بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 12

أحقيّة الفرقة الناجية والمتمسّكة بالقرآن بين المذاهب الإسلاميّة الاُخرىٰ.

وممّا لا شك فيه أنّنا نجد كلّ مذهب يتمتّع برؤى وعقائد يتفرّد بها ويسير وفقها ، مع حُسبانه أنه الحائز للمكانة الرفيعة بين الفرق ، وقد أشار القرآن إلىٰ هذه الحقيقة بقوله تعالى :(كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)[١].

ومن الواضح أنّ المرء يفرح بما لديه ويطمئن بمذهبه مالم يتضح له بطلان ماهو عليه ، ولكن حينما يعي الضمير المتيقظ والعقل السليم فساد مذهبه ، وعندما يستبصر المرء ليعتنق مذهباً آخر بعد التعقّل والتأمّل ، حينئذ يدرك المرء أنّه كان مخدوعاً بسراب كان يمنعه ويعيقه من التوجه نحو النبع حينما كان يبحث عن منهل يروي تعطّشه ، ويدرك أنّه كان يتخبّط في حركته تائهاً حيراناً.

إن القرآن الذي أنزله الله سبحانه وتعالىٰ علىٰ رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلميمتاز بمكانة ومركزيّة رفيعة ، ويمتلك شموليّة تامّة ، يتمكّن بها أن يحيط بكافة الحقائق ويسعه أن يكون هادياً للبشريّة كافة ، إذ تتمكّن كلّ طائفة وأُمّة أن تنتفع منه وأن تحمل منه زاداً لحركتها في

[١]المؤمنون : ٥٣.


صفحه 13

الحياة.

وممّا يثير الانتباه في المسلمين أنّهم مع كلّ ما يمتلكون من الثروة الثقافيّة والعلميّة الطائلة التي تلقوها من القرآن والتعاليم الزاهرة والمشرقة لهذا الدين ، فإنهم لم يفكروا باستخدامها كما هو المطلوب ، أو أنهم قلَّ ما انتفعوا منها لتلقي واستيعاب الحقائق والشؤون الضرورية للحياة الدينيّة.

وفي الحقيقة فإنّ المسلمين قلّما استعانوا بكتاب الله عزّ وجلّ وقلَّما نهلوا منهج الحياة من هذا الركن السديد وهذا المنهج الرباني الخالد.

وفي هذا الخضم نجد أعداء الاسلام بعدما اعترتهم الخيبة واليأس من محاربة الدين الاسلامى الحنيف وكتاب الله عزّ وجل ، حاولوا تجربة سبل متعدّده واحدة تلو الأُخرى للاطاحة بالاسلام ، فالتجؤوا إلى توسيع نطاق الاختراق والاقتحام في أوساط المجتمعات الاسلامية والاندساس فيما بينهم ليشغلوا المسلمين بمختلف الوسائل المتاحة بأُمور وقضايا واهية وغير مثمرة لا جدوى فيها.

لكن علماء المذاهب الاسلامية بادروا على ضوء سعة مستواهم الفكري وممتلكاتهم العلمية وعلى أساس مرتكزاتهم


صفحه 14

الاعتقادية وتمشّياً مع مبانيهم المذهبية ، إلىٰ تأدية مهمّتهم بإعداد أبحاث مختلفة في شتى مجالات العلوم القرآنية وبيان فضائله وإيضاح أحكامه المشرقة التي تعتبر ركناً أساسياً في تشريع الأحكام.

وكما يستفاد من آراء ونظريات ذوي الاختصاص في شتّىٰ مجالات الفروع العلميّة ، انتقى علماء الدين وكبار الفضلاء ممّا قدّم الأوائل وبيّنوا ما توصلوا إليه بأُطر صالحة وأوعية متناسبة.

وتزامناً مع ازدياد وتعدّد المدارس الكلامية نشأ النزاع والتشاحن حول الآيات القرآنية ، واندلعت مشاجرات لفظيّة ، تبعها التكفير ، وأُصدرت أحكام وفتاوى ثقيلة من قبل أحدهم على الآخر ، وتخاصم أصحاب الرأي والاجتهاد مع أهل الحديث ، وتعرّض مذهب الاعتزال للأشاعرة ، ونشأ اشتباك وتصادم فكري عنيف من قبل أهل الحجاز مع مفكري بغداد ، وكلاهما مع أهل البصرة ، وتصدى هؤلاء الثلاثة لمخالفة مذهب أهل البيتعليهم‌السلام.

وأدّى ذلك لينكب كلّ منهم على مجموعة من الآراء والمعتقدات ، يعول عليها ولا يتجاوزها إلىٰ غيرها.

ووقفت الأنظمة السياسيّة الحاكمة في القرن الأول والثاني والثالث وقوفاً تاماً إلىٰ جانب هذه التكتلات المتسمة بالطابع


صفحه 15

العلمي ، والتي كانت السبب الأساسي لنشوء معظم المشاجرات والخصومات الكلامية في تلك الفترة ، فكانت تحفزهم وتحرضهم على ذلك.

ولا تزال وبعد مضي القرون المتمادية مسألة إيقاد النزاع والخلاف والمشاجرات في أوساط المسلمين عبر إثارة القضايا المبهمة والمشكوكة التي تمهّد الارضيّة لوقوع التفرقة بين الناس والتي تركت آثارها المرّة علىٰ المجتمع الإسلامي ، كما وأنها سلبت منهم التعايش السلمي والترابط الأخوي الذي دعى إليه حجج الله وسفراء العدالة والصدق في ظل مناهجهم السماوية السامية التي جاؤوا بها إلىٰ البشرية.

