* ( السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ ) ) *[1]فانّ السماء الدّنيا وإن لم يكن فيها الَّا القمر فانّ سائر الكواكب أيضا زينة لها في الأوهام البشرية التي ورد اكثر الخطاب الشرعىّ بحسبها .
وقوله : ثمّ فتق . . . الى قوله : العلىّ ، اشار الى تسوية السماوات اشارة جميلة فكانّه قدّر اوّلا خلقها كرة واحدة كما عليه بعض المفسّرين ، كقوله تعالى : * ( ( أَولَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ والأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما ) ) *[2]ثم أشار الى تفصيلها وتمييز بعضها من بعض بالفتق ، واسكان كلّ واحدة منهنّ ملأ من ملائكته ، ثم الى تفصيل الملائكة ومراتبهم موافقة للقرآن الكريم ، والأطوار : الحالات المختلفة والأنواع المتباينة ، وذكر منهم أنواعا وأشار بالسّجود والرّكوع والصّفّ والتّسبيح الى تفاوت مراتبهم في العبادة والخضوع ، لانّ اللَّه تعالى خصّ كلَّا منهم بمرتبة معيّنة من الكمال في العلم ، والقدرة ، ليست لمن دونه ، وكلّ من كانت نعمة اللَّه عليه أكثر كانت عبادته أعلى وطاعته أوفى .
ثمّ إنّ السجود والركوع والصّفّ والتسبيح عبادات متعارفة بين الناس متفاوتة فى استلزام كمال الخضوع والخشوع ، ولا يمكن حملها في حقّ الملائكة على ظواهرها لاختصاص آلاتها ببعض الحيوان ، فتعيّن حملها على غير ظواهرها ، والأشبه حمل المراتب المذكورة وتفاوتها على تفاوت كمالاتهم في الخضوع والخشوع لكبرياء اللَّه تعالى اطلاقا لاسم الملزوم على لازمه .
فالسجود ، مرتبة المقرّبين ، والركوع مرتبة حملة العرش ، والصّافون مرتبة الحافيّن من حول العرش ، قيل : انّهم يقفون صفوفا لاداء العبادة كما حكى القرآن الكريم عنهم : * ( ( وإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ) ) * و * ( ( وإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ) ) *[3]وجاء في الخبر : انّ حول العرش سبعين ألف صفّ قيام قد وضعوا أيديهم على عواتقهم ، رافعين أصواتهم بالتكبير والتهليل ، ومن ورائهم مائة ألف صف قد وضعوا الايمان على الشمائل ما منهم أحد الَّا وهو يسبّح .
والمسبّحون ، يحتمل أن يكون هم الصافّون لما مرّ والواو وإن اقتضت المغايرة الَّا انّهم من حيث انّهم صافّون غيرهم من حيث انّهم مسبّحون ، ويحتمل أن يريد نوعا آخر ، وامّا
[1]سورة فصلت - 12
[2]سورة الانبياء - 30
[3]سورة الصافات - 165 ، 166 .
عدم غشيان النوم والسهو والغفلة والنسيان وفترة الأبدان لهم ، فانّ ذلك من لواحق الأجسام الحيوانية ، والملائكة منزّهون[1]عنها فلزم سلبها عنهم .
وامّا الامناء على وحيه ، فيشبه أن يكونوا داخلين في الأقسام السابقة ، وانّما ذكر - هم ثانيا باعتبار وصف الأمانة واداء الرسالة ، والقضاء هنا الأمر المقضىّ ، يقال : هذا قضاء اللَّه اى : مقضيه ، وامّا الحفظة فمنهم حفظة العباد كما قال تعالى : * ( ( ويُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً ) ) *[2].
قال ابن عباس : انّ مع كل إنسان ملكين ، أحدهما على يمينه ، والآخر على يساره ، فاذا تكلَّم الإنسان بحسنة كتبها من على يمينه ، واذا تكلَّم بسيّئة قال من على اليمين لمن على اليسار : انتظر لعلَّه يتوب منها ، فان لم يتب كتبت عليه .
