لا يغشاهم نوم العيون ، ولا سهو العقول ، ولا فترة الأبدان ، ولا غفلة النّسيان . ومنهم أمناء على وحيه ، وألسنة إلى رسله ، ومختلفون بقضائه وأمره ، ومنهم الحفظة لعباده ، والسّدنة لأبواب جنانه ومنهم الثّابتة في الأرضين السّفلى أقدامهم ، والمارقة من السّماء العليا أعناقهم . والخارجة من الأقطار أركانهم ، والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم . ناكسة دونه أبصارهم متلفّعون تحته بأجنحتهم ، مضروبة بينهم وبين من دونهم حجب العزّة ، وأستار القدرة . لا يتوهّمون ربّهم بالتّصوير ، ولا يجرون عليه صفات المصنوعين ، ولا - يحدّونه بالأماكن ، ولا يشيرون إليه بالنّظائر .
أقول : انشاؤه الخلق وابتداؤه ايّاه ايجاده له على غير مثال سبق من غيره .
وقوله : بلا رويّة أجالها ، الى قوله : اضطرب فيها . تنزيه لعلمه تعالى وافعاله عن كيفيّات علوم الناس وشرائط افعالهم ، والرويّة الفكر ، واجالتها تقلَّبها في طلب أصلح الاراء والوجوه فيما يقصد من المطالب ، والتجربة مشاهدات من الانسان تتكرر فيستفيد عقله منها علما كليا ، والهمامة الاهتمام بالأمر ، وبرهان امتناع هذه الكيفيات على علومه تعالى وافعاله ، امّا الرويّة والتجربة فلكونها من خوّاص الانسان وبواسطة آلات جسمانية ممتنع عليه تعالى ، وكذلك الحركة من عوارض الجسمية .
وامّا الهمّة فلكونها عبارة عن الميل النفساني الحازم الى فعل الشيء مع التألَّم والغمّ بسبب تصوّر فقده ، وذلك في حق اللَّه تعالى محال[1].
وقوله : أجال الاشياء لأوقاتها ، اى : ادار كل ذي وقت الى وقته ، وربطه به دون ما قبله وما بعده من الاوقات ، وكتبه في لوحه المحفوظ وعلمه المبين ، واللام في لاوقاتها للتعليل اذ كان كل وقت يستحق بحسب علم اللَّه وحكمته ان يكون فيه ما ليس في غيره ، وروى احال بالحاء ، اى : حوّل كلَّا الى وقته ، وروى اجّل أي : جعلها ذات آجال لا يتقدّم عليها ولا يتأخّر عنها .
وقوله : ولائم بين مختلفاتها : تنبيه على كمال قدرته تعالى ، والملائمة الجمع و
[1]في ش : ممتنع .
ذلك كجمعه في الامزجة بين العناصر الأربعة على اختلافها وتضادّها ، وبين الأرواح اللَّطيفة والنّفوس المجرّدة ، وبين هذه الأبدان المظلمة الكثيفة على وفق حكمته وكمال قدرته .
وقوله : وغرز غرائزها ، اى : اثبتها فيها وركزها ، وغريزة كل شيء طبيعته وخلقه وما جبل عليه من خاصة او لازم كالتعجّب والضّحك للانسان ، والشّجاعة للأسد ، والجبن للأرنب ، والمكر للثعلب .
وقوله : وألزمها اشباحها ، اى : اشخاصها اذ كانت كل طبيعة كلية انّما توجد في شخص ، وروى اسناخها ، والسنخ الأصل اى : جعلها لازمة لأصلها وهى طبائع الموجودات وماهيّاتها ، والضمير في قوله : والزمها ، عائد الى الغرائز ويجوز ان يعود الى الاشياء ، ويكون المعنى انّه تعالى لما غرّز غرائز الاشياء ألزمها بعد كونها كلَّية اشخاصها .
