امور اخرى مشخّصة مخصّصة له ، فكان في نفسه معدودا لكثرته من تلك الجهة ، ومن حدّه بالاشارة العقلية فلا بدّ ان يحكم بتركيبه لما علمت انّ كل محدود مركب في المعنى ، فكان ايضا ذا كثرة معدودة فاذن الاشارة المطلقة ممتنعة في حقّه تعالى مستلزمة للجهل به .
الخامس عشر : كونه تعالى غير حالّ في شيء وبيّنه بقوله : ومن قال فيم فقد ضمّنه ، وهو في قوة صغرى ضمير تقدير كبراه ، ومن ضمنه فقد احوجه الى المحل المنافى لوجوب وجوده : امّا الصغرى فلأن فيما سؤال عن الظرف ولا يصحّ ذلك الَّا في المحل . وامّا الكبرى فلأن الحال في المحل ان لم يجب كونه فيه جاز استغناؤه عنه ، والغنىّ عن المحل يستحيل ان يعرض له ، وان وجب كونه فيه كان محتاجا اليه فكان ممكنا وهذا خلف .
السادس عشر : كونه تعالى ليس في مكان ولا في جهة ، واشار اليه بقوله : ومن قال . . . الى قوله : منه ، وهو في قوّة ضمير كالذى قبله ، وتقدير كبراه ، ومن أخلى منه فقد كذّبه ، امّا الصغرى فلانّ السؤال بعلام يستلزم كونه في جهة فوق وذلك يستلزم اخلاء سائر الجهات عنه ، وامّا الكبرى فلقوله تعالى : * ( ( وهُوَ الله فِي السَّماواتِ وفِي الأَرْضِ ) ) *[1]وقوله : * ( ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ ) ) *[2]فالمخصّص له بجهة كاذب[3]لذلك .
وانّما خصّص عليه السلام جهة العلوّ بالانكار لكونها هى المتوهّمة للَّه تعالى دون غيرها .
السابع عشر : كونه كائنا لا عن حدث .
واعلم ، انّ الحدوث يقال في الاصطلاح العلمي على معنيين بالاشتراك ، احدهما الحدوث الذاتى ، وهو كون الشيء من حيث هو لا يستحق من ذاته وجودا ولا عدما ، انما يستحق احدهما بأمر خارج عن ذاته وهو معنى يلازم الامكان .
وثانيهما[4]الحدوث الزمانى ، وهو كون الوجود مسبوقا بالعدم سبقا زمانيا ، وهو
[1]سورة الانعام - 3 .
[2]سورة الحديد - 4 .
[3]في ش : مكذب .
[4]في نسخة ش : والثاني .
اخّص من الامكان ويقابله القدم بمعنيين ، اذا عرفت ذلك فاعلم ، انّه عليه السلام نزّهه من هذه القرينة عن الحدوث بالمعنى الاوّل اذ كان تعالى واجب الوجود بذاته ، ودلّ بالكائن على وجوده المجرّد عن الزمان ، وخرج الزمان عن مفهوم كان بالدليل العقلى المانع من لحوق الزمان له ، وكان هنا تامة .
الثامن عشر : كون وجوده لا عن عدم ، وهو اشارة الى تقدّسه عن لحوق الحدوث له بالمعنى الثاني ، وقد استلزم هذان الوصفان اثبات الازلية والقدم بمعنييه له .
التاسع عشر : كونه مع كل شيء لا بمقارنة .
واعلم انّ كونه مع غيره نسبة تعرض له بالقياس الى جميع مخلوقاته ، اذ كلَّها منه ويصدق عليه ذلك بمعنى : انّ ذاته المقدّسة مساوية متصلَّة العلم بكلَّها وجزئها ، لقوله تعالى : * ( ( وهُوَ مَعَكُمْ ) ) * الآية ، لا على وجه المصاحبة في زمان او محلّ او مجاورتها في مكان .
