاه لنفسه . وليس له وما علا عنه : هو ما يطلبه من الملك والإمرة . والابتزاز لما اختزن دونه ، هو : استلابه به وغصبه لمال المسلمين الَّذي من شأنه ان يخزن دونه ، وما هو الزم له هو طاعته عليه السلام . وما وعاه سمعه : من دليل ذلك ، وملىء به صدره : من العلم بوجوبه . واللَّبسة : اللابسون بها ، ولفظه مستعار لهم : باعتبار دخولهم فيها . واغدقت : أرسلت . والأفانين : الاجناس المختلفة . وذمّ الكتاب من جهة اللفظ بانّه : اقوال مختلفة ملفقّة لا يتناسب . وليس لها قوّة توجب صلحا او عاطفة . ومن جهة المعنى بانّه : اباطيل غير محكمة النسج لا من جهة العلم ولا من جهة الحلم ، لانّ الكتاب ، يشتمل على خشونة وغلظة مع انّه فى معرض طلب الصلح . والأساطير جمع اسطوره : وهى الاباطيل الكذب . والدهاس : المكان السهل اللَّين كالرمل . والديماس : المكان شديد الظلمة ، وشبهه بالخائض والخابط فيهما ، باعتبار . انّه لا يهتدى لوجه الحق فى مسلكه وحركاته . والمرقبة : موضع عال مشرف يرتفع عليه الراصد . والانوق : الرخم[1].
والعيوق : نجم معروف . واستعار لفظ المرقبة : لولاية المسلمين وخصّ الرخمة : لانها بقصد الأماكن العاليّة الصعبة من رؤس الجبال فتوكر هناك . وتنهد : تنهض . وارتجت : اغلقت . وما هو مقبول منه اليوم : التّوبة والرجوع الى الطاعة . وباللَّه التوفيق .
[1]الرخم : طائر من فصيلة النسريّات ورتبة الجوارح ويتغذى باللحوم . حياة الحيوان 1 - 368 .
< فهرس الموضوعات > كتابه عليه السلام إلى عبد الله بن العباس < / فهرس الموضوعات > 66 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى عبد اللَّه بن العباس ، وقد تقدّم ذكره بخلاف هذه الرواية أمّا بعد ، فإنّ المرء ليفرح بالشّىء الَّذى لم يكن ليفوته ، ويحزن على الشّىء الَّذى لم يكن ليصيبه ، فلا يكن أفضل ما نلت فى نفسك من دنياك بلوغ لذّة أو شفاء غيظ ، ولكن اطفاء باطل أو احياء حقّ وليكن سرورك بما قدّمت ، وأسفك على ما خلَّفت ، وهمّك فيما بعد الموت .
اقول : بما قدّمت اى : لنفسك من الأعمال الصالحة النافعة فى الآخرة . وما خلَّفت اى : من الدنيا . واسفه عليه ان يكون أنفقه فى غير سبيل اللَّه .
< فهرس الموضوعات > كتابه عليه السلام إلى قثم بن العباس < / فهرس الموضوعات > 67 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى قثم بن العبّاس - رحمه الله - وهو عامله على مكة أمّا بعد ، فأقم للنّاس الحجّ ، وذكَّرهم بأيّام اللَّه ، واجلس لهم العصرين فأفت المستفتى ، وعلَّم الجاهل ، وذاكر العالم ، ولا يكن لك إلى النّاس سفير إلَّا لسانك ، ولا حاجب إلَّا وجهك ، ولا تحجبنّ ذا حاجة عن لقائك بها فإنّها إن ذيدت عن أبوابك فى أوّل وردها لم تحمد فيما بعد على قضائها وانظر إلى ما اجتمع عندك من مال اللَّه فاصرفه إلى من قبلك من ذوى العيال والمجاعة مصيبا به مواضع الفاقة والخلَّات ، وما فضل عن ذلك فاحمله إلينا لنقسمه فيمن قبلنا . ومر أهل مكَّة أن لا يأخذوا من ساكن أجرا ، فانّ اللَّه سبحانه يقول : * ( ( سَواءً الْعاكِفُ فِيه والْبادِ ) ) *[1]فالعاكف : المقيم به ، والبادى : الَّذى يحجّ إليه من غير أهله ، وفّقنا اللَّه وإيّاكم لمحابّه والسّلام .
اقول : أيّام اللَّه : كناية عن عقوباته التي نزلت بمن مضى فى الأيّام الخالية .
[1]سورة الحج - 25 .
والعصرين : الغداة والعشىّ . والسفير : الرسول . وذيدت : دفعت وردّت . والمفاقر : مواضع الفقر ووجوهه . واضاف مواضع اليه ، لتغاير اللَّفظين .
< فهرس الموضوعات > كتابه عليه السلام إلى الصحابي سلمان الفارسي رحمه الله < / فهرس الموضوعات > 68 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى سلمان الفارسى رحمه اللَّه قبل أيام خلافته أمّا بعد ، فانّما مثل الدّنيا مثل الحيّة ليّن مسّها قاتل سمّها ، فأعرض عمّا يعجبك فيها لقلَّة ما يصحبك منها ، وضع عنك همومها لما أيقنت به من فراقها ، وكن آنس ما تكون بها أحذر ما تكون منها ، فإنّ صاحبها كلَّما اطمأنّ فيها إلى سرور أشخصته عنه إلى محذور أقول : آنس حال ، وما ، مصدريّة وخبر كان احذر ، اى : كن حال أنسك بها احذر كونك منها . وقوله : فانّ صاحبها الى آخره اى : إنّ سكون صاحبها الى اللَّذة يستلزم العذاب المحذور فى الآخرة ، وقد نبّهنا عليه مرّات .
