3 - وقال عليه السّلام : اعجبوا لهذا الانسان ينظر بشحم ، ويتكلَّم بلحم ، ويسمع بعظم ، ويتنفّس من خرم 4 - وقال عليه السّلام : إذا أقبلت الدّنيا على أحد أعارته محاسن غيره وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه . يريد : انّ اقبال الدّنيا : بسبب توافق أسباب الخير فيها لقوم يعدهم للحصول على مثل كمالاتها التي حصلت لمن كان قبلهم ممّا يعد حسنا . واذا أدبرت عنهم اعدّتهم لأضداد ذلك وسلبوا ما كان منه حاصلا لهم . واستعار وصف العارية لتلك الكمالات : باعتبار عدم دوامها 5 - وقال عليه السّلام : خالطوا النّاس مخالطة إن متّم معها بكوا عليكم ، وإن عشتم حنّوا إليكم . اراد المخالطة : بمكارم الاخلاق ، فانّها يستلزم ما ذكر .
6 - وقال عليه السّلام : إذا قدرت على عدوّك فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه . الشكر : هو الاعتراف بالنعمة : والعفو : مستلزم للاعتراف بنعمة القدرة على العدوّ ، فامر بالعفو المستلزم للشكر . واطلق لفظه على العفو مجازا : اطلاقا لاسم اللازم على ملزومه .
7 - وقال عليه السّلام : أعجز النّاس من عجز عن اكتساب الإخوان وأعجز منه من ضيّع من ظفر به منهم . امّا الاوّل : فلانّ اكتساب الاخوان اما يفتقر الى كرم الاخلاق وحسن المعاشرة وهى امور طبيعيّة فى اكثر الناس سهلة عليهم . واما المضيع لهم اعجز ، فلأنه لا يفتقر فى حفظهم الى كلفة التحصيل ، فكان سبب حفظهم اسهل فكان مضيّعهم أعجز .
8 - وقال عليه السّلام : فى الذين اعتزلوا القتال معه : خذلوا الحقّ ولم ينصروا الباطل والمعنى واضح .
9 - وقال عليه السّلام : إذا وصلت إليكم أطراف النّعم فلا تنفّروا أقصاها بقلَّة الشّكر . وهو : تمثيل للنعم بالنعم . واطرافها : اوائلها . واقصاها ، ما يأتي بعد ذلك . واستعار وصف التنفير لا نقطاعها بترك الشكر : لأنه سبب لمزيدها ، فانقطاعها بانقطاعه ، وفيه تنبيه على لزوم الشكر .
10 - وقال عليه السّلام : من ضيّعه الأقرب أتيح له الأبعد . اى من أهله وقومه اتيح له الأبعد ، اى : قدّر لمنفعته ومعونته لوجوب ذلك فى عناية اللَّه تعالى .
11 - وقال عليه السّلام : ما كلّ مفتون يعاتب . اى : ليس كلّ مبتلى بمعصية ينفع معه العتاب .
12 - وقال عليه السّلام : تذلّ الأمور للمقادير حتّى يكون الحتف فى التّدبير . فذلَّتها : مطاوعتها للقدر بحسب القضاء الإلهى . وربّما كان الهلاك المفضى منها مقدّرا فيما يعتقده الانسان تدبيرا صالحا لجهله بسرّ القدر .
13 - وسئل عليه السّلام : عن قول الرسول صلى اللَّه عليه وآله وسلم « غيّروا الشّيب ، ولا تشبّهوا باليهود »[1]فقال عليه السلام : إنّما قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ذلك والدّين قلّ ، فأمّا الآن وقد اتّسع نطاقة ، وضرب بجرانه فامرؤ وما اختار .
[1]فى رواية ان النبي ( ص ) قال : انّ اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم . صحيح مسلم 3 - 1663 عن أبى هريرة .
قد كان الرسول صلى اللَّه عليه وآله ندب الى الخضاب ليرى الكفار المسلمين بعين الشيبة والقوة حيث كانوا قليلين ، وكان ينفرهم عن تركه بانّ ذلك يشبّه باليهود ، ولذلك نبّه عليه السلام على المقصود فى قوله : والدين قلّ . واستعار لفظ النطاق ، وهو : شقة طويلة تنجر على الارض اذا البست للاسلام باعتبار عمومه وانبساطه . ولفظ الجران : وهو صدر البعير له ، باعتبار تمكَّنه وثباته . واشار بقوله : وامرؤ وما اختار : الى الإباحة بعد الندب .
14 - وقال عليه السّلام : من جرى فى عنان أمله عثر بأجله . استعار وصف الجرى : للاندفاع فى الأمل . ووصف العثار للأجل : باعتبار المعقول من قطعه لذلك الاندفاع تنفيرا عن الغفلة والجرى فيه .