وقوله : عالما الى قوله : احنائها : فاحاطته بذلك علمه بما ينحلّ اليه ماهيّاتها من اجزائها وينتهى به منها ، وهى حدودها ، أو بما ينتهى به وبحدّها من الأفعال والنّهايات[1]وقرائنها ما يقرن منها ويلائمها كالنفس للبدن ، وبعض الطبائع لبعض الاشياء دون بعض ، واحناؤها ونواحيها وجوانبهما ، وبيان ذلك تبيان : انّه تعالى عالم بكلّ معلوم من الكلَّيات والجزئيات وقد بيّن ذلك في العلم الالهي .
وقوله : ثمّ انشأ ، الى قوله : سبع سماوات : كالتفصيل لخلق العالم وابتدائه ، والأجواء : جمع جوّ وهو الفضاء الواسع ، والأرجاء جمع رجاء مقصور ، وهو : الناحية ، والسكائك : جمع سكاكة كذؤابة وذوائب وهو : الفضاء ما بين السماء والأرض والهواء : المكان الخالي .
واعلم انّ خلاصة ما يفهم من هذا الفصل انّه قد كان قبل وجود العالم فضاء واسع ، هو الخلأ في عرف المتكلَّمين فأنشأ اللَّه تعالى فيه احياز اجسام العالم ، وفتقها اى : شقّها واعدّها لخلق الأجسام وتكوينها فيها ، ثم خلق ماء متلاطما تيّاره اى : متردّدا معظمه ، ومتراكما زخّاره اى : ممتل بعضه فوق بعض ، فأجازه فيها اى : اجراه ، وروى احاره اى :
[1]في نسخة ش كذا : او بهما ينتهى به منها وهي حدودها او بهما وافق به ولائمها من الافعال .
اداره فيها ، وخلق له ريحا عاصفا ، زعزعا اى : شديدة تحمله وتحفظه من جميع جوانبه ، متسلَّطة على شدّه وضبطه في مقارّه بمقتضى امره تعالى وقدرته ، وجعلها مقرونة الى حدّه بحيث لا يتوسّط بينهما جسم آخر ، فصار الماء من فوق الرّيح متدفّقا والخلاء من تحته منفتقا واسعا ثم خلق سبحانه ريحا اخرى لتمويج ذلك الماء وتحريكه ، فأرسلها واعتقم مهبّها الى شدّ هبوبها وضبطه ، وأرسله بمقدار مخصوص على وفق الحكمة ، وروى واعقم مهبّها اى : جعل مجراها عقيما لا نبت به يعوقها عن الجريان او لشدّة جريانها ، ثم ادام مربّها الى اقامتها وملازمتها لتحريك الماء واعصف جريها وأبعد مبدأ نشوها بحيث لا يمكن الوقوف عليه وهو قدرته تعالى ، ثم أمرها بتصفيق ذلك الماء الزخار شديد الإمتلاء وإثارة امواجه ، فمخّضته كمخّض السقاء وعصفت به كعصفها تردّ اوله على آخره ، وساجيه على مائره اى : ساكنه على متحرّكه ، فلما عبّ عبابه اي : علا معظمه ورمى بالزبد ركامه اى متراكمه ، رفع اللَّه تعالى ذلك الزبد في هواء منفتق اى خلاء واسع ، وكوّن منه السّماوات العلى .
واعلم انّه قد أشير الى مثل ذلك في القرآن الكريم كقوله تعالى * ( ( ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وهِيَ دُخانٌ ) ) *[1]والمراد بخار الماء ، وذهب الى مثله بعض الحكماء القدماء ولفظ القرآن أيضا موافق لاشارته عليه السلام لأنّ الزبد ايضا بخار الماء ، وهذا الظاهر لا ينافي كلام المتكلَّمين في أنّ الاجسام مؤلَّفة من الأجزاء الَّتى لا تتجزّئ لجواز أن يخلق اللَّه تعالى اوّل الاجسام من تلك الجواهر ثم يتكوّن باقى الأجسام عن الأجسام الأولى .
