احساس الحواسّ المشار اليها بمحسوساتها ، ونصب معجونا على الحال ، وطينة الألوان مادّتها التي خالطت بدن[1]الانسان فاستعدّ بها لقبول الألوان المختلفة وهى معنى : عجنها بها .
والأشباه المؤتلفة كالعظام والأسنان ، والأضداد المتعادية كالكيفيّات الأربع التي ذكرها ، وهى الحرارة ، والبرودة ، والبلَّة وهي : الرطوبة ، والجمود وهى : اليبوسة ، والأخلاط المتباينة هى : الدّم ، والبلغم ، والصفراء ، والسوداء .
وامّا المسأة والسرور فهما من الكيفيّات النفسانيّة ، وامّا عهد اللَّه الى الملائكة ووصيّته اليهم فهو قوله تعالى : * ( ( فَإِذا سَوَّيْتُه ونَفَخْتُ فِيه مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَه ساجِدِينَ ) ) *[2]والاستيذاء ذلك منهم هو قوله بعد خلقه : * ( ( اسْجُدُوا لِآدَمَ ) ) * واتّفق الناس على انّ سجودهم لآدم لم يكن سجود عبادة لانّها لغير اللَّه كفر ، لكن قال بعضهم : انّ آدم كان كالقبلة والسجود للَّه ، وتكون اللام كهى في قول الشاعر في حقّ عليّ عليه[3]السلام : أليس أوّل من صلَّى لقبلتكم[4]وقيل : كان السجود تعظيما لآدم ، وكان ذلك سنّة الامم السّالفة في تعظيم أكابرها ، وقيل : بل السجود في اللغة : الخضوع والانقياد ، ثمّ اختلفوا في المأمورين بالسجود ، فقيل : هم الملائكة الذين اهبطوا مع ابليس لانّ اللَّه لما خلق السموات والأرض وخلق الملائكة أهبط منهم ملأ الى الارض يسمّون بالجنّ كانوا أخفّ الملائكة عبادة ،
[1]في نسخة ش : باطن
[2]سورة الحجر - 29
[3]في ش بزيادة : الصلاة و
[4]الشعر هذا اختلف في نسبتة ، فقيل انه لأبى الفضل العباس بن عبد المطلب رضي اللَّه عنه ، قالها عند بيعة ابى بكر يعرض بها ويمدح عليا عليه السلام ، والأبيات هي : < شعر > ما كنت أحسب ان الأمر منصرف عن هاشم ثم منها عن ابى الحسن أليس أول من صلى لقبلتكم واعلم الناس بالقرآن والسنن وآخر الناس عهدا بالنّبى ومن جبريل عون له في الغسل والكفن من فيه ما فيهم لا يمترون به وليس في القوم ما فيه من الحسن ما ذا الَّذي ردكم عنه فنعلمه ها انّ بيعتكم من أول الفتن ونسبها بعض الى حسان بن ثابت . وآخرون الى عتبة بن أبى لهب . الغدير 7 - 93 . < / شعر >
فأعجب إبليس بنفسه وتداخله الكبر ، واطَّلع اللَّه تعالى على ذلك فقال له ولجنده : « انّى خالق بشرا من طين » الآية .
وقيل : هم كل الملائكة لقوله تعالى : * ( ( كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ) ) * ، وكذلك اختلفوا في ابليس فقالت المعتزلة : انّه لم يكن من الملائكة لقوله تعالى : * ( ( كانَ مِنَ الْجِنِّ ) ) * وهم ليسوا من الملائكة لقوله تعالى : * ( ( ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ ) ) * ، وقول الملائكة : * ( ( بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ ) ) * .
وأقول : يشبه ان يكون الخلاف لفظيا لانّه اذا ثبت انّ الجنّ ملائكة اهبطوا الى الأرض لم يكن بين كونه من الجنّ ، وكونه من الملائكة منافاة ، وامّا الخطاب والجواب فجاز ان يكون مع الملائكة السماويّة .