15 - وقال عليه السّلام : أقيلوا ذوى المروءات عثراتهم ، فما يعثر منهم عاثر الَّا ويد اللَّه بيده يرفعه . استعار لفظ العثرات : للزلَّات الواقعة منهم . ولفظ اليد : لعناية اللَّه تعالى وقدرته . وكنّى عن تداركه لحاله وتعلق العناية به ، بكون يده بيده ، ترفعه وترفقه .
16 - وقال عليه السّلام : قرنت الهيبة بالخيبة ، والحياء بالحرمان ، والفرصة تمرّ مرّ السّحاب فانتهزوا فرص الخير . فاقترانهما : عبارة عن ملازمتهما غالبا ، وهو تنفير عن الهيبة والحياء المذمومين . وانتهز الفرصة : بادر وقتها . والفرصة ما أمكن من نفسه .
17 - وقال عليه السّلام : لنا حقّ فإن أعطيناه وإلَّا ركبنا أعجاز الابل وإن طال السّرى . قال الرضى : وهذا من لطيف الكلام وفصيحه ، ومعناه إنا إن لم نعط حقنا كنا اذلاء ، وذلك أن الرديف يركب عجز البعير كالعبد والأسير ومن يجرى مجراهما .
18 - وقال عليه السّلام : من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه .
يريد ان من لم يكن له عمل حسن يرفعه ، فتأخّر سبب ذلك[1]عن معالى الرتب ، لم يسرع به نسبه وشرف بيته اليها . وروى حسبه ، والحسب ، ما يعدّ من المآثر .
19 - وقال عليه السّلام : من كفّارات الذّنوب العظام إغاثة الملهوف والتّنفيس عن المكروب . فالملهوف : المظلوم يستغيث . والتنفيس : التفريح .
20 - وقال عليه السّلام : يا ابن آدم ، إذا رأيت ربّك سبحانه يتابع عليك نعمه وأنت تعصيه فاحذره . تتابع نعم اللَّه على العبد مع معصيته له استدراج منه يوجب حذره .
21 - وقال عليه السّلام : ما أضمر أحد شيئا الَّا ظهر في فلتات لسانه ، وصفحات وجهه . لانّ الوجود اللَّسانىّ ، مظهر للوجود الذّهني . والتصوّرات النفسانية مبادئ للامارة الظاهرة كصفرة الوجل ، وحمرة الخجل ، فالمضمر لشيء ، لا يكاد يضبطه دائما لغفلة العقل ، وقتامّا ، او اشتغاله بمهمّ آخر عن العناية بحفظ ما اضمر فينفلت به اللسان ويظهر ما يدلّ عليه فى الوجه ، كما يتبيّن من العداوة والغضب .
22 - وقال عليه السّلام : امش بدائك ما مشى بك . اى : ما دام المرض لا ينهضك فلا ينفعك عنه ، لانّ فى التجلَّد معاونة للطبيعة على دفعه ، ومن الأمراض ما يتحلَّل بالحركات البدنيّة .
23 - وقال عليه السّلام : أفضل الزّهد إخفاء الزّهد . اخفاؤه : للبعد[2]عن مخالطة الرياء المفسدة .
[1]في ش هكذا : فيأخر بذلك عن معالى الرتب
[2]في ش : لبعده .
24 - وقال عليه السّلام : إذا كنت فى إدبار والموت فى إقبال فما أسرع الملتقى . أراد ما يعقل من إدبار الانسان فى قطع منازل العمر عن اوله ، ومن وصول فنائه اليه بحسب توجّهه اليه .
25 - وقال عليه السّلام : الحذر الحذر فو اللَّه لقد ستر حتّى كأنّه قد غفر . وهو ظاهر .