وامّا الحكماء فلما لم يكن الترتيب الذى اقتضته هذه الظَّواهر في تكوين الاجسام موافقا لمقتضى ادلَّتهم ، لتأخّر وجود العناصر عندهم عن وجود السماوات ، لا جرم احتاجوا الى تأويلها توفيقا بينها وبين رأيهم في دلك ، وقد نبّهنا في « الشرح الكبير » على ما يصلح ان يكون تأويلا على قواعدهم ، أو قريبا ممّا يصلح لذلك[2].
وقوله : وجعل سفلاهنّ . . . الى قوله : بالنظاير . كالتفسير لقوله ، فسوّى لانّ التسوية عبارة عن التعديل والوضع والهيئة التي عليها
[1]سورة فصلت - 11
[2]الشرح الكبير - 142 ط ايران .
السماوات بما فيهنّ كما شرحه ، واستعار لفظ الموج للسماء ملاحظة للمشابهة بينهما فى العلوّ واللون ، ومكفوفا ممنوعا من السقوط .
وقوله : وعلياهنّ سقفا محفوظا ، والسقف : اسم للسماء ، وحفظه من الشياطين ، قال ابن عباس : كانت الشياطين لا تحجب عن السماوات ، وكانوا يتخبّرون أخبارها ، فلمّا ولد عيسى عليه السلام ، منعوا من ثلث سماوات ، فلما ولد محمّد عليه[1]السلام منعوا من السماوات كلَّها ، فما منهم احد استرق السمع الَّارمي بشهاب .
فذلك معنى قوله تعالى * ( ( وحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ . إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ ) ) *[2]الآية ، وسمك البيت : سقفه ، وقوله : بغير عمد ، تنبيه على عظمة قدرة اللَّه تعالى ، وعلوّها عن الحاجة في مثل هذا البنيان ، وقيامه الى عمد ، وتنزيه لها عن مماثلة القدر البشرية فى حاجتها الى ذلك فيما ينسب اليها ، والدسار ، كالمسمار ونحوه ، وانّما سميت الشهب ثواقب لانّها يثقب بنورها الهواء ، واستعار لفظ السراج للشمس باعتبار إضاءتها لهذا العالم كإضاءة السّراج للبيت ، والمستطير : المنتشز ، والرّقيم : من أسماء الفلك ، سمّى به لرقمه بالكواكب كالثوب المنقوش ، واللوح المكتوب .
واعلم أنّ مجموع هذه الاستعارات تستلزم تشبيه ملاحظة هذا العالم بأسره ببيت واحد في غاية الحسن والزينة ، فالسماء وهو سقفه كقبّة خضراء نصبت على الأرض ، وحجب ذلك السقف عن مردة الشياطين كما يحمى عرف البيت من مردة اللصوص ، وزيّن بترصيع الكواكب الثاقبة فهو كسقف من زمرّد رصّع باللَّؤلؤ والمرجان ، وجعل من جملتها كوكبين هما أعظم الكواكب جرما بحسب الرؤية واكثرها إشراقا ، جعل أحدهما ضياء النهار ، والآخر ضياء اللَّيل ، ثم جعل ذلك سقوفا وطبقات أسكن في كلّ طبقة منها ملأ من ملائكته ، وخواصّ ملكه ، وجعل تلك السقوف متحرّكة بما فيها من الكواكب كما أشار اليه بقوله : فى فلك دائر ، الى قوله : مائر . . . وجعل حركاتها أسبابا معدّة لتلوّن الكائنات في هذا العالم ليكون أثره تعالى ابدع ، وحكمته في خلقته ابلغ ، والضمير في قوله : وزيّنها ، يعود الى السبع سماوات ، وذلك لا ينافي قوله تعالى : * ( ( وزَيَّنَّا ) *
[1]في ش : الصلاة والسلام
[2]سورة الحجر - 17 - 18 .
* ( السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ ) ) *[1]فانّ السماء الدّنيا وإن لم يكن فيها الَّا القمر فانّ سائر الكواكب أيضا زينة لها في الأوهام البشرية التي ورد اكثر الخطاب الشرعىّ بحسبها .