وقوله : الَّا ابليس وقبيله ، الى قوله : الصلصال ، فقبيله : جماعته من الجنّ والشياطين ، واعترتهم الحميّة وغشيتهم ، وذلك من قوله تعالى : * ( ( وإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا ) ) * الآية ، وتعزّزهم بخلقة النار قوله : * ( ( قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ ) ) * واستضعافهم لخلق الصلصال ، كقوله : * ( ( قالَ لَمْ أَكُنْ لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ ) ) * واعطاؤه النظرة هو قوله تعالى : * ( ( قالَ إِنَّكَ مِنَ ) ) * ، والنظرة بكسر الظاء : الامهال ، وهنا حذف تقديره ، فسأل النظرة فأعطاه ذلك في قوله : * ( ( قالَ أَنْظِرْنِي ) ) * الآية ، وقوله : استحقاقا للسخطة اشارة الى قوله تعالى : * ( ( ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ ) ) * الآية ، وانجاز العدّة كقوله تعالى : * ( ( قالَ إِنَّكَ مِنَ ) ) * الآية . والخلف في خبر اللَّه تعالى محال . واستتماما للبليّة اى : بليّة بنى آدم به واختبارهم بعصيانه او طاعته . واسكان آدم ، الى قوله : محلَّته ، كقوله تعالى : * ( ( وقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ ) ) * الى قوله : * ( ( شِئْتُما ) ) * . والدار : الجنّة . وتحذيره ايّاه كقوله تعالى : * ( ( فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ ) ) * الى قوله : * ( ( فَتَشْقى ) ) * وقوله : فاغترّه ، الى قوله : الأبرار كقوله تعالى : * ( ( فَوَسْوَسَ إِلَيْه ) ) * الآية ، والوسوسة : القاء ما يتوهّم نافعا الى النفس مما يخالف او امر اللَّه تعالى ، وتزيينه لها ذلك ، وقيل : فى سبب عداوته له انّه الحسد بما اكرمه اللَّه تعالى به من اسجاد الملائكة له ، وتعليمه ما لم يطَّلعوا عليه واسكانه الجنّة ، وهو المشار اليه بالنفاسة هنا ، واصل النفاسة : البخل ، يقال : نفست عليه بكذا اى : بخلت ، وقيل : السبب تباين اصليهما ولذلك اثر قوىّ في العداوة والمجانبة ، وبيعه اليقين بشكه ،
والعزيمة بوهنه ، كقوله : * ( ( ولَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ ) ) * قيل : ومعنى ذلك انّ آدم كان فى الجنة على حال يعلمها يقينا وما كان يعلم عيشه في الدنيا فبدّل ذلك اليقين بما شكَّكه فيه ابليس بقسمه . وقوله * ( ( وقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما ) ) * وقيل : بل كان يتيقّن عداوته فشكَّكه في ذلك بما حكاه من النّصح عن نفسه . وقيل : بل كان يتيقّن عهد اللَّه اليه بملازمة طاعته وامره ، فلمّا وسوس له الشيطان نسى ذلك العهد فذلك قوله تعالى : * ( ( ولَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ ) ) * الآية . وكذلك بدّل عزيمته الجازمة على المحافظة على طاعة اللَّه ، والصّبر عليها بالضعف عن ذلك واستبداله بالجذل وهو السرور وجلا كما دلّ عليه بقوله تعالى : * ( ( قالا رَبَّنا ) * ، الى قوله : * ( الْخاسِرِينَ ) ) * وقوله : ثمّ بسط اللَّه ، الى قوله : رحمته كقوله تعالى : * ( ( فَتَلَقَّى آدَمُ ) ) * الآية . ولقّاه ايّاها افاضها عليه والهمه ايّاها واستعدّ[1]بها لقبوله رحمة اللَّه .
وروى عن ابن عباس انّه قال : علَّم اللَّه آدم وحوّاء امر الحجّ ، والكلمات التي تقال فيه ، فحجّا ، فلما فرغا اوحى اللَّه اليهما انّى قبلت توبتكما .
