فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته ، إذ عقدها لآخر بعد وفاته ، لشدّ ما تشطَّرا ضرعيها فصيّرها في حوزة خشناء يغلظ كلامها ، ويخشن مسّها ، ويكثر العثار فيها ، والاعتذار منها ، فصاحبها كراكب الصّعبة إن أشنق لها خرم ، وإن أسلس لها تقحّم ، فمنى النّاس لعمر اللَّه - بخبط وشماس ، وتلوّن واعتراض ، فصبرت على طول المدّة ، وشدّة المحنة ، حتّى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة ، زعم أنّى أحدهم ، فيا للَّه وللشّورى متى اعترض الرّيب فيّ مع الأوّل منهم ، حتّى صرت اقرن إلى هذه النّظائر لكنّى أسففت إذ أسفّوا ، وطرت إذ طاروا ، فصغى رجل منهم لضغنه ، ومال الآخر لصهره ، مع هن وهن ، إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه ، بين نثيله ومعتلفه ، وقام معه بنوا أبيه يخضمون مال اللَّه خضمة الإبل نبتة الرّبيع ، إلى أن انتكث فتله ، وأجهز عليه عمله ، وكبت به بطنته . فما راعنى إلَّا والنّاس كعرف الضّبع إلىّ ، ينثالون علىّ من كلّ جانب ، حتّى لقد وطىء الحسنان ، وشقّ عطفاى ، مجتمعين حولى كربيضة الغنم فلمّا نهضت بالأمر نكثت طائفة ، ومرقت أخرى ، وقسط آخرون كأنّهم لم يسمعوا كلام اللَّه حيث يقول : * ( ( تِلْكَ الدَّارُ الآْخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ ولا فَساداً والْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) ) * بلى واللَّه لقد سمعوها ووعوها ، ولكنّهم حليت الدّنيا في أعينهم ، وراقهم زبرجها . أما والَّذى فلق الحبّة ، وبرأ النّسمة لو لا حضور الحاضر وقيام الحجّة بوجود النّاصر ، وما أخذ اللَّه على العلماء أن لا يقارّوا على كظَّة ظالم ، ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها ، ولسقيت آخرها بكأس أوّلها ، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندى من عفطة عنز . قالوا : وقام إليه رجل من أهل السواد عند بلوغه إلى هذا الموضع من خطبته فناوله كتابا ، فأقبل ينظر فيه ، قال له ابن عباس رضى اللَّه عنهما : يا أمير المؤمنين ، لو اطردت خطبتك من حيث أفضيت . فقال : هيهات يابن عبّاس ، تلك شقشقة هدرت ثمّ قرّت قال ابن عباس : فو اللَّه ما أسفت على كلام قط كأسفى على هذا الكلام أن لا يكون أمير المؤمنين عليه السلام بلغ منه حيث أراد .
قوله عليه السلام في هذه الخطبة : كراكب الصعبة ان اشنق لها خرم وان اسلس لها تقحّم . . . يريد انّه اذا شدّد عليها في جذب الزمام وهى تنازعه راسها خرم انفها ، وان ارخى لها شيئا مع صعوبتها تقحّمت به فلم يملكها ، يقال : اشنق الناقة اذا جذب راسها بالزمام ودفعه ، وشقّها ايضا ، ذكر ذلك ابن السكيت في اصلاح المنطق ، وانّما قال عليه السلام : اشنق لها ، ولم يقل اشنقها لانّه جعله في مقابلة قوله : اسلس لها ، فكانّه عليه السلام ، قال : ان رفع اشنق لها بالزمام يعنى : امسكه عليها .