وفي خضم هذه الصراعات والآراء المتضاربة والمختلفة التي طرحت في المائة الأخيرة كانت الانظار متوجهة إلى فئتين قد انشغلتا بالمشاجرات العقائدية أكثر من الفئات الاُخرى ، والملحوظ أنهما قد تركتا آثاراً متعددة تعبّر عن معتقداتها المذهبيّة.

وممّا لا شك فيه أن الانشغال الذهني بالأُمور والقضايا الهامشيّة يعتبر أفضل فرصة للذين يستهدفون الوصول إلىٰ غاياتهم ومآربهم الخاصة ، ليتمكنوا من خلالها أن يحققوا مبتغياتهم بصورة كاملة.


صفحه 16

والجدير ذكره في هذا المقام أن الطوائف والفرق المخالفة للمذهب الإمامي قد روّجت الافتراءات والتهم الباطلة بأشكال مختلفة وبشتىٰ الوسائل والادعاءات علىٰ أتباع هذا المذهب ، وأثاروا مسألة الدفاع عن القرآن والذب عنه ، بغية الوصول إلى دعم حججهم وماهم عليه ، للتظاهر بأنهم هم المتفردون بدعم ونصرة القرآن الكريم.

وبما أن هذه الندوة تستهدف بيان مسألة اختصاص مذهب الامامية وتفرده عن سائر المذاهب الاسلاميّة في التمسك بالقرآن والالتزام بحاكميته ، فحريّ أن لا أُطيل عليكم أكثر من هذا ، ولندخل معاً في صميم الموضوع.

وقبل أن نشرع بالبحث ، تبدو جملة من الايضاحات المختصرة حول الأدلة الأربعة في تشريع الأحكام ضروريّة ، أشير إليها بصورة مجملة ومختصرة.


صفحه 17

الأدلة الأربعة في التشريع

جُعلت قواعد أدلة الأحكام الشرعية أربعة أركان أصلية ( الكتاب ، السنة ، العقل والاجماع ) وهي التي تُسمّى بالأدلّة الأربعة وتُتخذ ركائز تبنى عليها مناهج البحث.

وفي هذا المجال وقع الاختلاف بين المذاهب الإسلامية في تعيين مصداق كلّ من هذه الأُصول الأربعة ، فعلى سبيل المثال جُعل القياس مكان العقل بين أوساط أبناء العامة ، واعتبر مؤهلاً للعمل به ، ونجد المذهب الحنفي يتمتع بمستوى رفيع لتلقيه والأخذ به بصورة لا يحظى بها المذهب الشافعي ، ولم يصل إلى ذلك الحدّ.

أما الأُصول الثلاثة الأُخرى ، فيتفق المذهب الامامي فيها مع أبناء العامة في اللفظ ، وينتهج كلّ منهم في الاخذ بكلّ من هذه الأُصول الثلاثة مذهباً وطريقاً خاصاً ينتهي في بعض الاحيان إلى


صفحه 18

التباين والافتراق فيما بينهم.

فعلى سبيل المثال : إن الامامية تثق بالاجماع الذي يستكشف منه رأي وقول المعصومعليه‌السلام، وهذه الصورة مما لا نجدها بين أوساط أبناء العامة بالنسبة إلى الاجماع ، وإنما نجدهم يكتفون في ذلك بحديث مجموعة يُعتمد علىٰ قولهم.

أما الركائز الأساسية والرئيسيّة الأخرى فهما الكتاب والسنة :

الكتاب

يعتبر الكتاب السماوي ـ كمصدر أساسي في تشريع الأحكام عند كافة المذاهب الإسلامية ـ بأنه يمتاز بالأسبقية والأفضلية الخاصة عند جميع المذاهب ، وتليه المصادر الأخرى في مكانة تتأخر عنه ، وهذا مما لا يمكننا أن نستبدله بصورة أخرى ، إذ السنة أيضاً تستقي حجّيتها من الكتاب ، وتستقي حجيتها وفقاً لحكمة الله سبحانه وتعالىٰ ، وأيضاً فالأنبياء وأوصياؤهم إنما وجبت طاعتهم على ضوء أوامر القرآن الكريم.

إن القرآن الكريم بصفته خاتم الكتب السماوية وأكمل دستور رباني ، يعتبر أوّل ركيزة أساسية من الأصول الأربعة ، وإن آياته تتمتع بثروة هائلة تستطيع أن تمد مصادر التشريع بالأحكام


صفحه 19

المرتبطة بشؤون الفرد والجماعة.

وبما أن صدور القرآن الكريم من عند الله سبحانه وتعالىٰ أمر مفروغ منه ومسلّم به ، يجد المتمسك بأحكامه المشرقة من هذا المنطلق أن يوليه الثقة والانقياد له ، وأن يكون متمسكاً وملتزماً بأوامره ونواهيه.

وحيث أن هذا الكتاب السماوي يعتبر البرنامج الالهي الأخير المُنزل من قبل الله سبحانه وتعالىٰ لهداية البشريّة ، فيتحتم أن تستوعب أحكامه كافة الفترات الزمنية اللاحقة للعمل به والانتفاع منه ، والبطون المتعددة للقرآن تكفي ليكون له على امتداد العصور والقرون المصاديق البارزة والواضحة علىٰ أرض الواقع ، واتصاف القرآن بالبطون المتعدّدة جعلت دلالة آياته ظنية ، وجعلته مؤهلاً لحمل أوجه ومعاني تلك البطون.

ومن جهة أُخرى أثبتت ضرورة وجود المبيّن والمبلّغ للقرآن هذه الحقيقة بأن الآيات القرآنية ليست بذلك المستوى الذي يستوعبها أو يفطن إلىٰ مغزاها الجميع ، وعندئذ يبرز بوضوح ضرورة وجود من يرفع الحاجة بتبيينه وتفسيره.

وكما قيل إن مسألة وجوب وضرورة وجود المبيّن للقرآن