وعن عائشة : لما اراد اللَّه تعالى ان يتوب على آدم طاف بالبيت سبعا ، والبيت يومئذ ربوة حمراء فلمّا صلَّى ركعتين استقبل البيت وقال : اللَّهمّ انّك تعلم سرّى وعلانيتى فاقبل معذرتى ، وتعلم حاجتى فاعطنى سؤلى ، وتعلم ما في نفسى فاغفر لي ذنوبى ، اللَّهم انّى أسألك ايمانا تباشر به قلبى ، ويقينا صادقا حتى اعلم انّه لن يصيبني الَّا ما كتبت لي ، وارضني بما قسمت لى ، فأوحى اللَّه اليه : يا آدم قد غفرت لك ذنبك ولن يأتيني احد من ذرّيتك يدعوني بمثل ما دعوتنى به الَّا غفرت ذنوبه ، وكشفت همومه ، ونزعت الفقر من بين عينيه ، وجاءته الدنيا وهو لا يريدها .
ووعده المردّ الى جنّته لقوله تعالى * ( ( قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً ) ) *[2]الآية . واهباطه الى دار البليّة وتناسل الذريّة فاستبدل بالجذل وجلا وبالاغترار ندما ، ثم اناب الى اللَّه فبسط له الى آخره ، وانّما جعل تناسل الذريّة في معرض ذمّ الحال وان كان من كمالات الدنيا لحقارة ذلك بالنسبة الى الكمال ، والخير الَّذى كان فيه آدم في الجنة .
[1]في نسخة ش : واستبد بها
[2]في ش بزيادة : فمن اتبع هداي .
الفصل الثاني قوله : واصطفى سبحانه من ولده أنبياء أخذ على الوحى ميثاقهم ، وعلى تبليغ الرّسالة أمانتهم ، لمّا بدّل أكثر خلقه عهد اللَّه إليهم فجهلوا حقّه واتّخذوا الأنداد معه واجتالتهم الشّياطين عن معرفته واقتطعتهم عن عبادته ، فبعث فيهم رسله ، وواتر إليهم أنبياءه ليستأدوهم ميثاق فطرته ، ويذكَّروهم منسىّ نعمته ، ويحتجّوا عليهم بالتّبليغ ، ويثيروا لهم دفائن العقول ويروهم الآيات المقدّرة : من سقف فوقهم مرفوع ، ومهاد تحتهم موضوع ، ومعايش تحييهم وآجال تفنيهم ، وأوصاب تهرمهم ، وأحداث تتابع عليهم ، ولم يخل سبحانه خلقه من نبيّ مرسل ، او كتاب منزل ، أو حجّة لازمة ، أو محجّة قائمة : رسل لا تقصّر بهم قلَّة عددهم ، ولا كثرة المكذّبين لهم : من سابق سمّى له من بعده ، أو غابر عرّفه من قبله : على ذلك نسلت القرون ، ومضت الدّهور ، وسلفت الآباء وخلفت الأبناء ، إلى أن بعث اللَّه سبحانه محمّدا رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله لإنجاز عدته ، وتمام نبوّته ، مأخوذا على النّبيّين ميثاقه ، مشهورة سماته كريما ميلاده . وأهل الأرض يومئذ ملل متفرّقة ، وأهواء منتشرة وطوائف متشتّته ، بين مشبّه للَّه بخلقه أو ملحد في اسمه ، أو مشير إلى غيره ، فهداهم به من الضّلالة ، وأنقذهم بمكانه من الجهالة . ثمّ اختار سبحانه لمحمّد صلَّى اللَّه عليه وآله لقاءه ، ورضى له ما عنده ، وأكرمه عن دار الدّنيا ، ورغب به عن مقارنة البلوى ، فقبضه إليه كريما صلَّى اللَّه عليه وآله وخلَّف فيكم ما خلَّفت الأنبياء في أممها - إذ لم يتركوهم هملا : بغير طريق واضح ، ولا علم قائم : كتاب ربّكم فيكم : مبيّنا حلاله وحرامه ، وفرائضه وفضائله ، وناسخه ومنسوخه ، ورخصه وعزائمه ، وخاصّه وعامّه ، وعبره وأمثاله ، ومرسله ومحدوده ، ومحكمه ومتشابهه ، مفسّرا مجمله ، ومبيّنا غوامضه ، بين مأخوذ ميثاق في علمه ، وموسّع على العباد في جهله . وبين مثبت فى الكتاب فرضه ومعلوم في السّنّة نسخه ، وواجب في السّنّة أخذه ، ومرخّص في الكتاب تركه ، وبين واجب بوقته ، وزائل في مستقبله . ومباين بين محارمه : من كبير أوعد عليه نيرانه ، أو صغير أرصد له غفرانه . وبين مقبول في أدناه ، موسّع في أقصاه .