اقول : انّ هذه الخطبة وما يشبهها مما يتضمّن شكايته في امر الخلافة قد انكرها جماعة من اهل السنة حتّى قالوا : انّه لم يصدر عنه عليه السلام شكائه في هذا الامر اصلا ، ومنهم من نسب هذه الخطبة خاصّة الى السيّد الرضىّ رحمه اللَّه . والحق انّ ذلك افراط في القول لانّ المنافسة التي كانت بين الصحابة في امر الخلافة معلومة بالضرورة لكلّ من سمع اخبارهم ، وتشاجرهم في السقيفة ، وتخلَّف عليّ ووجوه بنى هاشم عن البيعة امر ظاهر لا يدفعه الَّا جاهل او معاند ، واذا ثبت انّه عليه السلام نافس في هذا الامر كان الظَّن غالبا بوجود الشكاية منه ، وان لم يسمع ذلك منه ، فضلا عن ان الشكاية بلغت مبلغ التواتر المعنوىّ فى الالفاظ لشهرتها ، وكثرتها تعلم بالضرورة انّها لا تكون باسرها كذبا بل لا بدّ ان يصدق بعضها فثبتت فيه الشكاية على انّ هذه الخطبة نقلها من يوثق به من الادباء والعلماء قبل مولد الرّضى بمدّة ووجدت بها نسخة موثوقا بنقلها ، عليها خطَّ الوزير ابن الفرات وكان قبل مولد الرّضىّ بنيف وستّين سنة ولنرجع الى المتن[1].
فنقول : المراد بفلان ابو بكر . وفي بعض النسخ لقد تقمّصها ابن ابى قحافة ، والضمير في تقمّصها راجع الى الخلافة لعهدها او لسبق ذكرها ، واستعار لفظ التقمّص لتلَّبسه بها . والواو في « وانّه » واو الحال ، ومثّل نفسه منها[2]بالقطب من الرحا في انّها لا تستقيم بدونه ، واكَّد ذلك بالكناية عن علوّه وشرفه مع فيضان العلوم والفضائل عنه
[1]يراجع بشأن مصادر الخطبة الشقشقية كتاب الغدير 7 - 82 - 87
[2]في ش : فيها .
بوصفين من اوصاف الجبل المنيع العالى وهما كونه ينحدر عنه السيل ولا يرقى اليه الطير .
وسدلت اى : ارخيت دونها ثوبا كناية عن احتجابه عن طلبها بحجاب الزهد فيها والاعراض عنها .
وقوله : وطويت عنها كشحا ، كناية : عن امتناعه منها كالماكول المعاف الذى يطوى البطن دونه . والكشح بالفتح : الخاصرة ، وقيل : انّه اراد التلفّت عنها ، كما يفعل المعرض عمّن الى جانبه كما قال :
< شعر > طوى كشحه عنّى واعرض جانبا . . .
< / شعر > وقوله : وطفقت . الى قوله : عمياء ، اى : جعلت افكَّر في امرى هل اصول عليهم بيد جذّاء ، بالدال ، والذال ، اى : مقطوعة وهى كناية عن عدم الناصر له ، او ان اصبر على طخية عمياء ، اى : ظلمة لا يهتدى فيها للحق ، وكنّى بها عن التباس الامور في الخلافة قبله كناية بالمستعار وكنّى عن شدّة ذلك بقوله : يهرم ، الى قوله : ربّه ، واراد بكدح المؤمن فيها شدّة سعيه واجتهاده في لزوم الحق والذّب عنه . وقوله : فرايت انّ الصبر على هاتا احجى ، ترجيح لقسم الصبر على قسم المنافرة ، وهاتا لغة في هذى . واحجى : اليق ، اليق بالحجى وهو العقل لما في المنافرة من انشعاب عصا المسلمين اى : اجماعهم وايتلافهم مع غضاضة[1]الاسلام وكثرة اعدائه . والقذى : ما يقع في العين فيؤذيها كالغبار ونحوه .