ولما كان مفهوم المقارنة تعتبر فيه الزمان والمكان لا جرم نزّه تلك المعية عنها بقوله : لا بمقارنة .
العشرون : كونه غير كل شيء لا بمزايلة ، ولما كانت المزايلة وهى المفارقة اضافة لا تعقل الَّا بالقياس الى مقارنة وكان في وجوده تعالى وغيريته للأشياء منزّها عن لحوق هاتين الاضافتين لاعتبار الزمان والمكان في مفهوميهما ، لا جرم نفاها عن غيريته للاشياء كما نفى المقارنة عن معيّته لها بل غيريته للاشياء بذاته المقدّسة .
الحادى والعشرون : كونه فاعلا لا بمعنى الحركات والآلة ، اى : لا تدخل الحركة والآلة في فاعليته لكونهما من خواصّ الاجسام المتنزّه قدسه عنها ، ولانّه لو وقف فعله على الآلة لكان بدونها غير مستقلّ فيكون ناقصا بذاته مستكملا بغيره ، وهو محال .
الثاني والعشرون ، كونه بصيرا ، الى قوله : خلقه واراد اثبات البصر[1]له حيث لا مبصر ولما كان تعالى منزّها عن الادراك بآلة البصر ، فمعنى كونه بصيرا كونه عالما
[1]فى هامش النسخة ما لفظه : الفرق بين البصر والباصر ، والعليم والعالم ، والقدير والقادر ، هو أن البصر الذى من شأنه ذلك وان لم يكن هناك ما يبصر اليه ، والباصر هو الذي يدرك بالبصر ما يكون موجودا ، وكذا القول في العليم والعالم والقدير والقادر .
بالمبصرات ، واطلاق لفظ البصير عليه مجاز اطلاقا لاسم المسبب على السبب ، واشار باذ : الى اعتبار الازل فانّه اذن لا مخلوق لما ثبت انّ العالم حادث .
الثالث والعشرون ، كونه متوحّدا ، الى قوله : لفقده ، وهو وصف بتفرّده بالوحدانية لذاته ازلا ، اذ المتوحّد المطلق من له الوحدانية لذاته ، واشار باذ : لاعتبار الازل ايضا .
ولما ثبت انّ العالم حادث ثبت انّه لا سكن في الازل يقارنه ، ولانّه ليس من شأنه ان يكون له أنيس ينفرد عنه ويستوحش لفقده ، اذ الاستيناس والتوحّش يتعلَّقان بميل الطبع ونفرته التابعة للمزاج ، وقد تنزّه تعالى عن ذلك فهو المتفرّد بالوحدانية المطلقة لا بالقياس الى شيء .
الفصل الثاني ، فى نسبة ايجاد العالم الى قدرته تعالى جملة وتفصيلا والاشارة الى كيفية ذلك في معرض مدحه تعالى وذلك قوله : أنشأ الخلق انشاء ، وابتدأه ابتداء ، بلا رويّة أجالها ، ولا تجربة استفادها ولا حركة أحدثها ، ولا همامة نفس اضطرب فيها . أجال الأشياء لأوقاتها ولاءم بين مختلفاتها ، وغرّز غرائزها ، وألزمها أشباحها عالما بها قبل ابتدائها محيطا بحدودها وانتهائها عارفا بقرائنها وأحنائها . ثمّ أنشأ سبحانه فتق الأجواء وشقّ الأرجاء ، وسكائك الهواء فأجرى فيها ماء متلاطما تيّاره ، متراكما زخّاره . حمله على متن الرّيح العاصفة ، والزّعزع القاصفة فأمرها بردّه وسلَّطها على شدّه ، وقرنها إلى حدّه الهواء من تحتها فتيق والماء من فوقها دفيق ثمّ أنشأ سبحانه ريحا اعتقم مهبّها وأدام مربّها ، وأعصف مجراها ، وأبعد منشأها ، فأمرها بتصفيق الماء الزّخّار ، واثارة موج البحار ، فمخضته مخض السّقاء ، وعصفت به عصفها بالفضاء . تردّ أوّله إلى آخره ، وساجيه إلى مائره حتّى عبّ عبابه . ورمى بالزّبد ركامه ، فرفعه في هواء منفتق وجوّ منفهق ، فسوّى منه سبع سموات ، جعل سفلاهنّ موجا مكفوفا وعليا هنّ سقفا محفوظا ، وسمكا مرفوعا ، بغير عمد يدعمها ، ولا دسار ينظمها ثمّ زيّنها بزينة الكواكب ، وضياء الثّواقب ، وأجرى فيها سراجا مستطيرا وقمرا منيرا : فى فلك دائر ، وسقف سائر ، ورقيم مائر . ثمّ فتق ما بين السّموات العلا ، فملأهنّ أطوارا من ملائكته ، منهم سجود لا يركعون ، وركوع لا ينتصبون ، وصافّون لا يتزايلون ، ومسبّحون لا يسأمون .