وقوله : ثمّ فتق . . . الى قوله : العلىّ ، اشار الى تسوية السماوات اشارة جميلة فكانّه قدّر اوّلا خلقها كرة واحدة كما عليه بعض المفسّرين ، كقوله تعالى : * ( ( أَولَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ والأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما ) ) *[2]ثم أشار الى تفصيلها وتمييز بعضها من بعض بالفتق ، واسكان كلّ واحدة منهنّ ملأ من ملائكته ، ثم الى تفصيل الملائكة ومراتبهم موافقة للقرآن الكريم ، والأطوار : الحالات المختلفة والأنواع المتباينة ، وذكر منهم أنواعا وأشار بالسّجود والرّكوع والصّفّ والتّسبيح الى تفاوت مراتبهم في العبادة والخضوع ، لانّ اللَّه تعالى خصّ كلَّا منهم بمرتبة معيّنة من الكمال في العلم ، والقدرة ، ليست لمن دونه ، وكلّ من كانت نعمة اللَّه عليه أكثر كانت عبادته أعلى وطاعته أوفى .
ثمّ إنّ السجود والركوع والصّفّ والتسبيح عبادات متعارفة بين الناس متفاوتة فى استلزام كمال الخضوع والخشوع ، ولا يمكن حملها في حقّ الملائكة على ظواهرها لاختصاص آلاتها ببعض الحيوان ، فتعيّن حملها على غير ظواهرها ، والأشبه حمل المراتب المذكورة وتفاوتها على تفاوت كمالاتهم في الخضوع والخشوع لكبرياء اللَّه تعالى اطلاقا لاسم الملزوم على لازمه .
فالسجود ، مرتبة المقرّبين ، والركوع مرتبة حملة العرش ، والصّافون مرتبة الحافيّن من حول العرش ، قيل : انّهم يقفون صفوفا لاداء العبادة كما حكى القرآن الكريم عنهم : * ( ( وإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ) ) * و * ( ( وإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ) ) *[3]وجاء في الخبر : انّ حول العرش سبعين ألف صفّ قيام قد وضعوا أيديهم على عواتقهم ، رافعين أصواتهم بالتكبير والتهليل ، ومن ورائهم مائة ألف صف قد وضعوا الايمان على الشمائل ما منهم أحد الَّا وهو يسبّح .
والمسبّحون ، يحتمل أن يكون هم الصافّون لما مرّ والواو وإن اقتضت المغايرة الَّا انّهم من حيث انّهم صافّون غيرهم من حيث انّهم مسبّحون ، ويحتمل أن يريد نوعا آخر ، وامّا
[1]سورة فصلت - 12
[2]سورة الانبياء - 30
[3]سورة الصافات - 165 ، 166 .
عدم غشيان النوم والسهو والغفلة والنسيان وفترة الأبدان لهم ، فانّ ذلك من لواحق الأجسام الحيوانية ، والملائكة منزّهون[1]عنها فلزم سلبها عنهم .
وامّا الامناء على وحيه ، فيشبه أن يكونوا داخلين في الأقسام السابقة ، وانّما ذكر - هم ثانيا باعتبار وصف الأمانة واداء الرسالة ، والقضاء هنا الأمر المقضىّ ، يقال : هذا قضاء اللَّه اى : مقضيه ، وامّا الحفظة فمنهم حفظة العباد كما قال تعالى : * ( ( ويُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً ) ) *[2].
قال ابن عباس : انّ مع كل إنسان ملكين ، أحدهما على يمينه ، والآخر على يساره ، فاذا تكلَّم الإنسان بحسنة كتبها من على يمينه ، واذا تكلَّم بسيّئة قال من على اليمين لمن على اليسار : انتظر لعلَّه يتوب منها ، فان لم يتب كتبت عليه .