وامّا السّدنة فهم خزّان الجنة ، وقوله : ومنهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم ، الى قوله : اكتفاهم . فاعلم انّ الأوصاف هذه وردت في صفة الملائكة الحاملين للعرش في كثير من الأخبار ، فيشبه ان يكونوا هم المقصودون بها هاهنا ، روى عن ميسرة[3]انّه قال : أرجلهم فى الأرض السفلى ، ورؤسهم قد خرقت العرش وهم خشوع لا يرفعون طرفهم ، وهم أشدّ خوفا من أهل السّماء السابعة ، واهل السماء السابعة أشدّ خوفا من أهل السماء السادسة ، وهكذا إلى سماء الدّنيا .
وعن ابن عباس قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه وآله وسلم : لما خلق اللَّه تعالى حملة العرش ، قال لهم : احملوا عرشي فلم يطيقوا ، فقال لهم : قولوا : لا حول ولا قوّة الَّا باللَّه ، فلما قالوا ذلك استقلّ فنفذت أقدامهم في الأرض السابعة على متن الثرى فلم تستقّر فكتب في قدم كلّ ملك منهم اسما من أسمائه فاستقرّت أقدامهم .
وقوله : المناسبة لقوائم العرش اكتافهم ، يريد انّهم مشبّهون ومناسبون لقوائم
[1]في نسخة ش : متنزهون
[2]سورة الانعام - 61 . وفي نسخة : له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من امر اللَّه . ومنهم حفظة على العباد كما قال تعالى . .
[3]ابو جميلة ميسرة بن يعقوب الطهوى الكوفي . . . صاحب راية على بن أبي طالب عليه السلام .
العرش في استقرارهم وثباتهم عن التزايل من تحته أبدا الى ما شاء اللَّه ، ولفظ الأكتاف مجاز في القوى والقدر التي حملت الملائكة جرم العرش ، وشبهها بقوائم العرش المعهود ، ووجه الشبه إستقلالها بحمله كالقوائم ، والضّميران في أبصارهم وأجنحتهم راجعان الى العرش ، وفي الخبر عن وهب بن منبّه[1]قال : انّ لكلّ ملك من حملة العرش ومن حوله أربعة اجنحة امّا جناحان فعلى وجهه مخافة أن ينظر الى العرش فيصعق ، وامّا جناحان فيهفو بهما ليس لهم كلام الَّا التسبيح والتحميد .
وكنّى عليه السلام ، بنكَّس أبصارهم : عن كمال خشيتهم للَّه تعالى واعترافهم بقصور أبصار عقولهم عن ادراك ما وراء كمالاتهم المقدّرة لهم وضعفها عمّا لا يحتمله من أنوار اللَّه وعظمته تعالى ، وانّ شعاع أبصار ادراكهم منته واقف دون حجب عزّته .
ويحتمل أن يريد بلفظ الأجنحة قواهم وكمالاتهم التي يطيرون بها في بيداء جلال اللَّه استعارة ، وزيادة الاجنحة : كناية عن تفاوت مراتبهم في الكمال ، ولمّا كان الطائر عند قبض جناحه كالمتلَّفع اى : الملتحف به ، احتمل ان يكون وصف التلفّع لهم استعارة لقصور قواهم ، وقدرتهم المشبّهة للأجنحة وقبضها عن التعلَّق بمعلومات اللَّه ومقدوراته . وقوله : مضروبة . . . الى قوله : القدرة ، اشارة الى قصور القوى البشرية عن إدراكهم عن الجسّمية والجهة وقربهم من عزّة مبدعهم الاوّل . وقوله : ولا يتوهّمون ربّهم بالتصوير : تنزيه لهم عن الادراكات الوهميّة والخيالية لمبدعهم عزّ سلطانه ، اذ الوهم انّما يتعلَّق بالمحسوسات ذوات المقادير والأحياز المنزّه قدسه تعالى عنها ، وهم مبرّؤن عن الأوهام والخيالات البشرية ، ولذلك قوله : ولا يجرون عليه صفات المصنوعين الى آخره . لانّ كل ذلك بقياس وهمىّ ومحاكاة خيالية له بمصنوعاته المحتاجة الى الامكنة ولها نظائر واشباه ، وهم مبرّؤن عن الوهم والخيال ، وباللَّه التوفيق .