لا يغشاهم نوم العيون ، ولا سهو العقول ، ولا فترة الأبدان ، ولا غفلة النّسيان . ومنهم أمناء على وحيه ، وألسنة إلى رسله ، ومختلفون بقضائه وأمره ، ومنهم الحفظة لعباده ، والسّدنة لأبواب جنانه ومنهم الثّابتة في الأرضين السّفلى أقدامهم ، والمارقة من السّماء العليا أعناقهم . والخارجة من الأقطار أركانهم ، والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم . ناكسة دونه أبصارهم متلفّعون تحته بأجنحتهم ، مضروبة بينهم وبين من دونهم حجب العزّة ، وأستار القدرة . لا يتوهّمون ربّهم بالتّصوير ، ولا يجرون عليه صفات المصنوعين ، ولا - يحدّونه بالأماكن ، ولا يشيرون إليه بالنّظائر .
أقول : انشاؤه الخلق وابتداؤه ايّاه ايجاده له على غير مثال سبق من غيره .
وقوله : بلا رويّة أجالها ، الى قوله : اضطرب فيها . تنزيه لعلمه تعالى وافعاله عن كيفيّات علوم الناس وشرائط افعالهم ، والرويّة الفكر ، واجالتها تقلَّبها في طلب أصلح الاراء والوجوه فيما يقصد من المطالب ، والتجربة مشاهدات من الانسان تتكرر فيستفيد عقله منها علما كليا ، والهمامة الاهتمام بالأمر ، وبرهان امتناع هذه الكيفيات على علومه تعالى وافعاله ، امّا الرويّة والتجربة فلكونها من خوّاص الانسان وبواسطة آلات جسمانية ممتنع عليه تعالى ، وكذلك الحركة من عوارض الجسمية .
وامّا الهمّة فلكونها عبارة عن الميل النفساني الحازم الى فعل الشيء مع التألَّم والغمّ بسبب تصوّر فقده ، وذلك في حق اللَّه تعالى محال[1].
وقوله : أجال الاشياء لأوقاتها ، اى : ادار كل ذي وقت الى وقته ، وربطه به دون ما قبله وما بعده من الاوقات ، وكتبه في لوحه المحفوظ وعلمه المبين ، واللام في لاوقاتها للتعليل اذ كان كل وقت يستحق بحسب علم اللَّه وحكمته ان يكون فيه ما ليس في غيره ، وروى احال بالحاء ، اى : حوّل كلَّا الى وقته ، وروى اجّل أي : جعلها ذات آجال لا يتقدّم عليها ولا يتأخّر عنها .
وقوله : ولائم بين مختلفاتها : تنبيه على كمال قدرته تعالى ، والملائمة الجمع و
[1]في ش : ممتنع .
ذلك كجمعه في الامزجة بين العناصر الأربعة على اختلافها وتضادّها ، وبين الأرواح اللَّطيفة والنّفوس المجرّدة ، وبين هذه الأبدان المظلمة الكثيفة على وفق حكمته وكمال قدرته .