وامّا السّدنة فهم خزّان الجنة ، وقوله : ومنهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم ، الى قوله : اكتفاهم . فاعلم انّ الأوصاف هذه وردت في صفة الملائكة الحاملين للعرش في كثير من الأخبار ، فيشبه ان يكونوا هم المقصودون بها هاهنا ، روى عن ميسرة[3]انّه قال : أرجلهم فى الأرض السفلى ، ورؤسهم قد خرقت العرش وهم خشوع لا يرفعون طرفهم ، وهم أشدّ خوفا من أهل السّماء السابعة ، واهل السماء السابعة أشدّ خوفا من أهل السماء السادسة ، وهكذا إلى سماء الدّنيا .
وعن ابن عباس قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه وآله وسلم : لما خلق اللَّه تعالى حملة العرش ، قال لهم : احملوا عرشي فلم يطيقوا ، فقال لهم : قولوا : لا حول ولا قوّة الَّا باللَّه ، فلما قالوا ذلك استقلّ فنفذت أقدامهم في الأرض السابعة على متن الثرى فلم تستقّر فكتب في قدم كلّ ملك منهم اسما من أسمائه فاستقرّت أقدامهم .
وقوله : المناسبة لقوائم العرش اكتافهم ، يريد انّهم مشبّهون ومناسبون لقوائم
[1]في نسخة ش : متنزهون
[2]سورة الانعام - 61 . وفي نسخة : له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من امر اللَّه . ومنهم حفظة على العباد كما قال تعالى . .
[3]ابو جميلة ميسرة بن يعقوب الطهوى الكوفي . . . صاحب راية على بن أبي طالب عليه السلام .
العرش في استقرارهم وثباتهم عن التزايل من تحته أبدا الى ما شاء اللَّه ، ولفظ الأكتاف مجاز في القوى والقدر التي حملت الملائكة جرم العرش ، وشبهها بقوائم العرش المعهود ، ووجه الشبه إستقلالها بحمله كالقوائم ، والضّميران في أبصارهم وأجنحتهم راجعان الى العرش ، وفي الخبر عن وهب بن منبّه[1]قال : انّ لكلّ ملك من حملة العرش ومن حوله أربعة اجنحة امّا جناحان فعلى وجهه مخافة أن ينظر الى العرش فيصعق ، وامّا جناحان فيهفو بهما ليس لهم كلام الَّا التسبيح والتحميد .
وكنّى عليه السلام ، بنكَّس أبصارهم : عن كمال خشيتهم للَّه تعالى واعترافهم بقصور أبصار عقولهم عن ادراك ما وراء كمالاتهم المقدّرة لهم وضعفها عمّا لا يحتمله من أنوار اللَّه وعظمته تعالى ، وانّ شعاع أبصار ادراكهم منته واقف دون حجب عزّته .
ويحتمل أن يريد بلفظ الأجنحة قواهم وكمالاتهم التي يطيرون بها في بيداء جلال اللَّه استعارة ، وزيادة الاجنحة : كناية عن تفاوت مراتبهم في الكمال ، ولمّا كان الطائر عند قبض جناحه كالمتلَّفع اى : الملتحف به ، احتمل ان يكون وصف التلفّع لهم استعارة لقصور قواهم ، وقدرتهم المشبّهة للأجنحة وقبضها عن التعلَّق بمعلومات اللَّه ومقدوراته . وقوله : مضروبة . . . الى قوله : القدرة ، اشارة الى قصور القوى البشرية عن إدراكهم عن الجسّمية والجهة وقربهم من عزّة مبدعهم الاوّل . وقوله : ولا يتوهّمون ربّهم بالتصوير : تنزيه لهم عن الادراكات الوهميّة والخيالية لمبدعهم عزّ سلطانه ، اذ الوهم انّما يتعلَّق بالمحسوسات ذوات المقادير والأحياز المنزّه قدسه تعالى عنها ، وهم مبرّؤن عن الأوهام والخيالات البشرية ، ولذلك قوله : ولا يجرون عليه صفات المصنوعين الى آخره . لانّ كل ذلك بقياس وهمىّ ومحاكاة خيالية له بمصنوعاته المحتاجة الى الامكنة ولها نظائر واشباه ، وهم مبرّؤن عن الوهم والخيال ، وباللَّه التوفيق .