الفصل الثالث منها في كيفية خلق آدم عليه[2]السلام وفي هذا الفصل فصلان الفصل الاوّل قوله فى خلق آدم عليه السلام :
[1]ابو عبد اللَّه وهب بن منبه بن كامل بن سيح بن ذى كناز اليمانى مات 116 هج ضربه يوسف بن عمر بن محمد الثقفى الاموي حتى مات . تهذيب التهذيب 11 - 168
[2]في نسخة ش - الصلاة .
ثمّ جمع سبحانه من حزن الأرض وسهلها ، وعذبها وسبخها ، تربة سنّها بالماء حتّى خلصت . ولاطها بالبلَّة حتّى لزبت . فجبل منها صورة ذات أحناء ووصول ، وأعضاء وفصول : أجمدها حتّى استمسكت وأصلدها حتّى صلصلت لوقت معدود ، وأمد معلوم ، ثمّ نفخ فيها من روحه فمثلت إنسانا ذا أذهان يجيلها ، وفكر يتصرّف بها ، وجوارح يختدمها ، وأدوات يقلَّبها ، ومعرفة يفرق بها بين الحقّ والباطل والأذواق والمشامّ ، والألوان والاجناس ، معجونا بطينة الألوان المختلفة ، والأشباه المؤتلفة ، والأضداد المتعادية والأخلاط المتباينة ، من الحرّ والبرد ، والبلَّة والجمود ، واستأدى اللَّه سبحانه الملائكة وديعته لديهم ، وعهد وصيّته إليهم ، فى الإذعان بالسّجود له ، والخشوع لتكرمته ، فقال سبحانه : * ( ( اسْجُدُوا لِآدَمَ ) ) * فسجدوا إلَّا ابليس اعترته الحميّة وغلبت عليه الشّقوة ، وتعزّز بخلقة النّار واستهون خلق الصّلصال ، فأعطاه اللَّه النّظرة استحقاقا للسّخطة ، واستتماما للبلَّية ، وإنجازا للعدة ، فقال * ( ( قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ ) ) * ثمّ أسكن سبحانه آدم دارا أرغد فيها عيشته ، وآمن فيها محلَّته ، وحذّره إبليس وعداوته ، فاغترّه عدوّه نفاسة عليه بدار المقام ومرافقة الأبرار ، فباع اليقين بشكَّه ، والعزيمة بوهنه ، واستبدل بالجذل وجلا ، وبالاغترار ندما ثمّ بسط اللَّه سبحانه له في توبته ، ولقّاه كلمة رحمته ، ووعده المردّ إلى جنّته ، وأهبطه إلى دار البليّة ، وتناسل الذّرّيّة .
أقول : إنّ هذه القصّة قد كرّرها اللَّه سبحانه ، فى كتابه العزيز في سبع سور ، وهى : البقرة ، والأعراف ، والحجر ، وبني اسرائيل ، والكهف ، وطه ، وص ، وذلك لما تشتمل عليه من تذكير الخلق وتنبيههم من مراقد الطبيعة التي جذبهم اليها ابليس ، والتحذير من فتنته ، وحزن الأرض : خلاف السهل ، والمسنون ما سنّ بالماء أى : ارسل عليه فصار طينا ، ولزبت بالكسر : لصقت ، وصلصلت : انتنت ، وقيل صوّتت ليبسها ، ولاطها بالبلَّة : خلطها بالرطوبة ، وجبل : خلق ، والأحناء : الجوانب ، والوصول المفاصل : جمع كثرة لوصل ، وجمع القلَّة : اوصال ، وأصلدها اى : جعلها صلبة ملساء ، ويختدمها : يستخدمها .
واعلم انّ قوله : لزبت ، اشارة الى امتزاج العناصر ، وخصّ الماء والأرض لانّهما
الأصل في تكوين الأعضاء المشاهدة التي تدور عليها صورة الانسان ، ونبّه باختلاف أجزائها على كون ذلك مبادى اختلاف الناس في ألوانهم ، وأخلاقهم ، كما ورد في الخبر فجاء منهم الأسود والأحمر .