وقوله : وغرز غرائزها ، اى : اثبتها فيها وركزها ، وغريزة كل شيء طبيعته وخلقه وما جبل عليه من خاصة او لازم كالتعجّب والضّحك للانسان ، والشّجاعة للأسد ، والجبن للأرنب ، والمكر للثعلب .
وقوله : وألزمها اشباحها ، اى : اشخاصها اذ كانت كل طبيعة كلية انّما توجد في شخص ، وروى اسناخها ، والسنخ الأصل اى : جعلها لازمة لأصلها وهى طبائع الموجودات وماهيّاتها ، والضمير في قوله : والزمها ، عائد الى الغرائز ويجوز ان يعود الى الاشياء ، ويكون المعنى انّه تعالى لما غرّز غرائز الاشياء ألزمها بعد كونها كلَّية اشخاصها .
وقوله : عالما الى قوله : احنائها : فاحاطته بذلك علمه بما ينحلّ اليه ماهيّاتها من اجزائها وينتهى به منها ، وهى حدودها ، أو بما ينتهى به وبحدّها من الأفعال والنّهايات[1]وقرائنها ما يقرن منها ويلائمها كالنفس للبدن ، وبعض الطبائع لبعض الاشياء دون بعض ، واحناؤها ونواحيها وجوانبهما ، وبيان ذلك تبيان : انّه تعالى عالم بكلّ معلوم من الكلَّيات والجزئيات وقد بيّن ذلك في العلم الالهي .
وقوله : ثمّ انشأ ، الى قوله : سبع سماوات : كالتفصيل لخلق العالم وابتدائه ، والأجواء : جمع جوّ وهو الفضاء الواسع ، والأرجاء جمع رجاء مقصور ، وهو : الناحية ، والسكائك : جمع سكاكة كذؤابة وذوائب وهو : الفضاء ما بين السماء والأرض والهواء : المكان الخالي .
واعلم انّ خلاصة ما يفهم من هذا الفصل انّه قد كان قبل وجود العالم فضاء واسع ، هو الخلأ في عرف المتكلَّمين فأنشأ اللَّه تعالى فيه احياز اجسام العالم ، وفتقها اى : شقّها واعدّها لخلق الأجسام وتكوينها فيها ، ثم خلق ماء متلاطما تيّاره اى : متردّدا معظمه ، ومتراكما زخّاره اى : ممتل بعضه فوق بعض ، فأجازه فيها اى : اجراه ، وروى احاره اى :
[1]في نسخة ش كذا : او بهما ينتهى به منها وهي حدودها او بهما وافق به ولائمها من الافعال .
اداره فيها ، وخلق له ريحا عاصفا ، زعزعا اى : شديدة تحمله وتحفظه من جميع جوانبه ، متسلَّطة على شدّه وضبطه في مقارّه بمقتضى امره تعالى وقدرته ، وجعلها مقرونة الى حدّه بحيث لا يتوسّط بينهما جسم آخر ، فصار الماء من فوق الرّيح متدفّقا والخلاء من تحته منفتقا واسعا ثم خلق سبحانه ريحا اخرى لتمويج ذلك الماء وتحريكه ، فأرسلها واعتقم مهبّها الى شدّ هبوبها وضبطه ، وأرسله بمقدار مخصوص على وفق الحكمة ، وروى واعقم مهبّها اى : جعل مجراها عقيما لا نبت به يعوقها عن الجريان او لشدّة جريانها ، ثم ادام مربّها الى اقامتها وملازمتها لتحريك الماء واعصف جريها وأبعد مبدأ نشوها بحيث لا يمكن الوقوف عليه وهو قدرته تعالى ، ثم أمرها بتصفيق ذلك الماء الزخار شديد الإمتلاء وإثارة امواجه ، فمخّضته كمخّض السقاء وعصفت به كعصفها تردّ اوله على آخره ، وساجيه على مائره اى : ساكنه على متحرّكه ، فلما عبّ عبابه اي : علا معظمه ورمى بالزبد ركامه اى متراكمه ، رفع اللَّه تعالى ذلك الزبد في هواء منفتق اى خلاء واسع ، وكوّن منه السّماوات العلى .
