إلهي . . . إنّك لم تزل برّاً بي أيام حَياتي ، فلا تقطع بِرّك عنّى بعد مماتي .
إلهي . . . إن كنت غير مستوجب لمعروفك ، فكن أنت أهلا للتفضّل على .
إلهي . . . إن غفرت فبفضلك ، و إن عذَّبت فبعدلك ، فيا من لا يرجى إلاّ فضله ، و لا يخشى إلاّ عدله ، اُمنن علينا بفضلك ، و لا تستقص علينا بعدلك .
إلهي . . . آمنّا من عقوبتك ، وأسبغ علينا نعمتك ، و دوام عافيتك ، و محبّة طاعتك ، و اجتناب معصيتك .
إلهي . . . أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت على ، و على والدي و أن أعملَ صالحا ترضاه .
الاهداء :
إلى . . .
صاحب الولاية ، و سيّد الأمّة . . . و أبى الأئمة . . . و وصّى المصطفى بالحق ، و حامل عبأ الولاية الكبرى ، سيّدي الإمام أمير المؤمنين على بن أبى طالب . . . عليه صلوات الله و رحمته و بركاته .
ارفع بضاعتي المزجاة ، و مجهودي الضئيل ، و صحائف ولائي الخالص ، راجياً التفضّل بالقبول ، فهو منتهى الفوز ، و غاية الأمل و أقصى ما يطمح إليه :
عبدكم محمد هادي الأميني
المدخل لا أحسب كتابا على امتداد التأريخ ، وعبر القرون والأحقاب . . . منذ أن تدرّج الإنسان على الأرض . . . وضعت حول جوانبه ومفاهيمه وبحوثه ومطالبه ومواضيعه امّهات الكتب والدراسات والشروح ، بعد القرآن الكريم مثل كتاب ( نهج البلاغة ) فهو لاحتوائه على « 242 خطبة وكلاما ، و 78 كتامور با ورسالة ، و 498 كلمة ، من يواقيت الحكمة و - درر البيان ، وجوامع الكلم . . . أشغل الشخصية الاسلامية . . . وحوّل نحوه الجامعات والأكاديميات العلمية والأدبية والفلسفية . . . وأخذ بمجامع العقول والأفكار والقلوب . . . منذ أن قالها وأنشأها وصاغها وارتجلها ، عملاق الفصاحة ، وعبقريّ البلاغة ، وسيّد البيان ، و - أمير الأدب الإمام أمير المؤمنين عليّ بن ابي طالب عليه سلام اللَّه ورحمته وبركاته .
والواقع أنّ الكتاب هذا . . . في حروفه . . . كلماته . . . جملاته . . . سطوره . . . جاذبيّة خاصة . . . والكثير من قوّة الجذب التي لا عهد لنا بها إلَّا في القرآن الكريم . . . فهو كالمسك ما كرّرته يتضوّع ، ولذلك نجد بينه وبين القرآن تشابها ، وترادفا في الهدف ، والغاية ، والغرض ، واللفظ ، والمعنى ، والسياق ، والبيان ، والشكل . . . ولهذا يعتقد الكثير من أئمة البيان والكلام ، أنّ نهج البلاغة وليد القرآن فحسب .
ولا غرو ، ولا مغالاة في القول هذا ، بعد أن وجدنا الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، حفظ القرآن كلَّه ، فوقف على أسراره ، وإعجازه ، وحكمه ، وظاهره ، وباطنه ، وناسخه ، و - منسوخه ، ومحكمه ، ومتشابهه ، وكافة جزئياته وكلياته ، وسار القرآن في جسمه ، و - اختلط به لحمه ، ودمه ، ومشى في عروقه ، ثم وجدنا الجميع في نهج البلاغة . . . مع تبيانه الصريح ، وإعلانه الرصين في عدّة مواضع صارخا : سلوني قبل أن تفقدوني . . . سلوني عن
كتاب اللَّه ، فإنّه ليس من آية إلَّا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار ، في سهل أم في جبل[1].