والشجى : ما ينشب في الحلق من عظم ونحوه فيغصّ به ، وهما كنايتان عن الغمّ ومرارة الصبر والتألَّم من الغبن . وتراثه ، قيل : هو ما خلَّفه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله لابنته كفدك لأن مال الزوجة في حكم مال الرجل . والنّهب : اشارة الى منع الخلفاء الثلاثة لها بالخبر الَّذى رواه ابو بكر ( نحن معاشر الانبياء لا نوّرث ، ما تركناه فهو صدقة ) وقيل : اراد منصب الخلافة ويصدق عليه لفظ الارث كما في قوله تعالى : * ( ( يَرِثُنِي ويَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) ) *[2]اى : العلم ومنصب النبوّة . والماضي الاوّل : ابو بكر ، وسبيله طريق الاخرة وهو : الموت . وفلان بعده : عمر ، وادلى بكذا : ألقاه اليه ، وكنّى بذلك عن نصّ ابى بكر بالخلافة بعده . وامّا البيت فهو لأعشى قيس واسمه ميمون بن جندل من قصيدة يمدح بها
[1]الغضاضة : الضعف
[2]سورة مريم - 6 .
عامرا ويهجو علقمة اوّلها :
< شعر > شاقتك من قتلة اطلالها بالشط والوتر الى حاجر < / شعر > وحيّان ، وجابر ، ابنا السمين بن عمر من بنى حنيفة . وكان حيّان صاحب الحصن باليمامة سيّدا مطاعا يصله كسرى في كلّ سنة ، وكان في نعمة ورفاهية ، وكان الأعشى ينادمه ، واراد ما ابعد ما بين يومى على كور المطيّة أدأب ، وانصب في الهواجر ، وبين يومى منادما حيّان اخا جابر وادعا في نعمة وخفض .
وروى انّ حيّان ، عاتب الاعشى في تعريفه بأخيه فاعتذر انّ القافية جرّته الى ذلك فلم يقبل عذره . واليوم الاوّل ، رفع بانّه فاعل اسم الفعل ، والثاني عطف عليه ، وعرض البيت تمثيل حاله بحاله القائل ، والفرق بين ايّامه مع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم ، وحاله معه في العزّة وقرب المنزلة والحصول على العلوم ومكارم الاخلاق ، وايّامه فى القوم وحاله من المتاعب والمشّاق ومقاساة المحن . وقيل : اراد الفرق بينه وبين القوم فى ظفرهم وفوزهم به ، وفوات مطلوبه هو وحصوله على الحرمان والمشقّة .
وقوله : فيا عجبا الى بعد وفاته ، الضمير راجع الى ابى بكر واستقالته هو قوله : ( اقيلونى فلست بخيركم )[1]ووجه التعجّب هو استقالته منها في الحياة لثقلها مع تحمّله لها فى الممات ايضا بعقدها لغيره . واللَّام في « لشدّ » للتأكيد واستعار لها لفظ الضرع لشبهها بالناقة وانّما وصف تشطَّره ، وهو اخذ كل منهما شطرا ، لاشتراكهما في امر الخلافة ، واخذهما لها فكأنّهما اقتسماها اقتسام الحالبين اخلاف الناقة . والحوزة : الناحية : وكنّى بها بوصف خشنها عن طباع عمر ، فانّها كانت توصف بالجفاوة وبغلظ كلمها : عن غلظته فى المواجهة بالقول وغيره . والكلم : الجرح ، وبخشونة مسّها : عن عدم لينه لمن يلتمس منه امرا ، وبكثرة العثار والاعتذار منها : عما كان يتسرّع اليه من الاحكام ثم يعاود النظر فيها فيجدها غير صائبة فيحتاج الى العذر منها كقصّة المجهضة وغيرها .
والضمير في « منها » يعود الى الحوزة ، وقوله : فصاحبها اى : انّ المصاحب لتلك الطبيعة الغليظة الخشنة كراكب الناقة التي لم ترض .
وقوله : ان اشنق ، الى قوله : تقحم ، هو : وجه الشبه ، والمعنى : انّ مصاحبه ان اكثر انكاره ما يتسرّع اليه ادّى الى مشاقته ، و
[1]هذا القول متواتر عن ابى بكر . الغدير 7 - 128 بطرق صحيحة ثابتة .