أقول : الضمير في ولده راجع الى آدم عليه السلام ، واصطفاؤه تعالى للانبياء اعدادهم لافاضة الكمال النبوىّ عليهم ، واخذه على الوحى ميثاقهم هو المشار اليه بقوله * ( ( وإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ ) ) * وقوله * ( ( وإِذْ أَخَذَ الله مِيثاقَ النَّبِيِّينَ ) ) * الآية ، وقوله : لما بدّل تنبيه[1]على وجه الحكمة في بعثة الانبياء وسببها ، وعهد اللَّه الذى بدّلوه هو المشار اليه بقوله : * ( ( وإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) ) * الآية .
قال ابن عباس : لمّا خلق اللَّه آدم مسح على ظهره فاخرج منه كل نسمة هو خالقها الى يوم القيامة ، فقال : الست بربّكم قالوا : بلى فنودى يومئذ : جفّ القلم بما هو كائن الى يوم القيامة .
واعلم انّه لما كان الانسان تمام العالم[2]في الوجود الخارجىّ فكذلك في التقدير الالهى المطابق له ، ولذلك كان به تمام التقدير وجفاف القلم ، ولمّا كان من شأن الخلق بحسب ما ركب فيهم من القوى البدنيّة المتنازعة الى كمالاتها ان ينحرفوا عن الاستقامة الى عهد اللَّه ويتّخذوا الانداد معه ، ويجهلوا حقّه للغفلة بحاضر لذّاتهم عن دوام شكره ، وان يحتالهم الشياطين اى : يقتطعهم عن معرفته لا جرم وجب في الحكمة الالهية ان يختص صنفا منهم بكمال اشرف يقتدر معه امناء ذلك الصنف على تكميل الناقصين ممن دونهم ، وهم صنف الانبياء عليهم السلام والغاية منهم ما اشار اليه عليه السلام بقوله : ليستأدوهم ميثاق فطرته اى : يطلبون منهم اداء ما عهد اليهم به حين خلقهم من العبودية والاستقامة عليها ويذكَّرهم ما نسوه من نعمته ويحتجّوا عليهم بتبليغ الرسالات ويثيروا لهم جواهر الادلَّة على وحدانيّته تعالى وتفرّده باستحقاق العبادة فما هو مركوز في فطرتهم وفي قوّتها[3]علمه كالمدفون فيها والمغطَّى بشوائب الهيآت البدنية وقوله : يرشدوهم الى وجوهها ، ليستدلَّوا بما يشاهدونه من الحكمة في خلق السموات والارض وامر معاشهم واسباب حياتهم وموتهم مما عدّوه . وقوله : ولم يخل اللَّه الى قوله :
[1]في نسخة ش بزيادة : يدل
[2]في ش : العالمين
[3]في نسخة ش بزيادة : على .