وقوله : خلصت ، ولزبت : اشارة الى بلوغها في الاستعداد الغاية التي معها تكون صورة ما يتكوّن منها . وقوله : فجبل ، الى قوله : استمسكت ، اشارة الى خلق الصورة الانسانية بتمامها ، والضمير في « منها » راجع الى التربة ، وفي أجمدها ، وأصلدها ، راجعان الى الصورة وأعضائها ، فالأجماد لغاية الاستمساك ، راجع الى بعضها كاللَّحم والأعصاب وأشباههما ، والأصلاد لغايته راجع الى بعض آخر كالعظام ، واسند ذلك الى المدبّر الحكيم ، لانّه العلَّة الأولى وان كانت هناك أسباب قريبة طبيعية معدّة لذلك .
وأراد بالوقت المعلوم ، الوقت الذى يعلم اللَّه تعالى انحلال هذا التركيب فيه ، والضمير في قوله : فيها ، راجع الى الصورة كما قال اللَّه تعالى : * ( ( فَإِذا سَوَّيْتُه ونَفَخْتُ فِيه ) ) *[1]واستعار وصف النفخ لافاضة النفس على البدن واشتعال نورها المعقول فيه كما يشعل النار نافخها ، والروح يحتمل أن يراد به جبريل ، ونسبته الى اللَّه ظاهرة ، : ويحتمل أن يراد به وجود اللَّه ، ونعمته ، وانّما يسمّى روحا لانّه مبدأ كلّ حياة وبه قوام كل شيء ، ونسبته الى اللَّه ظاهرة ، ومن للتبعيض ويحتمل أن يراد به النفس الإنسانية ويكون من زائدة ، ونسبت الى اللَّه لشرفها وبدائها عن المواد فلها مناسبة مع علَّتها الاولى .
وقوله : ذا اذهان ، اشارة الى : القوى الباطنية المدركة ، واجالتها : تحريكها فى المدركات ، وكذلك قوله : وفكر يتصرّف بها ، ولم يرد القوّة المفكرة فإنّها في الانسان واحدة ، بل اراد حركات تلك القوة فيما يتصرّف فيه وهى متعدّدة فلذلك جمعها ، والجوارح اشارة الى : عامة الأعضاء اذ كانت كلَّها خدما للنفس ، والأدوات كاليد ، والرجل ، والمعرفة التي يفرّق بها هى : قوّة العقل بما لها من المعارف الأولى وهى البديهيّات اذ كان الحقّ والباطل من الأمور الكلَّية التي لا يدركها الَّا العقل ، وقوله : والأذواق ، الى قوله : والأجناس : تنبيه على انّ للانسان آلات يدرك بكلّ منها واحدة من هذه الأربعة ، واخّر الأجناس لانّ المدرك لها هو العقل اذ كانت أمورا كليّة لكن بواسطة
[1]سورة الحجر - 29 .
احساس الحواسّ المشار اليها بمحسوساتها ، ونصب معجونا على الحال ، وطينة الألوان مادّتها التي خالطت بدن[1]الانسان فاستعدّ بها لقبول الألوان المختلفة وهى معنى : عجنها بها .
والأشباه المؤتلفة كالعظام والأسنان ، والأضداد المتعادية كالكيفيّات الأربع التي ذكرها ، وهى الحرارة ، والبرودة ، والبلَّة وهي : الرطوبة ، والجمود وهى : اليبوسة ، والأخلاط المتباينة هى : الدّم ، والبلغم ، والصفراء ، والسوداء .