فساد الحال بينهما ، وان سكت عنه ادّى ذلك الى الاختلال بالواجب ، كما انّ راكب الصعبة ان اشنق لها ووالى جذب الزمام في وجهها خرم انفها ، وان أسلس لها في قيادها تقحّمت به في المهالك ، وركبت به العسف . وقيل : الضمير في صاحبها يعود الى الخلافة ، وصاحبها هو من تولَّى أمرها ، ووجه شبهه براكب الصعبة انّ الخليفة يحتاج الى مداراة الخلق وجذبهم عن طرفى الافراط والتفريط الى حاقّ الوسط فلا يشدّد عليهم في طلب الحق التشديد الموجب لعجزهم وقصورهم وفساد الامر بينه وبينهم ، كمن اشنق الصعبة ولا يهملهم فيتّعدوا الواجب ويهلك بهلاكهم كمن اسلس لها . وقيل : اراد بصاحبها نفسه لانّه ايضا بين خطرين ، امّا ان يبقى ساكتا عن طلب الأمر فيتقحّم بذلك فى موارد الذلّ كما يتقّحم مسلس قياد الصعبة . وامّا ان يتشدّد في طلبه فيشق بذلك عصا الاسلام فيكون كمن اشنق لها فخرم انفها .
وقوله : فمنى الناس اى : ابتلوا ، واستعار لفظ الخبط والشماس وهو : نفار الدابة والتلوّن ، والاعتراض وهو المشى في عرض الطريق لما كان يقع من تغيّر اخلاق الرجل واختلاف حركاته ، كالفرس الذى لم يرض ، وقيل : اراد ما ابتلى به الناس من تفرّق الكلمة واضطراب الامر لذلك بعد رسول اللَّه عليه السلام . والمدّة : مدّة البلاء وشدّة المحنة لفوات حقّه .
وقوله : حتّى مضى ، اى : الثاني ، والجماعة الذين جعلها فيهم هم اهل الشورى .
والشورى : مصدر كالنجوى ، وخلاصة خبرهم : انّه لما طعن عمر دخلت عليه وجوه الصحابة وسألوه ان يستخلف رجلا برضاه ، فقال : لا احبّ ان اتحمّلها حيّا وميتا ، فقالوا : الَّا تشير علينا فقال : ان احببتم فقالوا : نعم ، فقال : الصالحون لهذا الامر سبعة وهم : سعيد بن زيد ، وانا مخرجه منهم لانّه من أهل بيتى ، وسعد بن ابى وقّاص ، وعبد الرحمن بن عوف ، وطلحة ، وزبير ، وعثمان ، وعلَّى . فامّا سعد فيمنعنى منه عنفه ، ومن عبد الرحمن انّه قارون هذه الامّة ، ومن طلحة فتكبّره ، ومن الزّبير فشحّه ، ومن عثمان حبّه لقومه ، ومن علىّ حرصه على هذا الأمر ، وأمر أن يصلَّى صهيب بالناس ثلاثة ايّام ، ويخلوا الستة في بيت ثلاثة ايّام فان اتّفقت خمسة على رجل وابى واحد قتل ، وان اتّفقت ثلاثة وأبت ثلاثة فليكن الناس مع الثلاثة الذين فيهم عبد الرحمن .
ويروى : فاقتلوا الثلاثة الذين ليس فيهم عبد الرحمن . فلما خرجوا واجتمعوا للأمر ، قال عبد الرحمن : انّ لى ولسعد من هذا الامر الثلث فنحن نخرج انفسنا منه ، على ان نختار خيركم للامة فرضى القوم غير علىّ ، فانّه قال : أرى وانظر . فلما أيس عبد الرحمن من رضى علىّ رجع الى سعد ، وقال له : هلمّ نعيّن رجلا فنبايعه ، والناس يبايعون من بايعته ، فقال سعد : ان بايعك عثمان فانا لكم ثالث ، وان اردت ان تولَّى عثمان فعليّ احبّ الَّى . فلما أيس من رضى سعد رجع فأخذ بيد عليّ فقال : ابايعك على ان تعمل بكتاب اللَّه ، وسنّة رسوله ، وسيرة الشيخين ابى بكر وعمر ، فقال : تبايعنى على ان اعمل بكتاب اللَّه ، وسنّة رسوله ، واجتهد برأيى فترك يده .