< فهرس الموضوعات > كتابه عليه السلام إلى الحارث الهمداني < / فهرس الموضوعات > 69 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى الحارث الهمدانى وتمسّك بحبل القرآن وانتصحه ، وأحلّ حلاله ، وحرّم حرامه ، وصدّق بما سلف من الحقّ ، واعتبر بما مضى من الدّنيا ما بقى منها ، فإنّ بعضها يشبه بعضا ، وآخرها لا حق بأوّلها وكلَّها حائل مفارق وعظَّم اسم اللَّه أن تذكره إلَّا على حقّ ، وأكثر ذكر الموت وما بعد الموت ، ولا تتمنّ الموت إلَّا بشرط وثيق واحذر كلّ عمل يرضاه صاحبه لنفسه ويكره لعامّة المسلمين ، واحذر كلّ عمل يعمل به فى السّرّ ويستحى منه فى العلانية واحذر كلّ عمل إذا سئل عنه صاحبه أنكره أو اعتذر منه . ولا تجعل عرضك غرضا لنبال القول ، ولا تحدّث النّاس بكلّ ما سمعت به ، فكفى بذلك كذبا ولا تردّ على النّاس كلّ ما حدّثوك به فكفى بذلك جهلا ، واكظم الغيظ واحلم عند الغضب ، وتجاوز عند المقدرة ، واصفح مع الدّولة تكن لك العاقبة ، واستصلح كلّ نعمة أنعمها اللَّه عليك ، ولا تضيّعنّ
نعمة من نعم اللَّه عندك ، ولير عليك أثر ما أنعم اللَّه به عليك . واعلم أنّ أفضل المؤمنين أفضلهم تقدمة من نفسه وأهله وماله ، فإنّك ما تقدّم من خير يبق لك ذخره ، وما تؤخّره يكن لغيرك خيره ، واحذر صحابة من يفيل رأيه وينكر عمله ، فانّ الصّاحب معتبر بصاحبه . واسكن الأمصار العظام فإنّها جماع المسلمين ، واحذر منازل الغفلة والجفاء وقلَّة الأعوان على طاعة اللَّه ، واقصر رأيك على ما يعنيك ، وإيّاك ومقاعد الأسواق فانّها محاضر الشّيطان ومعاريض الفتن ، وأكثر أن تنظر إلى من فضّلت عليه ، فإنّ ذلك من أبواب الشّكر ، ولا تسافر فى يوم جمعة حتّى تشهد الصّلاة إلَّا فاصلا فى سبيل اللَّه أو فى أمر تعذر به ، وأطع اللَّه فى جميع أمورك فإنّ طاعة اللَّه فاضلة على ما سواها ، وخادع نفسك فى العبادة ، وارفق بها ولا تقهرها ، وخذ عفوها ونشاطها إلَّا ما كان مكتوبا عليك من الفريضة ، فإنّه لا بدّ من قضائها وتعاهدها عند محلَّها ، وإيّاك أن ينزل بك الموت وأنت آبق من ربّك فى طلب الدّنيا ، وإيّاك ومصاحبة الفسّاق فإنّ الشّرّ بالشّرّ ملحق ، ووقّر اللَّه وأحبب أحبّاءه ، واحذر الغضب فإنّه جند عظيم من جنود إبليس .
اقول : همدان بسكون الدّال : قبيلة . وحبل القرآن : مستعار له يتمسّك به منه ليتوصّل به الى اللَّه . وانتصحه اى : اتّخذه ناصحا . وحائل : اى : زائل مفارق . والشرط الوثيق : طاعة اللَّه وما يرضاه صاحبه لنفسه ، ويكرهه لعامة الناس كالاستيثارات بالخيرات وهو كقوله : ارد للناس ما تريد لنفسك واكره لهم ما تكره لها . واستصلاح نعمة اللَّه واظهار اثرها بدوام شكرها والاحسان منها الى الغير ، واضاعتها بقلَّة ذلك والغفلة عنه . والتقدمة من النفس والاهل : استعمالهم فى طاعة اللَّه وعبادته . وصحابة : مصدر كالصحبة . ويفيل رأيه : يضعف . وجماع المسلمين : جامعتهم . وكون الاسواق محاضر الشيطان : باعتبار كونها مظانّ ثوران الشهوة ورؤية موادّها . وفاصلا فى سبيل اللَّه : ذاهبا فيه . وخادع نفسك اى : اجذ بها الى العبادة بالخديعة دون المقاهرة . وعفوها : ما سهل عليها ونحوه قول النبي صلى اللَّه عليه وآله : ( انّ هذا الدّين متين فأوغل فيه برفق ، ولا تُبغّض فيه الى نفسك عبادة اللَّه ، فان المنبتّ ، لا أرضاً قطع ولا ظهرا ابقى )[1]. واستعار الآبق : للخارج
[1]الجامع الصغير 1 - 384 . النهاية فى غريب الحديث 5 - 209 .