وخلقت الابناء ، اشارة الى : بيان عنايته بالخلق في تواتر الرسل اليهم لغاية جذبهم الى جناب عزّته ، كقوله تعالى : * ( ( إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً ونَذِيراً وإِنْ ) ) *[1]ثمّ من لطفه تعالى انّه لما كان من ضرورة النبىّ ان يموت ولا يمتدّ زمانه ، انزل عليه كتابا يكون باقيا بعده ما شاء اللَّه ، يكون مشتملا على كلّ المطالب والمصالح الناظمة لهذا العالم بحيث لو كان النبي عليه السلام موجودا لم يزد على ما تضمّنه من الدعاء فيه الى عبادته تعالى وتذكير الخلق منسى عهده ، وقصص اخبار الماضين والعبر اللاحقة للاوّلين ، وفيه الحجج البالغة والدلائل القاطعة وغير القاطعة مما يصلح العباد في امر المعاش والمعاد ، ومعنى قوله : أرسل الى قوله : لهم انّهم ، وان كانوا قليلى العدد بالنسبة الى كثرة الخلق المكذّبين لهم كما هو المعلوم من حال كلّ نبىّ بعث الى امة ، فانّ ذلك لا يولَّيهم قصورا عن اداء ما كلفّوا من تبليغ الرسالة وحمل الخلق على ما[2]يكرهون مما هو مصلحة لهم ، و « من » فى قوله : من سابق[3]للتبيين ، والمراد انّ السابق منهم قد أطلعه اللَّه تعالى على العلم بوجود الَّلاحق له ، فبعضهم كالمقدّمة لوجود البعض وتصديقه ، كعيسى عليه السلام اذ قال : * ( ( ومُبَشِّراً بِرَسُولٍ ) ) *[4]الآية ومن لاحق سمّاه من قبله كمحمّد صلَّى اللَّه عليه وآله .
وقوله : وعلى ذلك ، اى : الاسلوب والنّظام الالهى مضت الامم خلفا عن سلف ، وقد ساق عليه السلام في هذه الخطبة من لدن آدم الى ان انتهى الى بعثة محمد عليه السلام ، اذ هو الغاية من طينة النبوّة وخاتم النّبيين . ثم اشار الى بعض غايات بعثته وهى انجاز عدته لخلقه ببعثته على ألسنة الرسل السابقين ، واتمام نبوته لغايتها ، ومأخوذا على النبيّين ميثاقه حال وذلك الاخذ هو المشار اليه ، بقوله تعالى : * ( ( وإِذْ أَخَذَ الله مِيثاقَ النَّبِيِّينَ ) ) *[5]الى قوله * ( ( ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِه ولَتَنْصُرُنَّه ) ) *[6]وسماته علامات نبوّته فانّها كانت ظاهرة في الميثاق ، وفي احوال تعرفها الرهبان والكهّان وعلماء اهل الكتاب ، وكرم
[1]سورة فاطر - 24
[2]في نسخة ش بزيادة : على
[3]في ش هكذا : من سابق راجعة الى للنبيين
[4]سورة الصف - 6 وفي ش بزيادة : يأتي من بعدى اسمه احمد .
[5]سورة آل عمران - 81 .
[6]سورة آل عمران - 81 .
ميلاده طهارة أصله عن الفساد ، ونبّه على فضل بعثته بذكر احوال الناس حين البعثة من اختلاف الاراء ، وتشتّت الاهواء ، وتفرّق الاديان والمذاهب بين من عليه اسم الملَّة ، وهم المذاهب الثلاثة وبين غيرهم من عبدة الاصنام والمعطَّلة وقد نبّهنا على اصناف منهم فى الاصل ، والمشبّهة : بقية اصحاب الملل .
فانّ الغالب عليهم التجسيم ، وتشبيه الصانع ببعض مصنوعاته ، والملحد في اسمه من عدل باسمائه عن الحقّ بتحريفها عمّا هو عليه الى اسماء اشتقّوها لأوثانهم منها : كاللات من اللَّه ، والعزّى من العزيز ، ومناة من المنّان ، والمشير الى غيره كالدهريّة وغيرهم من عبدة الأوثان والكواكب .
وقوله : وخلَّف فيكم ، الى قوله : قائم ، وذلك انّه لما كان النّبى ليس مما يتكوّن وجوده مثله في كل وقت وجب ان يشرّع للناس بعده من أمورهم سنّة باقية باذن اللَّه ، وامره ووحيه ، والغاية من ذلك هو استمرار الخلق على معرفة الصانع ودوام ذكره ، وذكر المعاد مع انقراض القرن الذى يلي النّبى ومن بعده مع ما وجب ان يأتيهم به من الكتاب من عند اللَّه الوافى لجميع المطالب الالهية ولا بدّ ان يعظَّم أمره ، ويسنّ على الخلق دراسته وتعليمه ليدوم به التذكَّر للَّه سبحانه ، والملأ الأعلى من ملائكته ، واشرف الكتب المنزلة ، والسّنن ما خلَّفه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله في امّته من الكتاب العزيز وسنّته الكريمة كما تحقّق ذلك العلماء العارفون بأسرار الكتب الالهية والنّواميس الشرعية .