واعلم انّه قد أشير الى مثل ذلك في القرآن الكريم كقوله تعالى * ( ( ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وهِيَ دُخانٌ ) ) *[1]والمراد بخار الماء ، وذهب الى مثله بعض الحكماء القدماء ولفظ القرآن أيضا موافق لاشارته عليه السلام لأنّ الزبد ايضا بخار الماء ، وهذا الظاهر لا ينافي كلام المتكلَّمين في أنّ الاجسام مؤلَّفة من الأجزاء الَّتى لا تتجزّئ لجواز أن يخلق اللَّه تعالى اوّل الاجسام من تلك الجواهر ثم يتكوّن باقى الأجسام عن الأجسام الأولى .
وامّا الحكماء فلما لم يكن الترتيب الذى اقتضته هذه الظَّواهر في تكوين الاجسام موافقا لمقتضى ادلَّتهم ، لتأخّر وجود العناصر عندهم عن وجود السماوات ، لا جرم احتاجوا الى تأويلها توفيقا بينها وبين رأيهم في دلك ، وقد نبّهنا في « الشرح الكبير » على ما يصلح ان يكون تأويلا على قواعدهم ، أو قريبا ممّا يصلح لذلك[2].
وقوله : وجعل سفلاهنّ . . . الى قوله : بالنظاير . كالتفسير لقوله ، فسوّى لانّ التسوية عبارة عن التعديل والوضع والهيئة التي عليها
[1]سورة فصلت - 11
[2]الشرح الكبير - 142 ط ايران .
السماوات بما فيهنّ كما شرحه ، واستعار لفظ الموج للسماء ملاحظة للمشابهة بينهما فى العلوّ واللون ، ومكفوفا ممنوعا من السقوط .
وقوله : وعلياهنّ سقفا محفوظا ، والسقف : اسم للسماء ، وحفظه من الشياطين ، قال ابن عباس : كانت الشياطين لا تحجب عن السماوات ، وكانوا يتخبّرون أخبارها ، فلمّا ولد عيسى عليه السلام ، منعوا من ثلث سماوات ، فلما ولد محمّد عليه[1]السلام منعوا من السماوات كلَّها ، فما منهم احد استرق السمع الَّارمي بشهاب .
فذلك معنى قوله تعالى * ( ( وحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ . إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ ) ) *[2]الآية ، وسمك البيت : سقفه ، وقوله : بغير عمد ، تنبيه على عظمة قدرة اللَّه تعالى ، وعلوّها عن الحاجة في مثل هذا البنيان ، وقيامه الى عمد ، وتنزيه لها عن مماثلة القدر البشرية فى حاجتها الى ذلك فيما ينسب اليها ، والدسار ، كالمسمار ونحوه ، وانّما سميت الشهب ثواقب لانّها يثقب بنورها الهواء ، واستعار لفظ السراج للشمس باعتبار إضاءتها لهذا العالم كإضاءة السّراج للبيت ، والمستطير : المنتشز ، والرّقيم : من أسماء الفلك ، سمّى به لرقمه بالكواكب كالثوب المنقوش ، واللوح المكتوب .