أو ما رواه المأمون ، عن الرشيد ، عن المهدي ، عن المنصور ، عن أبيه ، عن علي بن العباس ، عن عبد اللَّه بن عباس ، قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول : كفوّا عن ذكر علي ابن أبي طالب ، فلقد رأيت من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم ، فيه خصالا لأن تكون لي واحدة منهن في آل الخطاب أحبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس ، كنت أنا ، وأبو بكر ، وأبو عبيدة ، في نفر من أصحاب رسول اللَّه ( ص ) فانتهيت إلى باب امّ سلمة ، وعليّ قائم على الباب ، فقلنا : أردنا رسول اللَّه ( ص ) فقال : يخرج إليكم ، فخرج رسول اللَّه ( ص ) فثرنا اليه ، فاتّكأ على علي بن أبي طالب ، ثم ضرب بيده على منكبه ، ثم قال : إنّك مخاصم تخاصم ، أنت أوّل المؤمنين إيمانا ، وأعلمهم بأيام اللَّه ، وأوفاهم بعهده وأقسمهم بالسويّة وأرأفهم بالرعية وأعظمهم رزية ، وأنت عاضدى وغاسلي ودافني ، والمتقدّم إلى كل شديدة وكريهة ، ولن ترجع بعدي كافرا ، وأنت تتقدّمني بلواء الحمد ، وتذود عن حوضي ، ثم قال ابن عباس من نفسه : ولقد فاز عليّ عليه السلام ، بصهر رسول اللَّه ( ص ) ، وبسطة في العشيرة ، وبذلا للماعون وعلما بالتنزيل وفقها للتأويل ونيلا للأقران[2].
ومن هنا نرى الغزالي[3]بعد تلاوته الحديث هذا ، يقول : قد علم الأولون والآخرون ، أنّ فهم كتاب اللَّه منحصر إلى علم عليّ ، ومن جهل ذلك فقد ضلّ عن الباب الذي من ورائه يرفع اللَّه عن القلوب الحجاب ، حتى يتحقق اليقين الَّذي لا يتغير بكشف الغطاء[4].
[1]الغدير 3 : 95 - الاحاديث الواردة في علم أمير المؤمنين - ورأي الصحابة فيه وان اول من اعترف له بالاعلمية نبي الاسلام صلى اللَّه عليه وآله وسلم . مستدرك الصحيحين 3 : 499 . كنز العمال 6 : 13 . جمع الجوامع كما في ترتيبه 6 : 398 . مسند احمد بن حنبل 5 : 26 . الرياض النضرة 2 : 194 . مجمع الزوائد 9 : 101 ، 114 . مناقب الخوارزمي : 49 .
[2]حلية الاولياء 1 : 66 . الرياض النضرة 2 : 198 عن الحاكمي . مطالب السئول : 34 . كنز العمال 6 : 393 . كفاية الطالب : 197 . اسد الغابة 5 : 520 . مجمع الزوائد 9 : 113 . الاستيعاب 2 : 462 بسنده عن سعيد بن وهب . ذخائر العقبى : 61 وقال : اخرجه الطبراني .
[3]أبو حامد حجة الاسلام محمد بن محمد بن محمد الغزالي الشافعي الطوسي المتوفى 505 . ه .
[4]فيض القدير 3 : 64 .
هذا بالاضافة إلى عشرات الأحاديث ، والروايات الصحيحة الثابتة عن النبيّ الأعظم صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم ، في علم عليّ عليه السلام وقضائه وأدبه وحكمته ودينه وإيمانه وتكامله في كافّة الجوانب العلميّة والاخلاقيّة والسياسيّة والاجتماعيّة ، فهو نسيج وحده بعد المشرّع الأعظم صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم ، في جميع المثل والقيم الانسانيّة ، ولذلك يمكن القول بصراحة أنّ نهج البلاغة . . . وليد القرآن ، من دون منازع ومن غير افتقار إلى دليل وحجة وبرهان ، ولم يكن القول هذا بابتداع واختلاق منبعث عن التعصّب والانحياز ، والغلو وإنّما هو عقيدة أئمة الأدب وفقهاء البيان والبلاغة وأحبار الحكمة ، والفلسفة ، وجهابذة النحو والمنطق واللغة ، منذ إنشاء نهج البلاغة وصوغه وإنشاده وتكوينه .
لقد تلقّت رجالات الفصاحة وفقهاء البيان وأحبار الحكمة والفلسفة كتاب نهج البلاغة ، بالإكبار والتجليل ، ووقفت خاشعة ذاهلة أمام اسلوبه الرصين وبيانه السّحريّ ونهجه البليغ وسبكه العذب ومعنويته الحيّة ، وراحت تدرسه وتحلَّله ، وتضع له شروحا وتفاسير جمّة ، وترجمته إلى اللغات الحية ، ووضعت حوله دراسات وبحوث شتّى ، فبلغ ما ينيف على 350 شرحا وترجمة باللغتين العربية والفارسية[1]، وعلى هذا يمكن القول : أنّ المؤلَّفات والكتب الخاصة ، بكتاب نهج البلاغة تشكل وحدها مكتبة عامرة[2]ولعلّ اللَّه يوفّق من يجمع هذه الدراسات والكتب في خزانة خاصّة ، أو يضع لها ثبتا ومعجما خاصا ، خدمة للعلم والأدب والتأريخ :
< شعر > كتاب كأنّ اللَّه رصّع لفظه بجوهر آيات الكتاب المنزّل حوى حكما كالدّر ينطق صادقا ولا فرق إلَّا انّه غير منزل < / شعر > هذا ومن الذين شرحوا كتاب نهج البلاغة ، فقيه الحكماء وفيلسوف الفقهاء وفخر العلماء والأدباء وأفضل المتقدّمين والمتأخّرين ، كمال الدين ومفيد الدين الشيخ ميثم
[1]الغدير 4 : 186 .