واخذ بيد عثمان ، وقال له : مقالته لعلىّ ، فقال : نعم فكرّر القول على كلّ منهما ثلاثا ، فأجاب كل بما اجاب به اوّلا فبعدها . قال[1]عبد الرحمن : هى لك يا عثمان وبايعه ثم بايعه الناس .
ثمّ اردف حكاية الحال باستغاثة اللَّه للشورى ، والاستفهام على سبيل التعجّب وعروض الشك للناس في مساواته بالاوّل ، الى ان قرن بالجماعة المذكورين في الفضل والاستحقاق . وأسف الطائر : قارب الأرض بطيرانه ، وكنّى بذلك عن مقاربته لهم ، واتباعه ايّاهم في مرادهم ، والصغو : الميل ، والضغن : الحقد ، والذى ضغن هو سعد ، لانّه كان منحرفا عنه عليه السلام ، وتخلَّف عن بيعته ، بعد قتل عثمان ، والذى مال لصهره هو عبد الرحمن وكانت بينه وبين عثمان مصاهرة لانّ عبد الرحمن كان زوجا لامّ كلثوم بنت عقبة بن ابى معيط ، وهى اخت عثمان لامّه اروى بنت كريز .
وقوله : مع هن وهن يريد انّ ميله لم يكن لمجرّد المصاهرة بل لاسباب اخرى كنفاسة عليه ، أو حسد له فكنى بهن وهن عنها . وثالث القوم : عثمان ، والحضن : الجانب ، والنفج : كالنفخ . والنثيل : الروث . والمعتلف : ما يعتلف به من المأكول ، وكنّى بذلك عن انّه لم يكن همّته الَّا التوسّع ببيت المال ، والاشتغال بالنعم بالمآكل والمشارب ، ملاحظا في ذلك تشبيهه بالبعير والفرس المكرم . وبنو أبيه : بنواميّة وكنّى بالخضم وهو : الاكل بكلّ الفم عن كثرة توسّعهم بمال المسلمين كما نقلناه في الاصل .
وكنّى بانتكاث فتله عن انتقاض الامور عليه ، وما كان يبرمه من الآراء دون الصحابة . و
[1]فى ش : فقال .
استعار لفظ الاجهاز الذى يفهم منه سبق الجراح والاثخان بضرب ونحوه لقتله المسبوق بمشق اسلات الاسنة ، وكذلك وصف الكبو الَّذى هو حقيقة في الحيوان : لفساد امره بعد استمراره كالكبو بعد استمرار الفرس من العدو . وكنّى ببطنته عن : توسّعه ببيت المال ايضا . واسند الكبو اليها لانّها السبب الحامل على فساد امره ، والواو في « والناس » للحال ، وخبر المبتدأ محذوف دلّ عليه متعلَّقه وهو اليّ اى : مقبلون ونحوه ، وفاعل راعنى امّا ما دلت عليه هذه الجمل من المصدر ، اى : فما راعنى الَّا اقبال الناس اليّ وانثيالهم عليّ . والانثيال : تتابع الشيء يتلو بعضه بعضا وهو كقوله تعالى : * ( ( ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الاْياتِ لَيَسْجُنُنَّه ) *[1]) وامّا الجملة الاسميّة وينثالون : امّا حال من راعنى ، او خبر ثان للمبتدأ والاشارة الى حال الناس وقت بيعته ، وشبّههم في ازدحامهم عليه يومئذ يريدون بيعته ، بعرف الضبع في تكاثفه ، وقيام شعره .
والعرب تسمّى الضبع عرفا لعظم عرفها . والحسنان ولداه عليهما[2]السلام . وقيل : الابهامان والحسن الابهام وانشد للشنفرّى : مهضومة الكشحين خرماء الحسن .