الفصل الثالث منها في كيفية خلق آدم عليه[2]السلام وفي هذا الفصل فصلان الفصل الاوّل قوله فى خلق آدم عليه السلام :
[1]ابو عبد اللَّه وهب بن منبه بن كامل بن سيح بن ذى كناز اليمانى مات 116 هج ضربه يوسف بن عمر بن محمد الثقفى الاموي حتى مات . تهذيب التهذيب 11 - 168
[2]في نسخة ش - الصلاة .
ثمّ جمع سبحانه من حزن الأرض وسهلها ، وعذبها وسبخها ، تربة سنّها بالماء حتّى خلصت . ولاطها بالبلَّة حتّى لزبت . فجبل منها صورة ذات أحناء ووصول ، وأعضاء وفصول : أجمدها حتّى استمسكت وأصلدها حتّى صلصلت لوقت معدود ، وأمد معلوم ، ثمّ نفخ فيها من روحه فمثلت إنسانا ذا أذهان يجيلها ، وفكر يتصرّف بها ، وجوارح يختدمها ، وأدوات يقلَّبها ، ومعرفة يفرق بها بين الحقّ والباطل والأذواق والمشامّ ، والألوان والاجناس ، معجونا بطينة الألوان المختلفة ، والأشباه المؤتلفة ، والأضداد المتعادية والأخلاط المتباينة ، من الحرّ والبرد ، والبلَّة والجمود ، واستأدى اللَّه سبحانه الملائكة وديعته لديهم ، وعهد وصيّته إليهم ، فى الإذعان بالسّجود له ، والخشوع لتكرمته ، فقال سبحانه : * ( ( اسْجُدُوا لِآدَمَ ) ) * فسجدوا إلَّا ابليس اعترته الحميّة وغلبت عليه الشّقوة ، وتعزّز بخلقة النّار واستهون خلق الصّلصال ، فأعطاه اللَّه النّظرة استحقاقا للسّخطة ، واستتماما للبلَّية ، وإنجازا للعدة ، فقال * ( ( قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ ) ) * ثمّ أسكن سبحانه آدم دارا أرغد فيها عيشته ، وآمن فيها محلَّته ، وحذّره إبليس وعداوته ، فاغترّه عدوّه نفاسة عليه بدار المقام ومرافقة الأبرار ، فباع اليقين بشكَّه ، والعزيمة بوهنه ، واستبدل بالجذل وجلا ، وبالاغترار ندما ثمّ بسط اللَّه سبحانه له في توبته ، ولقّاه كلمة رحمته ، ووعده المردّ إلى جنّته ، وأهبطه إلى دار البليّة ، وتناسل الذّرّيّة .
أقول : إنّ هذه القصّة قد كرّرها اللَّه سبحانه ، فى كتابه العزيز في سبع سور ، وهى : البقرة ، والأعراف ، والحجر ، وبني اسرائيل ، والكهف ، وطه ، وص ، وذلك لما تشتمل عليه من تذكير الخلق وتنبيههم من مراقد الطبيعة التي جذبهم اليها ابليس ، والتحذير من فتنته ، وحزن الأرض : خلاف السهل ، والمسنون ما سنّ بالماء أى : ارسل عليه فصار طينا ، ولزبت بالكسر : لصقت ، وصلصلت : انتنت ، وقيل صوّتت ليبسها ، ولاطها بالبلَّة : خلطها بالرطوبة ، وجبل : خلق ، والأحناء : الجوانب ، والوصول المفاصل : جمع كثرة لوصل ، وجمع القلَّة : اوصال ، وأصلدها اى : جعلها صلبة ملساء ، ويختدمها : يستخدمها .
واعلم انّ قوله : لزبت ، اشارة الى امتزاج العناصر ، وخصّ الماء والأرض لانّهما