واعلم أنّ مجموع هذه الاستعارات تستلزم تشبيه ملاحظة هذا العالم بأسره ببيت واحد في غاية الحسن والزينة ، فالسماء وهو سقفه كقبّة خضراء نصبت على الأرض ، وحجب ذلك السقف عن مردة الشياطين كما يحمى عرف البيت من مردة اللصوص ، وزيّن بترصيع الكواكب الثاقبة فهو كسقف من زمرّد رصّع باللَّؤلؤ والمرجان ، وجعل من جملتها كوكبين هما أعظم الكواكب جرما بحسب الرؤية واكثرها إشراقا ، جعل أحدهما ضياء النهار ، والآخر ضياء اللَّيل ، ثم جعل ذلك سقوفا وطبقات أسكن في كلّ طبقة منها ملأ من ملائكته ، وخواصّ ملكه ، وجعل تلك السقوف متحرّكة بما فيها من الكواكب كما أشار اليه بقوله : فى فلك دائر ، الى قوله : مائر . . . وجعل حركاتها أسبابا معدّة لتلوّن الكائنات في هذا العالم ليكون أثره تعالى ابدع ، وحكمته في خلقته ابلغ ، والضمير في قوله : وزيّنها ، يعود الى السبع سماوات ، وذلك لا ينافي قوله تعالى : * ( ( وزَيَّنَّا ) *
[1]في ش : الصلاة والسلام
[2]سورة الحجر - 17 - 18 .
* ( السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ ) ) *[1]فانّ السماء الدّنيا وإن لم يكن فيها الَّا القمر فانّ سائر الكواكب أيضا زينة لها في الأوهام البشرية التي ورد اكثر الخطاب الشرعىّ بحسبها .
وقوله : ثمّ فتق . . . الى قوله : العلىّ ، اشار الى تسوية السماوات اشارة جميلة فكانّه قدّر اوّلا خلقها كرة واحدة كما عليه بعض المفسّرين ، كقوله تعالى : * ( ( أَولَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ والأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما ) ) *[2]ثم أشار الى تفصيلها وتمييز بعضها من بعض بالفتق ، واسكان كلّ واحدة منهنّ ملأ من ملائكته ، ثم الى تفصيل الملائكة ومراتبهم موافقة للقرآن الكريم ، والأطوار : الحالات المختلفة والأنواع المتباينة ، وذكر منهم أنواعا وأشار بالسّجود والرّكوع والصّفّ والتّسبيح الى تفاوت مراتبهم في العبادة والخضوع ، لانّ اللَّه تعالى خصّ كلَّا منهم بمرتبة معيّنة من الكمال في العلم ، والقدرة ، ليست لمن دونه ، وكلّ من كانت نعمة اللَّه عليه أكثر كانت عبادته أعلى وطاعته أوفى .
ثمّ إنّ السجود والركوع والصّفّ والتسبيح عبادات متعارفة بين الناس متفاوتة فى استلزام كمال الخضوع والخشوع ، ولا يمكن حملها في حقّ الملائكة على ظواهرها لاختصاص آلاتها ببعض الحيوان ، فتعيّن حملها على غير ظواهرها ، والأشبه حمل المراتب المذكورة وتفاوتها على تفاوت كمالاتهم في الخضوع والخشوع لكبرياء اللَّه تعالى اطلاقا لاسم الملزوم على لازمه .
فالسجود ، مرتبة المقرّبين ، والركوع مرتبة حملة العرش ، والصّافون مرتبة الحافيّن من حول العرش ، قيل : انّهم يقفون صفوفا لاداء العبادة كما حكى القرآن الكريم عنهم : * ( ( وإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ) ) * و * ( ( وإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ) ) *[3]وجاء في الخبر : انّ حول العرش سبعين ألف صفّ قيام قد وضعوا أيديهم على عواتقهم ، رافعين أصواتهم بالتكبير والتهليل ، ومن ورائهم مائة ألف صف قد وضعوا الايمان على الشمائل ما منهم أحد الَّا وهو يسبّح .
والمسبّحون ، يحتمل أن يكون هم الصافّون لما مرّ والواو وإن اقتضت المغايرة الَّا انّهم من حيث انّهم صافّون غيرهم من حيث انّهم مسبّحون ، ويحتمل أن يريد نوعا آخر ، وامّا
[1]سورة فصلت - 12
[2]سورة الانبياء - 30
[3]سورة الصافات - 165 ، 166 .