[2]هذا وقد ترجم نهج البلاغة الى اللغات الحية كالانكليزية والفرنسية والهندية والتركية وغيرها .
ابن علي بن ميثم البحراني . . . رضي اللَّه عنه ، فقد صنّف لهذا الكتاب شروحا ثلاثة ، بأسلوب علمي بليغ ونهج فلسفي قويم ، كانت موضع التقدير والإكبار والبحث والتدريس .
ولد ونشأ هذا العليم النّحرير في البحرين ، وترعرع في أحضان العلم والفقه ، لأنّ أسرته كانت من الأسر الشهيرة العريقة ، فنشأ في حجر أبيه المقدّس وبذل في تربيته الجهد ، واستفرغ في تأديبه وتهذيبه وسعه وبوّأه من علمه وحكمته في تثقيفه مبوّأ صدق مبارك ، يفتح له سبل الحجى ويدفعه إلى أوج الهدى والتقى ، فأخذ أولا علوم اللَّغة والصرف والنحو وفنون اللسان ، وحصل في الصرف والنحو والمعاني والبيان والبديع وعلم المنطق ، على درجة وامتياز رفيع .
لقد أخذ هذه العلوم عن أساتذة مهرة بررة من علماء البحرين ، اختارهم له والده ، وكان يقف على دروسه معهم لا يألو جهدا في تشويقه وتشجيعه وتنشيطه وتمرينه ، ولا يدّخر وسعا وفراغا في إرهاف عزمه واغرائه في الامعان بالبحث والمناقشة .
وكان منذ نعومة أظفاره وأوّل نشأته بعيد الهمة ، توّاقا إلى المعرفة والكمال ، ونزّاعا إلى الفضيلة والعبقرية ، فحسر عن ساعد الجدّ والاجتهاد وجنّد نفسه في التحصيل ، حتى بزّ أقرانه وزملائه ، وجلى وفاز دونهم في جميع المجالات بالقدح المعلى ، وفشى ذكره في التحصيل على ألسنة الخاصّة والعامّة ، من أهل بلده ، وخالط صيته العقل والفضل والهدى والرأى وحسن السمت في تلك الأرجاء وعند الجميع ، فكان المثل الأعلى في الحوزات العلمية وأوساط الشبيبة في حمد السيرة وطيب السريرة وجمال الخلق وكمال الخلق وحبّ الخير .
غير أنّه آثر العزلة واختارها وأحبّها وهام بها لأنّه بلغ مقام الأنس على حدّ قول علماء الاخلاق ، وقد قالوا : إنّ من بلغ مقام الأنس غلب على قلبه حبّ الخلوة والعزلة عن الناس ، لأنّ المخالطة مع الناس تشغل القلب عن التوجّه التام إلى اللَّه ، فلا بدّ من بيان أنّ الأفضل من العزلة والمخالطة أيّهما ، فإنّ العلماء في ذلك مختلفون والأخبار أيضا في ذلك مختلفة ، ولكل واحد منهما أيضا فوائد ومفاسد ، وقد أجمعت كلمتهم على تفضيل العزلة على المخالطة مطلقا ، لوجود فوائد ، منها ، الفراغ للعبادة ، والذكر والفكر والاستيناس
بمناجاة اللَّه والإشتغال باستكشاف أسرار اللَّه في ملكوت السماوات والأرض والتخلَّص عن المعاصي الَّتي يتعرّض الإنسان لها غالبا بالمخالطة[1].
ومهما يكن من أمر فإنّ المترجم له . . . آثر العزلة إلى أن تخلَّص منها على أثر مكاتبات جرت بينه وبين علماء العراق ، فغادر مسقط رأسه متوجّها إلى العراق وايران ، بغية زيارة الأعتاب المقدّسة ومراقد أهل البيت الطاهرين عليهم السلام في النجف الاشرف ، وكربلاء ، والكاظمية ، وسامراء ، وخراسان ، وقم ، ومن ثمّ الاجتماع بالعلماء والفقهاء في الحوزات العلمية آنذاك .