ولفظ العلم : مستعار لما يهتدى به الخلق من قوانين الشرائع . وقوله : كتاب ربكم : بدل من ما ، والمراد « بما » نوع ما خلَّفت الانبياء في اممها من الحقّ وذلك هو ما يشتمل عليه الكتاب مما لا يخالف فيه نبّى نبيا من القوانين الكليّة ، كالتوحيد ، وأمر المعاد ، وتحريم الكبائر ، ومبيّنا نصب على الحال عن خلَّف ، وذو الحال ضمير للنبىّ صلى اللَّه عليه وآله . وقوله : حلاله ، الى آخره : تفصيل لما اشتمل عليه الكتاب من القوانين الكليّة التي عليها مدار اصول الفقه ، فمنها الاحكام الخمسة الشرعية . واشار بحلاله : الى المباح والمكروه منها . وبحرامه : الى المحظور ، وبفضائله : الى المندوب ، وبفرائضه : الى الواجب ، ومنها الناسخ والمنسوخ ، والنسخ عبارة عن : رفع ، مثل الحكم الثابت بالنّص المتقدّم بحكم آخر مثله . فالناسخ هو : الحكم الرافع والمنسوخ هو : الحكم المرفوع وهما
في الكتاب العزيز كقوله تعالى : * ( ( والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ ويَذَرُونَ أَزْواجاً ) ) *[1]الى قوله * ( ( وعَشْراً ) ) * فانّه ناسخ لقوله تعالى : * ( ( والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ و ) ) *[2].
ومنها رخصه وعزائمه ، والرخصة عبارة عن : الاذن في الفعل مع قيام السبب المحرّم له لضرورة لقوله تعالى : * ( ( أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ ) ) *[3]والعزيمة ما كان من الاحكام الشرعية جاريا على وفق سببه الشرعى كقوله تعالى : * ( ( وأَقِيمُوا ) ) *[4]ومنها عامّة وخاصّة ، والعام هو اللفظ المستغرق بوضعه الواحد لجميع ما يصلح له ، كقوله تعالى : * ( ( فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ) ) *[5]والخاص هو : ما لم يتناول الجميع بالنسبة الى ما تناوله ، كقوله : * ( ( وإِذْ ) ) * ، ومنه عبرة ، والعبرة : الاسم من الاعتبار واشتقاقها من العبور لانّ ذهن الانسان ينتقل فيها من امر الى امر ، وهى كما ورد فيه من قصص الاوّلين بالمصائب النازلة بهم التي تنقل ذهن الانسان باعتبارها الى تقديرها في نفسه وحاله ، فيحصل بذلك انزجاره ورجوعه الى اللَّه ، كقوله تعالى : * ( ( فَأَخَذَه الله نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى ) ) *[6]ونحوه .
ومنها امثلة[7]وهى كقوله تعالى * ( ( إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناه ) ) *[8]الآية . ومنها المرسل والمحدود ، وهما في عرف اصول الفقه المطلق والمقيّد ، مثال المطلق قوله تعالى في كفارة الظهار : * ( ( والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ ) ) *[9]والمقيد كقوله : * ( ( فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ) ) *[10]وقد ذكرنا الفرق بين المطلق والعام في الأصل .
[1]سورة البقرة - 234
[2]سورة البقرة - 240
[3]سورة البقرة - 184
[4]وردت هذه الجملة في 13 آية
[5]سورة الحجر - 30 . وسورة ص - 73 .
[6]سورة النازعات - 25 و 26 .
[7]في ش : امثاله .
[8]سورة يونس - 24 .
[9]سورة المجادلة - 3 .
[10]سورة النساء - 92 .