26 - وسئل عليه السّلام : عن الإيمان ، فقال : الإيمان على أربع دعائم : على الصّبر ، واليقين ، والعدل ، والجهاد ، والصّبر منها على أربع شعب : على الشّوق والشّفق ، والزّهد ، والتّرقّب : فمن اشتاق إلى الجنّة سلاعن الشّهوات ، ومن أشفق من النّار اجتنب المحرّمات ، ومن زهد فى الدّنيا استهان بالمصيبات ومن ارتقب الموت سارع إلى الخيرات . واليقين منها على أربع شعب : على تبصرة الفطنة ، وتأوّل الحكمة ، وموعظة العبرة ، وسنّة الأوّلين : فمن تبصّر فى الفطنة تبيّنت له الحكمة ، ومن تبيّنت له الحكمة عرف العبرة ، ومن عرف العبرة فكأنّما كان فى الأوّلين . والعدل منها على أربع شعب : على غائص الفهم ، وغور العلم ، وزهرة الحكم ، ورساخة الحلم : فمن فهم علم غور العلم ، ومن علم غور العلم صدر عن شرائع الحكم ، ومن حلم لم يفرّط فى أمره وعاش فى النّاس حميدا . والجهاد منها على أربع شعب : على الأمر بالمعروف ، والنّهى عن المنكر ، والصّدق فى المواطن ، وشنآن الفاسقين فمن أمر بالمعروف شدّ ظهور المؤمنين ، ومن نهى عن المنكر أرغم أنوف المنافقين ، ومن صدق فى المواطن قضى ما عليه ، ومن شنىء الفاسقين وغضب للَّه غضب اللَّه له وأرضاه يوم القيامة . وقال عليه السلام : الكفر على أربع دعائم : على التّعمّق ، والتّنازع ، والزّيغ ، والشّقاق : فمن تعمّق لم ينب إلى الحقّ ، ومن كثر نزاعه بالجهل دام عماه عن الحقّ ، ومن زاغ ساءت عنده الحسنة ، وحسنت عنده السّيّئة ، وسكر سكر الضّلالة ، ومن شاقّ وعرت عليه طرقه ، وأعضل عليه أمره ، وضاق عليه مخرجه . والشّكّ على أربع شعب : على التّمارى والهول ، والتّردّد ، والاستسلام : فمن جعل المراء ديدنا لم يصبح ليله ، ومن هاله ما بين يديه نكص على عقبيه ، ومن تردّد فى الرّيب وطئته سنابك الشّياطين ، ومن
استسلم لهلكة الدّنيا والآخرة هلك فيهما . ( وبعد هذا كلام طويل تركنا ذكره خوف الإطالة والخروج عن الغرض المقصود فى هذا الباب ) .
أقول : اراد بالإيمان : الايمان الكامل ، وله اصل وكمالات ، اما الأصل فهو : استكمال القوّة النظريّة للنفس بتصور الامور ، والتصديق بالحقائق النظريّة ، والعمل بقدر الطاقة البشريّة ، ويسمّى حكمة علمية . واما الكمالات فهى : التحلَّى بالملكات الفاضلة ومكارم الاخلاق ، فمنها : استكمال القوّة العمليّة للنفس بملكة العلم ، بوجود الفضائل الخلقيّة ، وكيفية اكتسابها ووجود الرذائل النفسانية وكيفية اجتنابها ، وتسمّى حكمة عملية ، وعبّر عن هذه الحكمة والتي قبلها باليقين : لانّها لا تسمّى حكمة ، حتى تصير هذه الكمالات ملكة للنفس ويقينا . ومنها العفّة وعبّر عنها بالصبر : لانّه من لوازمها ، ومنها الشجاعة وهى : ملكة الإقدام الواجب على الأمور التي تنبغى دفعها ومقاومتها ، وعبّر عنها بالجهاد : لملازمتهما . ومنها العدل وهو : ملكة فاضلة ينشأ عن الفضائل الثلاثة المذكورة ويلزمها . واستعار لهذه الأربع لفظ الدعائم : باعتبار قيام الايمان الكامل بها .
ثمّ نبّه على ما يتشّعب عن هذه الدعائم من الفضائل ، ويكون كالنوع تحتها ، فالشوق الى الجنّة والاشفاق من النار والزهد فى الدنيا . وترقّب الموت يلزمها العفّة والصبر عن المحارم ، وتبصرة الفطنة واعمالها ، وتأوّل الحكمة وهو تفسيرها ، واستخراج الحقائق ببراهينها . والإتّعاظ عن العبر وملاحظة سنن الأوّلين حتى يصير كأنّه منهم .
شعب اليقين وفروعه ، وبعضها كالفرع لبعض ، والفهم الغائض وغور العلم واقصاه ، وهو العلم بالشىء بحقيقته ، ونور الحكم اى : الاحكام الصادرة عنه نيّرة واضحة ، ويحتمل ان يريد بالحكم الحكمة ونورها ان يكون ملكة واضحة . ورساخة الحلم وهو : ان يصير ملكة من شعب العدل وفروعه .
واعلم ، انّ فضيلتى جودة الفهم ، وغور العلم ، وان كانتا داخلتين تحت الحكمة ، وكذلك فضيلة الحلم ، داخلة تحت ملكة الشجاعة ، إلَّا ان العدل لما كان فضيلة موجودة فى الاصول الثلاثة ، كانت فى الحقيقة هى وفروعها شعبا للعدل .
والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، والصدق فى المواطن المكروهة . وشنآن الفاسقين أي : بغضهم المستلزم لعداوتهم وحربهم وجهادهم فى سبيل اللَّه من
شعب الشجاعة المعبّر عنها بالجهاد ، ولكلّ من هذه الفضائل ثمرة ، وبعض ثمراتها ثمرات لبعض كما اشار اليه وهو ظاهر .
وأمّا الكفر ، فله اصل ، هو الجهل بالصانع . وجحده انكار بعض رسله وما علم مجيئهم به ، بالضرورة او الشكّ فى شيء من ذلك ، ومتمّمات هى رذائل تفوته وتدعمه فمنها ، التعمّق وهو الافراط فى طلب الحق ، والتعسّف فيه بالجهل وهو رذيلة الجور ، ونفّر عنها بذكر ثمرتها ، وهو عدم الانابة الى الحق .
ثم التنازع ، وهو : رذيلة الافراط ( من فضيلة العلم ، ويسمّى جربزة )[1]ويعتمد الجهل المركَّب ، ويلزمه دوام العمى عن الحق .
ثم الزيع وهو : رذيلة التفريط من فضيلة العلم ، ويسمّى غباوة ، وجهلا بسيطا ، ولذلك لزمه قبح الحسن ، وحسن القبيح .
ثمّ الشقاق ، ويشبه أن يكون رذيلة الافراط من فضيلة الشجاعة ، ويسمّى تهوّرا ويلزمها عسر للسالك على صاحبها وضيق مخرجه من الأمور ، لأن مبدا سهولة المسالك واتساع المداخل والمخارج فى الامور هو الحلم عن الناس ، واحتمال مكروههم . وأعضل اشتدّ .
وامّا الشكّ ، فهو : تردّد الذهن فى اعتقاد احد طرفي النقيض ، ويتشّعب عنه التماري لأنه مبدء له ، ونفّر عمن اتخذّه ملكة بكونه لا يصبح ليله ، وكنّى بذلك عن عدم وضوح الحق له من ظلمة ليل الشكّ والجهل .
ثمّ الهول ، لأن الشكّ فى الامور ، يستلزم الخوف من الاقدام عليها ، وثمرته الرجوع على الاعقاب .
ثم التردّد فى الريب الى الانتقال من بعض جزئيات الشكّ الى بعض وذلك دأب من تعوّد الشك ، وصار له ملكة ، ونفّر عن ذلك بما يلزم ممّا كنّى عنه بوطئ سنابك الشياطين ، وهو ملك الوهم والخيال لأرض قلبه ، حتى يكون سلطان العقول بمعزل عن الحزم بما من شأنه الجزم به[2]. واستعار لفظ السنابك جمع سنبكة وهى[3]الاستسلام
[1]الجملة بين القوسين ساقطة في نسخة ش
[2]في ش : أن يجزم به
[3]في ش بزيادة : وهي معرّب ومعناه بالعجميّة سنب ، وزيد الكاف والهاء فيه ، والمراد به الحافر ، اى
لهلكة الدنيا والآخرة ، ويلزم عن الشك فى امورها لأن الشاكّ فيها غير عامل لشيء منها ، ولا متهمّ باسبابها ، وبحسب ذلك يكون استسلامه[1]لما يرد منها عليه ، ولزوم هلاكه عن ذلك ظاهر . وباللَّه التوفيق .
27 - وقال عليه السّلام : فاعل الخير خير منه ، وفاعل الشّرّ شرّ منه . لأن كلَّا منهما علَّة ، والعلَّة أفضل من معلولها ، واقوى فيما هى علَّة فيه .
28 - وقال عليه السّلام : كن سمحا ولا تكن مبذّرا ، وكن مقدّرا ولا تكن مقترّا . فالتبذير : طرف الافراط من فضيلة السّماحة . والتقتير : طرف التفريط منها والتقدير : هو العدل والاستواء عليها .
29 - وقال عليه السّلام : أشرف الغنى ترك المنى . وذلك لملازمته القناعة المستلزمة لغنى النفس ، وهو اشرف انواع الغنى . والمنى جمع منية : بمعنى التّمنّى .
30 - وقال عليه السّلام : من أسرع إلى النّاس بما يكرهون قالوا فيه بما لا يعلمون . وذلك لغلبة قواهم الغضبيّة على عقولهم بباعث تصوّر المكروه منه .
31 - وقال عليه السّلام : من أطال الأمل أساء العمل . وذلك لاستلزام طولة الغفلة عن الآخرة والاهتمام بها .
32 - وقال عليه السّلام : وقد لقيه عند مسيره الى الشام دهاقين الأنبار ، فترجّلوا له واشتدّوا بين يديه ، فقال : ما هذا الَّذى صنعتموه فقالوا : خلق منّا نعظَّم به أمراءنا ، فقال :
[1]حافر الشياطين ثم الاستسلام . . .