اراد انّهم وطئوا ابهاميه ، وشقّوا عطافه ، وهو ردائه المجتبى به . وروى عطفاى وهما : جانبا ردائه او جانبا قميصه . ومجتمعين حال وشبّههم بربيضة الغنم وهى القطعة المجتمعة رابضة لاجتماعهم حوله . والطائفة الناكثة : اصحاب الجمل لنكثهم بيعته .
والمارقه : الخوارج لمروقهم من الدين كمروق السهم من الرميّة وهو لفظ الخبر النّبوى .
والقاسطون اصحاب معاوية لبغيهم . والقسط : الخروج عن سنن العدل ، وحليت : زانت .
وقوله : اما والَّذى الى آخره ، : اشارة الى الاعذار الحاملة له على قبول الخلافة بعد تخلَّفه عنها .
وفلق الحبة : خلقها ، وقيل : هو : شقّها الَّذي في وسطها ، وقد نبّهنا على الحكمة فيه فى الأصل . واشار الى ثلاثة اعذار وهو حضور الحاضرين لمبايعته . وقيام الحجّة عليه بوجود الناصرين للحق معه . وما اخذ على العلماء من العهد على انكار المنكر والامر
[1]سورة يوسف - 35
[2]في ش بزيادة : الصلاة .
بالمعروف عند التمكَّن . والمقارة : الموادعة والمسالمة . والعذران الاولان شرطان فى الثالث . وكنّى بكظَّة الظالم وهى : بطنته وشبعه عن قوّة ظلمه لانّ قدرته مظنّة ذلك ، وبسغب المظلوم وهو : جوعه عن كونه مظلوما . والضمير في حبلها وغاربها للخلافة ملاحظا في استعارتها : تشبيه الخلافة بالناقة . وكنّى بذلك عن تركها كارسال الناقة لترعى اى : كنت اترك آخرا كما تركت اوّلا . والفيت الشيء : وجدته . والعفطة : الحبقة ، وقيل : العطسة . ويفهم منه انّه عليه السلام كان مطالبا للدنيا لكن ليس لها بل لنظام الخلق ، وامتثالا لأوامر اللَّه في اجراء امورهم ، على قانون العدل كما هو مقصود بعثة الانبياء وانزال الكتب . واطردت مقالتك ، اى : اجريتها . وافضيت وصلت و « لو » للتحضيض . والشقشقة : اللحمة التي تخرج من فم البعير عند هياجه .
4 - ومن خطبة له عليه السلام بنا اهتديتم في الظَّلماء ، وتسنّمتم العلياء ، وبنا انفجرتم عن السّرار ، وقر سمع لم يفقه الواعية ، وكيف يراعى النّبأة من أصمّته الصّيحة ، ربط جنان لم يفارقه الخفقان ، ما زلت أنتظر بكم عواقب الغدر ، وأتوسّمكم بحلية المغترّين سترنى عنكم جلباب الدّين ، وبصّرنيكم صدق النيّة ، أقمت لكم على سنن الحقّ في جوادّ المضلَّة حيث تلتقون ولا دليل ، وتحتفرون ولا تميهون ، اليوم أنطق لكم العجماء ذات البيان ، غرب رأى امرىء ، تخلَّف عنّى ، ما شككت في الحقّ مذ أريته ، لم يوجس موسى عليه السّلام خيفة على نفسه : أشفق من غلبة الجهّال ودول الضّلال . اليوم تواقفنا على سبيل الحقّ والباطل ، من وثق بماء لم يظمأ .
اقول : استعار لفظ الظَّلماء للجهل الحاجب لأبصار البصائر عن ادراك الحق ، ووصف التسنّم لما حصلوا عليه من شرف الاسلام وعلوّ الرّتبة ، ووصف الانفجار لظهورهم في انوار الاسلام من شرار الشرك . والسرار : الليلة والليلتان في آخر الشهر يستتر القمر فيهما و