والكلام من خطبة طويلة له ايّام خلافته ، ذكر فيها قربه من رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله واختصاصه به الى ان قال ( فاختار المسلمون بعده بآرائهم رجلا منهم فقارب وسدّد حسب استطاعته على ضعف وجدّ كانا فيه . ثم وليهم بعده وال فاقام واستقام حتى ضرب الدّين بجرانه على عسف ، وعجز ، كانا فيه . ثم استخلفوا ثالثا لم يكن يملك امر نفسه شيئا غلب عليه اهله فقادوه الى اهوائهم كما يقود الوليدة البعير المحطوم . ولم يزل الأمر بينه وبين الناس يبعد تارة ، ويقرب اخرى حتى نزلوا عليه فقتلوه . ثم جاؤا فى مدبّ الدّبا يريدون بيعتى ) . فى كلام طويل .
والجران : مقدّم عنق البعير ، وضربه بجرانه : كناية عن استقراره ، كناية بالوصف المستعار .
440 - وقال عليه السّلام : يأتي على النّاس زمان عضوض يعضّ الموسر فيه على ما فى يديه ولم يؤمر بذلك ، قال اللَّه سبحانه : * ( ( ولا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ) ) *[1]تنهد فيه الأشرار وتستذلّ فيه الأخيار ، ويبايع المضطرّون وقد نهى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم عن بيع المضطرّين . فاستعار لفظ العضوض : لشدّته ، وعضّ الموسر على ما فى يديه : كناية عن بخله .
وتنهد : ترتفع .
441 - وقال عليه السّلام : يهلك فىّ رجلان : محبّ مطر ، وباهت مفتر .
قال السيد الرضي : وهذا مثل قوله ( ع ) يهلك فى رجلان محبّ غال ومبغض قال والمطرى : كثير المدح كالغلاة . والباهت له : المفترى عليه كالخوارج .
442 - وسئل عن التوحيد والعدل فقال عليه السلام : التّوحيد أن لا تتوهّمه ، والعدل أن لا تتّهمه . لأن غاية التوحيد ان يحذف عنه تعالى كلّ امر اثبته الوهم كما نقل عن الباقر عليه السلام : ( فكلّ ما ميزتموه باوهامكم فهو مخلوق مثلكم مردود عليكم ) كما مرّ بيانه
[1]سورة البقرة - 273 .
فى الخطبة الأولى . والمراد من العدل : اعتقاد جريان العدل فى جميع افعاله تعالى واقواله ، فلا يفعل قبيحا ولا يخلّ بواجب ولا يتوهّم[1]بهما .
443 - وقال عليه السّلام : لا خير فى الصّمت عن الحكم ، كما أنّه لا خير فى القول بالجهل . فالحكم : الحكمة ، وقد مرّ مثله .
444 - وقال عليه السّلام : فى دعاء استسقى به : اللَّهمّ اسقنا ذلل السّحاب دون صعابها .
قال السيد الرضي : وهذا من الكلام العجيب الفصاحة ، وذلك انه عليه السلام شبّه السحاب ذوات الرعود والبوارق والرياح والصواعق بالابل الصعاب التي تقمص برحالها وتقص بركبانها ، وشبه السحاب خالية من تلك الروائع بالابل الذلل التي تحتلب طيعه وتقتعد مسمحة . واقول : انّه استعار لفظ الذلل والصعاب : للسحب لمكان المشابهة المذكورة .
والتوقّص : النزو ، وتقارب : الخطو . والروايع : الأمور المخوفة .
445 - وقيل له عليه السّلام ( لو غيّرت شيبك يا أمير المؤمنين ) فقال عليه السلام : الخضاب زينة ونحن قوم فى مصيبة ( يريد وفاة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم ) .
446 - وقال عليه السّلام : منهومان لا يشبعان : طالب علم ، وطالب دنيا . والنهم بالفتح : افراط الشّهوة فى الطعام . ولفظه مستعار : لشدّة طلب العلم والمال .
447 - وقال عليه السّلام : لزياد بن أبيه ( وقد استخلفه لعبد اللَّه بن العبّاس على فارس وأعمالها ، فى كلام طويل كان بينهما نهاه فيه عن تقدّم الخراج ) : استعمل العدل ،
[1]في ش : ولايتهم .
واحذر العسف والحيف ، فإنّ العسف يعود بالجلاء والحيف يدعو إلى السّيف . اى : يعود بالجلاء على الرعيّة . والحيف يدعو الى السيف اى : الى محاربتهم للوالى ، او الى هلاكه بسيف غيره .
448 - وقال عليه السّلام : ما أخذ اللَّه على أهل الجهل أن يتعلَّموا حتّى أخذ على أهل العلم أن يعلَّموا . لانّ وجوب التعليم على الجاهل مستلزم لوجوب التعليم على العالم فى الحكمة الالهية . وعن النّبى صلى اللَّه عليه وآله : ( من تعلَّم علما فكتمه ، ألجمه اللَّه يوم القيامة بلجام من نار )[1].
449 - وقال عليه السّلام : شرّ الإخوان من تكلَّف له .
قال السيد الرضى : لانّ التكليف مستلزم للمشقّة وهى : شرّ لازم عن الاخ المتكلَّف له فهو شرّ الأخوان .
450 - وقال عليه السّلام : إذا احتشم المؤمن أخاه فقد فارقه .
قال السيد الرضى : يقال : حشمه واحشمه بمعنى : اغضبه . وقيل : اخجله . واحتشمه طلب ذلك له وهو مظنّة مفارقته .
وباللَّه التوفيق والعصمة . وهو حسبنا ونعم الوكيل .
خاتمة المؤلف هذا اختيار ( مصباح السالكين ) لنهج البلاغة من كلام مولانا وامامنا امير المؤمنين على بن ابى طالب عليه السلام . ورجاؤنا فى اللَّه سبحانه اذ وفقنى لتمامه ان يجعله خالصا لوجهه ويسعدنا فى الدارين بمنّه ولطفه . وفرغ من اختصاره افقر عباد اللَّه تعالى ميثم بن على بن ميثم البحرانى عفا اللَّه عنه فى آخر شوال سنة احدى وثمانين وستمائة ( 681 ) بعون اللَّه وحسن توفيقه ، والحمد للَّه كما هو اهله وصلَّى اللَّه على سيّدنا نبىّ الرحمة محمد
[1]جامع بيان العلم - 4 . سنن ابن ماجة 1 - 96 . النهاية فى غريب الحديث 4 - 234 .
وآله وسلَّم تسليما كثيرا . . .[1].
[1]جاء في اخر نسخة ش هكذا : وباللَّه التوفيق والعصمة ، وهذا آخر اختيار ( مصباح السالكين ) لنهج البلاغة من كلام مولانا وسيدنا أمير المؤمنين عليه افضل الصلاة والسلام والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين وسلم تسليما كثيرا ، ربّ اختم بالخير برحمتك يا ارحم الراحمين . وقع الفراغ بمنّه ولطفه يوم الخميس نصف النهار سادس وعشرين من ربيع الآخر من سنة ستة عشر وسبع مائة ( 716 ) من الهجرة وذلك بالحلَّة الفيحاء آمنها الله تعالى من البليّات وكتب حسين بن محمد الجرجانى المجاور عفا الله عنه .