لقد استغرقت رحلته هذه ، سنين عدّة وعاد إلى البحرين ، وكانت أوقاته منقسمة حتى في السفر بين المحراب والمطالعة والتدريس والكتابة والبحث والارشاد ، ففي سفره صنّف الشروح الثلاثة لكتاب نهج البلاغة ، كما كانت مجالس تزاوره في رحلته مدارس سيارة ، يجد الطالب فيها ما يبتغيه من فنون العلم ، والحكمة والأدب وما إلى ذلك من مواعظ تسمو بالانسان إلى حيث الملكوت والروحانية . . . وهو في كل هذا كما يشهد عليه بيانه ، واضح الأسلوب ، فخم العبارة ، مشرق الديباجة ، يعبّر عن كوامن نفسه بأبلغ بيان ، ويعبّر عن ضميره بأجلى العبائر الحسان ، فيبلغ بقوله وكلامه أعماق القلوب من خواصّ الناس وعوامهم ، يخاطب كلَّا منهم بما يناسب مع شعوره ، ويتّفق مع عقليته ومبلغه من الفهم والعلم والإدراك بكلام هو أندى على الأفئدة من زلال الماء . . . فكان منتجعو روّاد مجالسه على اختلاف طبقاتهم ، ينقلون عنه بما التمسوه من ضوال الحكمة وجزيل الفوائد العلمية وجليل العوائد العملية .
إنّ الشيخ ميثم . . . كرّم اللَّه وجهه ، كان رحلة في العلم ، كما كان قبلة في العمل والعبادة ، وإماما في الحكمة والفقه ، وعلما في الشريعة ، تمّت به النّعمة ، وهاديا إلى اللَّه وجبت به الحجّة ، ومفزعا في العلم تلقى إليه المقاليد ، ومرجعا في أحكام اللَّه وقوانينه يناط به التقليد ، وثبتا في السنن وحجّة في الأخبار ، وجهبذا في الوقائع وحوادث السنين وأحوال الغابرين ، طويل الباع في الحكمة ، وبحرا في الاخلاق وتهذيب النفس ، لا يسبر غوره ولا ينال دركه .
[1]جامع السعادات 3 : 194 .
وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على شخصيّة شيوخه ومناعة أساتذته الفطاحل ، في العلوم الإسلامية إلى جانب شدّه للعلم حيازيمه ، وإرهافه له عزائمه ، وإرصاده الأهب لأخذه بجميع فنونه عن تلكم الجهابذ ، وخوضه عباب البحار ، ولذلك عنت أساتذته بأمره إلى الغاية ، واهتمّت بشأنه كل الاهتمام .
شيوخه :
يكتنف حياة هذا العملاق . . . الكثير من الغموض مع الأسف الشديد ، ولم يتوصّل المؤرّخون إلى جذور حياته ومراحل دراسته بصورة وافية ، ليضعوا أمام القارئ صورة صحيحة عنه ، فالجوانب من حياته مجهولة ، ومنها شيوخه وأساتذته الذين تخرّج عليهم ، إذ لا مشاحة أنّه تتلمّذ على فحول الفقه وعمالقة الكلام وأساطين الفلسفة والحكمة وأرباب الجدل والمناقشة ، فهو في الواقع حصيلة وخميرة أدمغة الفطاحل ، وعصارة الحكماء ومجموعة ثقافات الفقهاء والمجتهدين ، بيد أنّ المؤرخين لم يذكروا منهم غير إثنين أو ثلاث وهم : 1 - أبو السعادات أسعد بن عبد القاهر بن أسعد الأصبهاني المتوفى بعد 635 .
من كبار المحققين والفقهاء والمتضلَّعين في الدراية والحديث والفقه وأصوله ، وكانت له حوزات تدريسيّة غاصّة بالعلماء والأدباء ، منهم الخواجه نصير الدين محمد الطوسى ، والسيد رضي الدين على بن طاوس وأمثالهما وقد ترجم له أصحاب المعاجم وأثنوا عليه .
من تصانيفه الكثيرة : « إكسير السعادتين » ، فيه الكثير من الكلمات القصار لأمير المؤمنين عليه السلام . « توجيه السؤلات في حلّ المشكلات » . « منبع الدلائل ومجمع الفضائل » . « رشح الولاء في شرح الدعاء » . « مجمع البحرين ومطلع السعادتين » .
« مجمع الدلائل[1]» .
[1]أعيان الشيعة 11 : 200 . ايضاح المكنون 1 : 336 ، 353 ، 573 . الفوائد الرضوية : 43 . روضات الجنات 1 : 102 . الانوار الساطعة في المائة السابعة : 17 . ريحانة الادب 7 : 124 . تنقيح المقال 1 : 124 . أمل الآمل 2 : 32 . الذريعة 2 : 278 .