وامّا المسأة والسرور فهما من الكيفيّات النفسانيّة ، وامّا عهد اللَّه الى الملائكة ووصيّته اليهم فهو قوله تعالى : * ( ( فَإِذا سَوَّيْتُه ونَفَخْتُ فِيه مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَه ساجِدِينَ ) ) *[2]والاستيذاء ذلك منهم هو قوله بعد خلقه : * ( ( اسْجُدُوا لِآدَمَ ) ) * واتّفق الناس على انّ سجودهم لآدم لم يكن سجود عبادة لانّها لغير اللَّه كفر ، لكن قال بعضهم : انّ آدم كان كالقبلة والسجود للَّه ، وتكون اللام كهى في قول الشاعر في حقّ عليّ عليه[3]السلام : أليس أوّل من صلَّى لقبلتكم[4]وقيل : كان السجود تعظيما لآدم ، وكان ذلك سنّة الامم السّالفة في تعظيم أكابرها ، وقيل : بل السجود في اللغة : الخضوع والانقياد ، ثمّ اختلفوا في المأمورين بالسجود ، فقيل : هم الملائكة الذين اهبطوا مع ابليس لانّ اللَّه لما خلق السموات والأرض وخلق الملائكة أهبط منهم ملأ الى الارض يسمّون بالجنّ كانوا أخفّ الملائكة عبادة ،
[1]في نسخة ش : باطن
[2]سورة الحجر - 29
[3]في ش بزيادة : الصلاة و
[4]الشعر هذا اختلف في نسبتة ، فقيل انه لأبى الفضل العباس بن عبد المطلب رضي اللَّه عنه ، قالها عند بيعة ابى بكر يعرض بها ويمدح عليا عليه السلام ، والأبيات هي : < شعر > ما كنت أحسب ان الأمر منصرف عن هاشم ثم منها عن ابى الحسن أليس أول من صلى لقبلتكم واعلم الناس بالقرآن والسنن وآخر الناس عهدا بالنّبى ومن جبريل عون له في الغسل والكفن من فيه ما فيهم لا يمترون به وليس في القوم ما فيه من الحسن ما ذا الَّذي ردكم عنه فنعلمه ها انّ بيعتكم من أول الفتن ونسبها بعض الى حسان بن ثابت . وآخرون الى عتبة بن أبى لهب . الغدير 7 - 93 . < / شعر >
فأعجب إبليس بنفسه وتداخله الكبر ، واطَّلع اللَّه تعالى على ذلك فقال له ولجنده : « انّى خالق بشرا من طين » الآية .
وقيل : هم كل الملائكة لقوله تعالى : * ( ( كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ) ) * ، وكذلك اختلفوا في ابليس فقالت المعتزلة : انّه لم يكن من الملائكة لقوله تعالى : * ( ( كانَ مِنَ الْجِنِّ ) ) * وهم ليسوا من الملائكة لقوله تعالى : * ( ( ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ ) ) * ، وقول الملائكة : * ( ( بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ ) ) * .
وأقول : يشبه ان يكون الخلاف لفظيا لانّه اذا ثبت انّ الجنّ ملائكة اهبطوا الى الأرض لم يكن بين كونه من الجنّ ، وكونه من الملائكة منافاة ، وامّا الخطاب والجواب فجاز ان يكون مع الملائكة السماويّة .
وقوله : الَّا ابليس وقبيله ، الى قوله : الصلصال ، فقبيله : جماعته من الجنّ والشياطين ، واعترتهم الحميّة وغشيتهم ، وذلك من قوله تعالى : * ( ( وإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا ) ) * الآية ، وتعزّزهم بخلقة النار قوله : * ( ( قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ ) ) * واستضعافهم لخلق الصلصال ، كقوله : * ( ( قالَ لَمْ أَكُنْ لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ ) ) * واعطاؤه النظرة هو قوله تعالى : * ( ( قالَ إِنَّكَ مِنَ ) ) * ، والنظرة بكسر الظاء : الامهال ، وهنا حذف تقديره ، فسأل النظرة فأعطاه ذلك في قوله : * ( ( قالَ أَنْظِرْنِي ) ) * الآية ، وقوله : استحقاقا للسخطة اشارة الى قوله تعالى : * ( ( ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ ) ) * الآية ، وانجاز العدّة كقوله تعالى : * ( ( قالَ إِنَّكَ مِنَ ) ) * الآية . والخلف في خبر اللَّه تعالى محال . واستتماما للبليّة اى : بليّة بنى آدم به واختبارهم بعصيانه او طاعته . واسكان آدم ، الى قوله : محلَّته ، كقوله تعالى : * ( ( وقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ ) ) * الى قوله : * ( ( شِئْتُما ) ) * . والدار : الجنّة . وتحذيره ايّاه كقوله تعالى : * ( ( فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ ) ) * الى قوله : * ( ( فَتَشْقى ) ) * وقوله : فاغترّه ، الى قوله : الأبرار كقوله تعالى : * ( ( فَوَسْوَسَ إِلَيْه ) ) * الآية ، والوسوسة : القاء ما يتوهّم نافعا الى النفس مما يخالف او امر اللَّه تعالى ، وتزيينه لها ذلك ، وقيل : فى سبب عداوته له انّه الحسد بما اكرمه اللَّه تعالى به من اسجاد الملائكة له ، وتعليمه ما لم يطَّلعوا عليه واسكانه الجنّة ، وهو المشار اليه بالنفاسة هنا ، واصل النفاسة : البخل ، يقال : نفست عليه بكذا اى : بخلت ، وقيل : السبب تباين اصليهما ولذلك اثر قوىّ في العداوة والمجانبة ، وبيعه اليقين بشكه ،
والعزيمة بوهنه ، كقوله : * ( ( ولَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ ) ) * قيل : ومعنى ذلك انّ آدم كان فى الجنة على حال يعلمها يقينا وما كان يعلم عيشه في الدنيا فبدّل ذلك اليقين بما شكَّكه فيه ابليس بقسمه . وقوله * ( ( وقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما ) ) * وقيل : بل كان يتيقّن عداوته فشكَّكه في ذلك بما حكاه من النّصح عن نفسه . وقيل : بل كان يتيقّن عهد اللَّه اليه بملازمة طاعته وامره ، فلمّا وسوس له الشيطان نسى ذلك العهد فذلك قوله تعالى : * ( ( ولَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ ) ) * الآية . وكذلك بدّل عزيمته الجازمة على المحافظة على طاعة اللَّه ، والصّبر عليها بالضعف عن ذلك واستبداله بالجذل وهو السرور وجلا كما دلّ عليه بقوله تعالى : * ( ( قالا رَبَّنا ) * ، الى قوله : * ( الْخاسِرِينَ ) ) * وقوله : ثمّ بسط اللَّه ، الى قوله : رحمته كقوله تعالى : * ( ( فَتَلَقَّى آدَمُ ) ) * الآية . ولقّاه ايّاها افاضها عليه والهمه ايّاها واستعدّ[1]بها لقبوله رحمة اللَّه .
وروى عن ابن عباس انّه قال : علَّم اللَّه آدم وحوّاء امر الحجّ ، والكلمات التي تقال فيه ، فحجّا ، فلما فرغا اوحى اللَّه اليهما انّى قبلت توبتكما .
وعن عائشة : لما اراد اللَّه تعالى ان يتوب على آدم طاف بالبيت سبعا ، والبيت يومئذ ربوة حمراء فلمّا صلَّى ركعتين استقبل البيت وقال : اللَّهمّ انّك تعلم سرّى وعلانيتى فاقبل معذرتى ، وتعلم حاجتى فاعطنى سؤلى ، وتعلم ما في نفسى فاغفر لي ذنوبى ، اللَّهم انّى أسألك ايمانا تباشر به قلبى ، ويقينا صادقا حتى اعلم انّه لن يصيبني الَّا ما كتبت لي ، وارضني بما قسمت لى ، فأوحى اللَّه اليه : يا آدم قد غفرت لك ذنبك ولن يأتيني احد من ذرّيتك يدعوني بمثل ما دعوتنى به الَّا غفرت ذنوبه ، وكشفت همومه ، ونزعت الفقر من بين عينيه ، وجاءته الدنيا وهو لا يريدها .
ووعده المردّ الى جنّته لقوله تعالى * ( ( قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً ) ) *[2]الآية . واهباطه الى دار البليّة وتناسل الذريّة فاستبدل بالجذل وجلا وبالاغترار ندما ، ثم اناب الى اللَّه فبسط له الى آخره ، وانّما جعل تناسل الذريّة في معرض ذمّ الحال وان كان من كمالات الدنيا لحقارة ذلك بالنسبة الى الكمال ، والخير الَّذى كان فيه آدم في الجنة .
[1]في نسخة ش : واستبد بها
[2]في ش بزيادة : فمن اتبع هداي .